أيّ حريريّة يا شيخ سعد؟

نبيه البرجي

ليقل لنا الرئيس سعد الحريري ماذا يعني بـ«الحريرية» التي يخشى عليها من أعدائها؟ في أغرب قول له (الأكثر غرابة) أنه قرر اقامة ذكرى 14 شباط في بيت الوسط «لتكون الرسالة الى من يحاول تسكيره، وهم أنفسهم الذين حاولوا انهاء رفيق الحريري».

ما نعلمه أن هناك من أتهم الرئيس الراحل باقفال البيوتات السنية الكبرى، من آل سلام، الى آل الصلح، الى آل كرامي...

لعل أحدهم نقل الى الشيخ سعد ما قاله وزير الخارجية الفرنسية السابق ايرفيه دو شاريت، في سهرة ضيقة في بيروت أعقبت احتفالاً جامعياً: «آفة الديمقراطية في لبنان التوريث». لم يكن يتصور أن لبنان الذي هو نتاج فرنسي (بصورة أو بأخرى نتاج ديكارتي) يمكن أن يذهب، في بنية السلطة، باتجاه القبلية المشرقية لا باتجاه الحداثة الغربية».

الظاهرة التي لا نظير لها في الدنيا. التوريث لا يقتصر على المقعد النيابي، ولا على المقعد الوزاري، ولا على رئاسة الحزب، بل يشمل زعامة الطائفة. أليست هذه حال سعد الحريري الذي رصيده، حتى الساعة، أنه ابن رفيق الحريري؟

لا أحد يمكن أن يشكك في دماثة رئيس تيار المستقبل. ولكن، ألا يقول الأشقاء انه هو من دمر ارث أبيه؟ غالبية الحكومات التي تشكلت منذ عام 2005 كانت تحت المظلة الحريرية. الحقبة السوداء التي كرست مغارة علي بابا.

حادثة درامية تظهر الفارق بين الأب والابن. التغطية السعودية للرئيس رفيق الحريري كانت من دون حدود.الابن احتجز، وأرغم على الاستقالة، ولولا التدخلات الدولية لما كان لأحد أن يعرف مصيره. أين هي الحريرية في هذه الحال؟

اللوثة القبلية في لبنان تجاوزت اللوثة الشائعة في المنطقة والتي تعود الى القرون الوسطى. هي، حتماً، الى اندثار. رأينا تجربة كارلوس ادة في حزب الكتلة الوطنية. ورأينا تجربة سامي الجميل. بالرغم من كل الصياح، لم يتمكن من ايصال أكثر من 3 نواب الى ساحة النجمة. سمير جعجع الذي انقضّ على حكم السلالة(Dynasty) أتى بـ 15 نائباً من مختلف المناطق.

التوريث ليس آفة الديمقراطية في لبنان. هو القاتل لدولة القانون ولدولة العدالة في لبنان.

هل شاهدتم أي رئيس حكومة، أي وزير، في اسرائيل ورث المقعد عن أبيه؟ أين ابن جمال عبد الناصر، وأين ابن شارل ديغول، وأين ابن ونستون تشرشل، واين ابن فرنكلين روزفلت، وأين ابن جوزف ستالين؟

اذا كانت هناك من حريرية سياسية، وتشكل فلسفة لأي نظام، فلتكن في ضمير الناس لا في الابن، ولا في حجارة بيت الوسط. ماذا، اذاً، باستطاعة الرئيس سعد الحريري أن يقول في ذكرى أبيه؟

لا شيء سوى التأجيج الطائفي، والتأجيج القبلي. أين كان على امتداد الخمس عشرة سنة المنصرمة، وماذا تحقق في الحدود الدنيا لمنطق الدولة؟ الكهرباء. الماء. فرص العمل واطفاء الدين العام. هو السؤال الذي يوجه بالأصابع العشر، بالأظافر العشر، الى سائر أركان اللوياجيرغا...

الرئيس الحريري تنحى حين لاحظ أن الدولة بدأت بالانهيار (يا للبطولة!). لماذا لم يستقل قبلاً، ولماذا لم يستقل الآخرون، ليتركوا أي فرصة للانقاذ بدل أن يمارسوا هوايتهم التاريخية في تعليب الناس داخل صناديق الاقتراع؟ الأتباع، والأزلام، الى ساحة النجمة.

اسألوا خبراء القانون الدستوري مايقولونه في الصوت التفضيلي. رولان دوما، الرئيس السابق للمجلس الدستوري في فرنسا، قال «هذه البدعة لم ترد في خيال أي ديكتاتور في التاريخ». إذا كان لكم أن تعرفوا من امتطى ظهورنا وساقنا الى الجحيم.

ليت الرئيس الحريري يلغي خطابه «المفصلي» في ذكرى أبيه. الفاتحة تكفي...