• اخر تحديث : 2021-01-15 03:31
news-details
المقترحات الاعلامية

بعد أيام من تجديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعهده بسحب العدد القليل المتبقي من الجنود الأميركيّين في العراق، انسحبت قوات التّحالف الدّولي بقيادة الولايات المتحدة من قاعدة التاجي العسكريّة شمال بغداد صباح أمس الأحد، وسلّمت الموقع الرقم 8 في قاعدة التاجي العسكرية إلى قوات الأمن العراقية.

ويُعدّ معسكر التّاجي هو ثامن موقع يتمّ تسلمه منذ مطلع العام الجاري من قوّات التّحالف بعد انسحاب الأخير من سبع قواعد في العراق قبل أشهر، وهي: قاعدة القائم في محافظة الأنبار، والقيارة في الموصل، وكي وان في كركوك، والقصور الرئاسية في الموصل، وقاعدة التقدم في مدينة الحبانية في محافظة الأنبار، وانتقلت إلى قاعدتي حرير في أربيل وعين الأسد في الأنبار، والمقر الاستشاري لـ(الفرنسيين) في منطقة أبو غريب غرب العاصمة بغداد، وقاعدة بسماية في أطراف بغداد.

ولأهمية القضية، تضع الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين بين أيديكم مجموعة من المقترحات للتعامل مع القضية في الخطاب الإعلامي، وذلك ضمن النقاط التالية:

أولًا ـ تسليط الضوء على قرار الانسحاب الأميركيّ من قاعدة التاجي العسكرية في العراق في التوقيت والحيثيات والأسباب وتداعياته على الوجود الأميركيّ في العراق والمنطقة.

من حيث التوقيت ربط بعض تحليلات الانسحاب بعدد من المعطيات، بينها:

ـ الجلسة الثانية من الحوار الاستراتيجي العراقي ـ الأميركي في واشنطن لجهة أن المطلوب هو توجيه رسالة دعم سياسي لرئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، وتقوية موقفه أمام ما يتعرض له من ضغوط بشأن خروج القوات الأميركية، على اعتبار أن قرار البرلمان الداعي لانسحاب القوات الأجنبية من العراق ملزم لحكومة الكاظمي.

ـ اغتيال القائدين سليماني والمهندس من جهة، وهزيمة تنظيم "داعش" من جهة ثانية عزّزا وتيرة المطالبة بخروج القوات الأميركية الذي كان ولايزال موضع جدل بين مؤيد ورافض.

ـ فشل إدارة ترامب في مواجهة أزمة فيروس الكورونا وبالتالي تفقد القدرة على مواكبة النفقات العسكرية التي تؤدي إلى التراجع في النفوذ الاستراتيجي العالمي وفقا لنظرية المفكر بول كيندي التي قدمها في كتابه (Rise and Fall the Great Power. مشيرًا إلى أن أزمة الكورونا تسببت بمزيد من الانقسام الداخلي حول سياسات ترامب. فضلًا عن ابتعاد الولايات المتحدة عن تقاليد النظام العالمي الخاصة بها؛ إذ يشكك ترامب في قيمة التحالفات الأمريكية، ويفرض رسوم تجارية على الجميع، ويتخلى عن دعم حقوق الإنسان والديمقراطية في الخارج، كما انسحب من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني)، واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، ومعاهدة القوى النووية متوسطة المدى، واتفاقية باريس بشأن تغير المناخ، وهذا ما أشار إليه مجلس العلاقات الخارجية  Council on Foreign Relations  في التقرير الخاص الذي أعدّه روبرت د. بلاكويل  والباحث في معهد بروكينجز توماس رايت في أيار\ مايو 2020، وهو بعنوان "نهاية النظام العالمي والسياسة الخارجية الأميركية". 

وفي ذات السياق، منح استهداف القوات الاميركية وحلفائها في العراق، يضرب مصداقية الولايات المتحدة في رؤيتها لدور أكبر لحلف شمال الاطلسي في الشرق الأوسط؛ فمع خروج قوات التحالف الدولي والقوات الاميركية من العراق سينتهي دورها حتمًا.

هذا الانسحاب يعزّز دور فصائل المقاومة والشعب العراقي في رفض وجود القوات الأميركية المحتلة في العراق. هذا الانسحاب يأتي استجابة لقرار البرلمان العراقي الذي صادق بتاريخ الخامس من كانون الثاني \ يناير الماضي على قرار من خمسة إجراءات من ضمنها مطالبة الحكومة العراقية بالعمل على إنهاء تواجد أي قوات أجنبية على الأراضي العراقية، وإلزام الحكومة بإلغاء طلب المساعدة من التحالف الدولي لمحاربة "داعش".

ثانيًا ـ الاضاءة على أهمية قاعدة التاجي العسكرية استراتيجيًا ولوجستيًا وأمنيًا بالنسبة إلى القوات الأميركيّة؛ فمن حيث الموقع تقوم قاعدة التاجي في قضاء التاجي الذي يعدّ أحد المواقع الإستراتيجية الستة التي يتشكل منها حزام بغداد الأمني. وتظهر منطقة التاجي الاستراتيجية على الخريطة في الجزء الأوسط من العراق لتحتل موقعًا استراتيجيًا كونها الأقرب إلى العاصمة، وبعد الاحتلال عمل على تطوير هذه المنطقة الأميركي وحدّث مطارها وحصّنها، وأنشأ بعض المعامل في داخلها.

قاعدة التاجي، ولسنوات احتفظت بسمعة قوية في الشرق الأوسط كأكبر قاعدة عسكرية وأكثرها تقدماً في العراق، خاصة ما يرتبط بعمليات صيانة الدبابات وإصلاحها. تم بناؤها في عهد صدام حسين، وكانت تتبع للحرس الجمهوري العراقي.

وهي تحولت إلى قاعدة عسكرية أميركية ضمن إحدى أكبر القواعد العسكرية في العراق على بعد نحو 35 كلم شمال العاصمة بغداد. وتُعدّ مركزًا مهمًا للتموين والدعم اللوجستي، وتتواجد فيها 53 آلية عسكرية تتوزع بين ناقلات جنود ومدرعات ودبابات. وتضم مطارًا وقاعدة عسكرية ضخمة ومستودعات للصواريخ ومخازن للذخيرة، وهي تشبه إلى حد كبير قاعدة بلد الجوية (قاعدة البكر الجوية سابقاً) التي تشكل واحدة من أكبر القواعد العسكرية الجوية في مدينة بلد في محافظة صلاح الدين شمال بغداد، وتتخذها القوات الأميركية مقرًّا لها للتحكم والسيطرة في طلعات طائرات 16F .

هي أكبر قاعدة عسكرية، فضلاً عن كونها أكبر القواعد العسكرية في الشرق الأوسط، مساحةً وتجهيزاً، إذ تشتمل على مؤسسات حلف الناتو، وكانت مركزًا لقوات مشاة البحرية الأميركية- المارينز حتى العام 2008، ومقرًا لمستودعات قوات الجيش الأميركي العاملة في بغداد، واحتوت على مراكز لصيانة المدرعات، وشملت العناصر الرئيسة المتمركزة في القاعدة على مر السنوات السابقة كتیبة طائرات الهليكوبتر الإسبانية، ومدربين عسكریین من أسترالیا وكندا وفنلندا وألمانيا والمجر وإيطاليا وهولندا ونيوزيلندا وبولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والناتو. كما ضمّت قرابة 2,000 فرد من أعضاء التّحالف الذين غادر معظمهم خلال صیف العام 2020.

ثالثًا ـ تأكيد أنّ قرار الانسحاب الأميركي هو أحد أهم انجازات محور المقاومة، وتطبيقًا لقرار إخراج القوات الأميركية من العراق والمنطقة، فقد تعرضت قاعدة التاجي وقواعد التحالف الأخرى لسلسلة هجمات على مدار الأشهر الأخيرة، الأمر الذي دفع القوات الأميركية في إطار إعادة التموضع إلى الانسحاب من مواقع وقواعد عسكرية عدة في العراق على مدى الأشهر الماضية. فقد تعرّضت قاعدة التاجي لسلسلة استهدافات بدءًا من العام 2019 حينما استهدفتها ثلاثة صواريخ كاتيوشا مساء الاثنين السابع عشر من حزيران، وارتفعت وتيرة الهجمات منذ اغتيال قائد فيلق القدس الشهيد قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في غارة جوية أميركية على مطار بغداد في الثالث من كانون الثاني\  يناير الماضي. كما تعرضت لهجوم صاروخي 8 مرات خلال العام الجاري: فقد تم استهدافها يوم 11آذار \مارس الماضي، وأسفر عن مقتل جندي ومتعهد اميركيين وجندي بريطاني، فضلا عن سقوط 14 جريح أميركي وبريطاني وبولندي ومن جنسيات أخرى، وتلاه الاستهداف الثاني للقاعدة بتاريخ 14 آذار \مارس الماضي، وأسفر عن اصابة عنصرين من القوات الاميركية كما أعلن البنتاغون آنذاك.

وتحت وطأة هذه الضربات أعلنت القوات البريطانية العاملة ضمن ما يدعى التحالف الدولي في العراق عن انسحابها من قاعدة التاجي العسكرية؛ ولفتت وزارة الدفاع البريطانية في بيان لها (16 تموز 2020) إلى أن "التهديد الذي يواجه التحالف في العراق حقيقي للغاية، إذ تتعرض بعض المواقع لهجمات منتظمة غير مباشرة بالنيران، ففي وقت سابق من هذا العام، أدى هجوم من هذا النوع الى حادث مأساوي تمثل بوفاة نائب عريف برودي جيلون، وهي ملاحظ فني تعمل في الطبابة القتالية في قوات الاحتياط، انه تذكير صارم بالمخاطر التي يتحملها جنودنا ونساؤنا كل يوم".

وبالتزامن مع انسحابه من قاعدة التاجي، تعرض رتل لوجستي أميركي أمس الأول السبت، لهجوم بالعبوات الناسفة في الغزالية غرب بغداد. وما استهداف القواعد العسكرية سوى مؤشر على مقاومة الاحتلال الأميركي في العراق.

رابعًا ـ التركيز على أهمية قرار الانسحاب في ظل التحولات الجيو-استراتيجية التي تعيشها المنطقة منذ استشهاد القائد قاسم سليماني والمهندس ورفاقهما في بغداد، وتصويت البرلمان العراقي على قرار يلزم الادارة الأميركية بسحب قواتها من العراق، لأن موقف القوى السياسية والشعبية الرافضة يشكل تحديًا سياسيًّا أمام هذا الوجود، ولا يمكن تجاهله نظرًا لتأثير هذه القوى في العملية السياسية والقرار السياسي العراقي، والموقف الشعبي المتمثّل في الاحتجاجات الشعبية التي طالبت برحيل القوات الأميركية من العراق. وحاول المحتجون اقتحام السفارة الأمريكية في كانون الثاني\يناير 2020.

خامسًاـ الاضاءة على الدور العراقي حكومة ومقاومة فيما بعد قرار الانسحاب الأميركي والخطوات السياسية والعسكرية واللوجستية المتوقع اتخاذها بعد ذلك.

سادسًا ـ التركيز على البدائل التي ستعتمدها الادارة الأميركية ومؤسساتها العسكرية والامنية والاستخباراتية والادوات التي ستستخدمها لتأكيد وجودها واستمرارية نفوذها وهيمنتها في العراق والمنطقة.

هنا يشير بعض المحللين إلى أن القوات المنسحبة ـ ولضمان استمرار الوجود في قواعد دائمة في بلد يحتل مكانة استراتيجية مهمة في منطقة الشرق الأوسط وهو العراق ـ ستنتقل إلى القواعد العسكرية الأميركية الموجودة في كردستان، وهي قاعدة حرير في أربيل، وأخرى بالقرب من سنجار، والثالثة في مدينة حلبجة في السليمانية، وذلك لأن وجودها في هذه المدن بعيد عن مرمى الضربات الصاروخية القصيرة المدى (40-60 كلم).