مقدمة
هل يأخذ الصراع الاستراتيجي بين الغرب بمختلف تلاوينه الرأسمالية الأميركية والعنصرية الصهيو-أوروبية مع الجمهورية الإسلامية بعدًا استعماريًا جديدًا على الساحة العالمية. ناهيك عن دعم متواصل لكيان غاصب، والاستمرار في انتهاك محاولات قتل الوجود الفلسطيني بهويته وثقافته وأرضه وحياته في غزة والضفة. فيما الجمهورية ومنذ انطلاقتها تصر على عدم الاعتراف بالكيان الغاصب... كما وتؤكد دعمها حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه في فلسطين.
ما موقع نضال الجمهورية الإسلامية واصرارها على حق شعوب المنطقة، كما الشعب الإيراني، في الاستقلال والسيادة على الأوطان واستغلال الثروات السيادية في الصراع الناشئ بينها والغرب الذي يصر الغرب على عولمة الهوية الغربية / الاميركية واحتكار قرار الدول السيادي، خاصة تلك التي كان يستعمرها مباشرة في الماضي القريب والبعيد...
استطاعت الجمهورية أن تقيم علاقات مع شعوب المنطقة من أجل تحرر هذه الشعوب في حين يسعى الغرب للإطاحة بالدول المستقلة عنه في أميركا اللاتينية وآسيا وافريقيا... ما يطرح السؤال عما إذا كان تناقض المنهجية الاخلاقية والاستراتيجية والثورية الإيرانية مع ذهنية الغرب في الاستعمار والقتل الاستراتيجي لشعوب العالم حاضرة في الصراع. وفي ظل هذه الأوضاع الصراعية كيف تبدو صورة المنطقة في الحالتين: حالة الحرب أو المفاوضات الإيرانية الأميركية خاصة والغربية عامة؟
أسئلة ناقشتها حلقة نقاش نظّمتها الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين تحت عنوان: "إيران في المخيال الغربي"
أولاً: معطيات أولية حول اللقاء:
|
الزمان |
الخميس الموافق 12\2\ 2026 |
|
المكان |
تطبيق Zoom الإلكتروني |
|
المشاركون |
|
|
1 |
رئيس الرابطة د. محسن صالح |
|
2 |
أ. محمد مهدي شريعتمدار |
|
3 |
د. عبدالله صبري |
|
4 |
أ. رضوان قاسم |
|
5 |
د. حسن لافي |
|
6 |
أ. هادي قبيسي |
|
7 |
أمينة السر د. وفاء حطيط |
مداخلة د. محسن صالح:
بداية رحّب رئيس الرابطة د. محسن صالح بالسادة المشاركين، وقدم مداخلة، وفيها:
تأتي هذه الحلقة في ظل التهديدات الصهيو-أميركية للجمهورية الإسلامية، وانتصار الثورة الـ 47 ونزول الشعب الإيراني بمختلف فئاته ومستوياته: رئيس الجمهورية والقوى المسلحة وقيادتها والقيادة السياسية والعسكرية تأكيدًا لحق الجمهورية الإسلامية في متابعة مبادئها وسيرها نحو التحرر والسيادة والاستقلال، والتنمية والنهضة الحضارية التي هي أهل ومحل له.
الغرب واقع بين بعدين:
ـ البعد الحضاري الإيراني التاريخي
ـ دخول الجمهورية الإسلامية بعد سقوط الشاه والثورة الشعبية الهائلة الأولى في العالم ربما التي استطاعت تخطي كل حواجز الأيديولوجيا والاقتصاد والسياسة، وحتى التقنيات الحديثة، وبقيت على قوتها واستمرارها، وقيادتها لقوى التحرر ليس في المنطقة فقط ، بل في العالم، وهذا رتب الكثير من التحولات في العقل الغربي، وكيف يتعامل مع ايران ليديم سيطرته على المنطقة وغيرها من المناطق، وبقيت الجمهورية الإسلامية مركزًا للتطور الحضاري والفكري، والتحرري في العالم، ولكل قوى التحرر في العالم علاقات ودية وتعاون مع الجمهورية الإسلامية، وهي تشعر باحتضان الجمهورية الإسلامية لها من خلال مواقفها وسياساتها واستراتيجيتها وتنمية قواتها في المجالات كافة.
نحن نتحدث عن دولة تحاصَر وتُشن عليها كل الحروب، وتبقى قوية وصامدة على الرغم من كل المؤامرات والحروب، هذه العلاقات وهذه المستويات من السياسات تحتاج إلى تعمق في الدراسة لماذا قوة الجمهورية الإسلامية؟، ولماذا الغرب عاجز عن فهم أنموذج هذه الثورة، وهذه القيادة، وطريقة التفكير في الجمهورية الإسلامية؟
لغاية الآن هذا الغرب خاصة الولايات المتحدة لم يستطع مخياله فهم ثقافة الشعب الإيراني والقيادة الإيرانية في التعاطي مع قضايا المنطقة. هناك منهجية جديدة لم تحصل في المنطقة من ثورات وطنية وتحررية. هذه تحتاج الى دراسة طبيعة هذه العلاقة، وتطور هذه العلاقة، وما الذي تعنيه من ناحية الثقافة السياسية لجهة الصمود، هذا أمر تاريخي في غاية الأهمية ومنه تُرسَم باقي الاستراتيجيات والقضايا الإعلامية، وحتى المفاهيم الثقافية التي تقود السياسة ومصيرها.
تمثل الجمهورية الإسلامية اليوم عالم المستضعفين بحقوقهم ومبادئهم وثقافتهم ووجودهم؛ وبالتالي كل ما يمكن القيام به الآن هو محاولة على الأقل التقاء وجهات النظر حول طبيعة الصراع ما بين الغرب وكل القوى العالمية التي تئن من الهيمنة والوحشية الغربية والأميركية، فالجميع الآن يعاني من فلسطين ولبنان إلى إيران، ومن آسيا إلى أفريقيا.
مداخلة أ. محمد مهدي شريعتمدار:
بداية أشكر الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين هذه المبادرة الطيبة في هذه الذكرى العطرة الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية في إيران كما وأبارك للجميع هذه الذكرى، ونحن بالأمس حقيقة شاهدنا في طهران والكل في إيران في أكثر من 1400 مدينة في إيران، وحتى في القرى الإيرانية النائية شهدنا حضور أبناء الشعب الإيراني الجماهيري دفاعاً عن هذه الثورة، والحضور كان أكثر بكثير من السنوات السابقة، وعبر عن تحد الشعب للتدخلات الأجنبية وما حصل في الأيام الأخيرة في إيران.
سأذكر بعض النقاط حول الثورة الإسلامية في إيران وما حققته في الحقيقة، هذه الثورة كما عبر الإمام الشهيد الصدر حققت حلم الأنبياء وغيرت مسارات التاريخ وغيرت المعادلات السياسية في المنطقة وموازين القوة في هذه المنطقة لتحقق أنموذجاً حقيقيًا للحكم الإسلامي الذي كنا دائماً نطمح إليه، تمهيداً لبناء حضارة إسلامية جديدة، حضارة إسلامية إنسانية بامتياز، ويمكن أن تكون هذه الحضارة تمهيداً لعصر الظهور ظهور الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف.
يعني ما حققته الجمهورية الإسلامية في إيران أولاً الأنموذج الإسلامي للحكم وفق مدرسة أهل البيت، وفقه مدرسة أهل البيت انتقل بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران من مرحلة المعارضة إلى مرحلة السلطة وحقق أنموذجاً ناجحاً إلى حد كبير ، وتحقيق الاستقلال والحرية، وكانت هناك محاولات سابقاً للبقاء بعيداً عن المعسكرين مجموعة السبع وسبعين وعدم الانحياز وما إلى ذلك، لكن بقيت ضمن الشعارات التي تطرح، إيران حققت ذلك على أرض الواقع، وجسدت هذا الأمر لاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة ، إذ وقفت إيران وحلفاؤها في وجه الغطرسة الأميركية والمحاولات الأميركية لفرض هيمنتها الأحادية على المنطقة والعالم. واستطاعت أن تُفشّل أو تؤجل تحقيق الكثير من المشاريع الشرق أوسطية، الرامية إلى إعادة هندسة المنطقة، وحتى لو إذا قلنا أن هذه الثورة لم تحقق كل أهدافها، لكنها استطاعت على الأقل أن تعرقل المخططات الأميركية، والدفاع عن المستضعفين في العالم وعن القضايا العادلة، وعلى رأسها قضية فلسطين، وإعادة قضية فلسطين إلى مسرح الصراع الجيوسياسي والميداني في هذه المنطقة، وتشكيل بناء القوة؛ فإيران قامت بسلسلة خطوات:
الخطوة الأولى بناء القوة، وهي اليوم تمتلك قوة ردع يُحسب لها الكثير من الحسابات، وهي جعلت الأطراف الأخرى تدرس مدى إمكانية الهجوم العسكري وجدواه ـ كما نعيشه اليوم ـ وأدى الرد الحاسم والقاطع الذي قامت به الجمهورية الإسلامية ضد الكيان الصهيوني إلى أن يطالب المهاجم بوقف إطلاق النار وفرض معادلة أو ميزان قوة جديد في المنطقة يحسب له ألف حساب.
الخطوة الثانية بناء تحالف إقليمي سمي محور المقاومة الذي وعلى الرغم من الكثير من الضربات التي تحملها لكنه لايزال حياً، لم تتمكن الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني لغاية الآن من تحقيق ما يريدونه لهذا المحور.
الخطوة الثالثة هي التصدي للمخططات والتهديدات بواسطة جناحي قوة الردع ومحور المقاومة في المنطقة.
المهم في كل ما تحدثنا عنه هي أننا قادرون، بمعنى أن الثورة الإسلامية في إيران قدمت أنموذجاً للعالم والمستضعفين يقول إننا قادرون على التغيير، قادرون على فرض إرادتنا، قادرون على تحقيق أو تقرير مصيرنا بأيدينا، قادرون على أن نكون مستقلين عن القوى العظمى، وأن نحقق أهدافنا، طبعاً هذه المسيرة لها مشاكلها لها صعوباتها لكن في النهاية صمدت واستمرت إيران وهذا هو العنصر الذي أدى إلى استلهام الشعوب في المنطقة من هذه الثورة وكل ما يسمى بتصدير الثورة هو ناتج عن هذه النقطة.
لو أخذنا في الاعتبار ما حصل بعد الهجوم والرد الإيراني على الكيان الصهيوني لو قام بعض الدول أو بعض المؤسسات الدولية وبعض الجهات باستطلاعات رأي في دول المنطقة وشعوبها سنرى بوضوح تطور مكانة إيران وسمعتها لأنها كانت الوحيدة التي وقفت بوجه الكيان الصهيوني ، واليوم إيران تقف بوجه الغطرسة الأميركية، فالإدارة الأميركية تحاول أن تستحوذ وتسيطر على مصادر الطاقة في هذه المنطقة ولا رادع لها، وأثبتت أنها لا تهتم لا بالقانون الدولي، ولا بأحكام المنظمات الدولية، ولا بحقوق الإنسان، ولا بالعلاقات الدولية ولا بالعلاقات الثنائية، ولا بأي شيء ولا بالاتفاقيات الدولية، لذلك من الذي يمنع أو من يضمن أن لا تأتي الولايات المتحدة التي حاولت السيطرة على مصادر الطاقة في فنزويلا وأماكن أخرى، وتحاول أن تسيطر على مصادر الطاقة في منطقة الخليج الفارسي ولا رادع أمامها، واليوم إيران وحدها هي التي تقف بوجه هذه الغطرسة الأميركية، وأتصور أن الدول في المنطقة قد أدركت ذلك أن إيران هي الوحيدة التي بإمكانها أن تقف بوجه التمدد الصهيو -أميركي.
طبعا يمكننا أن نتحدث عن الكثير من الإنجازات:
التطور العلمي الذي حصل في إيران والتغيير في الكثير من المؤشرات العلمية الاقتصادية الاجتماعية الثقافية السياسية في إيران، لا مجال لذلك كله لكن كل ذلك من المزمع أو تحاول الثورة الإسلامية في إيران والمقاومة في المنطقة تيار الدفاع عن المستضعفين يحاول أن يؤسس ويبني حضارة إنسانية جديدة تختلف كلياً مع الحضارة التي رأيناها مع مخرجات الحربين العالميتين.
ـ كشف ازدواجية المعايير: كشفت ايران أكذوبة ما أملي علينا خلال العقود الأخيرة ما بعد الحربين العالميتين وإفرازاتها، أكذوبة الحضارة الغربية، أكذوبة حقوق الإنسان، أكذوبة القانون الدولي ومخرجات الحربين العالميتين، تصور أن هذا المد الإسلامي الثوري المقاوم المدافع عن المستضعفين وإرادة الشعوب وحق تقرير المصير يقف في وجه غطرسة الاستكبار، وهو من شأنه أن يؤسس لحضارة إسلامية إنسانية عالمية بامتياز يمكن أن تقف بوجه الحضارة الغربية.
من هنا فالمسألة اليوم لم تعد إيران فقط، بل إن المنطقة والعالم كله أمام منعطف ولحظة تاريخية مصيرية ووجودية والصراع أصبح صراعًا استراتيجيًا وحضاريًا وإنسانيًا بامتياز، والمسألة اليوم لم تعد فقط موقع نضال إيران وإصرارها على حق شعوب المنطقة بالسيادة وعدم التدخل الأميركي ورفض الإملاءات الأميركية، وحق التطور والتنمية وما إلى ذلك؛ بل هناك رؤية استشرافية، فالتقارير الأميركية تقول أن مركز ثقل السلطة والثروة انتقل من الغرب إلى الشرق، وبالتحديد إلى آسيا على الرغم من كل الاختلاف الموجود في آسيا فكريًا ودينيًا وسياسيًا، وأنظمة الحكم.
لكن على آسيا بالصين وروسيا والهند وإيران والقوى الصاعدة ليس في آسيا بل في الشرق بشكل عام عليها أن:
ـ تستعد لإيجاد النظام العالمي الجديد الذي سيكون لها الدور الأكبر
ـ أن تستعد لمواجهة الغطرسة الأميركية، وهيمنة الدولار الأميركي على اقتصادات العالم، وإنهاء هذه الحالة وصولًا إلى نظام عالمي تعددي أكثر عدالة من ذي قبل. وهذا هو الدور الذي يجب علينا نحن المسلمين المقاومين أن نسعى إليه، وأن نستشرف المستقبل برؤية أبعد إلى قضايا العالم.
بعدما تحدثنا عن تغيير المعادلات وموازين القوى في المنطقة نحن نعلم أن ميزان القوة في المنطقة أميركيًا وصهيونيًا تعني التفوق الصهيوني المطلق فقط وفقط، وليس في الجانب الميداني والعسكري والاستراتيجي فحسب؛ بل في مختلف الشؤون الاقتصادية والسياسية والعلمية، وألا تتحقق نهضة حضارية علمية إسلامية في العالم الإسلامي في محيط الكيان، وألا يكون هناك جيش أقوى من الجيش الصهيوني، أو ما يمكن أن يعادل جزء من قدراته.
لذلك لاحظنا المبادرات الأميركية الاستكبارية لكبح جماح إيران ولن تتمكن من ذلك، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة ارادت الولايات المتحدة فرض هيمنها الأحادية على المنطقة والعالم والوحيد الذي وقف في وجهها هو ايران والمشروع المقاوم الذي وقف في وجه المشروع الاستكباري الاحتلالي التطبيعي الانبطاحي والمشاريع التي طرحت مشروع الشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد وركوب موجة حركات الصحوة الإسلامية والربيع العربي، والبعض يقول انها كانت صنع أميركي وعلى الأقل أن الولايات المتحدة حاولت ان تركب هذه الموجة واثارة بعض الفتن الداخلية.
مداخلة د. عبدالله صبري:
نبارك للشعب الإيراني وقيادته السياسية ذكرى الثورة الإسلامية، هذه الثورة العظيمة غيرت الموازين في العالم، وهذا التغيير الكبير هو بسبب موقف الغرب منها، تنظر الدول الاستعمارية وعلى رأسها الولايات المتحدة إلى هذه الثورة الإسلامية من منطلق أنها ثورة جاءت في دولة من دولة عالم الثالث، ودول العالم الثالث في نظر الغرب وأميركا تمثل شعوبًا ملحقة بالحضانة الغربية، وأنها لا يمكن أن تكون ندًّا للغرب، بل ملحقة به؛ ولهذا كانت كلها تقريبًا تخضع للاحتلال والوصاية لأكثر من قرن من الزمن حتى جاءت فترة التحرر ما بعد الحرب العالمية الثانية، بينما إيران لم تكتف بالاستقلال الشكلي، بل قامت بثورتها الإسلامية لتؤكد هذا الاستقلال عن الغرب والشرق، عندما رفعت شعار لا شرقية ولا غربية.
نظرة إلى كيفية تعامل الغرب مع نظام الشاه قبل الثورة الإسلامية تكفي لنرى الازدواجية في المعايير، وفي التعامل مع دول العالم الثالث، ومع شعوب أمتنا العربية والإسلامية، بما في ذلك الشعب الإيراني؛ فعندما كانت إيران تحت حكم نظام الشاه كانت تحظى بدعم الغرب، وموقف إيجابي من العرب. وكان الشاه شرطي المرور لأميركا في منطقة غرب آسيا، وكانت العلاقات جيدة سياسيًا واقتصاديًا بين الغرب وإيران، بل أراد الشاه أراد أن يلحق إيران بالثقافة الغربية التي هي الضد من هوية الأمة الإيرانية وتاريخها وحضارتها الإسلامية، ولهذا عندما قامت هذه الثورة بقيمها الدينية الأخلاقية ومبادئها الثابتة والراسخة تنكّر الغرب لإيران واعتبر إيران الثورة خطرًا على مشاريعه وعلى الهيمنة الأميركية والغربية في منطقتنا.
من الملفات التي يمكن ذكرها هنا، وشكلت عاملًا مهمًا في ما يتعلق بالعلاقة بين إيران والغرب هو الملف الفلسطيني، فالقضية الفلسطينية كانت قضية إشكالية بالنسبة لعلاقة الغرب بالدول العربية والإسلامية؛ لكن إيران حسمت أمرها من اليوم الأول للثورة المباركة عندما أعلنت وقوفها إلى جانب القضية الفلسطينية وأغلقت سفارة الكيان الصهيوني وفتحت بدل منها السفارة الفلسطينية؛ وكان الرئيس الفلسطيني هو أول رئيس يزور الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الأيام الأولى للثورة، هذا الموقف الواضح والمباشر في دعم القضية الفلسطينية هو الذي جعل الغرب ينظر لهذه الثورة بأنها ثورة مختلفة وثورة على الضد من سياسة الغرب ومنهجيته؛ وبالتالي عمل على محاولة احتوائها من خلال صناعة حرب كبيرة استخدموا فيها نظام صدام حسين، وكانت الحرب العراقية الإيرانية على مدى ثمان سنوات، تلك الحرب التي كانت بالسلاح الاميركي وبالدعم العربي للأسف الشديد كانت تستهدف احتواء الثورة الإيرانية والحيلولة دون وصول أهدافها، ودون تحقيق استقرار هذه الدولة.
الملف الثاني المهم الذي وجدنا فيه الثورة الإسلامية تصطدم مع الغرب هو ملف الإرهاب؛ لأن الغرب أراد أن يلحق الارهاب بالإسلام ولم يصدر عن إيران، كانت إيران دائماً ضد الجماعات التكفيرية الارهابية في المنطقة؛ وكانت بوصلتها هي القضية الفلسطينية، وعندما حركت أميركا الإرهاب بمختلف أدواته القاعدة وداعش وغيرها تدخلت إيران إلى جانب العراق.
تبعاً للموقف الإيراني المؤيد للقضية الفلسطينية كان لا بد أن تكون إيران الى جانب المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان. وهذه المقاومة شكلت عامل توازن حقيقي في مواجهة الكيان الصهيوني بعد خروج مصر من الصراع العربي الاسرائيلي وتوقيع اتفاقات كامب دايفيد. والمفارقة أنه في العام الذي خرجت مصر به ووقعت السلام مع الكيان الصهيوني عام 1979 كان العام نفسه الذي قامت فيه الثورة الإسلامية الإيرانية، وحلت إيران بدل مصر في المواجهة المباشرة مع الكيان ودعم المقاومة الفلسطينية. ووصل هذا الدعم إلى لبنان، وأمكن للمقاومة اللبنانية ممثلة بحزب الله أن تحقق أول انتصار عسكري مباشر وحقيقي وكامل غير منقوص على الكيان الصهيوني عام 2000. في حين لم يكتمل انتصار الجيوش العربية، خاصة مصر وسوريا عام 73 لأنه جرى بعده تفاهمات سياسية، وتم تحويل النصر إلى هزيمة سياسية للأسف الشديد. بينما كان انتصار العام 2000 انتصاراً عسكرياً وسياسياً، وكان هذا الانتصار برسم المقاومة الإسلامية حزب الله التي كانت إيران تدعمها ولاتزال.
فضلًا عن أن المواقف الغربية والأوروبية بشكل كامل تتأثر بالموقف الأميركي. منذ بداية الثورة الإسلامية الإيرانية ومسألة الرهائن الأميركيين التي شكلت أزمة في حينها ولكن فشلت الولايات المتحدة في تحرير الرهائن بالقوة ما شكل علامة فارقة في العلاقة بين واشنطن وطهران، علماً أنه في الفترات السابقة كانت هناك مواقف وطنية إيرانية لتأميم النفط ومحاولة الخروج من أي تدخل أو هيمنة أميركية وهذا أيضاً جعل الغرب ينظر إلى إيران بأنها دولة تقدم أنموذجاً مختلفاً في المنطقة، أنموذجًا ملهمًا لدول العالم الثالث، أنموذجًا يقوم على مبادئ وثوابت واضحة وهوية إسلامية ليس لها علاقة لا بالمعسكر الشرقي ولا بالمعسكر الغربي؛ بل هي رؤية واتجاه مختلف، ولها بصمة واضحة الثقافية والسياسية والاقتصادية.
وينظر الغرب أيضاً إلى إيران الأنموذج الذي قدم أيضاً تجربة اقتصادية في إطار الاكتفاء الذاتي في التصنيع والزراعة، بل أيضاً الاكتفاء الذاتي في التسليح؛ وهذه مسألة جوهرية جداً، لأن الغرب الإمبريالي يريد من شعوب أمتنا أن تكون أسواق استهلاكية للمنتجات الغربية، وأن تكون دولها ضعيفة لا تقدر أن تدافع عن نفسها، وعندما يأتي التدخل الخارجي يأتي بدون أثمان، بينما إيران بقوتها العسكرية وضعت حداً لكل الاطماع الخارجية بالدولة والثورة الإيرانية.
لا ننسى أن المواقف التي تواجه إيران سواء المواقف السياسية، أو العسكرية تندرج بشكل أساسي تحت تأثير الصهيونية العالمية، وترى الصهيونية العالمية ضرورة إضعاف الإسلام، لأنها تجد فيه الخطر المحدق بها، ولهذا تتجه نحو محاصرة الثورة الإسلامية الإيرانية، وهي التي وجهت الحرب 12 يوماً على إيران، وهي التي الآن تحرك واشنطن باتجاه حرب جديدة، لكن هيهات لهم ذلك الشعب الإيراني والثورة الإسلامية الإيرانية كما قدمت تجربة مميزة في هويتها واتجاهها تقدم ملحمة من الثبات والصمود على مدى نصف قرن.
مداخلة أ. رضوان قاسم:
أولاً يجب علينا أن نعرف أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لها ثلاث خصائص أو أربعة خصائص ربما تكون مختلفة عن كل دول العالم، الخصائص التي يمكن أن تبين لنا ماهية هذه الجمهورية وكيف نشأت وكيف بدأت، نعم كان هناك نظام ملكي إمبراطوري حاكم ظالم بكل المقاييس والمعايير ونحن نعرف أن الحكم الفردي إجمالاً يكون خارج عن نطاق الديمقراطية والحرية وإلى ما هنالك ومصلحة الشعوب؛ بل هو إما يكون عائلياً، أو فردياً لشخص معين وإلى ما هنالك، وهذا كان مجتمعاً في المجتمع الإيراني.
الخاصية الأولى للجمهورية الإسلامية الإيرانية هي انتقالها من الحكم الملكي السلطوي الفردي لشخص ما، أو عائلة ما إلى انتقال على أن يكون حكم دولة، لكن أي نوع من هذه الدولة؟ : دولة إسلامية برلمانية. وهذا الذي قد يكون أنموذجاً خارج نطاق المألوف، يعني لم نعهد دولًا إسلامية بالعمل الإسلامي، يعني تعمل بالقانون والدستور الإسلامي، بالإضافة إلى البرلمانية والديمقراطية والتعددية الحزبية وما إلى هنالك، هذا نوع من الأنموذج الجديد في العالم والسياسات الدولية التي تتبع، هذا الانتقال حقيقة كان أنموذجاً فريداً من نوعه كما ذكرنا: من حكم الإمبراطورية إلى الدين الإسلامي.
الخصوصية الأخرى التي كانت ظاهرة في هذه الجمهورية منذ تأسيسها حيث أعلنت أنها لا شرقية ولا غربية، بل دولة إسلامية فهذا أيضاً أنموذج لم نعهده من قبل لا في الحرب العالمية الأولى، ولا في الحرب العالمية الثانية وما بعدها حينما انقسم العالم: فإما أن يكون شرقياً شيوعياً واشتراكياً وغيره، أو أن يكون دولاً رأسمالية؛ لكن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنبتت نفسها من بين كل هذه الصراعات التي كانت قائمة لأن تكون أنموذجاً فريداً من النوع اللا شيوعي واللا اشتراكي واللا رأسمالي؛ بل إسلامي برلماني ديمقراطي كما ذكرنا، هذا الأنموذج حقيقةً أدهش العالم، لأن العالم كان من المفترض أن يقول أن أي دولة ممكن أن تنشأ جديد يجب أن تلجأ إلى إما الغرب أو الشرق حتى يدعموها ويقفوا إلى جانبها، إلا هذه الدولة كانت فعلاً خصوصية لها لم نجدها في مكان آخر، بالإضافة إلى مسألة مهمة أنها دولة إسلامية لكن غير نمطية على غرار ما عهدناها في دول إسلامية كثيرة التي كانت إما ملكية، أو أميرية، وحتى لو كانت برلمانية أو ديمقراطية إلى حد ما بين هلالين، إنما لها أنموذج باهت ليس النظام الإسلامي فيها مكرسًا كنظام وتشريع بنظام الدولة، خاصة أنه نظام إسلامي لم نعهده بعد خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كنظام إسلامي شيعي.
كلنا عهدنا وعايشنا وتدرسنا وتعلمنا أن هناك أنظمة إسلامية لكن حتى من عهد الأمويين إلى العباسيين إلى الفاطميين إلى غير ذلك لم نعهد أن هناك نظاماً شيعياً ملتزماً الإمامة الإثنى عشرية يحكم بهذا العالم إلا في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وكانت فترة قصيرة كلنا يعلم ذلك وأتت هذه الجمهورية لتظهر نموذجاً جديداً من الإسلام الذي لم يكن معروفاً أصلاً عند العالم، يعني هذه الخصوصية جعلت من الجمهورية الإسلامية الإيرانية حقيقةً أمر غير مختلف غير النمط الذي عشناه مع كل الأنظمة والدول التي تعايشنا معهم.
من ناحية أخرى والخصوصية أيضاً المهمة جداً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية عدا عن أنها انتقال من الملكية إلى الإسلام البرلماني والديمقراطي، هناك أنموذج جديد لم نعهده في دولة، وأنا لم أر ولم أقرأ عن دولة عاشت أو تعيش كما هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال مسائل مهمة جداً: الأنموذج القومي زائد الديني زائد الوطني، إنه أنموذج فريد فسيفساء جعلتها الجمهورية الإسلامية كلها في إطار واحد، ونحن نعرف أن هناك دول قومية كثيرة، وحتى في الدول الغربية هناك قوميات تقيم دولاً تختلف مع دول أخرى كثيرة؛ لكن أن تجتمع الدولة الدينية مع القوميات المتعددة والمختلفة بالإضافة إلى أن تجمعها كلها بالوطنية، هذا أمر فعلاً كان غريبًا بعض الشيء.
نحن نعرف أن في إيران هناك الفارسي الكردي الطاجيكي والكثير من القوميات التي يفترض أن يكون في أي دولة أن يشعل حروبًا وخلافات فيما بين هذه المقاطعات وهذه القوميات بالإضافة إلى المسألة الدينية فهناك المسيحي واليهودي والمسلم السني والشيعي وما إلى ذلك اجتمعوا كلهم ضمن هذه الدولة؛ لكن كلا الطرفين القومي والديني اجتمعا في دائرة واحدة هي الوطنية، بمعنى آخر عندما نشهد الملايين التي تخرج اليوم بغض النظر أكانوا مع النظام، أو ضده فقط لأن عدواناً خارجياً يأتي من الخارج على هذه الدولة، فيخرج الملايين بكل أطيافهم القومية والدينية تحت شعار الوطني؛ وهذا الأنموذج لم نعهده في دولة أخرى، لأننا كثيرًا ما نعيش أن تكون الخلافات قومية، أو خلافات دينية، أو ربما منتمية إلى شرق أو غرب بمعنى الأحزاب التي تتناقض فيما بينها في مكان ما.
لقد وضعت الجمهورية الإسلامية أنموذج حكم فريد من نوعه يجمع كل هذه الصفات تحت راية الجمهورية الإسلامية الإيرانية وهذا شيء لم نعهده من قبل. عندما نرى السيد الخامنئي يأتي إلى عائلة مسيحية مثلاً لمعايدتها بمناسبة عيدها أو أن يبارك لها شهادة، أو ذكرى شهادة ولدهم كان سقط شهيداً في الحرب التي كانت مفروضة على إيران أو غير ذلك، هذا النمط لم نشهده من قبل، مثلاً مع احترامي وتقديري لقداسة البابا، أو أي مرجعية دينية هل خرج إلى عائلة من طائفة أخرى، أو عايدها، أو بارك لها، او هنأها في عيده... هذا لم يحصل.
لقد جعل الأنموذج الإيراني من النظرة الدولية ـ من الشرق كانت أم من الغرب ـ على إيران على أنها منفردة ومختلفة عن كل النماذج، وهذا جعلهم حقيقةً يضعون أنفسهم أمام أحد أمرين: إما مواجهة هذه الدولة وإسقاطها، أو دعمها والوقوف إلى جانبها، لإسقاطها يحتاجون إلى إمكانية كبيرة جداً، وهم حاولوا منذ أن نشأت هذه الدولة بالحروب وبالحصار الاقتصادي ولم يفلحوا في ذلك، لكن إذا وقفوا إلى جانبها يريدون معرفة قدرة هذه الدولة على النمو والتقدم والتحضر، هل قادرة أم ستبقى تحت وصايتهم، تبين بما أنها لا شرقية ولا غربية ومحاصرة من أغلب الدول العالمية خاصة الغطرسة الأميركية والغرب، تبين أن هذه الدولة استطاعت أن تصل إلى مصاف الدول، سواء على الصعيد النووي، أو على صعيد الصواريخ والأقمار الصناعية العلمي والثقافي وغير ذلك، هنا وقع العالم في مشكلة أنه لا يستطيع أن يترك هذه الدولة تنمو، لأنها ستتقدم عليهم ولا يستطيع شنّ الحرب عليها لأنهم غير قادرين على إسقاط هذا الحكم، هذا ما نشهده اليوم على الساحة الدولية.
الوضع الحالي اليوم للجمهورية الإسلامية الإيرانية أمام شقين: شق يقف إلى جانبها من دون الدخول في صراعات أخرى من أجلها مثل الصين والروسي على سبيل المثال؛ طبعًا هناك دول أخرى على الحياد تقف على التل لترى أين سترجح الكفة. والشق الآخر هو المواجهة، اليوم الولايات المتحدة التي حاصرت هذه الدولة على مدى أكثر من 40 عامًا وفتحت عليها حروبًا كثيرة ذهبت إلى المواجهة المباشرة، ولم تستطع أن تصل معها إلى أي نتيجة سلبية، فما الذي حصل حتى اضطر الأميركي لأن يجلس على طاولة مفاوضات مع الإيراني، ويقول له نحن مستعدون للتفاوض معك، لكن الجمهورية لم تقبل إلا أن يكون التفاوض تفاوض الند إلى الند، هل سمعتم دولة في العالم الذي نعيش باستثناء الدول النووية (الصين وروسيا) تجلس على طاولة مفاوضات مع الأميركي انطلاقًا من معيار الندية، وهل هناك دولة أخرى في هذا العالم وقفت هذا الموقف باستثناء الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
إن الجمهورية الإسلامية بهذا الأنموذج الذي عاش أكثر من أربعين عامًا في مواجهة العالم وهذه الدولة هي مفتاح العالم الجديد الذي سيكون متعدد الأقطاب؛ فهي باب هذا العالم الرئيس، ومن دونها لا يمكن أن يكون عالماً جديداً متعدد الأقطاب، وهي أساسية وركيزة أساسية، لهذا أقول إن مستقبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية سيكون في مصاف الدول التي لا يمكن أن يغض الطرف عنها، أو تعد دولة إقليمية فقط يمكن تخطيها.
منذ وصول الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه الى ارض إيران كتب تاريخ عالم جديد بدأ منذ ذلك الوقت، لعالم لم يعد تستطيع الولايات المتحدة أن تحكم فيه؛ وبالتالي فوجود الجمهورية الإسلامية الإيرانية يعني نهاية الكيان الصهيوني، وفي المقابل فإن نهاية الحكم في إيران تعني سيطرة الكيان الصهيوني على الشرق الأوسط، بل وعلى الإقليم بشكل كبير. لهذا أقول نبارك لهذه الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أنها هي فعلًا بوابة للعالم المتعدد القطبية؛ وبالتالي تكون قد نجحت الرسالة التي أتى بها الإمام الخميني لجعل هذه الدولة دولة عالمية.
مفهوم الإسلام السياسي الحاكم الذي اعتادت الدول عليه هو "الإسلام الاستسلامي" ولم يعتادوا على اسلام مقاوم ومواجه للاستكبار والظلم والقهر والاستبداد، ولم يعتادوا على اسلام يقول للقوة "لا"، بل اعتادوا على اسلام ان يخضعوا ويسالموا ويهادنوا أي كان المستعمر او المحتل او الدول العظمى والأقوياء والمستبدين على انه هذا الإسلام.
هذا الأنموذج الجديد للمذهب الشيعي لم يحكم طوال الفترة الماضية، ولكن بعد ظهور الجمهورية الإسلامية الإيرانية فإن هذا المذهب الجديد على العالم بالنسبة لمفهومهم للإسلام وهذا الأنموذج الإسلامي الجديد لم يكن الا في عهد خلافة امير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب وانطلق ليقول ما هو الإسلام الحقيقي الرافض للظلم والهوان والاستسلام والاحتلال والقوة والجبروت، والثورة الإسلامية هي ليست مختصة للشيعة فقط، بل هي للعالم بأسره ما يبين الإسلام الحقيقي ووجهته في مواجهة الظلم والظالمين.
مداخلة د. حسن لافي:
بداية أشكر الاخوة في الرابطة على هذه الدعوة، وسماحها لنا ونحن في خيام الصمود والثبات في غزة أن نشارك الأمة الإسلامية، وليس فقط الشعب الإيراني هذه الذكرى السابعة وأربعين من الثورة. وأنا أعتقد أنها ليست ثورة إيرانية فحسب، بل ثورة إسلامية، بل ثورة إنسانية، رحم الله الإمام الخميني قدس الله سره ونال من الله ما يستحقه بخير وبركات، وهذه الثورة ليست حكرًا على الشعب الإيراني بل هي للمسلمين، وليست حكرًا على المذهب الشيعي؛ فهي للإسلام بكامله، هي ليست للمسلمين فقط، بل هي للإنسانية برمتها، وبكتابه "الحكومة الإسلامية" القيم وضع الإمام الخميني خطوات الخطوط العامة للثورة العالمية، وليس على مستوى الشرق الأوسط، أو غرب آسيا فقط
من هنا أنطلق من سؤال جديد الآن يطرح في الإعلام الإسرائيلي، وفي الإعلام الدولي بعد حرب الاثنى عشر يومًا التي جناها الكيان، ومن ثم شاركته الولايات المتحدة وصلوا إلى قناعة راسخة بأن الخلاف ليس مع إيران الكتلة الجغرافية، ليس مع إيران الدولة، بل إن مشكلتهم الأساسية مع إيران الثورة والحكم، ولذلك وضعوا بعد هذه الحرب خطة عريضة لهدف أكبر، وهو إسقاط الحكم، فلماذا إسقاط الحكم؟ سأتكلم به من نقطتين مركزيتين، لكن قبل ذلك لماذا الإشكالية ليس مع إيران؟، فإيران قبل العم 1979 كانت حليفة قوية مع الولايات المتحدة، وكان نظام الشاه شرطي لعصا الأميركي والصهيوني الغليظة في المنطقة،
إذن ما لذي تغير؟، ما لذي خلقته الثورة؟، ما الذي أحدثه الإمام الخميني رحمه الله وجعل الكيان الصهيوني وأميركا منذ سبعة وأربعين عامً يقاتلون الجمهورية الإسلامية في إيران؟، لماذا؟، لأمرين:
أولًا فكرة الممانعة : نتذكر حدثًا مهمًا جدًا عام 1972 فلأول مرة يوجد في الشرق الأوسط ثلاث قوى حليفة مركزية للولايات المتحدة : الكيان الصهيوني وتركيا ونظام الشاه في إيران؛ واستطاع الكيان الصهيوني وبمساعدة الولايات المتحدة في ذاك الوقت أن يدخل مصر الدولة التي قادت النظام العربي إلى حظيرة كامب ديفيد؛ وبالتالي هناك نوع من أنواع تدجين المنطقة التي أصبحت برمتها تحت السيادة والنفوذ الأميركي بشكل كبير، تفاجأت أميركا وتفاجأ المشروع الغربي بخروج هذا المعمم ويقود ثورة هي ثورة المستضعفين، ثورة المسلمين، ويخرج إيران التي كانت ولاتزال الجغرافيا الأهم والأكبر من حظيرة المهادنة والنفوذ الأميركي، وليصنع جبهة جديدة في ممانعة ومقاومة المشروع الأميركي في المنطقة.
من هنا بدأت الصدمة الأميركية، والكيان الصهيوني الذي كان الحليف المركز لنظام الشاه أصبح يُرفع في طهران الموت لإسرائيل والموت لأميركا، ولم تقف إيران عند هذا الحد، بل بدأت تشكل منذ اللحظات الأولى إعادة ربطها مع العالم الإسلامي والعالم المقاوم في المنطقة حتى مع علمانيي ويساريي المنطقة بعيدًا عن الحساسية، واستطاعت أن تفصل ما بين الأمور التي لها حساسية الماضي ما بين الإسلام والعلماني الإسلامي والقومي الإسلامي واليساري في بوتقة واحدة اسمها الإمام الخميني الأمة، وهذا المصطلح يجب أن نقف عنده كثيرًا في ندوات الأمة التي تحولت من هذه الفسيفساء التي كانت سايكس بيكو تريد تجزئتها إلى أن تصبح أمة واحدة كتلة لجبهة إسلامية عربية إنسانية في مواجهة إسرائيل ومواجهة أميركا.
وهنا بدأ الحديث عن أول مرة أن يصبح هناك حوضًا حضاريًا له نواة اسمها الجمهورية الإسلامية في إيران تبدأ أن تتشكل كمشروع مناهض لأميركا ليس في المنطقة فقط، ولكن في العالم. وهنا بدأ الأميركي ينظر إلى الخطر الذي تشكله إيران من هذه الزاوية، أنه الآن هذه إيران أهدافها لا تقتصر على جغرافيا الإيرانية، لا تقتصر على جغرافيا الخليج، لا تقتصر على جغرافيا الشرق الأوسط؛ بل هي مشروع أممي، مشروع عالمي لإعادة الإسلام مرة أخرى إلى أن يكون قطبًا رئيسًا في العالم، قطبًا مناهضًا للقطبين السوفيتي في ذلك الوقت والأميركي، والأمر ازداد شراسة عندما سقط الاتحاد السوفيتي أو الشيوعي وبدأت تتفرد الولايات المتحدة بأن تكون هي المهيمنة في العالم.
في ذلك الوقت لم يكن إلا إيران كجمهورية وثورة هي الممانعة في العالم تقريبًا مع بعض الدول اليسارية مثل كوبا وغيرها في مناطق أميركا الجنوبية؛ ولكن في المنطقة التي كانت تعد حصنًا أساسيًا للنفوذ الأميركي كانت إيران حاضرة في ذلك، إيران لم تكتف بذلك؛ بل بدأت أن تأخذ شكلا عملانيًا في هذا الإطار : أن تشكل محور المقاومة من خلال دول وجماعات ومنظمات، وكان موقعها مهم جدًا في ترتيب هذا المحور الذي خاض حتى الآن مع الكيان الصهيوني أكبر المعارك ويرفض أن تنفذ أميركا مخططاتها في المنطقة، وهو العائق الأساسي، لذلك تريد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الآن إسقاط هذه الفكرة التي شكلت الشعب الإيراني، وشكلت الجمهورية الإسلامية في إيران، والدولة الإيرانية، والحرس الثوري الإيراني، والجيش الإيراني ، وحلفاء إيران في المنطقة، لذلك هم يريدون ذلك لأنهم يريدون انهاء جبهة الممانعة والحوض الحضاري الإسلامي الممانعة غير المنسجم والمنغمس في المصالح الأميركية.
هذا الأمر انعكس على طبيعة الصراع، نحن في فلسطين رأينا أن صراعنا كفلسطينيين مع الكيان الغاصب لم يكن صراعاً ثنائياً فقط، بل هو بين مشروعين: مشروع غربي استعماري رأس حربته الكيان الصهيوني يقاتلنا في المنطقة، ولكن عندما كنا نقاتل قبل الثورة الإسلامية كنا وحدنا، بمعنى أننا كنا نقاتل ضمن مشروع فلسطيني ضد مشروع كبير اسمه المشروع الإمبريالي، لكن عندما بدأت الثورة الإسلامية تتشكل، وبدأ يتكون نجد إجابات حقيقية عن السؤال المركزي: ما هو المشروع الموازي الذي سيهزم المشروع الغربي الذي رأس حربته الكيان الغاصب.
وهنا بدأت عظمة الإمام الخميني رحمة الله عليه، والإمام الخامنئي، وبدأت تتشكل مشروعاً مقاوماً نواته الجمهورية الإيرانية ورأس حربته الفلسطينيين في مواجهة الكيان الغاصب، وهنا بدأ الصراع يأخذ منحى حقيقي لإمكانية هزيمة الكيان، هنا بدأنا نقول أننا نمتلك مشروعاً حقيقياً ليس مشروعاً فلسطينياً فقط.
مداخلة أ. هادي قبيسي:
المشهد الذي نراه اليوم أن إيران تتحول إلى نقطة انفصال، أو نقطة اتصال عن نظامين عالميين: النظام العالمي السابق والنظام الحالي وأطراف القوى الصاعدة في العالم في مواجهة الهيمنة الغربية. نلاحظ أنها تصطف تدريجياً إلى جانب إيران، وتعتبر إن إيران هي رأس حرب التحول العالمي كما كانت عام 2003 هي الفاعل الأساسي في تعديل المشهد العالمي من الاحادية الأميركية باتجاه التنازل والتراجع التدريجي.
في هذا الوقت نرى أن الولايات المتحدة تتجه نحو الانحدار على مختلف المستويات، وتحاول الآن المحافظة على ما تبقى لها من هيمنة ونفوذ على كل الأصعدة، خاصة على المستويات الاقتصادية.
والملاحظ أن الدول الصاعدة الفرصة وهي تتجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، ولكن تستفيد من الموقف الإيراني، ومن الروحية الإيرانية التي وصلت إلى درجة من التأييد الشعبي، والدعم الداخلي، وتحقيق المشروعية بشكل غير مسبوق في مواجهة الأميركيين، ونلاحظ في المظاهرات الأفراد الذين يصرحون ونوعيتهم، خاصة الفتيات غير المحجبات، وهذا أنموذج، أو عينة، أو خزعة من التحول الذي أحدثته حرب طوفان الأقصى وحرب 12 يومًا في الداخل الإيراني، كما أحدث التداعيات على مستوى العالم، وعلى مستوى مواقف الشعوب، ولكن في إيران جهوزية لأداء هذا الدور غير مسبوقة، ودعم من قوى محور المقاومة، ومن القوى الصاعدة في العالم، ولذلك إيران اليوم هي اللاعب الفعال الأساس في تسريع التحول العالمي نحو نظام عالمي أكثر عدالة واضعاف الهيمنة الغربية تدريجيًا.