• اخر تحديث : 2021-01-15 03:31
news-details
ندوات وحلقات نقاش

مقدمة

يشكل موضوع تراخي القبضة الأميركية على العالم، وتراجع مكانة الولايات المتحدة الدولية مقابل صعود قوى منافسة على رأسها الصين وروسيا، وتداعيات هذا التحوّل على المنطقة ككل محور اهتمام المحللين والباحثين، لاسيما بعد الحديث عن انسحاب أميركي من العراق وأفغانستان، وما أفرزته الانتخابات الأميركية التي انتهت بفوز الديموقراطي جو بايدن الذي أطلق مواقف أثارت التساؤلات حول طريقة تعاطيه مع قضايا المنطقة.

في قراءة لهذه المواقف ومواكبتها نظّمت الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين ندوة بعنوان: "مصير المنطقة ما بعد ارتخاء القبضة الأميركية"، وهذا أبرز ما جاء فيها.

أولاً: معطيات أولية حول اللقاء:

الزمان

الاثنين 30\11\2020 (العاشرة والنصف صباحًا لغاية الحادية عشرة والنصف).

المكان

برنامج تطبيق zoom

 

المشاركون الأساتذة السادة:

1

رئيس الرابطة د. محسن صالح

2

الخبير العسكري العميد المتقاعد شارل أبي نادر

3

الخبير العسكري اللواء د. محمد عباس

4

الباحث والأكاديمي د. نبيل سرور

5

الباحث في العلاقات الدولية د. وليد شرارة

6

الخبير الاقتصادي د. زياد عربش

7

رئيس مركز الدراسات اللبنانية القانونية السياسية والادارية د. أحمد ملّي

8

المختص في شؤون الشرق الأوسط د. انطوان شاربنتيي

9

عضو ائتلاف دولة القانون د. عباس الموسوي

10

أمينة سر الرابطة د. وفاء حطيط

 

 

ثانياً: وقائع الجلسة:

بدايةً افتتح رئيس الرابطة د. محسن صالح الندوة بالترحيب بالسادة المشاركين؛ ثم مهّد للموضوع بالإشارة إلى وجود حالة استنهاض داخلي في الولايات المتحدة ضد العنصرية واللامبالاة تجاه الحياة الإنسانية، خاصة في موضوع فيروس كورونا، وما يتعلق بالهجمة المفترسة لأواخر مراحل الامبريالية في هذا العالم، وأواخر مراحل القبضة الأميركية التي كانت تحاول السيطرة على العالم ككل.

وقال د. صالح "إننا الآن أمام مرحلة جديدة تتطلب شكلًا من أشكال التضافر الأممي، خاصة لشعوب هذه المنطقة، وحركات المقاومة ومحور المقاومة، وعلى رأسه الجمهورية الإسلامية في إيران، وهذه مناسبة لتقديم العزاء باستشهاد العالم النووي الكبير محسن فخري زادة الذي اغتالته العصابات الاجرامية الصهيونية ومن خلفها، لأنه قادر على تغيير العقل".

أبرز نقاط مداخلة اللواء د. محمد عباس

بعدها قدّم اللواء د. محمد عباس مداخلته، ومن أبرز ما قاله فيها:

لقد انكشف الكيان الأميركي الذي كان يدغدغ مشاعر العالم، ويتطلع الناس إلى اميركا على أنها الديمقراطية وواحة الإنسانية، وقيادة العالم؛ لكن انكشفت سوأة أميركا وعورتها فعلًا، خاصة أن فيروس كورونا في مسألة العلاج أوضح التمييز العنصري تمامًا، وما مارسته قطعان ترامب وميليشياته أوضح طبيعة الديمقراطية الأميركية العرجاء التي يراد منها أن تسوق في العالم. كما أن منظومة الانتخابات الأميركية التي يراد لها أن تظهر للعالم النموذج الديمقراطي الذي سوف يحتذى على مستوى العالم كشفت أن اميركا عرجاء، وغير قادرة على قيادة العالم، والسيطرة على العالم أيضًا.

وما كشف من دور أميركي لقيادة العالم كان يعبر عن هشاشة المنظومة الأميركية، ويعبر عن المقاومة في الداخل الأميركي، فالمواطن الأميركي الآن يتحدى هذه المنظومة ويتطلع إلى تغييرها.

وأكّد اللواء عباس ضرورة استفادة محور المقاومة "من كل نقاط الضعف التي ظهرت في بنية المجتمع الأميركي وبنية منظومة الادارة الأميركية اليوم"؛ وقال: ومع ذلك أعتقد أننا نواجه تحديات كبيرة، ربما أميركا اليوم تريد أن توظف نقاط ضعفها من أجل اعادة انتاج قوتها من جديد. فيوم أمس كان ترامب يقول اميركا أولًا، واليوم بايدن يقول إن اميركا تتطلع إلى قيادة العالم مع حلفائها، ففي هذا المصطلح الجديد يبدو أن اميركا تحاول تجديد سطوتها وأدواتها وأسلوبها في هذه المنطقة من العالم خاصة، لأننا في مربع النفط ، مربع اقتصاد الطاقة العالمي، وأقصد بهذا المربع البحار الخمسة: المتوسط، قزوين، الأسود، والأحمر، الخليج العربي، بالإضافة إلى البحر الجديد ، أي بحر الصين الجنوبي. وبمعنى آخر نحن نعيش حربًا كونية مساحتها ضمن هذه البحار على مستوى الصراع المسلح، وفي الوقت نفسه يعيش العالم كله مواجهة مع الإدارة الأميركية التي تريد الاستثمار بأدواتها وحلفائها للسيطرة على اقتصاد الطاقة.

والسؤال: هل يمكن لإرادة المقاومة مواجهة هذه التحديات، والتصدي لمجمل الصراع الجيوبولوتيكي الروسي والصيني في مواجهة الدور الأميركي الذي يريد الهيمنة على مربع الطاقة، وجعل العالم كله مساحة المصالح الأميركية التي يستثمر فيها من خلال الهيمنة على الموارد، وامتلاك أدوات، وتغيير أنظمة. وربما يكون موضوع تغيير الأنظمة عنصرًا جديدًا ومستمرًا لدى الادارة الأميركية التي تريد الهيمنة على العالم انطلاقًا من التحكم بصناع القرار وبالدول وقادة الرأي فيها، وأميركا اليوم لديها الكثير لكي تصنعه انطلاقًا من امتلاكها للجيوش بديلة، وأدوات بديلة من محاولة ترويض المجتمعات والأنظمة، ولعل المربع الأساس هو مربع الخليج العربي التي يستثمر في هذه المنطقة بمواردها النفطية وبخياراتها السياسية.

ولفت اللواء عباس إلى أن "محور المقاومة كشف عورة الإدارة الأميركية بإطالة أمد المقاومة، وكشف الدور الأميركي للهيمنة على العالم، وبصمود سوريا بُني محور المقاومة بشكل واضح ودقيق، وبًنيت عناصر قوة لهذا المحور". وقال: لا شك أن اميركا قوة كبرى على مستوى العالم، وتسعى إلى الاستثمار اليوم في التناقضات البينية، وعناصر الضعف في المنطقة لتشكيل قوى لصالح اميركا، بمعنى أنه تستنزف في إطالة امد الحرب لمواجهة المقاومة، والبحث عن نقاط ضعف المقاومة من خلال التعدد اللوني، والدخول إلى داخل بناء المقاومة واقتلاعها من الداخل، وتحاول خوض الحرب في خسارة صفرية في المنطقة، كل هذا يعني أن أميركا تسعى إلى إطالة أمد الحرب. لذا أعتقد أنه علينا تصليب ثقافة المقاومة، وتوطين القدرة على ارادة الانتصار وتحقيقها، وأن أميركا ليست قدرًا لا يمكن تجاوزه بل هي جزء من هذا العالم تمتلك الكثير من نقاط الضعف وتحاول الاستثمار في نقاط القوة لديه؛ في المقابل نحن أيضًا لدينا نقاط قوة كثيرة، ونمتلك إرادة الانتصار، ونمتلك اليوم القدرة على تحديد نقاط الضعف الأميركية وحرمانها من كل ما يمكن أن تستثمره في المنطقة، وأميركا لن تستطيع الاستمرار في مواجهة المقاومة، لأن إرادة المقاومة اقوى.

أبرز نقاط مداخلة د. أنطوان شربانتيي

من جهته، ركّز د. أنطوان شربانتيي على "الانكشاف الأميركي الذي نراه اليوم"، وقال إن الانكشاف الأميركي داخليًا وخارجيًا ليس بجديد. لكن الذي حصل أن ترامب فتح الأبواب على مصاريعها، وأخرج ما كان بعض الشيء في الخفاء الى العلن، وأكد أنه علامة من علامات انهيار المحور الأميركي الغربي الصهيوني أولًا، وبرهن عنصرية الولايات المتحدة، وأظهر سلوكها الاستكباري، وأن ليس لها من الديمقراطية إلا الاسم، الأمر الذي أدى الى تراجع أميركا على الصعيد الدولي، ومعها المحور الغربي.

ولفت د. شربانتيي إلى أن هذا الانكشاف له أسباب داخلية وخارجية عديدة، قائلًا: الأسباب الخارجية هي ما قامت به حركات المقاومة بمقاومة المشروع الأميركي سواء في الشرق الأوسط، أو في اميركا اللاتينية، أو في أي بقعة في العالم. واجهاض المشروع الأميركي في الشرق الاوسط أدى إلى تراجع أميركا ومعها المحور الغربي على الصعيد الدولي.

أما الأسباب الداخلية فهي نتيجة الانحطاط الأخلاقي الثقافي والعلمي الذي يعيشه اليوم المحور الغربي في أميركا وفي أوروبا على السواء، وقد أدى الى ضعف كبير في هيمنة اميركا على العالم والهيمنة على أوروبا.

كثيرون اليوم في أوروبا يعون هذا الضعف الأميركي، لكن هناك صعوبة كبيرة من التنصل من أميركا وعدم الخضوع لها، فهناك من يعي أن هناك مشكلة ويجب الانفصال أو الابتعاد عن اميركا وهناك من هم خاضعون طوعًا لأميركا، وبهذا المنحى هم يتراجعون من ما يسمى قوى عظمى في العالم إلى قوى كسائر القوى، وهذا التراجع قد يؤدي إلى الانهيار، لأن العوامل داخلية وخارجية.

من هذا المنطلق، فالمحور الغربي اليوم برمته، أوروبا خصوصًا تعيش التخبط نتيجة التراجع الأميركي وسياسة ترامب، ولا أعتقد أن سياسة بايدن ستغير أشياء كثيرة، ففي الإدارة الأميركية يتغير وجه الرئيس، وليس السياسة بشكل عام، من هذا المنطلق فان التراجع اليوم هو واقعي وسيكون له تداعيات سلبية جدًا، ويمكن أن ينهار المحور الغربي غير المتماسك، وقد رأينا ماذا فعلت ظاهرة الكورونا في أوروبا، وكيف أججت الصراعات، فهناك اليوم كلام جدي عن حركات انفصالية، وبلدان تريد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، وهذا كله نتيجة الهيمنة الأميركية والفكر الأميركي السياسي والاقتصادي على المحور الغربي بشكل عام.

أبرز نقاط مداخلة العميد شارل ابي نادر

أما العميد شارل أبي نادر فقد بدأ من خبر ميداني يفيد عن ادخال جديد لوحدات اميركية إلى الحسكة شمال شرق سوريا ومناطق اخرى، وقال: انطلاقًا من هذه النقطة نستطيع أن نفهم أنه لدى الاميركيين القدرة على ادخال الوحدات التي يريدونها خلال ساعات من جورجيا وأفغانستان، وبالجهوزية نفسها. وأرى أن الحديث عن انسحاب أميركي، أو تخفيف للوحدات الأميركية هو خارج إطار أي جدية أساسية، لذلك يتم الهاء المنطقة والأنظمة والجو العام في المنطقة بهذا الموضوع؛ لكن السياسة الاميركية المتعلقة بالسيطرة والنفوذ، والتمسك بنقاط الارتكاز العسكرية في المنطقة ومحورها في الخليج ـ يعني القواعد العسكرية في الخليج ـ فهي أساسية.

وقدّم أبي نادر مقاربة لعهد ترامب على الشكل التالي:

لقد لاحظ الجميع منذ بداية عهد ترامب أن هذا العهد، وهذه الادارة غريبة في تصرفاتها، كانت غريبة في موضوع العلاقة مع الخارج:

ـ في موضوع القانون الدولي: إذ تم الانسحاب من عشرات الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي كانت قد التزمت بها الولايات المتحدة، لا بل كانت تسعى اليها. وهذا الموضوع كان لافتًا في السياسة الأميركية؛ وبينها الانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى التي وقعتها أمريكا مع روسيا، ومن الاتفاق النووي الايراني، والتهديد بالانسحاب من الناتو.

ـ في الموضوع المتعلق بمنطقتنا، وبالتحديد بالقضية الفلسطينية، فقد ضرب ترامب عرض الحائط، ليس فقط الموقف الأميركي، بل موقف الأمم المتحدة ومجلس الامن، متخليًا عن الاتفاقات الفلسطينية في وارسو أو العربية.

ـ في الداخل الأميركي: النقطة الأخرى التي أظهرت هذه الغرابة وعدم الوضوح هي في متابعة ترامب، أو معالجته لموضوع الانتخابات الأميركية، فهو تخلى عن القانون الداخلي والديمقراطية في رفضه غير المنطقي والمجنون لنتائج الانتخابات.

إن هذه التصرفات والإجراءات الأميركية غير المنطقية، بالإضافة إلى اغتيال الشهيد زاده ليست نتيجة سياسة ترامب وحده، فالسياسة الأميركية الأساسية العميقة كي تصل بالعالم أجمع إلى المقارنة بين نموذج ترامب المجنون الذي لا يعطي أي التزام للقوانين الدولية والمعاهدات والموقف الاميركي، ونموذج بايدن الذي جرّوا العالم كله كي يهرع إلى القول: هذا هو البديل الذي نتعامل معه. وأعتقد أن سياسة ترامب مدروسة لوضع العالم في وضعية هذه المقارنة بين السياستين والقبول بما تفرضه الإدارة الأميركية؛ واليوم الجميع على قناعة أن إيران قد تقبل بالتواصل مع بايدن للانتهاء من ترامب، وتسهيل التعاطي معه، ومع إدارة الولايات المتحدة من خلال بايدن لمتابعة موضوع النفوذ في شرق الهادي، وآسيا والمتوسط على المستويين الاقتصادي ولناحية القواعد العسكرية، لذلك أعتقد أن الصين ستكون أقرب إلى السياسة الأميركية الجديدة الآن.

النقطة المفصلية التي تجعلنا نستنج ونلاحظ إلى أين يذهب المشروع الأميركي الجديد: هل هي العودة إلى الاتفاق النووي أو الـ "لا" عودة، أو الضغط للعودة بشروط معينة؟. وبانتظار هذه النقطة المفصلية بعد 20 كانون الثاني 2021، وليس بالضرورة أن يكون مباشرة فربما ينتظر العالم شهرًا تقريبًا، أقل أو أكثر. نخن مقبلون على فترة حساسة جدًا من الناحية الأمنية، فالواضح أن إسرائيل وأميركا ، إسرائيل خاصة ستحاول الاستمرار في استراتيجية الاغتيالات نفسها، لأنهم رأوا فيها الطريق الأمثل لإفشال أي انتقال، أو تثبيت، أو تغيير للنقطة السياسة في السياسة الأميركية اللاحقة، أو المرتقبة، فعلى الجميع التنبه، لاسيما في لبنان وسوريا وايران والعراق، فهذا هو الخط الأساسي الاستراتيجي من طهران حتى بيروت، وعليه أن يكون محتاطًا بشكل كبير.

أبرز نقاط مداخلة د. وليد شرارة

بدوره أكد د. وليد شرارة وجود عناصر استمرارية، واختلافات بين سياسات ترامب والسياسات التي يعلن بايدن عن نيته اعتماده. وقال: لقد دخل العالم منذ عقدين في مرحلة انتقالية طويلة سمتها الرئيسة تراجع الهيمنة الأميركية والغربية، وصعود منافسين آخرين للولايات المتحدة. وهذه المراحل حساسة وخطيرة، وقد تشهد صراعات ونزاعات كبرى. وإذا نظرنا إلى التاريخ نجد خلافات تبرز في مراكز القرار لدى القوى المسيطرة حول كيفية التعامل مع التغيرات والتحولات. لكن إذا اعتمدنا على ما يصدر عن المؤسسات التي تقدم رؤية استراتيجية في الولايات المتحدة ـ على سبيل المثال استراتيجية الامن القومي واستراتيجية الدفاع الوطني التي صدرت أيام إدارة ترامب في العام 2018ـ سنجد أنه هناك رؤية طرحت في تلك الفترة تتوافق عليها مختلف التيارات في اميركا، وهي أن الاولوية بالنسبة إلى لولايات المتحدة هي مجابهة من أسمتهم المنافسين الاستراتيجيين الجدد، وكانت الإشارة للصين وروسيا تحديدًا.

ولفت د. شرارة إلى وجود " خلاف حول كيفية التعامل مع التحديات الدولية الجديدة، لكن هناك اتفاق داخل النخبة الأميركية بمختلف تياراتها على أن الأولوية هي لمواجهة صعود قوى دولية منافسة الصين وروسيا على المستوى العالمي، وكدول إقليمية مثل إيران وتركيا ودول أخرى من نفس الوزن على مستوى الأقاليم المختلفة".

وقال: كان هناك رؤيتان بالنسبة إلى الولايات المتحدة: رؤية ترامب التي تركز على أولوية مواجهة التحدي الصيني، وتحاول التقارب مع روسيا إلى حد ما، والتصعيد ضد إيران وضد محور المقاومة في الإقليم، والرؤية الأخرى يطرحها بايدن وفريقه الذين يريدون الاستمرار بسياسة احتواء الصين، واعتبارها أولوية. لكن لديهم في الوقت نفسه موقف مفرط بالتشدد ضد روسيا، ويسعون إلى نوع من فك الاشتباك مع إيران ليس على قاعدة الاتفاق النووي الذي تمت صياغته والتوقيع عليه في عهد اوباما، بل على قاعدة اتفاق نووي معدل، ويؤكد عدد من أعضاء فريق بايدن أنهم ليسوا مقتنعين بإمكانية العودة إلى ما كانت عليه الأمور في العام 2015، وفكرتهم الرئيسة في تقديري أنه يجب ربط الاتفاق النووي بموضوع البرنامج الصاروخي الايراني.

والديمقراطيون أقرب إلى الدولة العميقة التي تعتبر أن روسيا والصين هم الأعداء، بينما كان يعتبر ترامب ـ وانطلاقًا من خلفيته التي تعطي الأولوية لقضايا الاقتصاد والتجارة ـ أن الصين هي العدو وليس روسيا؛ لذلك كان يريد فعلًا التقارب مع روسيا، وقامت الدولة العميقة بعرقلة العديد من محاولاته للتقارب معها.

يدرك فريق بايدن أن أولوية الولايات المتحدة الاستراتيجية هي المواجهة مع روسيا والصين، وهذا الأمر سينجم عنه بالضرورة تراجع النفوذ الأميركي والقدرة على التأثير في الإقليم، وقبل الانسحاب من الإقليم يريد الأميركي اجراء جملة من الترتيبات التي تتضمن تفاهمًا مع إيران مع محاولة تحجيم ما يرونه نفوذًا إيرانيًا في الإقليم قدر المستطاع، وتحجيم دور إيران ووزنها، لذلك سوف يسعون إلى الربط بين الملفات. وتحاول الولايات المتحدة وفريق بايدن توظيف دور إسرائيل كشرطي سيء في إطار استراتيجية الضغط على إيران من لانتزاع تنازلات منها، وهم مستفيدون من ما تقوم به إسرائيل اليوم من عمليات تخريب واغتيالات في ايران، لأنهم يعتقدون ان عمليات التخريب والاغتيالات ستؤدي في الأشهر المقبلة إلى اتفاق تفاوض أضعف مع ايران من وجهة نظرهم.

ولفت د. شرارة إلى أن كل جموح إدارة ترامب وتطرفها، وكل سياسة الضغوط القصوى على الرغم من أكلافها الإنسانية والاقتصادية والمالية لم تسمح لهذه الإدارة ولا لإسرائيل بمنع استمرار تطوير قدرات محور المقاومة الصاروخية والنوعية. وهذه هي القضية الجوهرية التي تدور حولها المواجهة في الإقليم، وإدارة بايدن معنية في سياق عملية إعادة ترتيب المشهد بمحاولة وقف عملية تطوير هذه القدرات. لكن ما تريده شيء، وواقع العالم الجديد شيء آخر، فهناك تحولات كبرى وخطيرة في موازين القوى الاستراتيجية على المستوى الدولي فرضت على الولايات المتحدة أولويات أخرى، وعلى أي إدارة أميركية أولويات أخرى، وهي أولوية مواجهة تحدي الصين وروسيا. وبهذا المعنى إذا أرادوا التفرغ لهذه المواجهة المكلفة والصعبة فعليهم تقديم تنازلات في ساحات أخرى. وبالتالي فإن الوضع مفتوح على احتمالات عديدة،  وفي الإجمال، وعلى الرغم من الضربات والضغوط فالوضع لمصلحة محور المقاومة.

أبرز نقاط مداخلة د. عباس الموسوي

من جهته أكد د. عباس الموسوي في مداخلته عدم التفاؤل كثيرًا بحصول تغيير مع مجيء بايدن، وقال: إن تجربتنا في العراق خلال السنوات قبل ترامب كان هناك عمل مباشر بين الإدارة العراقية برئاسة السيد المالكي وفريق عمل الإدارة الأميركية أيام بايدن وأوباما. فالمشروع الأميركي لا يحدده شخص، بل أحزاب. ومن حيث الشكل كان ترامب يدير العملية ضمن العنجهية الأميركية، والمشروع الاميركي في المنطقة هو سايكس بيكو الجديد لتحديد معالم المنطقة التي لم يتم تحديدها بعد. ولا أتوقع انفراجة كبيرة في الاتفاق الإيراني الأميركي، لأن هذه المنطقة هي منطقة البقرة الحلوب التي تستطيع الادارة الأميركية حلب رأس المال الخليجي من خلال تخويفه بإيران. وأرى أنها مرحلة ضغط، وبروز عضلات وضغط على القواعد الأميركية في المنطقة. والإيراني بحاجة الى تحسين موقعه التفاوضي فيما يريد الأميركي اضعافها لتأتي ضعيفة إلى المفاوضات.

وعلى مستوى البحرين، لن تفرط الإدارة الأميركية والسعودية بالبحرين، وتعطي الشعب البحريني أيًا من حقوقه، لأنهم يعتبرون هذا الموضوع تمددًا للإيراني على المنطقة، وهذا سيحجم السعودية كثيرًا، لذلك فإنني غير متفائل بأن الوضع القادم سيكون كما تصورنا، صحيح أننا أظهرنا فرحة عند فوز بايدن، لكن هذه الفرحة كانت نكاية بترامب وهذه فرحة ظاهرية، وليست استراتيجية.

النظام الأميركي هو نظام رأسمالي ويحسب نقاط القوة والضعف، والعالم لا يرانا ولا يسمعنا إلا إذا كنا أقوياء، لذلك علينا تعزيز نقاط القوة العسكرية والديبلوماسية، وحشد الحلفاء من الصين وروسيا والأصدقاء، والوصول إلى فنزويلا، وتقوية الوجود المقاوم فيها سيشكل عامل ضغط قوي على الإدارة الأميركية التي ستتفاوض مع الجمهورية الإسلامية، واحترام هذا المحور في أحسن الظروف التفاوضية.

أبرز نقاط مداخلة د. أحمد ملّي

أما د. أحمد ملّي فقد رأى أن الحديث عن تراجع القوة الأميركية يقودنا إلى التساؤل حول موقع الولايات المتحدة على الساحة الدولية؛ لافتًا إلى ما روج له في تحضير لانتخابات بوش الابن، والدعوة إلى أن يكون القرن 21 قرنًا أميركيًا بامتياز عطفاً على الانتصار الذي حققته الولايات المتحدة في الساحة الدولية بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.

وقال: إذا أخذنا هذه المقولة لنحاول وضع رسم بياني لقوة اميركا، بالتأكيد هذا نوع من التسويق الأميركي، فترة العلو الأميركي إذا رسمناه بيانيًا ربما يكون من عام 1990-1991 الذي تزامن مع تفكك الاتحاد السوفياتي، وقد وصلت هذه الفترة إلى الذروة، وبدأت بالانحدار في عام 2006 مع صدور بيكر ــ هاملتون.

صدور هذا التقرير من رمزين وزير الخارجية الأميركية الأسبق جيمس بيكر الجمهوري والسيناتور الديمقراطي هاملتون لي، وبعد حربين في افغانستان والعراق، ربما هو نوع من السخرية الأميركية لنهاية هذا العلو هو ما حدث في حرب تموز العام 2006 من العجز الإسرائيلي عن تحقيق هدفه.

عندما دخل ترامب إلى البيت الأبيض تم الكلام عن لقاءات بينه وبين وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، وهذا دلالة على أن الاستراتيجية التي اتبعها كيسنجر أثناء الحرب الباردة خلال فترة الانفراج، فقد استخدم الثنائي نيكسون- كيسنجر في التنافس الدولي آنذاك ورقة الصين مقابل الاتحاد السوفياتي. أما ترامب فقد أراد قلب المعادلة من خلال تطبيق استراتيجية نيكسون-كيسنجر، لكن عبر لعب الورقة الروسية مقابل الصين، لأن صعود الصين لا يرد ولا يقاوم.

وذهب د. كلّي إلى أن عمق العلاقة بين روسيا والصين أكبر بكثير من أي محاولات ومناورات أميركية ممكن ان تفصل بينهما. وقال: إن أميركا قادرة ضمن استراتيجية تسميها "قوات ما وراء الأفق" على نقل قوات من المانيا، والبرتغال والقوقاز لتتمكنوا من التموضع في أي مكان في المنطقة. وإذا كانت قوة أميركا وحضورها على مستوى الإقليم بلغت الذروة في العام 1990، فإنها اليوم امام انحدار. وأؤكد أننا الآن في وضع قوة، مع عدم استبعاد قيام الحلف المعادي بمغامرات، والكلمة المفتاح لمستقبل المنطقة بعد الانكفاء الأميركي في المرحلة المقبلة هي التكامل الإقليمي، فعلينا أن ننجز هذا التكامل.

أبرز نقاط مداخلة د. زياد عربش

بدوره أكد د. زياد عربش أن أميركا خسرت فرصة تاريخية جوهرية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، وتفردها بالعالم وقيادته مطلع التسعينات وعقد الألفيات، وقال: لم تستطع الاستفادة من هذه الفرصة التاريخية بقيادة العالم اقتصاديًا وسياسيًا وحتى عسكريًا. هذا المخاض الذي تحدثت عنه كوندوليزا رايس في العام 2006 قالته صراحة أن اميركا ليست آتية لتنشر الديمقراطية؛ بل لنشر مفهوم الأمن القومي الأميركي والسيطرة على المنطقة عسكريًا، وما نعيشه اليوم هو تسونامي تكنولوجي عالمي؛ فالصين ليست قوة إقليمية صاعدة فقط؛ بل بدأت تجر معها دولًا عديدة من خلال مبادرة الحزام والطريق كذراع كبير جدًا في محاولة فرض نظام اقتصادي عالمي جديد يضم دولًا عديدة وليس الآسيوية فقط. واليوم الصراع على العالمي على منطقتنا ومحور المقاومة، وما يسمى في المنطقة قلب الشرق الأوسط هي منطقة عبور لكل الصادرات والواردات الصينية، صحيح أن الصين هي أكبر مصدر للعالم ، لكنها أكبر مورد إلى العالم كذلك، وفضاء التوسع الصيني الاقتصادي سيكون عبر هذه المنطقة، ليس كدول عبور فقط، بل كمنطقة استثمارات أيضًا. وتستند دول المقاومة في المنطقة إلى مشروع تنموي داخلي، والسؤال هو : ما هو موقع منطقتنا من مبادرة الحزام والطريق؟، وهل تستطيع أميركا مواجهة التمدد الصيني الاقتصادي؟.

إن دول المنطقة معنية بالنمو الصيني، لأن الصين تدرس لنمو مشترك وتبادل منافع، وليس السيطرة على الموارد فقط، والخشية اليوم من أن تقدم إدارة ترامب في أيامها الأخيرة على افتعال حادث أمنى لأنها مأزومة، وعلى مستوى السنوات المقبلة فإن الصين قادرة على تجديد النموذج التنموي الاقتصادي على مستوى الداخل، وبجر العديد من الدول. وقد أثبت المشروع في المنطقة أن كلفة المواجهة أقل من كلفة الإذعان، وهذا نصر كبير، وهذا يترجم اقتصاديًا بالتبادل والتعاون الاقتصادي الإقليمي الأبدي.

صحيح أن المنطقة مقبلة على تحديات جوهرية جدًا، والمطلوب كبير جدًا على مستوى إعادة الاعمار وإعادة تركيب الإنتاجية، لكن الفرص هائلة جدًا أيضًا، علينا أن نستثمرها ونربحها كي لا يًفرض علينا مشاريع اقتصادية سواء من الغرب أو الشرق.

أبرز نقاط مداخلة د. نبيل سرور

أما د. نبيل سرور فقد أشار إلى تحديين اساسيين أمام إدارة بايدن: الأول هو استعادة زمام المبادرة للسيطرة الاميركية الاقتصادية على العالم بعد ما تقدمت الصين كنموذج اقتصادي استطاع السيطرة على كثير من الأسواق العالمية، وفرض نفسه كنموذج على المستوى الاقتصادي والسياسي أيضًا في كثير من المجالات، أما التحدي الثاني فهو موضوع محور المقاومة الذي يمتد من إيران إلى اليمن والعراق وسوريا ولبنان، وإمكانية كبح جماح هذا المحور.

وقال: إن المسعى الأميركي الأساسي سوف يتمحور حول منع الصعود الصيني الروسي بشكل كبير، وأن يؤكد هذا الحضور نموذجاً اقتصاديًا وسياسيًا يفرض نفسه كتحالف إقليمي يفرض نفسه على الولايات المتحدة الأميركية. والتحدي الروسي الصيني مسألة مهمة جدًا تفرض نفسه كتحد سياسي واقتصادي قد يأخذ الكثير من الحضور الأميركي الذي تراجع في الفترة الأخيرة. وبالتأكيد سوف تسعى أميركا إلى الضغط لفك أي محاولة تحالف إقليمي، أو دولي تقوم به الصين مع مجموعة من الدول التي تدور في فلكها، أو تتحالف معها سياسيًا. فضلًا عن أن محور المقاومة استطاع أن يراكم مجموعة من الانتصارات، ومراكمة قوة عسكرية وصاروخية، ولايزال يعمل على مراكمة هذه القوة وتحسينها، وتحسين القدرات للمواجهة المقبلة في حال حدثت، وأعتقد أن أمام الإدارة الأميركية المقبلة والدولة العميقة في هذه الإدارة أن تسعى مع العدو الإسرائيلي لكبح جماح حضور محور المقاومة العسكري، لذا سنكون في المرحلة المقبلة في خضم مرحلة استعداد لمواجهة كبرى ربما في السنوات المقبلة؛ وبالتالي فالمطلوب من المحور المناوئ لأميركا كله تصليب مواقفه الداخلية، وتصلب ثقافة المقاومة، وتأكيد إرادة الانتصار، والاستفادة من القدرات الذاتية في تأكيد الحضور على المستوى الإقليمي، والاستفادة من عناصر القوة الموجودة في الأمة، وتأكيد البعد الاستراتيجي لدى الأمة، وتأكيد ثقافة ارتباطنا في قيمنا التي تعطي بعدًا حيويًا لثقافة الانتصار، وأمامنا أيضًا مشوار طويل في مقاومة التطبيع الذي عقده بعض الدول العربية.