• اخر تحديث : 2021-09-19 08:13
news-details
تقارير

تخلى سعد الحريري في 15 تموز الجاري عن التكليف بتشكيل الحكومة في لبنان يعبر عن الدوامة التي توجد فيها الساحة السياسية في هذه الدولة. وذلك على خلفية الازمة المتفاقمة للسكان الذين يواجهون ازمة اقتصادية هي الاخطر التي شهدتها الدولة، والتي تتسبب بمصاعب في نيل الرزق والنقص الحاد في مواد الاستهلاك الاساسية: الغذاء، الكهرباء، الوقود، المياه والادوية، وكذا لغياب البنى التحتية الاساسية التي يفترض بالدولة ان توفرها لسكانها. المنظومة الحكومية اللبنانية، التي ينقصها حكومة تؤدي مهامها منذ نحو سنة، تكاد تكون مشلولة تماما وليس بوسعها أن تتخذ القرارات اللازمة كي تتصدى للازمة. كما أن محافل الامن، وعلى رأسها الجيش اللبناني الذي يعاني هو ايضا من الضائقة الاقتصادية تجد صعوبة في اداء مهامها. وتثبت خطوة الحريري مرة اخرى ايضا هزال وعجز القيادة الغنية والفاسدة، من كل الطوائف، بما فيها حزب الله، والتي تركز اساسا على حماية قوتها ومكانتها دون أن تبدي اي استعداد للتنازل في صالح مصالح عموم سكان الدولة.

ولا يلوح اي حل في الافق. والمساعدة من الخارج هي الاخرى تتلبث: الدول الغربية، التي يئست من ترقب الاستجابة لمطلبها بتشكيل حكومة وتنفيذ الاصلاحات كشرط للمساعدة، تدرس امكانية فرض عقوبات على الادارة اللبنانية؛ روسيا والصين مستعدتان للمساعدة شريطة أن تضمنا المقابل لاستثمارهما: تطلع نصرالله لتلقي المساعدة من ايران لا يتحقق بعد، وذلك ضمن امور اخرى بسبب الخوف في لبنان من ان تلقي هذه المساعدة ستبعد امكانية تلقي الدعم الدولي الواسع.

وفحص السيناريوهات المحتملة للتطورات في لبنان لا يبشر بالخير: السيناريو الاكثر معقولية في هذه اللحظة هو فترة طويلة من الازمة بمظاهرها الحالية، تدهور متواصل لدرجة التفكك التام بل وانقسام الدولة وحتى اشتعال حرب اهلية ثالثة.  سيناريو متطرف آخر هو السيطرة التامة لحزب الله على لبنان وتوسيع الهيمنة الايرانية في الدولة.

ما هو المعنى لإسرائيل ان تستمر الازمة في لبنان. في اسرائيل يوجد نهجان في الرد على هذا السؤال:

تفكك لبنان سيء لإسرائيل– مؤيدو هذا النهج، الذي يعكس فرضية بان لإسرائيل مصلحة في لبنان مستقر ومؤيد للغرب، يعتقدون بانه رغم المكانة السائدة لحزب الله في لبنان، فهو ليس بعد القوة الحصرية وكل تدهور اضافي في وضع الدولة الداخلي، سيعززه وبالتالي قد يؤدي الى تغيير التوازن السياسي في لبنان في غير صالح اسرائيل، ولا سيما للمدى البعيد. إذ ان هكذا سيتحقق حلم نصرالله في تحويل لبنان الى منطقة اخرى مرعية من ايران والى جزء لا يتجزأ من المحور الشيعي. منذ بداية الازمة الاقتصادية – السياسية المتواصلة في لبنان، ادعى نصرالله بان على الاقتصاد اللبناني ان يفك ارتباطه عن الغرب، ان يتوجه شرقا وان يطور علاقات مع ايران، العراق وسوريا. هكذا بحيث ان من المعقول ان يؤدي تفكك لبنان الى ان يرتمي في الحضن الدافيء لايران ويصبح لاحقا معقلا ايرانيا آخر في المنطقة، مثل سوريا.

تفكك لبنان جيد لإسرائيل– من يعتقدون هكذا، ولا سيما الذين يدعون بان لبنان يسيطر عليه حزب الله منذ الان، يعتقدون بانه كلما اشتدت المصاعب الداخلية في هذه الدولة، يغرق حزب الله في التصدي للازمة (بما في ذلك في وضع التفكك) سيكون من الصعب عليه ان يتوجه الى المواجهة مع اسرائيل، وسيتبنى نهجا ملجوما اكثر تجاهها. حسب هذا المفهوم، حتى لو دفع حزب الله الى أن يختار في نهاية المطاف ان يسيطر بالقوة وان يستولي رسميا على الحكم في لبنان – الخطوة التي حرص على الامتناع عنها حتى الان في ضوء الفضائل التي يمنحها له الوضع الراهن للإبقاء على قوته العسكرية المستقلة وتأثيره السياسي على ما يجري في الدولة من خلف الكواليس من خلال حلفائه – هذا السيناريو كفيل بان يخدم مصالح اسرائيلية، رغم نواقصه. فضلا عن ذلك، في هذا السيناريو، الذي ينشأ عنه تماثل مطلق بين الدولة اللبنانية وحزب الله، سيتسع مجال العمل والشرعية لإسرائيل للعمل حيال لبنان، ولا سيما في اوضاع المواجهة العسكرية أو الحرب الشاملة.

من هذين النهجين بالنسبة للمصلحة الاسرائيلية تجاه لبنان المنهار تنشأ ايضا مفاهيم مختلفة بالنسبة للسياسة التي على اسرائيل ان تتبناها اليوم: الذين يعتقدون بان غرق لبنان في ايدي حزب الله هو ايجابي، يؤيدون سياسة عدم التدخل، ناهيك عن ان قدرة اسرائيل للتأثير على ما يجري في لبنان محدودة جدا. ويدعي اصحاب هذه السياسة بان على اسرائيل ان تمتنع عن التدخل في التطورات الداخلية في لبنان وبالتأكيد الا تساعده، باستثناء المساعدة الانسانية المباشرة أو غير المباشرة، إذ ان كل مساعدة اخرى ستقوي حزب الله. وبالتالي على اسرائيل ان تواصل تركيز جهودها على اضعاف المنظمة.

بالمقابل يزعم انه لا يزال لا يوجد تماثل مطلق بين لبنان وحزب الله ولا تزال على حالها المصلحة الاسرائيلية في لبنان مؤيد للغرب ومستقر. وبالفعل، حزب الله هو اليوم الجهة الاقوى في لبنان عسكريا وسياسيا، ولكن ليس كل اللبنانيين هم من مؤيدي المنظمة والازمة الخطيرة التي تعصف بالدولة رفعت حتى مستوى النقد تجاهه بسبب افعاله في الساحة الداخلية. وبالتالي، على اسرائيل أن تحاول ان تنخرط في المساعي للعثور على السبيل لتعزيز مراكز القوة الايجابية في نظرها، ممن يعارضون حزب الله، كي تمنع سيطرته التامة على مؤسسات الدولة وعموم سكانها، وتحويل لبنان الى مرعية ايرانية. كل ذلك بالطبع دون هجر الجهود السياسية والعسكرية لإضعاف حزب الله.

لحكومة اسرائيل نوصي بتحديث السياسة تجاه لبنان في النظر الى المدى البعيد وفحص تداعيات تفكك الدولة اللبنانية على اسرائيل بخاصة وعلى المنطقة بعامة. على اسرائيل أن تتبنى نهجا فاعلا، يرى في التطورات الحالية في لبنان فرصة ايضا للتأثير على مستقبل هذه الدولة وعدم القبول كقدر من السماء المكانة السائدة لحزب الله فيها بل وامكانية سيطرته عليها في السيناريو المتطرف. ليس هذه توصية لتدخل اسرائيل المباشر في شؤون لبنان الداخلية، مثل تلك المحاولات السابقة التي فشلت ولا حتى للتجند للمساعدة المباشرة للبنان: في كل الاحوال، فان قدرة اسرائيل على المساعدة محدودة، إذ ان معظم اللبنانيين يعتبرونها “دولة عدو”. كل عروضها للمساعدة للشعب اللبناني، بما في ذلك عرض وزير الدفاع بيني غانتس في 6 تموز لنقل مساعدة انسانية من خلال القوة الدولية، رفض رفضا باتا.

وبالتالي مطلوب بلورة سياسة فيها ما يدعم في نفس الوقت المصلحتين المركزيتين لإسرائيل من حيث انه لا يزال يوجد مجال لتحقيقهما: المصلحة الامنية في التصدي للتهديد الذي يمثله حزب الله، الى جانب المصلحة في جار مستقر ومؤيد للغرب في الشمال.

لتحقيق مصلحة لبنان مؤيد للغرب ومتحرر من التعلق بإيران – على اسرائيل ان تحفز شركائها في الغرب ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا، المشاركتين في مساعي المساعدة للبنان وكذا اصدقائها الجدد في الخليج على العمل بقوة أكبر لتقديم مساعدة فوريا وهادفة للشعب اللبناني في ظل المطالبة بالرقابة المتشددة على نقل المساعدة منها من سقوطها في ايدي حزب الله ومؤيديه.  وفي إطار ذلك، من الاهمية بمكان على نحو خاص التنسيق مع الامريكيين قطع قنوات نقل المساعدة من إيران الى حزب الله، إذا ما رفعت العقوبات عن إيران في اعقاب الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة على العودة الى الاتفاق النووي. من ناحية اسرائيل توجد اهمية ايضا لمواصلة تعزيز قوة الجيش اللبناني (بالطبع دون ان تنقل له اسلحة من شأنها ان تعرض امنها للخطر) والذي اثبت حتى الان بانه الجهة الوحيدة القادرة على حفظ النظام الداخلي في الدولة، وكذا فحص الافكار لتوسيع التواجد – التدخل الدولي من جانب جهات ليست اعضاء في المحور الشيعي (الولايات المتحدة وفرنسا من جهة، وروسيا، والصين ويحتمل حتى تركيا من جهة أخرى).

كل ذلك بالتوازي مع مواصلة الجهد الدائم لإضعاف حزب الله سواء بخطوات سياسية – اعلامية لتشويه سمعته وتثبيت تعريفه بالساحة الدولية كمنظمة ارهابية، ام بالفعل العسكري. على المستوى العسكري، الى جانب الحاجة الى مواصلة الاستعداد لإمكانية المواجهة في الحدود الشمالية، مطلوب الفحص فيما إذا كانت الازمة في لبنان تخلق لإسرائيل فرصة لمس أكبر بقدرات حزب الله والعمل بتصميم أكبر لمنع محاولة حماس، إيران وحزب الله تثبيت “معادلة ردع” جديدة تجاه اسرائيل، تخلق ارتباطا بين المواجهات في الحرم وفي القدس بإطلاق النار نحو اسرائيل من شمال الدولة ردا على ذلك، مثلما حصل في اثناء حملة “حارس الاسوار” واحداث إطلاق النار في 20 تموز في اعقاب المواجهة العنيفة في الحرم في التاسع من آب.