• اخر تحديث : 2026-02-26 14:16
news-details
إصدارات الأعضاء

إبستين... إمبراطورية الطغاة وسقوط الحضارة : مقال استقصائي تحليلي


ليست فضيحه جفري إبستين الأولى ولن تكون الاخيره في تاريخ العصر الحديث للغرب. الغرب الذي قدم نفسه كحارسٍ كوني على القيم الإنسانية، وأمينه على الحضارة، ومدعياً أنه في مصاف الدول التقدمية والحداثة، المتمثلة بسيادة القانون، وحقوق الإنسان، وكرامة الفرد، وحماية المرأة والطفولة، وحرية التعبير، وصيانة الكرامة الإنسانية. الأمر الذي جعل باقي دول العالم تبعاً له مقابل أن تكتمل لديه أدوات الحداثة، ليصل مستقبلاً إلى الحضارة.  غير أن العقود الأخيرة وما شهدته من انفجار ملفات شديدة الحساسية ، وعلى رأسها ملفات جوليان اسانج ، أو ما بات يُعرف با "ويكيليكس" و"غوانتانامو" وأبو غريب" و"ديدي" و "صيد البشر" و "داعش" وقد لا يكون آخرها "إبستين ". 
 
كشفت هذه الملفات فجوى عميقة بين الخطاب القيمي والممارسة الواقعية، بل أسقطت كل أقنعة التنكر والزيف التي ما فتئ الغرب يجددها باستمرار بمساحيق "نهاية التاريخ" و "صراع الحضارات" وما إلى ذلك من مفاهيم أيديولوجية للمعرفة. كانت ولا تزال تجلياً صارخاً من تجليات الرأسمالية الاحتكارية التي تأسست على النهب والاستغلال والابتزاز في فصل مطلق عن الاخلاق.
 
 الغرب الذي لطالما أدعى حرصه على الحرية، والديمقراطية، وحقوق الانسان، واستطاع أن يسوق لنفسه من خلال ما يملكه او يسيطر عليه من شبكات الإعلام والاتصال والتكنولوجيا..  إذ تكشف التسريبات والصحافة الاستقصائية كيف تعمل برامج المراقبة الجماعية على التجسس على المواطنين - ليس داخل الدولة الواحدة فقط وإنما خارجها أيضاً - خارج الأطر الرقابية القضائية والحقوقية ، بشكل يجعل المستضعفين والبسطاء في العالم ضحية حفنة من النخب الحاكمة التي تدّعي الأخلاق والقيم الإنسانية .
 
 إن ازدواجية معايير العدالة وحقوق الإنسان لا تظهر فقط من خلال تطبيقها على اولئك المتورطين في جرائم من أمثال "ابو غريب" و "غوانتانامو" و "صيد البشر" و "داعش" و "ديدي" و "إبستين" و "مجازر غزة" بل من خلال التعامي عن تلك الجرائم والاستمرار فيها.. 
 
والسؤال الذي يطرح نفسه إذا كان الغرب يعتبر أن ملفات كأحداث 11 أيلول، وغزو العراق، وداعش،  وويكيليكس، وديدي، وابستين، حساسة وخطيرة، لماذا يتم الكشف عنها ؟!!
للإجابة عن هذا السؤال علينا بداية الإطلاع على ألية وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية( C I A ) في الكشف الدوري عن الوثائق السرية امتثالاً لقوانين الشفافية وحرية المعلومات (F O I A) ولأرشفة التاريخ بعد مرور عقود على العمليات..
 
 دعونا بداية نتفق أن مسألة الشفافية والإفصاح عن المعلومات لا تتحقق الا بالمقدار الذي لا يهدد الأمن القومي الأمريكي ، ومع استمرار التزام الوكالة بمراجعة تلك الملفات والوثائق السرية قبل اتاحتها للجمهور والباحثين ، حتى مع مرور فتره زمنية محددة ( 25 عاماً أو أكثر ) التي تفقد خلالها تلك الوثائق صلاحياتها القانونية. وهذا يفسر محدودية الاطلاع والكشف عن مئات آلاف الوثائق السرية وخاصة ما تعلق منها بسياسة الولايات المتحدة الخارجية امثال:
موقع "ويكيليكس" الذي اسسه جوليان أسانج عام 2007 وهو متخصص في كشف الفضائح والأسرار التي تنال من المؤسسات والحكومات الفاسدة ،  كذلك الأمر بالنسبة لجيفري إبستين رجل أعمال "وول ستريت" الذي قيل: إنه قد انتحر ،  والمدان بالاتجار بالجنس ،  الذي جمعته علاقات مع أهم وأقوى الشخصيات الأمريكية والعالمية المؤثرة. 
 
وقبل الإفراج عن الملفات والوثائق في 30 من يناير/ كانون الماضي واجهت إدارة الرئيس دونالد ترامب ضغوطاً متزايدة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي للكشف عن ملفات التحقيقات المتعلقة بإبستين الذي قيل إنه انتحر عام 2019 أثناء وجوده في السجن في انتظار محاكمته.
 
 وأرجعت وزارة العدل تأخرها في الإفراج عن هذه الوثائق إلى بطء عملية التنقيح اللازمة ، وقالت إنها استعانت بما يزيد عن 400 محام حكومي وأكثر من 100 محلل بيانات من مكتب التحقيقات الفيدرالي ،  للتأكد من عدم نشر أي معلومات شخصية أو إظهار أية صورة غير مناسبة.  وقالت الوزارة " إن هذه العملية استغرقت وقتاً طويلاً بسبب كثرة المواد والطبيعة الفريدة للعديد منها ، والحاجة إلى حماية معلومات تتعلق بالضحايا ، حيث بلغ ما أتاحت الوزارة نشره من بعض الوثائق ببطء حتى يوم 30 يناير/ كانون الثاني الماضي أكثر من 3 ملايين صفحة ، و2000 فيديو وقرابة 180 ألف صورة على موقعها الإلكتروني . 
 
وتشير تقديرات لبلوغ ثروة إبستين ، عند الإفراج عنه بعد ما سجن لـ13 شهرا في ولاية فلوريدا، أكثر من 500 مليون دولار ، قدّم منها تبرعات خيرية بلغت قيمتها أكثر من 30 مليون دولار على مدى عقدين من الزمن قبل سجنه في يونيو/حزيران 2008.
 
وأسّس إبستين 4 مؤسسات خيرية غير هادفة للربح وهي: إبستين إنتريست ، ومؤسسة "سي أو يو كيو" وشركات الامتنان الأمريكي ، إضافة لمؤسسة في جزر العذراء الأمريكية ، وتقدم هذه الجهات إقرارات ضريبة في نهاية كل عام عبر نموذج 990 الضريبي.
 
ووفقاً للسجلات ، فقد قدّم إبستين تبرعات مالية ضخمة لجامعة ولاية أوهايو ، وجامعة هارفارد ، وتبرع لدعم أبحاث عدد من العلماء البارزين ، بمن فيهم الراحل ستيفن هوكينغ ، كما تبرع للعديد من المنظمات اليهودية . 
ومن بين الجهات التي تبرّع لها إبستين مالياً ، جهات يهودية مختلفة داخل الولايات المتحدة ، وأظهرت الإقرارات الضريبية، التي أُطلعت عليها صحيفة ميامي هيرالد ، مساعدة إبستين أكثر من 12 منظمة يهودية غير ربحية ومؤسسة تعليمية .
 
ومن أبرز هذه الجهات جماعات طلابية يهودية في عدد من الجامعات الأمريكية ، ومنظمة خاصة بدعم النساء اليهوديات ، وعدة مدارس ودور رعاية أطفال يهود ، ولمركز دراسات خاص بالهولوكوست، ولعدد من المعابد اليهودية ، ومنظمة بدرور السلام التي تأسست لجمع شباب من طلاب مدارس إسرائيلية وفلسطينية في مخيم صيفي في ولاية مين . 
 
وأثارت علاقة إبستين بإسرائيل كثيراً من الشبهات ، وكشفت الوثائق وجود علاقة وثيقة استمرت عقداً من الزمن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك ، الذي زار منزل إبستين في نيويورك أكثر من 30 مرة بين 2013 و2017 .
 
وقدّم إبستين تبرعاً عام 2005 قيمته 25 ألف دولار لجمعية أصدقاء الجيش الإسرائيلي ( إف آي دي إف ) ، وهي منظمة غير ربحية مسجلة تحت البند 501 (سي) (3) ، تأسست عام 1981 على يد ناجين من الهولوكوست ، وتعد المنظمة الرئيسية المصرح لها بجمع التبرعات لجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي في أمريكا .
 
وتهدف الجمعية لتلبية احتياجات جنود الجيش الإسرائيلي ، بما في ذلك البرامج التعليمية والاجتماعية والثقافية والترفيهية ، ودعم عائلات الجرحى ، والقتلى من صفوف جيش الاحتلال .  وتجمع المنظمة سنوياً مئات الملايين من الدولارات عبر مكاتبها الـ20 المنتشرة في العديد من الولايات الأمريكية .
 
أما وكر الخطايا ومسرح الجرائم وامبراطورية صناعة قرار الطغيان لإبستين ومشغليه جزيرة " ليتل سانت جيمس " التي قام جيفري إبستين بشرائها عام 1998 . وهي جزيرة صغيرة خاصة ضمن إقليم جزر العذراء الأمريكية في البحر الكاريبي ، اكتسبت شهرة دولية بسبب ارتباطها بقضية الملياردير الأمريكي المنتحر جيفري إبستين المتهم بالاتجار بالقاصرات .
 
تتميز بموقع منعزل نسبياً قبالة جزيرة سانت توماس ، مع قربها من المرافق الحيوية في الإقليم ، وتضمّ بنية تحتية مستقلة ، ومرافق ترفيهية ومساكن للنزلاء والضيوف ، كما أنها مجهزة بوسائل مراقبة سرية وكاميرات تشمل كل زاوية فيها ، حتى غرف النوم والحمامات .

كانت الجزيرة مسرحاً لبعض الجرائم التي اتهم بها إبستين، وقد اشتراها بعد انتحاره الملياردير ستيفن ديكوف وأعلن عن خططه لتحويلها إلى منتجع سياحي فاخر . وتضمّ فيلا رئيسة وعدداً من نُزُل الضيوف ، إضافة إلى مسبح كبير، ومهبط للمروحيات ، ومبنى ذي تصميم صندوقي له قبة لافتة أثار كثيرا من الجدل ، فضلا عن ساعة شمسية وإطلالات مفتوحة على مياه البحر الكاريبي . ويعكس توزيع المرافق تخطيطاً منظمًا ، إذ تتركز مبانٍ بأسقف زرقاء في الجهة الشمالية، مع فيلات متفرقة ومسبح في الناحية الغربية.
 
تتراوح مساحة الجزيرة بين 70 و72 فداناً ( نحو 28 و 29 هكتاراً تقريبا )، مما يضعها ضمن فئة الجزر الصغيرة الخاصة ، وتمتاز ببنية تحتية متكاملة تمنحها طابعاً شبه مستقل عن الشبكات العامة ، إذ يمكن تشغيل منشآتها بمعايير عالية دون الاعتماد المباشر على خدمات الإقليم ، فهي تضمّ أنظمة لتحلية المياه ، وشبكات كهرباء مستقلة ، فضلاً عن مباني سكنية ومساكن للعاملين ، ومراسي ، ومهبط مروحيات.
 
ومن أبرز معالم الجزيرة المبنى الغريب الشكل المعروف باسم "المعبد" الذي يتميز بخطوط زرقاء أفقية، وكانت تعلوه تماثيل ذهبية يُقال إنها تمثل "بوسيدون" أو آلهة أخرى !!
 
ومن تسريبات ملفات إبستين أن قطعة من ستار الكعبة المشرفة قد استحوذ عليها !! ما يعزز نظرية المؤامرة، بل رأى آخرون أن الجزيرة مكان لممارسة طقوس غريبة . 
 
وقد كشف استطلاع للراي أجرته جامعة ماريلاند في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي على 1017 امريكياً رجح 44% من المشاركين فيه ارتباط إبستين بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية . 
 
في الوقت ذاته كرر الإعلامي والمحلل السياسي الأمريكي تاكر كارلوسون علناً أن جيفري إبستين ربما كان يعمل لصالح جهاز استخبارات اجنبي والجميع يعرف أنه يعمل لصالح إسرائيل، وتحديداً الموساد .
 
وما يعزز نظرية المؤامرة - التي لا يؤمن بها الكثيرين في منطقتنا - ما تحدث به الضابط الفيدرالي الذي كان أول من داهم الجزيرة وتحدث عن المعبد المخطط بالأبيض والأزرق ، فقال: " كان أوضح دليل على أن ما كان يجري في تلك الجزيرة كان محاولة منظمة لصناعة فلسفة جديدة ، او ديانة جديدة تقريباً ،  وكأنهم يؤسسون لإله جديد من الصفر .  هذا المكان لم يبنى ليجمع الناس حوله بل ليقنعهم أن الإله يقف أمامه وإذا كان إله في تلك الطقوس ، فهو لم يكن إلهاً سماوياً كان إلهاً بشرياً ،  شخصاً يصنعون له قدسية ،  شخصاً يعتقدون أنه فوق البشر ، وفوق القانون ". 
 
إبستين لم يمارس ومن معه نزوات عابره ، أو شهوة عارمة ، ولم تكن جزيرة  " ليتل سانت جيمس" مستنقع الرذيله بكل أشكالها ، بما بما فيها أكل لحوم البشر من الأطفال.. لم تكن هذه الأفعال والجرائم محض صدفة، بل كان إبستين ومن يقف خلفه على موعد لإحداث مشروع جديد في العالم ،  وبشكل خاص للشرق الاوسط الجديد . ففي الثلاثين من شهر يناير عام 2019 اعلنت منظمة الصحة العالمية رسمياً أن تفشي فايروس كورونا يشكل حالة طوارئ صحية عامة تبعث على القلق الدولي ،  وأكدت تحول الفاشية الى جائحة يوم 11 مارس ،  مما استدعى غالبية حكومات العالم لإعلان اغلاقاً عاماً في دولها ، شمل المدارس والتجمعات واحتفالات الاعياد ،  كما شمل الإغلاق دور العبادة في العالم.
 
 فتم إلغاء موسم الحج في الحرمين الشريفين ،  كما أغلقت أبواب الفاتيكان ومتاحفه لمده 88 يوماً بسبب قيود فايروس كورونا في اطول إغلاق منذ الحرب العالميه الثانية ، كما توقفت الزيارة وأغلقت المدارس والابواب المؤدية إلى مراقد الأئمة في مدينة النجف . 
 
اليس غريباً ان تتفق دور العبادة والمرجعيات في العالم على تناقضاتها العقيدية ، والفقهية ،  وطقوسها التعبدية السماوية والوضعية ،  على الإغلاق والامتثال لقرار منظمة الصحة العالمية !! 
ثم اتبعت معظم حكومات العالم إجراءاتها في الإغلاق بإلزامية التطعيم لمواطنيها بلقاحات "كوفيد 19" كما أنها فرضت عقوبات على أولئك الذين انتهكوا السياسة الإلزامية للتطعيم ، بما فيها منع السفر ، والنشاطات العلمية والثقافية ، والدينية ، والسياحية ، والسياسية..
 
وليس من باب الصدفة ان يسبق انتشار فايروس كورونا بعامين في 18 مايو/ أيار 2018 قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده من "تل ابيب" للقدس وهو اهم بنود "صفقة القرن" التي لحقت به دول عربية أعلنت التطبيع مع إسرائيل واعترافها بخطة ترامب أو ما عٌرفت "بصفقة القرن".
 
وخلال ولاية ترامب الأولى ايضاً عام 2020 أعلن ترامب عن اتفاق "أبراهام" الذي ستوقع عليه المزيد من الدول العربية.. إلا أن الخطورة باتفاق "أبراهام" تتعدى المسألة السياسية في نسج علاقات دبلوماسية مع الاحتلال الإسرائيلي ، إذ أن الخطة والفكرة قديمة منذ عام 1993 ، من بعد اتفاقيات "أوسلو" عندما تحدث شمعون بيريز عن الشرق الأوسط الجديد . حتى أن جامعه هارفرد أصدرت عام 2015 وثيقه بعنوان:
"الاتحاد الفيدرالي الإبراهيمي" وكان نتيجة حوار استراتيجي دعمته هيلاري كلينتون التي ظهر اسمها في ملفات "إبستين"، وهذا الحوار ضم رجال دين من الديانات الثلاث حضروا من الشرق الأوسط .  وبالتالي بموجب اتفاق "أبراهام" يحق لكل أبناء الديانات من سلالة إبراهيم الصلاة في المسجد الأقصى ، مما يعني أنه لم تعد الصلاة في المسجد الأقصى حصرية على المسلمين . ولن يقتصر الأمر على الصلاة في المسجد الأقصى ، بل قد يتعدى إلى النظر في الآيات القرآنية التي تتعلق بإسرائيل، و"الجهاد" والمرأة" و"الاحكام الشرعية" وصولاً لتطبيق فكرة شيطانية باختيار المشترك من الديانات الثلاث في كتاب جديد.. 
 
وما ذاك الصمت حيال تلك الجرائم اليومية منذ ثلاث سنوات بحق المدنيين العزال في غزة حيث قد وصلت اعداد الشهداء الى 60 الفا ،  وتجاوز عدد المصابين 100,000 إلا نتاج أسر الصامتين لمنصة إبستين ومن يملكها.
 يقول الضابط الفيدرالي الذي كان أول من داهم الجزيرة: " الملفات داخل المكان لم تكن ملفات مالية أو سياسية ، كانت ملفات عضوية ، صور ،  رسومات ، تحليلات وشبكات علاقات ،  كانوا يسجلون كل شيء عن الضيوف مخاوفهم ،  رغباتهم ، حدودهم ، المعبد كان أشبه بغرفة صناعة الولاء ، مكان يعاد فيه تشكيل الضيوف نفسياً ،  وحتى طريقة تصميم الصوت والإضاءة ، داخله كانت تستخدم لتغيير حالة الشخص الذهنية ، ليس لطقس روحي ، بل لطقس خضوع ، لم يكن المكان للعبادة ، كان للتذكير ما تراه هنا يبقى هنا ، ومن يقف على هذه المنصة هو من يملكك". 
 
جزيره إبستين لم تكن مجرد مكان.. بل كانت مختبراً بشرياً لدراسة "السلوكيات" وتطبيع من يسكنون الجزيرة بالوحشية واللا إنسانية ، بمعنى آخر وأدق هو إحياء تلك التعاليم التلمودية ، وإخضاع كل من حضر للجزيرة على تبنيها ونشرها في عالم يدّعي الحضارة . 
 
ما فعله جيفري إبستين على جزيرته يُشبه تماماً في الدراسة والأبحاث ما فعله عالم السلوك الأمريكي جون كالهون في الستينيات وسبعينيات القرن الماضي ،  عندما قام بتجارب شهيرة ،  أبرزها: "الكون 25" \ Universe 25 ؛ حيث وفر بيئة مثالية لفئران (طعام ، ماء ، حماية) ولكن بمساحة محدودة. أدت الكثافة السكانية العالية إلى "غرق سلوكي" (Behavioral Sink)، مما تسبب في توقف التكاثر ، انتشار العدوانية ، العزلة ، والانقراض الشامل للفئران .  ثم صمم  لفئران كل احتياجاتها.
 
فكانت النتيجة: بدأت الفئران بإنتاج أعداد هائلة، ولكن بمجرد الوصول للكثافة القصوى، انهارت الهياكل الاجتماعية ، توقفت الإناث عن رعاية الصغار، ظهرت سلوكيات عدوانية مفرطة ، وأخرى انعزالية (المتألقون) الذين لا يأكلون ولا يتزاوجون بل يكتفون بالنوم والتنظيف.
 
الخلاصة: استنتج كالهون أن الكثافة السكانية العالية، حتى مع توفر الموارد، تؤدي حتماً إلى الانقراض السلوكي والجسدي.
ولعل نتائج تجربة "جون كالهون" تجيبنا عن غاية الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الدول الرأسمالية في نشر الأوبئه ، والأمراض ، وفايروس كورونا ، وشن الحروب واشعال الفتن ، وتأجيج الصراعات تحت مسميات وعناوين مختلفة ، واخضاع العالم ل "حكومة ظل"  تتحكم بموارده وافكاره وطاقاته ، حتى تظن بعض الشعوب والدول أنها حرة ، او أن حريتها مستمده من تلك العلاقة الوطيدة مع "وحوش الظل".
 
 في تصريحات لافتة للرئيس الامريكي دونالد ترامب عقب فوزه في ولايته الثانية يؤكد فيها "أن الله وضعه في موقع الرئاسة لإنقاذ العالم" ، ويقول: "إن الله فخور بما أنجزه" ،  معتبراً نفسه " الحامي الحقيقي للمسيحيين واليهود وغيرهم " . ويعبر دونالد ترامب خلال كلمة له في حفل إفطار "وطن" الذي يُعقد سنوياً في واشنطن عن " أمله بدخول الجنة رغم اعترافه بأنه ليس الشخص المثالي " . 

 
ترامب هو الذي قال لمجله نيويورك عام 2002 ، " أعرف جيف منذ 15 سنة إنه رجل رائع ، وصحبته ممتعة للغاية ، ويقال حتى أنه يحب النساء الجميلات مثلي وكثيرات منهن شابات صغيرات ".  لكن ترامب نفسه قال في وقت لاحق أن الخلاف وقع بينهما في أوائل العقد الأول من الألفية اي قبل سنوات من اعتقال إبستين لاول مرة. ونفى الرئيس الامريكي ارتكاب اي مخالفات تتعلق بإبستين. 
 
يبقى السؤال الذي يعنينا عن أسباب اختيار التوقيت الحالي للكشف عن الوثائق المتصلة بالفضيحة ، وإعادة تسليط الضوء عليها . ويمكن القول إنّ في هذا تداخلت السياسة والإعلام وتوازنات القوة . فعلى صعيد البعد السياسي ، علينا ملاحظة أنّ الفضائح الكبرى غالباً ما تنفجر عندما يكون النظام السياسي الدولي في لحظة ارتباك ، أو إعادة تشكيل جديد ، أو حاجة لتشتيت الانتباه عن ملفات أخطر أو أكثر إلحاحاً. 
ولعل إحدى غايات إحياء القضية خدمة إعادة ترتيب أوراق ، أو تحجيم شخصيات نافذة ذُكرت أسماؤها أو يُخشى ذكره ا، وكأنّ لسان الحال يقول: "الملف موجود... ويمكن فتحه متى شئنا".
 
فضيحة إبستين في الجوهر ملفٌّ يمسّ شبكات نفوذ مالية وسياسية وإعلامية عابرة للحدود ، قبل أن تكون مجرّد قضية جنسية أو جنائية، هي فائض قوة وتكريس الطغيان حيث المال والسلطة والرفاهية بلا قيود ، يولّدون رغبات لا يتصورها العقل البشري.
الوفرة بلا قيم تتحول إلى بغي...
القوة بلا اتزان تتحول إلى طغيان...
والإنسان إذا ترك لنفسه بلا ضابط أخلاقي ، يُصبح كالفراغ لا يشبع أبداً...
ضياع القيم والدين هو ما يحوّل الإنسان إلى مسخ نفسي وجشع بلا حدود...
قال الله تعالى ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾