• اخر تحديث : 2022-12-09 13:21
news-details
ندوات وحلقات نقاش

مقدمة

أيام قليلة فصلت زيارة بايدن وقمته في جدة وقمة طهران الروسية الإيرانية التركية. وقد أتت قمة جدة بعد تراجع بايدن عن تصريحاته حول "المملكة المنبوذة"، وتراجعه عن حل الدولتين والتزامه بامن الكيان الغاصب ومزيد من الضغط للتطبيق مع كل الدول العربية.

أما قمة طهران فهدفت إلى محاولة كبح جماح تركيا من تجديد التمادي في عدوانها على سوريا.  بالإضافة إلى قضايا أخرى خاصة الاقتصادية بعد أن وضعت أميركا على حافة الانهيار الاقتصادي العالمي.

لمناقشة أهداف هاتين القمتين عقدت الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين ندوة سياسية بعنوان: "قمم المنطقة ومأزق أميركا وحلفائها".

أولاً: معطيات أولية حول اللقاء:

الزمان

نهار الثلاثاء 19\7\2022

المكان

Zoom Meeting

مدة اللقاء

من العاشرة والنصف صباحًا لغاية الثانية عشرة

 

المشاركون السادة:

1

رئيس الرابطة د. محسن صالح

2

الكاتب والأستاذ الجامعي د. عقيل محفوض (سوريا)

3

عضو الهيئة الادارية في تركيا الأستاذ بركات قار

4

عضو الرابطة في لبنان د.  محمد نور الدين

5

 عضو الرابطة في فلسطين د. حسن لافي

 

ثانياً: مجريات اللقاء:

بعد الترحيب بالمشاركين، رأى رئيس الرّابطة د. محسن صالح في مداخلته أن قمم المنطقة انعكاس للعقل الكبير في العالم الذي يرتب موازين القوى؛ وبالتالي مصادر الطاقة والقوة من أجل الحفاظ على شكل من أشكال ما يسمى "القديم الاميركي" التي لاتزال سارية على الرغم من كل الحديث عن فشل الرئيس الاميركي جو بايدن الذي أتى لترتيب وضع صنعته الولايات المتحدة، سواء ما خص دول الخليج، أو بعض الدول العربية، أو الكيان المؤقت.

اما قمة طهران التي تبدو دائمًا دفاعًا عن النفس وردًا على المخططات الاميركية التي كانت ولاتزال تريد تقسيم العالم بما ينسجم مع مصالحها، خاصة روسيا وموضوع المؤامرة على الجمهورية الاسلامية، والاستمرار في اضعاف سوريا ومحور المقاومة، وباعتقادي لم يصلوا الى نتيجة، ليس لأنهم ضعاف؛ بل لأن قوى محور المقاومة وقوى اخرى في العالم استطاعت ان تستجيب للتحديات التي كانت تواجهها في لحظة من اللحظات، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وبعد قيام الثورة الاسلامية المباركة في ايران، وبعد قيام محور المقاومة، فقد استطاعت هذه الدول أن تجد طريقها وقوة وارادة وثقافة الى مدخل جديد للعالم.

وما نشهده اليوم في اوكرانيا هو استجابة لمحاولة اميركية لإضعاف القوى المقاتلة حتى تكون اميركا سيدة العالم، ومحاولة من روسيا وإيران والصين للتصدي لهذه المشكلة وبالتالي تستجيب الى تطلعاتها. نحن الان في خضم المعركة، والوضع يسير باتجاه قوة محور المقاومة. نحن الآن في مرحلة حرب، وليس في مرحلة ترتيبات، فأميركا كانت تريد ان تقيم ترتيبات خلال قمة جدة، ولكنها لم تستطع فعلًا ان تقيمها.

مداخلة د. محمد نور الدين

 بالنسبة لجولة الرئيس الاميركي جو بايدن في المنطقة، فقد ذكر بايدن أن اميركا عادت عن خطأها في ترك المنطقة؛ وبالتالي فإنها تعود اليها، وهذا كلام تضليلي كامل لأنه للولايات المتحدة أن تترك منطقة فيها "اسرائيل" والنفط والغاز والممرات الاستراتيجية الحيوية التي تمر منها امدادات الطاقة الى العالم كله.

ونلاحظ أنها الزيارة الأولى لبايدن لمنطقة الشرق الاوسط بعد بعد عام وثمانية أشهر من انتخابه رئيسًا، ومع اقتراب موعد انتخابات الكونغرس النصفية، وهذا أمر غير معتاد بالنسبة إلى الزعماء الاميركيين، فقد كانوا يسرنا الى زيارة المنطقة سواء إلى السعودية أو تركيا.

لذلك كان يمكن أن تتأخر زيارة بايدن أكثر، وربما لما كانت لتكون، ولكن الدافع الاساسي الذي دفعه الى هذه الزيارة هو تداعيات الحرب في اوكرانيا الاقتصادية على اوروبا واميركا، والحاجة الى امدادات الطاقة، فعامل الطاقة والاقتصاد هو الذي جعل بايدن يأتي الى المنطقة.

أما النتائج التي اسفرت عنها زيارة بايدن فقد كانت خجولة وضعيفة قياسًا الى الاهداف التي وضعها، وأعتقد أن محاولة تحشيد واقامة جبهة ضد إيران لم تكن ناجحة ولا واقعية.

وما خص قمة طهران فهدفها الاساسي هو محاولة تحصين محور المقاومة الى أقصى درجة ممكنة، والرد بالمثل على قمة جدة، بمد اليد والاستعداد للمصالحات.

والوجود التركي في قمة طهران هدفه الاساسي هو محاولة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان كسب ما أمكن أن يمتلكه من اوراق خصوصًا في سوريا لتحصين وضعه في الداخل التركي المهتز.

الحضارة الغربية لا يمكن ان تستمر الى الابد، والحرب الاوكرانية قد تكون الحجر الذي بدأ بهدم وجود ونفوذ وتأثير الحضارة الغربية، خصوصًا أن هذه الحرب الاوكرانية ورد الفعل الغربي كشف عن ذهنية عنصرية يعرف الجميع أنها موجودة لدى الغرب، ولكن لم تكن بهذا الشكل الوقح الذي ظهرت عليه عندما اعتبروا بشكل او بأخر الروس ومن معهم على انهم ليسوا منا.

ذهنية الرجل الابيض والثقافة البيضاء والحضارة البيضاء من أخطر ما نتج عن الحرب في اوكرانيا التي قسمت العالم الى فسطاطين، الفسطاط الابيض الاوروبي الغربي والاميركي والفسطاط الاخر الذي يشمل كل من ليس مع الاوروبيين والاميركيين.

اعتقد ان تركيا هي نموذج غريب وحالة استثنائية في التاريخ البشري المعاصر، بمعنى أن تركيا شهدت خلال 100 عام على الاقل ثلاث هويات حاول مهندسوها تطبيقها على المجتمع التركي، من الهوية العثمانية الى الهوية العلمانية فالهوية التي تحاول الجمع بين الهوية العثمانية والغربية، ونشب كل فترة انقلاب وانقضاض على ما كان قد أنجز في مرحلة سابقة بمعزل عن أهمية هذا الانجاز أو حجمه. وكانت تركيا في معظم حركاتها تظهر كالابن الضال الذي لا يعرف مكانًا له، فتركيا تعاني انفصامًا في الشخصية وتناقضًا مع جودها وسيرورتها، لذلك كُتب على تركيا أن تبقى حائرة.

لقد حاولت تركيا الصهر والمزج بين الثقافة الغربية والهوية الاسلامية، واردوغان حاول الامر نفسه، ولكن ليس هكذا تُبنى المجتمعات والحضارات، بل تُبنى على اساس معايير خاصة بها ومنها تنطلق لتنفتح على هذا او تعادي ذاك. وتركيا لم تسقر بعد وربما من مصلحة الأخرين (الغربيين او الشرقيين) أن لا تستقر تركيا على هوية واضحة ومحددة، وأن تبقى ريشة في مهب التوازنات والصراعات الدولية.

وما خص الوضع في سوريا فهو شديد التعقيد، وليس من بلد في العالم فيه قوى عالمية واقليمية ومحلية مؤثرة ومتعددة بالشكل الذي يوجد عليه الوضع في سوريا، سواء في شمالها او جنوبها. ونجد لاعبين عالميين موجودين في سوريا هما اميركا وروسيا، تحت هذا المستوى الاول من اللاعبين العالمين، ونجد ثلاث قوى اقليمية اساسية في المنطقة موجودة على الارض السورية: تركيا وإيران و"اسرائيل".

إذًا الحركة داخل الساحة السورية من اي طرف من الاطراف هي حركة معقدة، بمعنى هناك تفاهمات ضمنية بين روسيا واميركا بأن لا يكون هناك صدام بينهما لا برًا ولا جوًا، واللعب يحدث تحت سقوف اخرى كمسار استانا؛ وهذا المسار تحول الى مسار شكلي لا يقدم ولا يؤخر وكل بياناته حبر على ورق.

وتركيا موجودة في سوريا ليس فقط لضرب ما تسميه التهديد الكردي غير الموجود أساسًا ولم يعتد الاكراد على تركيا يومًا، بل تركيا موجودة في سوريا لأنها تريد استعادة ما تسميه الميثاق الملي بحدود 1920 الذي يضم شمال سوريا كله وشمال العراق كله، والتغييرات الديمغرافية التي تحدث على الارض تخدم هذا الهدف، ولا تخدم اي هدف أخر قد أن يتحول لاحقًا الى مساومة أو صفقة مع سوريا وغيرها من أجل الانسحاب.

لا يمكن الضغط على تركيا من أجل الانسحاب والتوصل الى اتفاقيات الا إذا أُرغمت على الموافقة على مثل هذه الاتفاقيات، وهذا غير ممكن الا من خلال الضغط العسكري. وبالتالي فكل حركة اردوغان مع اميركا أو روسيا أو اي جهة وفي الداخل التركي، مرتبطة بكيفية محاولة ضمان فوزه في الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

والحل في سوريا لا يمكن أن يتم مع السلطة القائمة في تركيا، وبالتالي الساحة السورية ستبقى عرضة للتوتر وعدم الاستقرار لغاية الانتخابات الرئاسية التركية المقبلة، عل وعسى يأتي بديل لأردوغان ليس بالضرورة أن يكون الحل، ولكن نكون امام مرحلة جديدة قد تنفتح معها ابواب الحل كاملة على مصراعيها. 

مداخلة الاستاذ بركات قار

 نشهد تطورات هامة في الاقليم في انعقاد هذه القمم المتتالية وكنا نتمنى أن تناقش هذه القمم قضايا الشعوب ومطالبهم بدل أن ناقش مواضيع عالمية ودولية لأنظمتها وتثبيت مكانتها. ومع ذلك كانت قمة جدة خجولة، واميركا لا تزال في هذه المنطق،ة ولها اصدقاء كثر لا يمكن أن تتخلى عنهم وعلى رأسهم "اسرائيل".

سنشاهد في الفترة المقبلة تطورات جادة وهذه اولويات لم تستطيع ان تخرج بقرارات فعلية في قمة جدة، وكانت الانظمة العربية التي شاركت في القمة حذرة وتترقب ما سينتج عن قمة طهران التي ذهب إليها اردوغان وهو ضعيف في موقفه الداخلي والهجوم على الاكراد في العراق، كما اصطدم بمواقف معينة في محاولته الاخيرة في شمال شرق سوريا. ولا أتوقع قرارات صارمة عن قمة طهران، بل ستحافظ على وجود تركيا ضمن إطار استانا، والان يحاولون كسب الوقت الذي ليس لصالح اردوغان في المرحلة الحالية. فكل الاحزاب المعارضة ما عدا حزب الشعوب الديمقراطي لم تعارض اردوغان في اي هجوم خارج تركيا، ولذلك قد يستخدم اردوغان الحرب في شمال شرق سوريا في انتخاباته اذا سُمح له بشنها. خاصة أن الاطماع التركية بأراضي الغير والتدخلات في الاقليم والمنطقة ليست طموح وسياسات اردوغانية فقط، فالدولة التركية تاريخيًا لها اطماع في امور كثيرة. لكن اردوغان اليوم في وضع صعب جدًا فهو لم يحقق ما يريده من قمة مدريد ولم يحقق ما يريده من الحرب الروسية الاوكرانية، وانحصر الان بمسألة سوريا وهو في مأزق نتيجة هجومه على العراق.

مداخلة د. عقيل محفوض

  إن الرهان الكردي منذ وجود اميركا في منطقة شرق الفرات على الوجود الاميركي هو المشكلة الاساسية بالنسبة للعلاقة بين دمشق وقسد، وفي كل لحظة تهديد تركي تعود الاسئلة نفسها، ما دور الحكومة السورية والجيش السوري في الدفاع عن مناطق لا يسمح للجيش السوري ان يدخلها بالأساس.

الحكومة السورية هي في وارد فعل كل شيء ممكن، لكن هناك قيود واكراهات لا تجعل المهمة ممكنة بالشكل المطلوب، خاصة أن قسد تضع حدود وتفاوض على عدد القوات التي تدخل في محيط تل رفعت او منبج. يعني هذه مشكلة معقدة؛ وبالتالي من الصعب ان يظهر تفاهم سياسي، فقد تكون هناك تفاهمات لها طابع عسكري او أمنى، وعندما تشعر قسد بتراجع التهديد تعود عن تفاهماتها الامنية والعسكرية مع الحكومة السورية وحتى مع روسيا. وليس هناك قدر من المؤشرات التي تجعلنا نتفاءل بأن يكون هناك نوع من التوافق بين قسد والحكومة السورية بقدر يمكن السوريين جميعًا من الدفاع عن ارضهم ضد الاعتداءات التركية الوشيكة.

زيارة وزير الخارجية السوري فيصل المقداد الى طهران امر مهم كون قمة طهران عنوانها الرئيس في إطار عملية استانا، وقد يكون هناك نقاش على مستوى اعلى في ما خص المبادرة الايرانية للحل السياسي والدبلوماسي لما سماه وزير الخارجية الايراني تهدئة مخاوف تركيا الامنية من حدود الجانب السوري. وعندما زار وزير الخارجية الايراني دمشق كان يتحدث عن مبادرة قال انه عرضها في انقرة ودمشق ليكون هناك تهدئة وسد الذرائع للعملية العسكرية التركية وحل طويل الامد.

هناك تواصل استخباراتي بين سوريا وتركيا ولكنه محكوم بالاعتبارات العسكرية والامنية ولا يذهب ابعد من ذلك الى تفاهمات حول سياسات متوسطة او بعيدة المدى لضبط مسائل متعلقة بالحدود الامن...

هناك نوع من التوافق شبه الكامل بين روسيا وإيران بخصوص الاعتداء العسكري المحتمل على شمال سوريا، والكل يريد ان يكون هناك ضبط سياسي لهذه المسألة وان تسد الذرائع، ولكن بتقديري الامر ليس بيدهم لان قسد تراهن على الأميركي؛ وبالتالي لا يستطيعون ان يمونوا على قسد بالقدر المطلوب، وتركيا أيضًا لديها شيء تقوله بهذا الخصوص.

مداخلة د. حسن لافي

هناك أشياء أرادها بايدن من الزيارة الى المنطقة منها حقيقية وأخرى تمويهية، وهناك أشياء أرادتها "اسرائيل" من الزيارة، استطاعت تحقيق بعضها ولم تستطيع تحقيق جلها، والسعودية أيضًا ارادت من هذه الزيارة أشياء حقيقية وأخرى تمويهية، والرابح الاكبر من زيارة بايدن هو السعودية، وهناك نوع من خيبة الامل الاسرائيلية نوعًا ما، ولكن ليس بالشكل الكبير.

استدرك جو بايدن وجود اشكالية في الصراع على مكانة الولايات المتحدة في العالم، كما شعر أن ثقة حلفائه في المنطقة بالولايات المتحدة تزعزعت خلال الاعوام العشرة الاخيرة. وهناك تيار في "اسرائيل" بدأ يشعر أن العلاقات مع أميركا بدأت تسوء، خصوصًا مع الحزب الديمقراطي، وباتت "اسرائيل" تفقد ما يسمى اجماع الحزبين، وأصبح اجماعًا لدى الحزب الجمهوري وهذا خطر.

أتى بايدن الى المنطقة لترتيب هذه العلاقات، هو قادم من اجل الاقتصاد الاميركي أولًا، فهو يريد النفط وسهولة وصول الغاز الى اوروبا، ويريد تحريك منظومة صناعات السلاح في اميركا من خلال بيع كميات كبيرة لدول الخليج كما فعل دونالد ترامب.

والاسرائيلي يريد اعادة الثقة ما بين الحزب الديمقراطي والاسرائيلي، وبايدن عندما أعلن "اعلان القدس"، فلا شيء جديد في أي بند من بنود "اعلان القدس"، والجديد أنه من رئيس ديمقراطي بعد صفقة القرن فقط. لكن القضية الفلسطينية كانت على هامش زيارة بايدن الى المنطقة. وكان بايدن ينوي زيارة "اسرائيل" فقط دون الذهاب الى السعودية؛ لكن توسطت "اسرائيل" بين الاميركي والسعودي، بمعنى لولا الضغوطات الاسرائيلية على السعوديين لما استطاع الاميركي أن يحضر قمة جدة.

إن الاميركي يريد اعادة رسم تحالفاته في المنطقة مرة أخرى، وبايدن يخشى أن تكون هناك تغيرات في التحالفات.