• اخر تحديث : 2022-12-09 14:30
news-details
أبحاث

مقدمة:

بعد فترة تراجع خلالها النشاط الإعلامي لجماعة الإخوان المسلمين إثر تجميده في تركيا، لاحت في الأفق بوادر عودة لهذا النشاط حين تم الإعلان عن إطلاق قناتين فضائيتين جديدتين تابعتين للجماعة أو بالأحرى لجبهتين من جبهاتها الثلاث التي باتت عليها اليوم، بعد إعلان “تيار التغيير” مؤخرًا عن نفسه لينضم إلى جبهة لندن بزعامة إبراهيم منير وجبهة إسطنبول بزعامة محمود حسين.

هذه العودة الإخوانية للإعلام تثير عدة تساؤلات مهمة: أولها، ما طبيعة هذه العودة، وهل تمثل بداية إعادة بناء المنظومة الإعلامية للجماعة، في هذه المرحلة التي نشهد فيها ظل حالة من الانقسام والتشرذم زادت حدتها في الآونة الأخيرة مع ظهور “تيار التغيير”؟ وثانيها، ما أسباب هذه العودة الإعلامية، وأسباب اختيار هذا التوقيت بالذات؟ وثالثها، ما مدى نجاح “الإخوان” في إعادة بناء منظومتهم الإعلامية وتوظيف الإعلام كأداة يمكن استخدامها للضغط على النظام في مصر؟ وتسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال ثلاثة محاور رئيسية، وذلك على النحو التالي.

أولًا: “الإخوان” ومحاولة إعادة بناء المنظومة الإعلامية:

خلال الأيام القليلة الماضية أُعلن عن انطلاق قناتين فضائيتين جديدتين، الأولى تحت مسمى قناة “الشعوب” وتتبع جبهة محمود حسين، وتبث من لندن، والثانية قناة “حراك 11/11 الحرية” وتتبع “تيار التغيير” وتبث من العاصمة الفيتنامية هانوي. وبحسب بعض التقارير، يقوم بتمويل قناة “الشعوب” رجل الأعمال الإخواني مدحت الحداد المقيم في تركيا، الذي يعتبر أحد أبرز قيادات الجماعة والذراع المالية للتنظيم، وتحديدًا جبهة محمود حسين في إسطنبول، ويعرف بأنه يدير عدة محافظ مالية وشركات استثمارية كبيرة لها، وهو شقيق عصام الحداد مستشار الرئيس الأسبق محمد مرسي، وعم جهاد الحداد مستشار السياسة الخارجية لمرسي أيضًا.

ويدير القناة الإعلامي معتز مطر الذي تم ترحيله من تركيا بعد أن أجبرته السلطات هناك على إيقاف برنامجه على قناة الشرق. وتعتمد القناة الجديدة في الترويج لها على مؤثرين في الرأي العام، مثل عبد الله العودة، وأسامة رشدي، وكمال الخطيب، والإعلامي الساخر جاسر الأنور، وعصام الحداد. وكان مطر قد أعلن عن القناة بالفعل منذ شهر يونيو 2022 .

ويكشف النظر إلى التفاعلات مع القناة على موقع “تويتر” عن بعض الملامح؛ من بينها أن حسابها على هذا الموقع أُطلق خلال شهر يونيو 2022 ووصل عدد متابعيها حتى لحظة كتابة هذا التقرير إلى 6690 متابعًا، أغلبها حسابات جديدة؛ ما يعني أنها ربما قد تكون صنعت خصيصًا لمتابعة حساب القناة، وهذا يوحي أنها قد تكون من صنع أعضاء جماعة الإخوان المسلمين أنفسهم.

أما قناة “حراك11/11/الحرية” فيديرها كل من خالد السرتي وطاهر الشرقاوي، وخُصِّصت لبث ونقل التظاهرات التي تدعو جماعة الإخوان المسلمين إليها في مصر في 11 نوفمبر 2022 مع محاولة تضخيمها في حالة حدوثها، إذ من الواضح أن القناة ستعتمد، كما ذكرت بعض التقارير، على بث مقاطع فيديو مصورة تصلها من مصر تغطي تلك التظاهرات.

ويكشف النظر إلى المنشورات التي تبثها القناة على مواقع التواصل الاجتماعي أن محاور عملها تدور حول مهاجمة دول الاستقرار العربي والدول التي شهدت ما يسمى بـ “الربيع العربي”، ومناهضة الاتفاقيات الإبراهيمية، واستغلال القضية الفلسطينية وتوظيفها في توجيه الانتقادات لبعض الدول العربية التي تسعى إلى تسوية القضية بشكل عادل.

ويشكل إطلاق هاتين القناتين مؤشرًا على أن جماعة الإخوان المسلمين بدأت بالفعل في إعادة بناء منظومتها الإعلامية، وأن العاصمة البريطانية لندن ستكون مركزًا لهذه المنظومة، حيث تم من هناك إطلاق مجموعة من المنصات الرقمية شملت قنوات على موقع يوتيوب، وكذلك قناة “الدعوة” وقناة “ق” التابعة لاتحاد علماء المسلمين. كما أسس المعارض والمرشح الرئاسي الأسبق أيمن نور، والمتحالف حاليًا مع “الإخوان”، شركة إعلامية جديدة تحت اسم “الشرق للخدمات الإعلامية” ستكون بديلًا عن القنوات التي تم إغلاقها في تركيا.

ويثير إطلاق قناتي “الشعوب” و”حراك”، بشكل متزامن، تساؤلًا مهمًا حول طبيعة العلاقة بين أجنحة التنظيم الثلاثة، خاصة وأنه يبدو أن محاور تغطية الأحداث والقضايا ستكون متشابهة إلى حد كبير، بالنظر إلى أنها ستدور حول الهجوم على مصر ودول الاستقرار العربي.

وفي هذا الإطار، ثمة تفسيران لهذا التزامن وهذا التشابه: أولهما أنه يمكن أن يكون هناك حالة من تكامل الأدوار بين الجبهات الثلاث، حيث يشير البعض إلى أن متابعة تحركات هذه الجبهات في هذه المرحلة يوحي بأن هناك تنسيقًا وتوزيعًا للأدوار بينهم، ففيما يضطلع إبراهيم منير وجبهته بالشأن السياسي والزعم بأن الجماعة ستتخلى عن ممارسة العمل السياسي، ينشط محمود حسين وجبهته في شن حملات دعائية عبر قناة الشعوب ومواقع إلكترونية وحسابات أخرى، بينما يتولى تيار التغيير العمل الحركي في الشارع عبر محاولة تسيير المظاهرات والقيام ببعض أعمال العنف.

في المقابل يرى أصحاب التفسير الثاني أن هذا التزامن في إطلاق القناتين يعكس حالة من التنافس بين الجبهات الثلاث، حيث ترغب جبهة محمود حسين في إثبات وجودها إعلاميًا بعد فقدان التنظيم أذرعته الإعلامية في تركيا ومن ثم الانتقال إلى لندن ومنافسة جبهة منير مراد. كما يسعى تيار التغيير إلى إثبات وجوده هو الآخر، وأنه قادر على الحشد وتحريك المظاهرات، إذ يدعو التيار إلى النزول إلى الشارع واتخاذ العنف سبيلًا، ومن ثم سيحاول أن يكون له دور في مظاهرات 11 نوفمبر التي تدعو إليها الجماعة في مصر.

واقع الأمر أنه يمكن الجمع بين التفسيرين؛ فربما نشأ نوع من تقاسم الأدوار غير المقصود بين جبهات الجماعة الثلاث، خاصة في ظل تشاركها جميعًا في الهدف الخاص بنشر الفوضى في مصر والتحريض على العنف وضرب الاستقرار الداخلي في البلاد، ومن أجل تحقيق هذا الهدف نَحَّتْ جانبًا هذه الجبهات خلافاتها، ولو لفترة مؤقتة. غير أن هذا لا يمنع أن تكون هذه الجبهات الثلاث ما زالت تتصارع، وأن كلًا منها يسعى لإحكام سيطرته على الجماعة وإثبات أنه الأحق بقيادتها، وأن منهجه في التعامل مع النظام في مصر هو الأفضل لاتباعه من أجل تحقيق أهداف الجماعة وإعادة إحيائها من جديد، بعد تعرُّضها لضربات مؤلمة أضعفتها كثيرًا طيلة السنوات العشر الماضية.

ثانيًا: عودة الإخوان الإعلامية.. الأسباب والتوقيت

لا شك أن إعلان “الإخوان” عن إطلاق فضائيتين جديدتين يثير مجموعة من التساؤلات حول أسباب هذه العودة الإعلامية، ولا سيما في هذا التوقيت. وبصفة عامة، يمكن الإشارة إلى أبرز هذه الأسباب على النحو التالي:

1. استعادة النشاط الإعلامي للإخوان بعد فقدانه في تركيا:

تدرك جماعة الإخوان المسلمين تمامًا أهمية الإعلام كأداة ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها في استراتيجيتها، سواء من أجل التمدد والانتشار أو من أجل التعامل مع نظم الحكم في مختلف البلدان، حتى إن الإعلام يعتبر إحدى أهم الركائز التي تقوم عليها البنية التنظيمية للجماعة، والتي اتخذت أنماطًا وسمات مختلفة طبقًا لكل حقبة تاريخية.

 وقد نجحت الجماعة بالفعل في توظيف الإعلام، بشقيه التقليدي والجديد، في تحقيق أهدافها التي بلغت ذروتها بالوصول إلى الحكم عام 2012، إذ امتلكت آنذاك آلة إعلامية شملت صحفًا ومواقع إلكترونية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي باللغتين العربية والإنجليزية ومؤثرين. ومن خلال كل ما سبق، تمكّنت الجماعة من إدارة الشأن الإعلامي لها بشكل نشط، والقيام بعدد من الوظائف المهمة؛ من بينها نشر الدعوة، والترويج لأفكارها، والتعبئة الجماهيرية، واستقطاب عناصر جديدة إليها، وإبراز مواقفها من الأحداث الجارية، ومواجهة الخصوم والمعارضين ونشر الشائعات الموجهة.

وشكّل خروج الجماعة من الحكم في مصر إيذانًا بدخول آلتها الإعلامية مرحلة من الجمود مع إغلاق صحفها وقنواتها الفضائية والعديد من مواقعها الإلكترونية، حتى أنها سارعت إلى إنشاء منظومة جديدة في تركيا شملت مجموعة من القنوات الفضائية وبعض المواقع الإلكترونية التي ركزت نشاطها على مواجهة النظام في مصر وإبراز سلبياته والدعوة إلى التظاهر والتحريض على العنف ضده. ومع اتجاه تركيا إلى تحسين علاقاتها مع دول الرباعي العربي (الإمارات والسعودية والبحرين ومصر) تعرضت المنظومة الإعلامية الإخوانية إلى ضغوط شديدة أدت في النهاية إلى حرمان القنوات التابعة للجماعة، مثل “وطن” و”مكمّلين” و”الشرق”، من مهاجمة مصر، بل وترحيل بعض الإعلاميين الذين كانوا يعملون في هذه القنوات، وفي مقدمتهم معتز مطر. ونتيجة لذلك؛ وجدت الجماعة نفسها بلا ذراع إعلامية قوية تساعدها في التعامل مع ما تواجهه من أزمات.

ومن هنا كان من المستبعد أن تتخلى الجماعة عن إعادة بناء منظومة إعلامية جديدة، وبعد أن وجدت الطرق مسدودة في تركيا اتجهت إلى دول أخرى، مثل المملكة المتحدة وفيتنام، لتأسيس هذه المنظومة، حيث جاء إطلاق قناتي “الشعوب” و”حراك” اللتين تعتبران – بحسب العديد من المراقبين – مجرد بداية لمنظومة متكاملة تشمل قنوات أخرى ومواقع إخبارية وغيرها.

في هذا السياق أيضًا، تسعى الجماعة عبر استعادة نشاطها الإعلامي للاستمرار في تجييش المتعاطفين وجذب شرائح أخرى، إذ إن الجماعة تدرك جيدًا أن الإعلام – ولاسيما الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي – يلعب دورًا مهمًا في جذب عناصر جديدة للجماعة، وخاصة من المتعاطفين معها، وهو الأمر الذي تحتاج إليه الجماعة في هذه المرحلة التي تتراجع فيها شعبيتها باستمرار، في ظل ما تعانيه من انقسامات وتشققات. كما تسعى الجماعة أيضًا من خلال إعادة بناء منظومتها الإعلامية إلى تنشيط كتائبها الإعلامية، وهي كتائب رقمية تقوم، بحسب بعض المحللين، بنقد المنافسين وشيطنتهم، سواء تعلق الأمر بفاعلين في الدولة أو الأحزاب السياسية أو منظمات المجتمع المدني، ولو تطلب الأمر اللجوء إلى ممارسات مُعادية للأخلاق؛ من قبيل تشويه السمعة، وفبركة الأخبار، والاتهام في الأخلاق والملَّة. ولطالما لعبت هذه الكتائب الإخوانية الرقمية دورًا مهمًا في نقد الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر، والميل إلى إظهار ما وراء بعض الأخبار، مما تُصوره على أنه يمثل أسرارًا بهدف نقد قادة النظام الحاكم! وسياساته الداخلية والخارجية؛ ومن ثم تحتاج الجماعة إلى تنشيط هذه الكتائب في هذه المرحلة.

2.  مواجهة الحراك الإعلامي المصري على المستويين الدولي والإقليمي

يتمثل أحد الأسباب الأخرى التي تقف وراء اتجاه جماعة الإخوان المسلمين إلى إعادة بناء منظومتها الإعلامية في محاولة الجماعة مواجهة حراك إعلامي مصري على المستوى الإقليمي، حيث تم الإعلان عن إطلاق قناة “القاهرة الإخبارية” التي تستهدف تعزيز وجود مصر إعلاميًا على الساحة الإقليمية، وهو الأمر الذي كانت الجماعة تراهن التنظيم على عدم حدوثه.

وتعد قناة “القاهرة الإخبارية” أول قناة إخبارية مصرية ضمن منظومة إعلامية مصرية جديدة تقودها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التي كانت قد أعلنت عن تدشين قطاع أخبار المتحدة، وهو – بحسب بعض التقارير – يعد أحد أكبر القطاعات الإخبارية فى الشرق الأوسط، ويضم قناة أخبار دولية هي قناة “القاهرة الإخبارية” وقناة أخبار إقليمية يجرى التحضير لها بالتعاون مع كبرى بيوت الخبرة العالمية، بالإضافة إلى تطوير شامل لقناة إكسترا نيوز، وإطلاق قناة إكسترا الحدث، وستعمل “القاهرة الإخبارية” على تغطية كل التفاصيل الإقليمية والدولية لحظة بلحظة، من خلال عدد كبير من الإعلاميين المصريين وغير المصريين عبر شاشاتها، بالإضافة إلى عدد من المراسلين المنتشرين في العديد من العواصم الدولية المؤثرة.

3.  الضغط على النظام المصري والتصعيد ضده

أحد الأسباب الأخرى التي تقف وراء العودة الإعلامية للإخوان هو محاولة الجماعة الضغط على النظام المصري والتصعيد ضده عبر تحريض المصريين، من خلال قناتي “الشعوب” و”حراك” ومنصات إخوانية أخرى، على الخروج إلى الشارع للتظاهر، مستغلة تنامي التحديات الاقتصادية التي تواجهها مصر، وانعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP27) خلال شهر نوفمبر في مدينة شرم الشيخ.

ويأتي اتجاه الجماعة للتصعيد في ظل إصرار النظام في مصر على رفض أي مصالحة معها، فعلى سبيل المثال رفضت السلطات المصرية بوضوح مشاركة “الإخوان” في الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس عبدالفتاح السيسي، برغم أن الجماعة كانت ترغب في المشاركة في هذا الحوار، وهو ما عبرت عنه في الرسالتين اللتين أطلقهما القيادي الإخواني يوسف ندا، ثم إعلان إبراهيم منير القائم بأعمال المرشد رغبة الجماعة في التخلي عن ممارسة أي عمل سياسي.

وقد استمر النظام على موقفه الرافض لأي مصالحة مع “الإخوان”، إذ أدرجت محكمة جنايات القاهرة، في حكم قضائي جديد، إدراج الجماعة على قوائم الكيانات الإرهابية لمدة 5 سنوات، وذلك بعد حكمين آخرين كانت محكمة الجنايات قد أصدرتهما في إبريل 2018 وإبريل 2022، ويقضيان بإدراج 1527 شخصًا وقياديًا في الجماعة على قوائم الكيانات الإرهابية، وإدراج الجماعة نفسها في قوائم الكيانات الإرهابية.

وقد تأكد هذا الموقف مرة أخرى، حينما قال الرئيس عبدالفتاح السيسي في كلمة له أمام المؤتمر الاقتصادي الذي انطلق يوم 23 أكتوبر 2022: “هل (ثورة) 2011 هي السبب في كل هذه (الأزمات والتحديات؟).. الإجابة نعم؛ لأنها أتاحت الفرصة للإسلام السياسي للوصول إلى الحكم”، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين، وتابع: “فلما وصل (الإسلام السياسي) للحكم فشل، ولم يعترف بفشله، وبدأ (يعتبر) أننا ضد الدين، وبالتالي استَعْدَانا كلنا، ويطلب منا (الآن) المصالحة!”.

وفي إطار تصعيد “الإخوان” ضد النظام في مصر يمكن الإشارة إلى مجموعة من التحركات التي قامت بها الجماعة أو ستقوم بها خلال المرحلة المقبلة:

أولها الإعلان عن “تيار التغيير” أو ما يعرف بـ “الكماليون” الذي يتولى قيادته كلٌّ من محمد منتصر المتحدث الأسبق للتنظيم، ورضا فهمي، وعمرو دراج، وجمال عبدالستار، وعمرو حامد، وأحمد مولانا، ذلك التيار الذي يرى مراقبون أنه يسعى لممارسة العنف في مصر مرة ثانية، عبر تنفيذ عمليات مسلحة، خاصة وأن بعض المتحدثين طالبوا خلال المؤتمر الذي أُعلن خلاله عن إشهار “التيار” بـ «ضرورة مواصلة العنف»، وعدم قبول (فكرة المهادنة) التي تطرحها أجنحة أخرى.

وثانيها الدعوة إلى التظاهر في 11 نوفمبر 2022، استغلالًا للظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد؛ فعقب نشوب الحرب في أوكرانيا عانت مصر من أزمة اقتصادية نتيجة ارتفاع فاتورَتَيْ الغذاء والطاقة، ولا سيما أنها مستورد كبير للحبوب، وخاصة القمح وكذلك البترول؛ الأمر الذي انعكس على المواطن المصري الذي تعرّض لتحدِّي ارتفاع الأسعار وانخفاض قدرته الشرائية؛ نتيجة تراجع قيمة الجنيه المصري أمام الدولار.

وثالثها السعي للتشويش على مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP27) الذي سوف تستضيفه مصر في نوفمبر المقبل بمدنية شرم الشيخ، والذي من المرجح أن يشارك فيه مسؤولون كبار من مختلف دول العالم. وفي ضوء أهمية المؤتمر من المتوقع أن تكون البلاد بؤرة تركيز للإعلام الدولي. ومن ثم، فإن نشوب أي مظاهرات في الشارع المصري خلال فترة انعقاد المؤتمر (6 – 18 نوفمبر 2022) ستكون محل اهتمام الإعلام الدولي، وخاصة إذا سعت قنوات الإخوان، مثل “الشعوب” و”حراك”، إلى تضخيمها.

ثالثًا: “الإخوان”.. هل تنجح في استعادة التأثير الإعلامي؟

يثار التساؤل حول مدى نجاح جماعة الإخوان المسلمين في استعادة التأثير الإعلامي في هذه المرحلة، وبتعبير آخر: هل ستتمكن الجماعة من استخدام منظومتها الإعلامية الناشئة في الضغط على النظام المصري والتصعيد ضده؟

واقع الأمر أن التجربة تكشف أن الجماعة لن تستطيع أن تنجح في ممارسة لعبة الإعلام مرة أخرى، وهناك العديد من المؤشرات على ذلك:

أولها فشل جميع الدعوات السابقة التي وجهتها الجماعة إلى المصريين خلال السنوات العشر السابقة للتظاهر والخروج إلى الشارع، وفي مقدمتها الدعوة التي أطلقها “الإخوان” للتظاهر في 11 نوفمبر 2016، تحت عنوان “ثورة الغلابة”، وهي المظاهرات التي لم يشارك فيها سوى مئات من دون أن يكون لها أي تأثير أو صدى، والمفارقة أن الجماعة سعت حينها إلى استغلال الوضع الاقتصادي الذي ترتب على قرار تعويم الجنيه المصري، وارتفاع سعر الدولار، ومن ثم ارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات، وهو الأمر ذاته الذي تحاول الجماعة استغلاله في هذه المرحلة، وإن بشكل مختلف.

وثانيها هو فقدان المصريين الثقة بالإعلام الإخواني، وخاصة بعد تجربته في تركيا، حيث ظهر واضحًا أن هذا الإعلام تم توظيفه لصالح تركيا خلال الفترة التي توترت علاقاتها فيها مع مصر، وليس أدل على ذلك من تخلص الحكومة التركية من هذا الإعلام بمجرد تحسن علاقاتها مع القاهرة. إلى جانب ذلك فقد بدا هذا الإعلام فاقدًا المصداقية، وخاصة أنه كان يتخذ مواقف متناقضة، رغبة في كسب رضا السلطات في أنقرة، ففي الوقت الذي أيد فيه إعلام الإخوان تدخُّل القوات التركية في سوريا رفض هذا الإعلام نفسه أي تدخل مصري في ليبيا.

وثالثها أن استمرار الإعلام الإخواني في ممارسة سياسة تهويل وتضخيم الأمور، وهي سياسة لطالما اتبعها طيلة سنوات ماضية، جعله إعلامًا لا يحترم المهنية، وفي هذا الصدد نشر موقع “عربي 21” القريب من الجماعة تقريرًا يوم 24 أكتوبر 2022 تحت عنوان “مراقبون مصريون: هذه مطالب وآليات التظاهر في (11/ 11)” والغريب أن هؤلاء المراقبون الذين تحدث معهم الموقع هم أعضاء في الجماعة؛ مثل أحمد حسن بكر، والممثل هشام عبدالله، وعمرو عبدالهادي وغيرهم. وقد بدأ الموقع تقريره بجملة “تسود حالة من القلق والترقب جميع المصريين حول ما قد تسفر عنه تظاهرات (11/ 11)”، وإلى جانب المطالب التي دأب الإخوان على ترديدها عند الدعوة لأي مظاهرات، روج التقرير لبعض الشائعات التي تستهدف بث حالة من القلق لدى الشارع المصري، كما تحدث التقرير وكأن هناك ثورة تجري بالفعل في مصر فتوقع أن “تقاوم قيادات الجيش الثورة”، وأن “الظروف مواتية لنجاح الثورة”.

خاتمة

يكشف العرض السابق عن أن جماعة الإخوان المسلمين تسعى إلى إعادة منظومتها الإعلامية مرة أخرى بعدما تعرضت للتجميد والإنهيار عقب خروجها من تركيا، وأن إطلاق قناتي “الشعوب” و”حراك” يمثل خطوة في بناء هذه المنظومة، ولا سيما أن الجماعة تدرك تمامًا أهمية الإعلام كأداة تستخدمها في تحقيق العديد من الأهداف التي من أهمها في هذه المرحلة مواجهة نظام الحكم في مصر.

وهناك مجموعة من الأسباب التي تقف وراء اتجاه “الإخوان” لإعادة بناء منظومتها الإعلامية، من بينها: استعادة النشاط الإعلامي للجماعة، ومواجهة التحركات المصرية الإعلامية الساعية إلى امتلاك منظومة جديدة قادرة على التأثير دوليًا وإقليميًا، والضغط على نظام الحكم في مصر والتصعيد ضده.

وبرغم ذلك فلا يبدو أن الجماعة قادرة على إعادة توظيف الإعلام مرة أخرى كسلاح في مواجهة الدولة المصرية بالنظر إلى العديد من الشواهد التي تؤكد أن هذا السلاح قد فقد الكثير من قيمته أو تأثيره، في ظل إساءة استخدامه من قبل الجماعة طيلة السنوات العشر الماضية، ومن ثم لا يبدو أن الجماعة ستنجح في تحريك الشارع المصري بواسطة الإعلام، ولا يبدو أنها ستستطيع ممارسة أي ضغط على النظام يدفعه إلى النظر في تغيير طريقة تعامله معها.