• اخر تحديث : 2022-12-09 13:21
news-details
أبحاث

لقد فرضت توجهات السياسة الخارجية المغربية تجاه إفريقيا، والإستراتيجية التنموية المتبنَّاة من قبل السلطات المغربية على المستوى الداخلي، التركيز على شراكات متعددة الأقطاب، تأخذ بعين الاعتبار الربح والمصالح الاقتصادية، ولا تغفل تعزيز الموارد السياسية والجيوبوليتيكية على المستوى الإقليمي. وفي هذا الإطار، تندرج عدة مبادرات سياسية تجاه الدول، ومشاريع التعاون الاقتصادي، وعلى رأسها مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب (2016)، الذي سيربط بين إفريقيا وأوروبا، بوصفه يعبر عن تصور جديد للمشاريع المهيكلة على المستوى الإفريقي، وعن رؤية إستراتيجية آتية من الجنوب لخدمة مصلحة الجنوب والشمال معًا، مستقلة -إلى حدٍّ كبير- عن التوجيهات الغربية.

وبقدر ما يكتسي هذا المشروع أهمية اقتصادية وجيوستراتيجية متعددة الأبعاد والأطراف، فإنه -في الوقت نفسه- يطرح تحديات كبرى، تسائل إمكانية نجاح تنفيذه واستمراره.

أولًا: الأهمية الاقتصادية لمشروع الغاز النيجيري-المغربي

إن المصالح الاقتصادية للفاعلين الرئيسيين في مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب متعددة ومتنوعة بين المصالح المباشرة والمصالح غير المباشرة، ومختلفة حسب كل طرف.

فبالنسبة لنيجيريا -باعتبارها تملك احتياطات ضخمة من الغاز، وتنتج كميات هائلة منه؛ حيث تحتل الرتبة 22 عالميًّا، والثالثة إفريقيًّا على مستوى إنتاج الغاز، والخامسة عالميًّا والأولى إفريقيًّا على مستوى تصديره، كما تتوفر على %30 من الاحتياطي الإفريقي منه، ويبلغ إنتاجها أزيد من 50 مليار متر مكعب في السنة-، فإن مصالحها الاقتصادية المباشرة تتمثل أساسًا في شقين؛ فمن جهة، سيمكِّنها هذا المشروع من مضاعفة حجم صادراتها من الغاز، والدخول إلى أسواق جديدة، وتعزيز مواردها المالية؛ ومن جهة ثانية، ستستفيد من تقليل احتراق وضياع الغاز المشترك مع البترول؛ إذ من المعلوم أنه عندما يكون في حقل واحد غاز مختلط مع البترول، فإن إنتاج البترول يعني استخراج الغاز في نفس الوقت؛ وعندما لا تكون هناك سوق اقتصادية لبيع هذا الأخير، فإنه يتم حرقه، وهو ما يعني ضياعًا طاقيًّا، وخسارة اقتصادية، وتسببًا في التلوث المحلي، والتغير المناخي.

إن مضاعفة تصدير الغاز ستمكِّن نيجيريا من زيادة مداخيل خزينتها على نحوٍ يؤدي إلى زيادة في نسبة نموها السنوي، التي تراجعت منذ سنة 2016، بعد أن حققت نسبة نمو تبلغ %6.8 بين سنتي 2005 و2013، لاسيما أن الموارد الطاقية والبترولية تعد أهم مصدر لعائدات هذه الدولة؛ بحيث تبلغ حوالي%70 من الناتج الداخلي الإجمالي.

أما بالنسبة للمغرب، فإنه يروم من وراء هذا المشروع، أساسًا، الحصول على الغاز النيجيري، وضمان مصدر تمويل إفريقي مشترك ومتعدد الأطراف، غير مرهون بسياقات العلاقات الثنائية وتقلباتها المستقبلية المحتملة، باعتبار الأنبوب الغازي سيربط بين إفريقيا وأوروبا، وقد يعرف مشاركة دول أخرى في التصدير؛ مما يجعل التنصل من المسؤولية، وفك التعاقد، أمرًا صعبًا ومكلفًا، ولاسيما للأطراف المصدرة. ينضاف إلى ذلك التزود بالغاز بتكلفة منخفضة، وبتعقيدات قليلة.

إن المشاريع الاقتصادية والتنموية التي أطلقها المغرب، أو يخطط لإطلاقها على المدى القريب والمتوسط، تتطلب كميات إضافية من مصادر الطاقة، ولاسيما من البترول والغاز؛ حيث يتزايد طلب المغرب سنويًّا على الطاقة الأولية بمعدل ما بين 5% و6.5% بالنسبة للكهرباء، على سبيل المثال

إن الإنتاج الوطني المغربي من الغاز الطبيعي لا يتجاوز 100 مليون متر مكعب في السنة، وهو رقم ضعيف، يضطر معه المغرب إلى الاستيراد. وقد بلغت كمية مشترياته منه حوالي 300 مليون متر مكعب سنة 2019، وحوالي 388.6 مليون متر مكعب سنة 2018. وتؤكد تقديرات الخبراء أن معدل طلب المستهلك النهائي من الغاز في المغرب يقدر بحوالي 1.11 مليار متر مكعب في أفق سنة 2025، و1.7 مليار متر مكعب في أفق عام 2030، و3 مليارات متر مكعب بحلول 2040، ستستعمل أساسًا لإنتاج الكهرباء.

ومن هذه الزاوية، فإن هذا المشروع يخدم التوجهات الإستراتيجية للسلطات السياسية المغربية في مجال الطاقة القائمة على نوع من الانتقال الطاقي؛ فبعد توقيعه على اتفاق باريس، يسعى المغرب إلى إنتاج حوالي %52 من طاقته الكهربائية من مصادر متجددة وبديلة في أفق سنة 2030. وفي هذا الإطار، قام ببناء محطتين لإنتاج الكهرباء، تقدر طاقة كل منهما بـ 1200 ميغا واط، في الجرف الأصفر جنوب مدينة الدار البيضاء، وظهر الدوم جنوب طنجة، ستعتمدان -في الغالب- على الغاز المستورد.

إن الحصول على كميات وافرة من الغاز النيجيري يتيح للمغرب إمكانيات مهمة للانتقال من الاعتماد الكبير على البترول والفحم إلى الاعتماد على الغاز والطاقات البديلة.

ومقابل الحاجة المتزايدة للمغرب إلى الغاز، فإن الملاحظ أن الغاز الطبيعي والسائل وغاز البترول وغيرها من الكربوهيدرات الغازية لدول غرب إفريقيا قليلة في السوق المغربية؛ إذ إن حجم الواردات المغربية من غاز البترول ومواد طاقية أخرى تُستورَد من نيجيريا لا يتجاوز %24 من حجم الواردات الإجمالي، وهو رقم ضئيل، ومن شأن إنشاء أنبوب الغاز المذكور الرفع من حجم المبادلات التجارية المغربية-النيجيرية، التي لا تتجاوز حاليًّا 1.7 مليار درهم. والسوق المغربية توفر فضاء مهمًّا لنمو وتزايد الصادرات النيجيرية من المواد الطاقية، وعلى رأسها الغاز والبوتان والبروبان.

كما يتيح الأنبوب للمغرب تعويض الغاز الجزائري، الذي كان يحصل عليه كمقابل لمرور أنبوب الغاز الرابط بين الجزائر وإسبانيا على أراضيه، والذي توقف بانتهاء مدة العقد في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2021؛ وتخفيض تكلفة الغاز، لاسيما أن الغاز المستورد تكلفته مرتفعة.

ومن زاوية أخرى، فإن المغرب -من خلال هذا المشروع- يبحث عن تدعيم مكانته ومساهمته في المشاريع الاقتصادية التكاملية في القارة الإفريقية، وتعزيز دوره في علاقات التعاون الاقتصادي جنوب-جنوب؛ حيث إن مشروع الغاز يسهم في الاندماج الاقتصادي الجهوي على مستوى غرب إفريقيا وشمالها، علمًا بأن المغرب يعتبر هذا الاندماج ضمن أولوياته الإستراتيجية في القارة الإفريقية.

وبالنسبة للدول الإفريقية التي سيمر عبر أراضيها أنبوب الغاز النيجيري-المغربي، فإن الفائدة الاقتصادية المرجوة من ذلك تختلف بين تلك الدول التي تملك احتياطيًّا من الغاز؛ حيث سيتيح لها هذا المشروع تصدير غازها وبيعه للدول الإفريقية وأوروبا بتكلفة أقل، خاصة أنه تم اكتشاف حقل ضخم مشترك بين السنغال وموريتانيا في عرض الحدود بين البلدين، يقدر محتواه بأزيد من 450 مليار متر مكعب، والذي من المرتقب أن يبدأ الإنتاج فيه سنة 2023، وبين تلك الدول التي لا تملك موارد غازية، والتي سيمكِّنها هذا الأنبوب من سهولة الحصول على الغاز بتكلفة منخفضة، لاسيما أن جل هذه البلدان تعاني من نقص حاد في الكهرباء ومصادر الطاقة الأخرى، وهو ما يحد من فرص تنميتها الاقتصادية، ويؤثر في مستوى عيش سكانها؛ إذ إن حوالي 200 مليون من سكان دول غرب إفريقيا محرومون من الكهرباء. ولذا، فإن استيراد الغاز النيجيري سيمكنها من تحويله إلى كهرباء، وهو ما سيسهم في الرفع من إنتاجها الاقتصادي، وتوسيع كهربة المناطق، وإصلاح القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

ثانيًا: الأبعاد الجيوبوليتيكية لمشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب

إن الأنبوب الغازي نيجيريا-المغرب مشروع طاقي برهانات متعددة، وأبعاد جيوبوليتيكية؛ ذلك أن مروره بحوالي 16 دولة إفريقية، قبل وصوله إلى أوروبا في مرحلته النهائية، يعني إقامة ترابط اقتصادي بين هذه الدول الإفريقية، وتعزيز فرص الاستثمار فيها، وتعاونًا بينها ينعكس مباشرةً على تنميتها الاقتصادية والاجتماعية، واندماجها الاقتصادي.

إن لمشروع الغاز نيجيريا-المغرب انعكاسات صناعية وفلاحية فالغاز يمكِّن من إنتاج الطاقة الكهربائية وصناعة الأسمدة وهذه الأخيرة تعني تحسين الفلاحة، والرفع من الإنتاج الزراعي، وإشباع حاجيات المواطنين على هذا المستوى، وتطوير القطاع الصناعي... وهي كلها فوائد تصب في تحقيق التنمية الاقتصادية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي في هذه البلدان، وضمان اندماج اقتصادي بين بلدان يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي حوالي 670 تريليون دولار، وعدد سكانها أزيد من 340 مليون نسمة.

إن هذا المشروع، في شموليته، سيمكِّن نيجيريا من تحقيق مزيد من الحضور في أسواق الغاز الإقليمية والدولية، وتعزيز تنافسيتها في هذا المجال، سواء على المستوى الإفريقي أو على مستوى السوق الأوروبية، لاسيما أن نيجيريا خبرت جيدًا فائدة مثل هذه المشاريع؛ بحيث إنها تصدر غازها، عبر أنبوب غازي، منذ سنوات إلى بنين وتوغو وغانا.

وتمتد الأبعاد الجيوبوليتيكية لتهم دول الاتحاد الأوروبي؛ بحيث سيشكِّل أنبوب الغاز النيجيري-المغربي مصدرًا إضافيًّا للغاز الطبيعي، وسيحقق جزءًا من أهدافها الإستراتيجية على مستوى الطاقة، المتمثل في تنويع مصادر حصولها على الغاز؛ فالاتحاد الأوروبي يبحث، منذ سنوات، سبل تنويع مصادره لاستيراد الغاز، خارج مزوده الرئيس "روسيا". وقد بدأت تحقق ذلك من خلال أنبوب الغاز أذربيجان، الذي يقطع بحر قزوين، والذي شرع في استغلاله منذ مدة قصيرة.

إن الاتحاد الأوروبي الذي يحصل على الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة الأميركية وقطر وروسيا، وأمام التحديات التي يطرحها الغاز الروسي في ظل الحرب الروسية-الأوكرانية، قد يبحث بجد سبل تفعيل الأنبوب الغازي النيجيري-المغربي، وأخذه بديلًا مهمًّا ضمن إستراتيجيته الطاقية.

إضافة إلى ذلك، فإن هذا المشروع يخدم الإستراتيجية المغربية، طويلة المدى، تجاه إفريقيا، التي تتبناها أعلى سلطة في البلد، وهي إستراتيجية شمولية قائمة على بناء مستقبل تنموي مشترك بين دول غرب إفريقيا، وتعزيز التعاون جنوب-جنوب في ظل شراكة رابح-رابح. كما يخدم أهدافًا سياسية غير معلنة، متمثلة في تحييد موقف بلد مؤثر في إفريقيا من قضية الصحراء، ألا وهو نيجيريا، وكسب هذا البلد صديقًا داعمًا للمشروع المغربي المقترح لحل هذه القضية، إلى جانب باقي البلدان التي سيمر منها أنبوب الغاز.

ثالثًا: الرابحون والخاسرون المحتملون من أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب

إن هذا المشروع الإستراتيجي، في حالة نجاحه، سيحقق أرباحًا كبرى لعددٍ من الأطراف، مثلما قد ينعكس سلبًا على مصالح أطراف أخرى.

1- الرابحون المحتملون

على رأس هؤلاء نجد نيجيريا، التي تعد طرفًا رابحًا في جميع السيناريوهات المحتملة لأنبوب الغاز، سواء تم تدشينه إلى نهايته المتصورة؛ حيث ستتمكن من تصدير مزيد من كميات الغاز إلى أوروبا، وزيادة حصتها في أسواق هذه الدول، التي تعد واحدة من أكبر المستهلكين للغاز عالميًّا؛ أو لم يتم إيصال الأنبوب إلى وجهته المرسومة؛ حيث ستستفيد نيجيريا من تصدير غازها إلى دول غرب إفريقيا والمغرب.

إن نيجيريا تعد الرابح الأساس من مشروع خط الغاز نيجيريا-المغرب في جميع السيناريوهات، باستثناء الفشل النهائي للمشروع، وهذا مستبعد جدًّا، بوصفها ستصبح المزود الرئيس للغاز الذي سيمر عبر الأنبوب.

ويعد المغرب المستفيد الثاني من هذا المشروع؛ لأنه سيتيح له إمكانيات كبرى للتموقع بقوة في اقتصاد منطقة غرب إفريقيا خاصة، وفي إفريقيا عامة، وسيقوي توجهه الإفريقي؛ بحيث إن استثمارات المغرب أصبحت واقعًا حاضرًا في اقتصاديات أزيد من 20 دولة إفريقية. كما سيمكنه ذلك من تنويع مصادر حصوله على الغاز، والقطع مع بعض المصادر التقليدية المكلفة ماليًّا وسياسيًّا.

وستستفيد الدول التي سيمر منها أنبوب الغاز كذلك؛ إذ ستحصل على الغاز النيجيري بتكلفة أقل، علاوة على فرص إسهامه في اندماجها الاقتصادي الإقليمي، وبناء بنيتها التحتية، وتعزيز مواردها الاقتصادية.

وبما أن الدول الأوروبية من أكبر المستهلكين للغاز الطبيعي، وفي ظل ارتفاع تكلفة استخراج الغاز الخام وتحويله إلى الغاز السائل، الذي تحصل عليه الدول الأوروبية من الولايات المتحدة الأميركية خاصة، وفي ظل التحديات الكبرى التي تطرحها الحرب الروسية-الأوكرانية على مستوى إمداد أوروبا بالغاز الروسي، واتخاذ النفط والغاز ورقة سياسية وحربية، فإن الدول الأوروبية تعد من الأطراف الرابحة من المشروع؛ إذ سينوع بدائل الاستيراد أمامها، ويوسع خياراتها الإستراتيجية في مجال استيراد الغاز الطبيعي، ولاسيما التخفيف من التبعية لروسيا. فعلى سبيل المثال، تستورد ألمانيا وحدها حوالي %30 من احتياجاتها الغازية والنفطية من روسيا.

2- الخاسرون المحتملون

- روسيا

إن مشروع الغاز النيجيري-المغربي سيجعل روسيا أمام منافس جديد في السوق الأوروبية، باعتبارها كانت مزود أوروبا الرئيس بالغاز والنفط. ومن المرجح أن إنجاز هذا المشروع سيؤثر، بشكل أو بآخر، على نسبة الغاز الروسي المصدَّر إلى أوروبا. ولعل هاجس روسيا في الحفاظ على موقعها، في مجال الغاز المصدر إلى أوروبا، كان وراء قيامها بتدشين أنابيب غاز جديدة نحو أوروبا، وبالخصوص أنبوب تورك ستريم (Turkstream)، وأنبوب نوردستريم2 (Nordstream2). لذلك، فإن من الطبيعي أن تنظر روسيا نظرة ريبة إلى كل مشروع يمكن أن ينافسها مستقبلًا في السوق الأوروبية.

- الجزائر

باعتبار الجزائر تعد مصدرًا مهمًّا للغاز إلى الدول الأوروبية، سواء عبر أنبوب الغاز الجزائر-إسبانيا أو عبر طرق أخرى، فإن إنجاز مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب سيؤثر سلبًا على مكانة الجزائر الإستراتيجية في سوق النفط والغاز الأوروبية. وتجنبًا لهذا السيناريو، يلاحظ -في السنوات الأخيرة- نوعٌ من الإحياء لمشروع أنبوب غاز يربط نيجيريا والجزائر وأوروبا عبر النيجر، الذي طُرح كفكرة في عام 1992.

أضف إلى ذلك أن نجاح المشروع النيجيري-المغربي سيعني، بدون شك، خسارة صداقة عدد من دول غرب إفريقيا في ملف قضية الصحراء، وعلى رأسها نيجيريا، التي كانت تعد -إلى عهد قريب- من أهم دول الحلف الداعم للبوليساريو في إفريقيا، إلى جانب الجزائر وجنوب إفريقيا. ومن شأن نجاح هذا المشروع تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين نيجيريا والمغرب على حساب التقارب بين نيجيريا والجزائر.

وفي ظل التنافس المحتدم بين المغرب والجزائر، فإن نجاح المشروع النيجيري-المغربي، في حالة فشل المشروع الغازي النيجيري-الجزائري، سيعد انتصارًا اقتصاديًّا وسياسيًّا للمغرب كقائد لتعاون جنوب-جنوب في شمال إفريقيا وغربها. وبالتأكيد سيعد ذلك -بالمقابل- خسارة كبرى للنخب السياسية والعسكرية الجزائرية، التي تعتمد على قضية تنافسها مع المغرب للحفاظ على مشروعيتها السياسية.

رابعًا: التعبئة لفائدة مشروع الغاز نيجيريا-المغرب

اعتبارًا لضخامة مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، وللإمكانيات الاقتصادية والمالية والسياسية التي يتطلبها إنجازه، فإن التعبئة ومدى القدرة على إقناع أطراف فاعلة، على المستوى الإفريقي والأوروبي -وحتى العالمي- به، تبقى من أهم محددات تقدم هذا المشروع الغازي؛ إذ إنه مهما كانت الأفكار جيدة، فإن واقعيتها وقابلية تنزيلها ترتبطان بالإمكانيات الاقتصادية والمالية، وانخراط الأطراف المعنية والمستفيدة من المشروع. هذا مع العلم بأن مشاريع من هذا القبيل ليست بغريبة ولا جديدة على المنطقة؛ ففي سنة 2000، طرحت شركة أميركية، هي (Van DyKe)، يوجد مقرها بولاية تكساس، فكرة إقامة مشروع لربط غرب إفريقيا بأوروبا، لكنها ظلت حبيسة التفكير! كما طُرح مشروع ربط الغاز النيجيري بأوروبا، على طول 4000 كلم عبر الجزائر والنيجر، ولكنه لم ير النور إلى حد الآن، وكان قد وُضع له تصورٌ منذ بداية تسعينات القرن الماضي، وعرف نوعًا من عودة الحماس إلى فكرته في عهد الرئيس الجزائري الراحل، عبد العزيز بوتفليقة، إلا أنه لم ينفذ كما قلنا.

وعليه، فإن المغرب ونيجيريا يعملان، منذ الإعلان عن فكرة مشروع الغاز النيجيري-المغربي سنة 2016، على إشراك أهم الأطراف المعنية بالمشروع في الدراسات القبلية، التي انطلقت في شهر مايو/أيار 2017؛ وذلك بهدف توسيع دائرة داعمي المشروع، وإقناع الدول المعنية بجدواه على التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، يأتي:

- تدشين نيجيريا الخطوات الأولى للانضمام، من خلال صندوقها السيادي (NSIA)، إلى مبادرة النمو الأخضر الإفريقية (GGIF)، التي أطلقها البنك الدولي، وصندوق الاستثمار المغربي، خلال قمة المناخ "كوب 22" التي انعقدت بمراكش، في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

- توجيه الملك المغربي محمد السادس طلبًا إلى المؤسسات المالية العربية والإسلامية، خلال اجتماعها السنوي بالرباط، في شهر أبريل/نيسان 2017، لحثها على المساهمة في تمويل هذا المشروع، الرامي إلى تعزيز آفاق الشراكة والتعاون جنوب-جنوب.

- فوز المغرب بمساندة ثلاثة من بلدان الخليج العربي، وهي: السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، للمساهمة في تمويل هذا المشروع؛ من خلال القروض، واستثمارات صناديقها السيادية. وهو مكسب مهم؛ لما لهذه الدول من إمكانيات مالية، وعلاقات سياسية قوية وتقليدية مع الدولة المغربية.

- إقناع الدول التي سيمر منها أنبوب الغاز بالمساهمة في تمويل جزء من المشروع؛ وذلك من خلال توقيع مذكرة تفاهم بين شركة البترول الوطنية النيجيرية المحدودة (NN.PCL)، والمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن المغربي، ومفوضية المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، مضمونها تأكيد هذه الدول المساهمة في تنفيذ هذا المشروع، والتزام الدول الموقِّعة بتوفير حوالي ثلاثة مليارات متر مكعب من الغاز لدول غرب إفريقيا عبر المغرب؛ ومن ثم إلى أوروبا. فهذا الاتفاق يعبِّر عن اقتناع الجانب الإفريقي من مشروع الغاز بأهميته الاقتصادية. إن تعبئة مجموعة دول غرب إفريقيا؛ للمساهمة في هذا المشروع، يوسع دائرة المساندين له على المستوى الإقليمي، ويحقق له مشروعية على المستويين، الاقتصادي والتنموي.

- موافقة صندوق تابع للأوبك (OPEC) على تمويل المرحلة الثانية من الدراسات، ولاسيما الدراسات الهندسية التفصيلية.

- الدفاع عن مشروع الغاز في الملتقيات الاقتصادية والمالية الدولية. وفي هذا الإطار، تأتي مشاركة المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن المغربي "السيدة أمينة بن خضرة" في الدورة الاستثنائية الـ33 لمنتدى "كرانس مونتانا-إفريقيا"، بداية شهر يوليو/تموز 2022. ولا شك في أن مثل هذه الملتقيات، التي تعرف مشاركة المؤسسات الأوروبية، والمنظمات الدولية، والسلطات الرسمية، وأوساط الأعمال عبر العالم، تعد فرصة مهمة للبحث عن تمويلات، وعقد شراكات لفائدة المشروع.

- توقيع مذكرتي تفاهم بين أربع دول إفريقية في العاصمة الموريتانية، نواكشوط، بتاريخ 15 أكتوبر/تشرين الأول 2022؛ الأولى بين المغرب ونيجيريا وموريتانيا، والثانية بين نيجيريا والمغرب والسنغال بشأن خط أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب؛ بحيث وُقِّعت المذكرة الأولى من طرف المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن المغربي وشركة البترول الوطنية النيجيرية والشركة الموريتانية للمحروقات، والمذكرة الثانية من طرف شركة البترول الوطنية النيجيرية والمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن المغربي، والشركة القابضة للبترول في السنغال.

- إعلان رئيس ليبيريا "جورج ويا"؛ ضيف شرف الدورة الرابعة عشر لـ"منتدى ميدايز"، المنظم بطنجة في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، عن دعمه الكامل لمشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، وعن استعداد بلاده للاستثمار في هذا المشروع الواسع.

إن تعبئة الأطراف المعنية بالمشروع والمستفيدة منه، وتعبئة عدد من المؤسسات التمويلية الوطنية والدولية، تسهم -بشكل كبير- ليس فقط في تأكيد الجدوى الاقتصادية للمشروع، وإنما كذلك في تأكيد واقعيته وقابليته للإنجاز في المدى المتوسط، بعد سبع سنوات من الإعلان عن المشروع، على الرغم من أن دول الاتحاد الأوروبي لم تبد اهتمامًا كبيرًا بالمشروع، ولم تسهم -إلى حد الآن- في تمويل دراسة الجدوى والدراسات الهندسية الخاصة به.

إن الطرفين الرئيسيين في مشروع الغاز نيجيريا-المغرب استمرا في تعبئة قدراتهما السياسية، وحافظا على وحدة خطابيهما بشأن المصلحة المشتركة لهما، ولباقي دول غرب إفريقيا؛ بحيث لم تتأثر خلال سبع سنوات، ولم يتراجع اقتناعهما بالمشروع وأهميته الاقتصادية، بل يعبر قادة ومسؤولو البلدين، في كل مناسبة، عن انخراطهم الفعلي المتزايد لتنزيل المشروع، وعن إرادتهم بداية الأشغال، وخاصة تمديد أنبوب الغاز غرب إفريقيا الذي يصل بين نيجيريا وبنين وتوغو وغانا.

إن استمرار الإرادة المشتركة للبلدين، المعبر عنها من خلال عدد من اللقاءات والتصريحات، وتوقيع مذكرات تفاهم، من المؤشرات القوية على الانتقال من التصور إلى الإجراءات والتنفيذ؛ فشركة البترول الوطنية النيجيرية أعلنت، في شهر يونيو/حزيران من السنة الجارية، عن عزمها بداية إنجاز الشطر الأول من المشروع، الذي سيمكِّن نيجيريا، في المستقبل القريب، من تصدير غازها إلى الدول المجاورة لها كمرحلة أولى(24)، والذي لن يكلف الكثير من الاستثمارات، وهو ما يعني أن التنفيذ المتدرج لأنبوب الغاز يمكن أن يشكِّل حلًّا للتغلب على إكراه الموارد المالية الضخمة، التي يتطلبها المشروع، والتي تقدر بحوالي 25 مليار دولار.

خامسًا: تحديات بنيوية وظرفية تواجه مشروع الغاز نيجيريا-المغرب

على الرغم من أن العديد من التقارير تشير إلى التكلفة المرتفعة لمشروع أنبوب الغاز نيجيريا- المغرب، وصعوبة الاعتماد على الإمكانيات المالية الذاتية للدول المعنية بهذا المشروع، فإنه يمكن القول، في ظل التطورات التي يعرفها المشروع: إن تمويله لم يعدْ مطروحًا بحدة الآن؛ إذ إن تمويل مشروع من هذا الحجم أصبح شبه مؤكد؛ بالنظر إلى فوائده الاقتصادية والمالية، سواء من قبل المقاولات والشركات المعنية بالاعتماد على رأسمالها الخاص، أو بالاعتماد على القروض، أو من لدن المؤسسات البنكية الوطنية والإقليمية والعالمية، أو من طرف الدول الصديقة للبلدين؛ لذلك، فإن التحديات، التي تواجه مشروع الغاز نيجيريا-المغرب، لا ترتبط بالتمويل المالي، بقدر ما ترتبط بتحديات أخرى أساسية، يمكن التشديد من بينها على ما يأتي:

1- تحديات زمنية: مشكل تأخير التنفيذ، وانعكاساته

إن طول المسار الجغرافي لأنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، المتراوح ما بين 5600 و7000 كلم، وعبوره 13 دولة، يطرح صعوبات متعلقة بتنفيذ المشروع في وقته المتوقع سلفًا؛ إذ إن اختلاف مستويات الدول، وتباين إمكانياتها الاقتصادية وبنياتها التحتية، والتحديات الأمنية في بعض البلدان... قد تكون مصدر تحديات تؤخر المشروع، وتطيل من عمر الإنجاز والتنفيذ. وهو ما يؤثر على جهود التعبئة المالية، والشراكات الخارجية. فإذا كانت حاجات أوروبا من الغاز تتعاظم، في ظل تزايد ضغوطات روسيا، ومساومتها للدول الأوروبية، بعدما أظهرت الحرب الروسية-الأوكرانية انتقال روسيا من التأكيد على الطابع الاقتصادي والتجاري للمعاملات الطاقية بين روسيا وأوروبا، إلى المساومة الطاقية، وتوظيف ورقة الغاز، والطاقة عمومًا، في الصراع الحربي والسياسي؛ فإن الأمن الطاقي قد يدفع الدول الأوروبية إلى الانخراط الجدي في التمويل، والتعبئة السياسية لفائدة المشروع. إلا أن أي تأخر في التنفيذ -بوصفه يؤثر في توقعات سياسات الدول الأوروبية في مجال الطاقة، وفي مسألة استشراف برامجها ومخططاتها الطاقية، ويزيد من التكلفة الاقتصادية والمالية والسياسية للانخراط في سيناريوهات بديلة- سيؤثر سلبًا في الدعم الأوروبي لهذا المشروع.

2- ضعف البيئة الديمقراطية في الدول الإفريقية

إن الدول الحاضنة لمشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب تتميز بضعف مؤشراتها الديمقراطية؛ إذ إن أغلب البلدان الثلاثة عشر تُصنَّف ضمن الدول غير الديمقراطية، وهو ما يطرح تحديات أمام مشروعية ومقبولية هذا المشروع سياسيًّا، كما يطرح تحديات نابعة من تعاقب الحكام الذي لا يكون دائمًا سلسًا وسلْميًّا، وقد يفرز نخبًا غير متحمسة للمشروع، بل معرقلة له، ومتنصلة من التزاماتها بشأن هذا المشروع.

إن التعددية الحزبية، والعلاقة بين نتائج الانتخابات وتشكيل المؤسسات السياسية، والتناوب على السلطة، ومرونة التنافس السياسي، ووجود سياسات عمومية مشتركة لدى أغلبية الفاعلين والمواطنين... عوامل تشكل قاعدة صلبة للاستقرار السياسي الداخلي، وتضفي مشروعية على مشاريع التعاون والشراكة الإقليمية والدولية، بوصفها تقودها حكومات منتخبة، ذات مشروعية سياسية. كما تشكِّل مقومًا مهمًّا لكل تنسيق مثمر، وشراكة فعلية؛ ذلك أن وحدة اللغة السياسية، وتقاربها، من العناصر الأساسية لإنجاح مشاريع التعاون الإقليمي، وتسريع الاندماج في مثل هذه المشاريع الإستراتيجية العظمى.

إن البيئة الديمقراطية الإقليمية تفتح آفاقًا كبرى لنجاح الاندماج الاقتصادي، والتعاون متعدد الأطراف، وتحقيق الأهداف والمصالح الجماعية للدول والشعوب، وعلى رأسها تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ إنه كلما كانت الدول المعنية بالتعاون الإقليمي، والشراكة متعددة الأطراف، دولًا ديمقراطية، تعرف تقاليد وممارسات سياسية ديمقراطية، وحدودًا معقولة من الفصل بين السلطتين السياسية والاقتصادية، كانت فرص استمرار التزامات الدول في مجال التعاون الاقتصادي والاندماجي أكبر، وفرص تجنب التصادمات والأزمات بينها ممكنة.

إن الخلافات حول كيفية الاستفادة من حقوق العبور، والمشكلات المتعلقة برسوم العبور، وخاصة مع احتمال رفضها من قبل بعض الدول المعنية بالمشروع، واحتمال عجز بعض الدول عن دفع مستحقات الاستهلاك؛ كما حدث في مشاريع مماثلة؛ كأنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا وبنين وتوغو وغانا، والدفع بشعارات؛ من مثل "التضامن بين الدول الإفريقية"، و"المساهمة الرمزية"، و"الظروف الاقتصادية المتردية أو القاهرة"، من قبل بعض الدول للتنصل من التزامات استفادتها من مشروع الغاز... تبقى واردة.

كما أن الجمع بين السلطتين السياسية والاقتصادية، التي تعرفها جل البلدان المرتبطة بمشروع أنبوب الغاز -وإنْ بدرجات متفاوتة- يقوي احتمالات تأثير النخب المهيمنة، والمسيطرة في عدد من هذه البلدان، في مشروع الغاز، وتقوية مصالحها، ولو على حساب المشروع، وفوائده الاقتصادية والاجتماعية. وقد يصل ذلك إلى عرقلته واستمراره في حال تعارض مصالحها مع المشروع، أو انخفضت؛ ذلك أن الجمع بين السلطتين، السياسية والاقتصادية، في هذه الأنظمة السياسية، يرجح كفة المصالح الاقتصادية والسياسية للنخب المسيطرة والنافذة في هذه البلدان، ويقوي تأثير المجموعات الضاغطة، التي لا تكون دائمًا مستقلة عن الخارج وإملاءاته.

أضف إلى ذلك أن ضعف البيئة الديمقراطية في هذه البلدان يحد من إمكانية حل الخلافات التقليدية والمستجدة بين هذه البلدان على نحو سلمي وحضاري، ومن إمكانيات التفاهم السريع والمستقر؛ فالعلاقات بين عدد من البلدان التي يمر منها هذا المشروع يغلب عليها الطابع الصراعي والمتوتر، وإن تسوية النزاعات بينها تستغرق وقتًا طويلًا، وتكون بشكل يؤثر سلبًا في زمن الاستقرار وزمن التنمية في هذه البلدان.

3- ضعف البنية الاقتصادية للدول المعنية بأنبوب الغاز

بحيث يفتقر أغلبها إلى بنية اقتصادية قادرة على مواكبة هذا المشروع، والاستفادة الحقة منه؛ فهي تعرف ضعفًا كبيرًا في الكهربة والطرق المعبدة والبنيات الصناعية، وهو ما يؤثر على آفاق هذا المشروع، ويحد من إمكانية الاستفادة الفعالة منه، ويحد -بالتالي- من التفاعل الإيجابي معه، والانخراط الفعلي فيه. فقد كشف تقرير حديث لموقع "دير شبيغل" الألماني عن الحجم المهول لضعف البنية التحتية لدول المشروع، بما فيها نيجيريا، التي تعاني من نقص في الكهرباء، وانتشار ظاهرة سرقة الغاز على طول الخطوط الممتدة من حقول الإنتاج إلى موانئ التصدير.

4- تحديات أمنية

تعرف المنطقة الحاضنة لمشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب أوضاعًا أمنية هشة؛ بفعل وجود نشاط جماعات إرهابية في الأساس. فعلى سبيل المثال، تواجه نيجيريا، منذ سنوات، تهديدات جماعة "بوكو حرام"، كما أن عددًا من دول المنطقة معني بتهديدات الجماعات الإرهابية التي تنشط في الصحراء والساحل.

وتظل المنطقة مرشحة للتدخلات العسكرية الخارجية، التي تتم تحت ذريعة محاربة الإرهاب والتطرف، وحماية حقوق الإنسان، وكما تظل محكومة، في العمق، بحماية المصالح الاقتصادية والسياسية للدول المتدخلة.

إضافة إلى أن عددًا من الدول المعنية بالمشروع تشهد مؤشرات تصاعد الصراعات الإثنية والعرقية والدينية، بشكل يهدد استقرارها، ويقوي التسلط السياسي والتدخل العسكري في السلطة السياسية داخلها. وما يجعل هذه التهديدات الأمنية تحديًا حقيقيًّا أن أغلب البلدان التي يمر بها أنبوب الغاز دول فقيرة؛ لذلك، تظل الهزات والانفجارات الاجتماعية فيها واردة في أي حين. إن مثل هذه العوامل قد تؤثر في استمرار تصدير الغاز النيجيري بشكل مستقر وآمن.

5- الحسابات الجيوستراتيجية

إن أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب يقع في مثلث إستراتيجي مهم لإفريقيا والدول الأوروبية؛ بحيث يجمع دول شمال إفريقيا وغربها، ويهم دولًا في تنافس وصراع مع دول إفريقية أخرى. نشير، هنا، إلى الصراع السياسي التقليدي بين المغرب والجزائر الداعمة للبوليساريو، والتي تقف ضد حل مشكل الصحراء، كما يهم دولًا أوروبية تجمعها علاقات معقدة بالدول الإفريقية، يصعب -في الكثير من الأحيان- التوفيق بين أقطابها، وبناء علاقات اقتصادية وسياسية متميزة، وهو ما يحد من الانخراط الجدي لأوروبا في هذا المشروع، بعد مرور أزيد من سبع سنوات على الإعلان عن المشروع، وبعد أربع سنوات من التوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاقية بين المغرب ونيجيريا سنة 2018. وهو ما يفسر تأخر الدول الأوروبية وترددها في الاقتناع بجدوى المشروع الاقتصادية، بل وصل الأمر إلى التنقيص من قيمة المشروع من قبل الرئيس الفرنسي، مانويل ماكرون، الذي صرح سابقًا بأنه ليس هناك جدوى اقتصادية للمشروع!

إن التدخلات السياسية والإستراتيجية تظل مؤثرة -بلا ريب- في تنزيل هذا المشروع بنجاح، ومحددة لتفاعل الدول الأوروبية معه.

خاتمة

بعد سبع سنوات عن الإعلان عن مشروع الغاز نيجيريا-المغرب، استطاع البلدان المعنيان بالمشروع كسب العديد من النقط الإيجابية لفائدة المشروع، لاسيما إقناع العديد من البلدان بواقعيته، وفائدته الاقتصادية، واستعدادها للمساهمة في تمويل هذا المشروع. وبالرغم من تردد الدول الأوروبية في التفاعل مع المشروع، الذي يفسر تأثيراته الجيوستراتيجية، فإن التقارب الكبير بين المغرب ونيجيريا وعدد من بلدان غرب إفريقيا، واكتشاف حقل غازي مشترك بين السنغال وموريتانيا.. تقوي إمكانيات التغلب على الإكراهات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تواجه هذا المشروع.