• اخر تحديث : 2023-01-28 00:24
news-details
قراءات

أعلنت حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى في أواخر نوفمبر 2022 أن طائرة قادمة من دولة مجاورة قصفت ليلاً معسكراً يضم عسكريين و”حلفاء” روساً في شمالها، وأوضحت حكومة بانجي في بيان لها أن الطائرة “ألقت متفجرات في مدينة بوسانجوا مستهدفة قاعدة لهذه القوات ومصنعاً للقطن”، وهو ما يثير التساؤلات حول تصاعد وتيرة حرب الوكالة بين باريس وموسكو في منطقة غرب أفريقيا.

مؤشرات عديدة

ويمكن رصد العديد من المؤشرات على تصاعد وتيرة الحرب بالوكالة بين باريس وموسكو في منطقة غرب أفريقيا، على النحو التالي:

1- تزايد أعداد الانقلابات العسكرية في المنطقة: جادلت بعض الاتجاهات بأن انقلاب بوركينا فاسو الأخير، في أكتوبر الماضي، بقيادة إبراهيم تراوري، على بول هنري دواميبا، وهجوم المتظاهرين على المؤسسات الفرنسية في واجادوجو، ورفع الأعلام الروسية في تظاهرات البوركينيين، مؤشر على انضمام بوركينا فاسو إلى دائرة النفوذ الروسي بعد أفريقيا الوسطى ومالي؛ حيث يأتي انقلاب بوركينا فاسو في سياق تصاعد موجة من الانقلابات العسكرية في المنطقة، لا سيما في مالي ونشر قوات فاجنر في هذه البلاد، وأيضاً بعد اغتيال الرئيس إدريس ديبي في تشاد في أبريل الماضي، وانتقال السلطة إلى مجلس عسكري وحكومة انتقالية، ثم تمديد الفترة الانتقالية في البلاد خلال نوفمبر الماضي.

2- تصعيد فرنسا ضغوطها السياسية على مالي: وذلكبعد إعلان فرنسا وقف مساعداتها التنموية لمنظمات غير حكومية في مالي في نوفمبر الماضي، على خلفية تطوير الأخيرة علاقاتها بموسكو والسماح بنشر قوات فاجنر الروسية على أراضيها؛ حيث نشر رئيس الوزراء المالي المؤقت العقيد عبد الله مايجا، في 21 نوفمبر 2022،، بياناً على وسائل التواصل الاجتماعي قال فيه إن مالي قررت “حظر جميع الأنشطة التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية العاملة فيها، بأثر فوري، بتمويل أو دعم مادي أو تقني من فرنسا”، واعتبر العقيد مايجا  أن اتهامات فرنسا لمالي بالتعاون مع الروس “ادعاءات وهمية” و”حيلة تهدف إلى خداع الرأي العام الوطني والدولي والتلاعب به”.

3- إعادة الانتشار العسكري الفرنسي في المنطقة: خاصة بعد أن أعلنت باريس سحب قواتها من مالي ثم أفريقيا الوسطى، على خلفية توصل الحكومة الانتقالية في مالي إلى صفقة سياسية مع موسكو لنشر قوات فاجنر في البلاد، وهو ما أدى لاحقاً إلى سحب فرنسا قواتها من مالي وإعادة نشرها في النيجر، وأخيراً إعلانها عن إنهاء مهمة برخان في منطقة الساحل، في نوفمبر الماضي، وإعلانها في الوقت نفسه عن دراسة لطرح استراتيجية جديدة في المنطقة، واتجهت خلال نوفمبر 2022 إلى سحب قواتها من أفريقيا الوسطى، وهو ما أكدته وكالة الأنباء الفرنسية ومصادر متطابقة من أن آخر 130 جندياً فرنسياً في جمهورية أفريقيا الوسطى سيغادرون البلاد بحلول نهاية العام الجاري.

4- مظاهرات منددة بالوجود الفرنسي في بوركينا فاسو: وذلك مع تصاعد المظاهرات في بوركينا فاسو خلال نوفمبر 2022؛ حيث خرج العديد من المتظاهرين رافعين الأعلام الروسية وقاموا بمحاصرة السفارة الفرنسية. وجاء ذلك عقب سلسلة من المظاهرات التي تعرضت لها فرنسا في دول المنطقة، لا سيما في مالي والنيجر وتشاد،وهو ما دفع فرنسا لتوجيه الاتهامات إلى روسيا بأنها تقف خلف هذه المظاهرات وتتبع سياسة دعائية مناهضة للوجود الفرنسي في المنطقة، فيما اتهم الرئيس الفرنسي روسيا خلال القمة الفرانكفونية في تونس خلال نوفمبر 2022 بانتهاج سياسة متوحشة في أفريقيا.

انعكاسات محتملة

من المتوقع أن تنعكس وتيرة حرب الوكالة المتنامية بين فرنسا وروسيا على المشهدين السياسي والأمني في منطقة غرب أفريقيا، على النحو التالي:

1- توسع دائرة الحرب الباردة الجديدة في المنطقة: حيث اتجهت بكين إلى استغلال وقف المساعدات التنموية الفرنسية لمالي، في نوفمبر 2022، لملء الفراغ من خلال تقديم مساعدات وقروض صينية للحكومة المالية، فيما يشير العديد من المحللين إلى أن ثمة توجهاً متنامياً لدى بعض دول المنطقة للاصطفاف مع المحور الروسي الصيني. فعلى سبيل المثال،يُشار في هذا السياق إلىأن اعتماد جمهورية أفريقيا الوسطى الأخير للبيتكوين هو وسيلة لفتح النظام المالي أمام الشركات الروسية بعد أن تم حظرها بسبب العقوبات العالمية؛ حيث اعتمدت جمهورية أفريقيا الوسطى قانوناً في يوليو لإدخال عملة البيتكوين كعملة قانونية، ولكن تم تجميد القانون لاحقاً بعد ضغوط من الشركاء الإقليميين للبلاد في المنطقة النقدية لوسط أفريقيا. وقال رئيس برلمان جمهورية أفريقيا الوسطى سيمبليس سارانجي، في هذا السياق لوكالة الإعلام الروسية المدعومة من حكومة بانجي: “إن الناس في جمهورية أفريقيا الوسطى يتفهمون جيداً الموقف الذي تجد روسيا نفسها فيه ويتعاطفون معه”.

2- تصاعد موجة جديدة من عدم الاستقرار الممتد: حيث شهدت بوركينا فاسو محاولة انقلابية جديدة في 2 ديسمبر الجاري، وفي تشاد على سبيل المثال، أشارت تقارير عدة إلى علاقة موسكو بجبهة الوفاق المتمركزة في جنوب ليبيا؛ حيث تلقوا تدريبات ودعماً من قبل عناصر فاجنر الروسية، وقد سبق أن أشارت تقارير عدة إلى أنه في 16 فبراير الماضي، أجرى تيمان إرديمي زعيم حركة “اتحاد قوى المقاومة” المتمردة، اتصالات هاتفية يطلب دعم شركة “فاجنر” الروسية العسكرية الخاصة، ودعم حركات التمرد ضد نظام محمد إدريس ديبي الموالي لفرنسا.  كما أن اتهامات بانجي لإنجامينا بالتورط في قصف حلفائها الروس على أراضيها قد يدفع البلدان إلى مواجهات مسلحة على طول الحدود بين الدولتين، وقد سبق أن وجهت بانجي اتهامات إلى إنجامينا بقتل جنود من قواتها على الحدود بين البلدين.

3- تزايد وتيرة حرب المعلومات بين الفاعلين الدوليين: أشارت تقارير عدة إلى أن القوات المسلحة الفرنسية أنشأت وحدة حرب معلومات تركز على كشف ومتابعة “الهجمات الإعلامية” التي تتدفق من روسيا والتصدي لها. ويقول أحد المسؤولين إن هذا جزء من استراتيجية “لتحييد فاجنر في أفريقيا” من خلال إثبات أن المجموعة لا توفر الأمن، ولكنها تجلب “القتل والاستغلال”. وزعمت فرنسا في وقت سابق من هذا العام أنها أحبطت محاولة قام بها مرتزقة فاجنر لحفر مقبرة جماعية في مالي وإلقاء اللوم على القوات الفرنسية.

فيما وضعت موسكو قدماً قوية في أفريقيا الوسطى عبر الدعاية الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، ونجحت في خلق تيار رأي عام وسط شعوب أفريقيا الوسطى ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، وهي الدول التي خرجت منها تظاهرات تندد بالوجود الفرنسي وتطالب برحيل القوات الفرنسية، وتدعو للتحالف مع روسيا من أجل الأمن والاستقرار وتحسين الوضع الاقتصادي، كما يشير بعض الخبراء إلى أن التجربة المالية في مواجهة النفوذ الفرنسي لا تزال تلقى صدى واسعاً في الشارع البوركيني، وربما يتجه القادة الجدد نحو موسكو ويبتعدون عن فرنسا من أجل البحث عن شعبية هم في أمس الحاجة لها في الوقت الحالي.

وتيرة متصاعدة

في المجمل، يمكن القول إن ثمة أسباباً واضحة لتصاعد وتيرة حرب الوكالة بين باريس وموسكو، وأهمها التنافس والصراع الدولي بين البلدين على خلفية الحرب الروسية في أوكرانيا، والتنافس السياسي والاقتصادي على النفوذ في منطقة غرب أفريقيا، ومن ثم يتوقع أن تنعكس حرب الوكالة بين باريس وموسكو على المشهدين السياسي والأمني في المنطقة، لا سيما توسع دائرة الحرب الباردة الجديدة في المنطقة، وتصاعد موجة جديدة من الصراعات الإقليمية والحروب الأهلية في المنطقة، وتزايد وتيرة حرب المعلومات بين فرنسا وروسيا في المنطقة.