• اخر تحديث : 2023-01-28 00:24
news-details
مقالات عربية

يكمن أحد أسباب تعزّز قوة قائمة تحالف "الصهيونية الدينية" في انتخابات الكنيست الـ 25 التي جرت يوم 1 تشرين الثاني 2022، والتي تُرجمت في ارتفاع تمثيله إلى 14 مقعداً، وتحوّله إلى القوة البرلمانية الثالثة، في انتقال أغلبية مصوتي حزب "يمينا" إلى التصويت للتحالف المذكور. وقد وقف على رأس "يمينا" (في انتخابات الكنيست الـ 24) رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت، الذي أعلن اعتزال الحياة السياسية بعد انتهاء توليه لمنصب رئيس الحكومة ونقل رئاسة الحزب إلى وزيرة الداخلية السابقة أييلت شاكيد، وكان الحزب ممثلاً في ذلك الكنيست بـ 7 مقاعد، ولكنه لم يتمكن في الانتخابات الأخيرة من تجاوز نسبة الحسم بالرغم من اندماجه ضمن حزب "البيت اليهودي" (المفدال سابقاً) في تحالف واحد وقفت شاكيد على رأسه. وإننا إذ نسجّل هذا السبب فمن أجل الكشف عما يستتر وراء ظاهر المعنى من هذا الانتقال، ولا سيما في صفوف المعسكر السياسي- الحزبي المعروف باسم "الصهيونية الدينية"، والذي تنتمي إليه جميع الأحزاب المذكورة أعلاه.

بموجب أحد التحليلات الإسرائيلية فإن انتقال هؤلاء المصوتين تم أساساً بسبب نقمتهم على حزب "يمينا" الذي تحالف مع أحزاب من معسكر الوسط- يسار في سبيل تشكيل ما باتت تُعرف باسم "حكومة التغيير"، ونتيجة للاعتقاد الراسخ لديهم بأن تحالف "الصهيونية الدينية" تحت قيادة بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير لن يفعل ذلك. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنه كان هناك أيضاً انتقال، وعلى الخلفية نفسها، من جانب مصوتي "يمينا" إلى أحزاب أخرى منها حزب الليكود الذي سعى بكل ما أوتي من قوة لاستقطاب هؤلاء المصوتين، ولكن بقي الانتقال إلى الليكود على نطاقٍ ضيّقٍ، نظراً إلى وجود خشية لدى هؤلاء المصوتين من أن يكرّر رئيس هذا الحزب، بنيامين نتنياهو، خطوة التحالف مع أحزاب من الوسط كما فعل بعد انتخابات الكنيست الـ 23 في آذار 2020 حين أقام حكومة مداورة مع رئيس حزب "أزرق أبيض" بيني غانتس. 

إن "الصهيونية الدينية" هي الاسم الجديد الذي تبناه حزب "الاتحاد الوطني- تكوما" قبل أعوام قليلة، وعلى أعتاب انتخابات الكنيست الـ 24 التي جرت في آذار 2021 تم اختيار "الصهيونية الدينية" اسماً للقائمة التي تضم ثلاثة أحزاب من التيار الديني- القومي هي: حزب "الصهيونية الدينية" برئاسة بتسلئيل سموتريتش، وحزب "عوتسما يهوديت" ("قوة يهودية") برئاسة إيتمار بن غفير (من أتباع الحاخام مئير كهانا، زعيم حركة "كاخ" المحظورة)، وحزب "نوعام" برئاسة آفي ماعوز. وعلى أعتاب انتخابات الكنيست الـ 25 أعلن حزبا "عوتسما يهوديت" و"نوعام" عن نيتهما خوض الانتخابات بقائمة منفصلة عن قائمة "الصهيونية الدينية" ولكن بضغط من نتنياهو اتفق على أن تخوض الأحزاب الثلاثة الانتخابات ضمن القائمة نفسها على أن تنقسم إلى 3 كتل برلمانية في الكنيست المنتخب، وهو ما حدث فعلاً.

ولقد انقسم التيار الديني- القومي الصهيوني، الذي يعتمر أتباعه القلنسوات المطرزة على رؤوسهم، منذ أعوام كثيرة، إلى قسمين رئيسيين: الأول متطرف سياسياً يؤيد حزب "البيت اليهودي" (سليل حزب المفدال التاريخيّ) والثاني أكثر تطرفاً ويؤيد حزب "الصهيونية الدينية" (سليل حزب "الاتحاد الوطني- تكوما").

وتأسس "الاتحاد الوطني- تكوما" في آذار 1999 لخوض انتخابات الكنيست الـ 15 التي جرت في شهر أيار من ذلك العام. وكان عبارة عن تحالف بين حزب "موليدت" برئاسة رحبعام زئيفي وبيني ألون والذي تأسس العام 1988، وحزب "تكوما" برئاسة حنان بورات وتسفي هندل اللذين انشقا عن حزب المفدال في آذار 1999، وحزب حيروت برئاسة بيني بيغن وميخائيل كلاينر ودافيد رام الذين انشقوا عن الليكود في شباط 1999. وحدث الانشقاقان المذكوران في حزبي المفدال والليكود في إثر توقيع اتفاق "واي ريفر" أو "واي بلانتيشن" (وقع هذا الاتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1998 ونصّ علىالانسحاب الإسرائيلي من بعض مناطق الضفة الغربية، وكذلك على اتخاذ تدابير أمنية لـ "مكافحةالإرهاب"، وتوطيد العلاقات الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وإعادة الانتشار الثاني للقواتالإسرائيلية في الضفة الغربية على أن تتم إعادة الانتشار على ثلاث مراحل). وتطلع تحالف "الاتحاد الوطني- تكوما" إلى أن يفوز في الكنيست بكتلة وازنة تمنع حزب الليكود برئاسة نتنياهو من الاستمرار في انتهاج سياسة تؤدي إلى التنازل عن "مزيد من مناطق أرض إسرائيل"، على غرار ما فعل في ولايته الأولى كرئيس للحكومة الإسرائيلية (1996- 1999) من خلال توقيع اتفاق "واي ريفر". ومعروف أنه في انتخابات الكنيست الـ 15 في أيار 1999 خسر نتنياهو رئاسة الحكومة لمصلحة رئيس حزب العمل إيهود باراك الذي تسلم بعد تلك الانتخابات مهمات منصب رئيس الحكومة الإسرائيلية (1999- 2001)، وفاز تحالف "الاتحاد الوطني- تكوما" بأربعة مقاعد في الكنيست. وقبل أداء الكنيست المُنتخب اليمين الدستورية استقال بيني بيغن من التحالف معلناً أن نتائج الانتخابات أثبتت أنه بات "قائداً من دون جمهور"!

وأكثر ما تجدر الإشارة إليه هو أن الاتجاه السياسي الذي يوجه هذا المعسكر السياسي الأيديولوجي يضعه حاخامو المستوطنات وفي مقدمهم دوف ليئور وشلومو أفنير. فهؤلاء الحاخامون هم من يحددون السياسة الحقيقية ويؤثرون من وراء الكواليس، وأحياناً بشكل علني، ومواقفهم السياسية واضحة ومنهجية وحاسمة.كما أن هؤلاء الحاخامين غير منغلقين أمام ما يحدث في العالم، لكنهم يؤمنون بنظرية المراحل، وبحسب الوعد الإلهي فإن "أرض إسرائيل" جميعها تابعة إلى "شعب إسرائيل" وحده.

ويعتبر الحاخام دوف ليئور أحد أكثر حاخامي التيار الصهيوني - الديني تطرفاً. وهو الحاخام السابق لمستوطنة "كريات أربع" في الخليل، والتي تعتبر واحدة من معاقل غلاة المستوطنين المتطرفين. ويتمتع ليئور بشعبية واسعة جداً بين المستوطنين المتطرفين، وهو الزعيم الروحي لعصابات "شبيبة التلال"، التي تقوم بارتكاب اعتداءات على الفلسطينيين وأملاكهم والاستيلاء على أراض في الضفة الغربية وإقامة بؤر استيطانية عشوائية. لكن أجهزة الأمن الإسرائيلية، الجيش والشرطة وجهاز الأمن العام ("الشاباك")، تتعامل معها بقفازات من حرير. كما أنه أحد الحاخامين الذين كتبوا مقدمة كتاب "توراة الملك"، من تأليف الحاخامين اليمينيين المتطرفين إسحق شابيرا ويوسف إليتسور. ويتناول الكتاب شرائع يهودية تستند إلى التوراة حول "شرعية" قتل "الغوييم"، غير اليهود، خلال الحرب. ويتبنى الكتاب وجهة نظر متطرفة جداً يتم السماح بموجبها خلال الحرب بقتل "الغوييم" سواء أكانوا من الرجال أو النساء أو الأطفال أو المسنين.

وتعاظمت مكانة ليئور كثيراً بعد تنفيذ "خطة الانفصال" (عن غزة) العام 2005، والتي أيد خلالها أن يرفض الجنود الإسرائيليون تنفيذ أوامر عسكرية. ويجري الاستئناس بآرائه كثيراً كمصدر مفسر للشريعة اليهودية حتى خارج التيار الصهيوني - الديني.

ومما نٌقل عنه في دروسه ومواعظه الدينية أنه يصف العرب بأنهم همج. وهو يؤيد "الترانسفير الطوعي" للفلسطينيين، كحلّ للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. وقبل أعوام كثيرة قال في مقابلة أجرتها معه إذاعة المستوطنين "القناة 7" إن "الهدف يجب أن يكون إسكانهم (الفلسطينيون) في أوطانهم الأصلية ولو حتى في مقابل المال. فعلى أرض إسرائيل أن تكون تابعة إلى شعب إسرائيل فقط". وهو من موقعي الفتوى العنصرية الداعية إلى عدم تأجير أو بيع بيوت إلى العرب.

ويربط ليئور في مقدمته لكتاب "توراة الملك" بين مضمون الكتاب الذي يحرّض على قتل الفلسطينيين، ورؤيته للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بأنه صراع ديني ينبغي حسمه فقط من خلال طرد العرب من البلد. واتهم ليئور، من جانب مصادر عديدة، بأنه هو من أصدر فتوى قتل رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إسحق رابين. وفي إثر مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، في شباط 1994، وصف ليئور منفذها، السفاح باروخ غولدشتاين، بأنه "قديس أكثر من جميع قديسي المحرقة" أي اليهود الذين قُتلوا خلال المحرقة النازية. إلى جانب ذلك يعتبر إسرائيل "هيئة مقدسة"، لكنه يتعامل بعدم احترام مع مؤسسات الدولة، وخصوصا النيابة العامة التي أطلق تصريحات هجومية متكررة ضد موظفيها.

ما يمكن استخلاصه هو أن الأغلبية الساحقة لقاعدة التيار الديني- القومي الصهيوني اختارت القسم الأشدّ تطرفاً في هذا التيّار. في المقابل يؤكد قباطنة القسم الأقل تطرفاً في التيار، ولا سيما من قادة حزب "البيت اليهودي"، أن هذا الاختيار جاء بسبب الخطوة التي أقدم عليها حزب "يمينا" من خلال انضمامه إلى ما يسمى بـ "حكومة التغيير"، وليس من باب التأييد للنهج السياسي الذي تتبناه الأحزاب المنضوية ضمن قائمة تحالف "الصهيونية الدينية". وبالرغم من ذلك، فإن النتيجة هي أن القسم الأكثر تطرفاً من "الصهيونية الدينية" بات بمثابة القوة البرلمانية الثالثة، وهو الذي سيمسك بزمام الأمور من الآن وحتى إشعار آخر.  وثمة من بين المحللين في إسرائيل من يعتبر هذا القسم بمثابة الحاكم الفعلي لإسرائيل على معتقداته الشاطّة، وليس أبسطها ضرورة تطبيق "الوعد الإلهي المُعتّق" بأن تكون "أرض إسرائيل الكاملة" (من البحر إلى النهر) لـ "شعب إسرائيل" فقط. ولكن قد يكون من الأصّح القول إن هناك "تقاسماً وظيفياً" بينه وبين ليكود نتنياهو، كون تلك المعتقدات التي تشهرها "الصهيونية الدينية"، وبالذات حيال السياسة المطلوبة إزاء ما يسمى بـ "أرض إسرائيل"، لم تكن مرّة موضع تحفّظ أو حتى مجرّد استفظاع لا من جانب نتنياهو ولا من جانب حزبه.