• اخر تحديث : 2024-06-21 02:51
news-details
ندوات وحلقات نقاش

إفريقيا تنتفض: قراءة في التحولات الراهنة في منطقة الساحل والصحراء


مع تعدّد الانقلابات التي تشهدها أفريقيا من أحدثها انقلاب النيجر (تموز/يوليو 2023)، وقبله السودان (تشرين الأول-أكتوبر 2021) الرازح اليوم تحت وطأة الصراع، وتشاد (نيسان/أبريل 2021)، وغينيا (أيلول\سبتمبر 2021)، وبوركينا فاسو (تشرين الأول/أكتوبر 2022)، ومالي (آب/أغسطس 2020 وأيار-مايو 2021) باتت أفريقيا تحت مجهر التأويل والتحليل السياسي، وعلى مشرحة المصالح الإقليمية والدولية من أميركا إلى الصين، وليس انتهاءً روسيا.

فماذا يجري في القارة الإفريقية؟، وما هي أوجه الشبه والارتباط في ما بين سلسلة الانقلابات التي تشهدها؟، هل إن إفريقيا تنتفض على الاستعمار الغربي بأشكاله كافة؟، ما هو موقع هذه الانتفاضة في خارطة النظام العالمي الجديد وما يشهده من تحولات وتغيّر موازين القوى؟

هذه الأسئلة وغيرها ـ ولفهم طبيعة ما يجري من تحولات وتطورات في إفريقيا.  طرحتها حلقة النقاش التي عقدتها الرابطة تحت عنوان: "إفريقيا تنتفض: قراءة في التحولات الراهنة في منطقة الساحل والصحراء".

أولاً: معطيات أولية حول اللقاء:

الزمان

الثلاثاء 15/8/2023

المكان

Zoom Meeting

 

المشاركون السادة

1

رئيس الرابطة د. محسن صالح.

2

عضو الهيئة الإدارية في تونس د. فوزي العلوي.

3

عضو الرابطة في مالي د. موديبو دانيون. 

4

عضو الرابطة في مالي د. سليمان  منغاني.

5

عضو الرابطة في بوركينا فاسو  الأستاذ عمر آدم.

6

منسق المبادرة السودانية للتغيير والباحث د. محمد حسب الرسول.

 
 
 

ثانيًا: مجريات اللقاء

بعد بالترحيب بالمشاركين، افتتح رئيس الرّابطة د. محسن صالح النقاش بطرح السؤال الآتي: ما الذي يحصل في افريقيا؟، وما هي خلفيات انتفاضتها؟ وهذا ما جاء في المداخلات. 

المداخلات:

د. محسن صالح

تمر افريقيا بمنعطف على مفترق طرق، ولكن الوضع العالمي بالنسبة لأفريقيا مستجد، وما يحصل ليس بجديد على افريقيا؛ ولكن هل هذه المرحلة هي من مرحلة تغيير النظام العالمي الذي بدأ بحركات المقاومة ضد الكيان الصهيوني والوجود الأميركي في غرب آسيا، وطبعا أوكرانيا، هذه الانتفاضة الافريقية التي تحصل في بوركينا فاسو،  وما يحصل في السودان أيضًا مثير ويثير القلق، كما يثير إمكانية طرح سؤال: هل  يكون السودان دولة من الدول التي تنضم الى المحور المعادي للهيمنة الأميركية؟، وهل إن ما يحصل في النيجر وبوركينا فاسو وأيضًا في الجزائر وتونس يشكل مرحلة جديدة؟

الان هناك علاقات بين دول الأقطاب الجديدة في العالم من الصين الى روسيا وإيران وفنزويلا والبرازيل والهند وكل هذه الدول تساهم في التحولات التي تطرأ على الساحة العالمية من الناحيتين السياسية والاقتصادية.

والقوى الجديدة في افريقيا تعطينا الامل بأن عصرًا جديدًا بدأ يقوى في افريقيا، لاسيما أن آسيا وافريقيا من القارات الكبرى في العالم التي تحوي ربما على 65% من سكان العالم، ويمكن أن تبني اقتصادات وسياسات وسلوكيات ثقافية أيضًا.   وستكون هذه الانتفاضات بداية مشروع افريقي نحو التحرر والتحرير والانضمام الى اقطاب عالمية جديدة مناهضة للاستعمار القديم والنيوليبرالية الحديثة.

فمن هي الدول المرشحة؟، وما هي الثقافة العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تتمتع بها؟، هناك فكر غريب يدخل على العقل الافريقي، وهو الوهابية السلفية التكفيرية التي تسعى الى الفتن والفوضى، وبالتالي تعيق الحركة "الديمقراطية" ليس بالمعنى الغربي، بل الاختيار الوطني الحقيقي لكيفية بناء مؤسسات تأخذ مصالح الشعوب بعنوانين أساسية لمستقبلها ولمستقبل العلاقة مع دول العالم.

الفترة التي وقعت بها المنطقة العربية وافريقيا هي منذ زمن السلطة العثمانية التي تركت لنا كل هذا الفيض من التخلف والانقسام والتشتت القومي والعرقي والحدودي والجغرافيا السياسية، نحن نتحدث اليوم عن بناء عالم جديد، وما يحصل في افريقيا هو من ضمن هذه التحولات العالمية التي تأخذ طريقها الى تشكيل بناء عالمي يقدم لهذه الشعوب مجالًا رحبًا من الوجود الذي يعتمد على القدرات الذاتية والثقافة الذاتية الغنية في التاريخ ولا تستورد ما يحطم وجودها كما حصل مع الاستعمار الغربي والنيوليبرالية التي تحاول اجتثاث ينابيع هذه الحافظة الاساسية.

هنا أتحدث عن أفكار وسياسات تحاول أن تفرض علينا بعض التقسيمات والأفكار التي لا تعترف بإطار ولا بديانات او ثقافات جامعة، بل تريد فرط عقد العلاقات في ما بين الشعوب، وهذه السياسات ونتيجة لتطور حركات الانتفاضة والمقاومة في لبنان وفلسطين وافريقيا وأميركا اللاتينية والصين وروسيا وكل هذه الدول فهي تعاني اليوم، ولسنا في بداية الطريق، انما قطعنا شوطًا في هذه المسيرة التحريرية. وقد وصلت النيوليبرالية الى الحضيض نتيجة إصرارها على تغيير الطبائع البشرية الاساسية التي بها تكتمل النفس البشرية، ومن دونها هي تختزل الانسان ليصبح حيوانًا قابلًا للتحول.

د. فوزي العلوي:

 هذه التحولات اليوم، وهذه الانتفاضة الافريقية الاصيلة الجديدة على جلاديها من بقايا الاستعمار غير المباشر تتمثل في تلوينتها المعاصرة اليوم في كونها رد طبيعي تمارسه الشعوب المظلومة والمقهورة والمسحوقة من قبل جلاديها؛ لكن هذا الجلاد اليوم ليس الجلاد المستعمر المباشر، بل هو الأنظمة السياسية الوظيفية.

وما يحدث اليوم في افريقيا هي عملية تصفير ما تبقى من بقايا الاستعمار الفرنسي غير المباشر المتمثلة في أنظمة سياسية ملحقة بهذا المستعمر، وتقوم بكل الأدوار التي يطلبها منها هذا المشغل الوظيفي، فطبيعي أن تنتفض الإرادة الافريقية، وهي وإرادة حرة ومتوثبة وترفض الضيم والاستغلال والاستعمار.

الأمر الأول أن ما يُسجل من أحداث متلاحقة ومتسارعة ليس أمرًا طارئًا أو غريبًا، بل هو في عرف الحكمة السياسية وأمر طبيعي كان لا بد أن يحدث، وما حدث هو في سياق العمل الطبيعي الذي يصحح الانسان الافريقي من خلاله مسارات كتابة تاريخه بيده، ويرفض أن يقرر المستعمر مصيره من خلال أدواته الوظيفية من حكام ومن أنظمة حاكمة.

الأمر الثاني هو الدور الذي تقوم به المؤسسة العسكرية، فقد كانت المؤسسات العسكرية سابقًا تقوم بانقلابات لصالح المستعمر والجهات الاستخباراتية الدولية خدمة لمصالحها وليس خدمة لمصالح شعوبها، لكن نلاحظ اليوم تلوينة جديدة من هذه الانقلابات العسكرية يقودها ضباط وطنيون مخلصون أوفياء لتصحيح المسارات وإعادة القرار الى الشعب، وهذا ما حدث في غرب افريقيا عكس ما يحدث في السودان الذي هو سياق وواقع آخر ، وأن الصراع بين طرفين هما الجيش والدعم السريع، وهما تشكيلان ينتميان الى الجسم وهيكل الدولة السودانية الا انه تم اختراقهما، ولا نتهم الجيش الوطني السوداني فهو جيش شريف ووطني، بل نتهم قياداته التي تقوم بهذه الأدوار الوظيفية.

نحيا احداثًا في ظاهرها إقليمية لكنها في عمقها دولية، لأنها تشير الى ما يرتسم في المستقبل القريب من تحولات جذرية على مستوى رسم خارطة لقوى عالمية جديدة تختفي من خلالها الأدوار الاستعمارية لقوى تقليدية ممثلة بالمستعمر الفرنسي والدور الوظيفي والاستعماري الأميركي الامبريالي الاستكباري، وفي إطار عنصر العالم الجديد يتمثل خاصة في التنافس الفرنسي الأميركي كقوى استعمارية تسعى إلى تحقيق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية والتفرد بها على الرغم من ما يجمعها من نقاط اتفاق وتلاقٍ على كل الاصعدة.

إذا كان القرار الغربي هو قرار انتهازي برغماتي لا أخلاقي تاريخيًا، فما يحدث في غرب افريقيا والسودان صراع بين هذه القوى الاستعمارية للاستفادة قدر المستطاع من مقدرات هذه القارة وإمكانياتها لما تمثله افريقيا من إمكانيات وفرص تشكل حلًا لمعضلتها الاقتصادية والاجتماعية.

وتعبر جملة التحولات الحاصلة اليوم أيضًا عن ما عملت عليه فرنسا تحديدًا من خلال العمل على عزل افريقيا السوداء عن شمال افريقيا جغرافيًا وميدانيًا، وجعل شرق افريقيا العربي في مواجهة جنوب الصحراء الافريقي الأسود، وكأن غرب شمال افريقيا هو فضاء غير افريقي. والحال أن شمال افريقيا ـ لاسيما تونس كانت تسمى افريقية وهي التي منحت اسمها للقارة؛ وبالتالي فمحاولة عزل شمال افريقيا عن جنوبها محاولة استعمارية خبيثة تحول افريقيا الى عدو للعمق العربي والبعد الإسلامي. وهذا ما حدث تقريبًا حينما تم توزيع القوات التكفيرية الإرهابية، والاتيان بهذه العناصر من كل حدب وصوب عبر القوى الاستعمارية الممثلة بالمخابرات الفرنسية والأميركية والبريطانية بالتعاون مع المخابرات السعودية، ونقل القوى التكفيرية الإرهابية من مناطق الصراع والتوتر في سوريا والعراق واليمن وأفغانستان الى افريقيا لتقوم بهذه الأدوار القذرة، وهي العمل على فصل شمال القارة عن جنوبها وهو ما تم بالفعل. علمًا أن الفكر الوهابي السلفي التكفيري لا يمثل عمقًا حقيقيًا في ظاهرة التدين الافريقي الذي هو تدين صوفي بالأساس، وهذا الفكر التكفيري رافض للتصوف ولكل دلالات العرفانية، وهو يحارب هذا العمق لما يمثله التصوف من عمق أساسي في الشخصية الافريقية.

لقد عمل الاستعمار على عزل القارة من خلال جذب الجماعات الأفريقية الغريبة عن الفضاء والجغرافيا الافريقية، وهذه الجماعات لا تنتمي الى العمق الافريقي والشخصية الافريقية والتدين الافريقي المعتدل والمتسامح والصوفي والمرن، مقابل ذلك تم الترويج لظاهرة من التدين الغريب والتكفير العنيف جاءت لمحاربة الشخصية الافريقية الصوفية، وما تم العمل عليه خاصة في غرب افريقيا من خلال فصل شمالها عن جنوبها ثم تبديل جينات التدين من خلال التراجع الرهيب لدور التصوف واستبداله بنمط غريب وعجيب يتمثل في الفكر الوهابي السلفي الغريب، الامر الاخر هو العمل مع هذه الجماعات الوظيفية الإرهابية التكفيرية من خلال القوات والقواعد الفرنسية حتى الأميركية المتواجدة في المنطقة للقيام بهذه الأدوار لضرب الاستقرار الوطني وإنهاك الدول الوطنية واستنزاف الجيوش الوطنية في هذه المناطق.

بعد طرد القوات الفرنسية من قواعدها الاستعمارية في بوركينا فاسو ومالي سجلنا حالة تراجع لموجات العنف والإرهاب والتوسع الإرهابي السلفي، لان القوات والقواعد العسكرية الفرنسية والأميركية كانت قواعد لوجيستية تقدم التسهيلات الميدانية لهذه القوى الإرهابية التكفيرية للتوسع لضرب الاستقرار وتقسيم القارة.

هذه القوى التكفيرية الموجودة على حدود البلدان كلها تشبه القوى العميلة ما يسمى جيش لحد في جنوب لبنان الذي عمل على أن يكون درعًا بين المقاومة الإسلامية الشريفة والعدو الصهيوني، وهذه القوى التكفيرية تكفلت بهذا الدور، وعملت على قطع الحدود بين الدول لتقديمها مرحليًا وتسمح للقوات والشركات الاستعمارية العاملة مع القواعد العسكرية لمزيد من نهب ثروات هذه الدول وتفقير شعوبها، ومنعها من بناء مشاريع التنمية، ومن برمجة رؤى وطنية لاقتصادات فاعلة قادرة على استبدال الاقتصادات الوظيفية والاقتصادات التي تعمل على جعل افريقيا ساحات لاستهلاك البضاعة الوافدة والمصنعة في الغرب وتكون افريقيا تابعة اقتصاديًا وسياسيا. 

ما جرى وما يجري من تحالف مباشر بين القوى الاستعمارية ممثلة بالقرار السياسي الاستعماري، والشركات العسكرية في الشركات العابرة للقارات، والتحالف الرهيب والمخيف والمفضوح مع الجماعات الإرهابية التكفيرية كل ذلك يتم لضرب الشخصية الافريقية والهوية الافريقية، وقطع كل علاقة لها بالعالم العربي وعمقها الإسلامي.

ما نعيشه اليوم حركة تصحيحية لإعادة ربط افريقيا بعالمها العربي، وإعادة الاتصال بعمق افريقيا الإسلامي من خلال القيام بدورها الحضاري، لذلك نحن نستبشر خيرًا بما نراه اليوم بعودة افريقيا الى أصولها وعمقها العربي وسياق تحضرها الإسلامي.

إن عودة المؤسسة العسكرية الى حاضنتها الشعبية للالتفاف معها ومقاومة الاستعمار نقاط مهمة يجب ان نستتبعها بإقامة مؤسسات ديمقراطية ترعى هذه الانتقالات وتدعمها لتتحول ظاهرة الثورة الافريقية والمقاومة الافريقية الى ظاهرة مؤسساتية ديمقراطية ليس على النمط الغربي؛ بل على نمط الديمقراطيات الشعبية المتجذرة في عمقها الشعبي وامتداداتها الاصيلة في النفوس والجغرافيا والتاريخ.

علينا المضي الى الدعوة الى أن افريقيا الفرنسية قد انتهت، ونحن في مرحلة جديدة هي افريقيا للأفريقيين. والسؤال المطروح هنا: ماذا يتوجب علينا كمقاومة ونخب وأكاديميين مقاومين؟، وضمن أي معنى ننتظر أن تكون افريقيا للأفريقيين، واي دلالة؟، وما موقعنا نحن كخطاب مقاوم؟ ، هل موقعنا هو مجرد تحرير الخبر وترويجه وتعميمه ونشره؟، أم بناء البدائل وصناعة الوعي والعمل على تقديم البدائل؟.

والمطلوب هو الامر الثاني. علينا أن نكون الموقف المقاوم في صميم البديل المستقبلي لأفريقيا وللعالم، ويجب أن نرسم للموقف المقاوم مداراته المميزة، وماذا يتوجب علينا الان وغدًا. 

وبناءً على أن افريقيا والتحولات التي نراها في غرب افريقيا هي تحولات متسارعة وخطيرة، ولا نرغب في عسكرة البديل المقاوم في افريقيا، بل نريد أن يكون بديلنا بديلًا مدنيًا عسكريًا حضاريًا شاملًا تساهم فيه كل القوى الحية في افريقيا، ويكون الموقف المقاوم حاضرًا بقوة.

الأستاذ عمر آدم:

 لعل السبب في الانتفاضات الأخيرة المتمثلة في الانقلابات العسكرية المساندة من الشعوب هو الوعي السياسي لدى الشعوب الافريقية، فلطالما خدعوا من قادتها الذين باعوا رقابهم للقوى الاستعمارية. الانقلابات الأخيرة لقيت قبولا لدى الشعوب، ففي بوركينا فاسو قبل ان يحدث الانقلاب على الرئيس خرجت الشعوب في ولايات عديدة تعبر عن استيائها من الحكم ومن سوء الظروف. وعندما خرجت منظمة ايكواس وتعلن الحرب ضد النيجر وكانت سابقًا قد فرضت عقوبات ضد كل من مالي وغينا وبوركينا فاسو فهذا خير دليل على أنها ليست لمصلحة الافارقة. وأظن أن الانتفاضات لم تنته بعد؛ فالوعي السياسي ينتشر بسرعة كبيرة في افريقيا حاليا.

لسنوات عديدة فرنسا تنهب الثروات الافريقية، واليوم وخاصة بوركينا فاسو ومالي تتجهان الى روسيا والصين وهي علاقات فيها اتفاقات، وليس كما يفسرها البعض أنها تبحث عن أسياد جدد ؛ بل هي بحث عن علاقات جديدة. ومن الاتفاقات الجديدة التي قامت بها بوركينا فاسو هي عودة العلاقات مع الجمهورية الإسلامية في إيران التي قطعت بطلب من فرنسا منذ أكثر من 10 سنوات، وبناء علاقات جديدة وعندما أعلنت سلطات بوركينا فاسو مساندتها للنيجر، أعلنت فرنسا أنها تقطع المساعدات الاقتصادية التي كانت ديونًا تعطيها لبوركينا فاسو، وردًا على ذلك قامت سلطات بوركينا فاسو التي كانت قد أبرمت اتفاقًا لبناء مطار جديد في بوركينا فاسو، وكان المشروع لفرنسا والاتفاق كان أنه مقابل البناء ستستغل فرنسا المطار 30 عامًا قبل أن تعيده الى بوركينا فاسو، والسلطات الجديدة نقضت هذه الاتفاقية. كل ذلك يدل على أن السلطات الجديدة متجهة نحو نهج جديد. 

د. سليمان منغاني:

الديمقراطية هو سؤال محوري في ما يحدث في المنطقة لان الديمقراطية الغربية وخاصة التي ترعاها القوى الدولية لم تجنِ الا التخلف والدمار، فبعد 30 عامًا من التجربة الديمقراطية آن الأوان للنخب والشعوب الافريقية التي مرت بهذه التجربة المؤلمة تجربة الديموقراطية الحقيقية، وهذا ما يفسر جزءًا من الحركة الاجتماعية والسياسية التي نراها اليوم.

على الأفارقة أن يبنوا لأنفسهم نظامًا سياسيًا ينسجم مع الخصوصيات المحلية، فقد أثبتت الديمقراطية الغربية حدودها وفشلها، وعلينا اعادة النظر في دور المؤسسة العسكرية في الدول الافريقية، لانه جرت العادة أن نعتبر تلك المؤسسة مؤسسة شمولية وفاقدة للوطنية ومنخرطة ضمن مسار الشخصنة، ولكن ما نلاحظه منذ 4 سنوات تقريبًا بدايةً من مالي مرورًا ببوركينا فاسو وصولًا الى النيجر هو أن هذه المؤسسة لها حاضنة شعبية، والقوى الاستعمارية القديمة وفي مقدمتها فرنسا التي كانت تصنع الانقلابات في القارة اصبحت الان تندد بها، والمفارقة التي تسعدنا كثيرًا أن نستقرئ اهداف وغايات النخب العسكرية الجدد التي أثبتت لغاية الآن أنها تعلمت من اخطائها، وأصبحت منخرطة في مسار تحرري ومسار نضالي،  وخاصة أنها تحظى بحاضنة شعبية، وهذا مهم جدًا في قراءة ما يجري اليوم.

ومن بشائر المقاومة في هذه المرحلة أننا نعيش وضعًا جيوستراتيجيًا نستثمره لصالح النضال المشترك والتحرر، لذلك فالمرحلة خطيرة، وتحمل في الوقت نفسه تهديدات وفرصًا؛ ومن أبرز التهديدات أن القوى الاستعمارية تتربص بالحركة الشعبية، وما العقوبات المفروضة على النيجر، والمطالبة بإطلاق سراح الرئيس المعزول الذي لم يكن سوى عميل مباشر استخباراتي للقوى الاستعمارية سوى دليل على أن المؤسسات والتنظيمات الإقليمية حتى لاتزال مخادعة لتحقيق اجندات خارجية تُملى عليها.

والمسار الضروري الان هي السعي إلى بناء وعي شعبي قادر على استمرارية الهبة الشعبية، والتمرد على الاستعمار القديم، والاستفادة من التحولات الجيواستراتيجية التي نشهدها اليوم.

ومن المهم جدًا استقراء مسار الاحداث، المسألة بدأت في التدخل السافر للحلف الأطلسي في ليبيا، والغاية كانت الاستفادة من الجماعات الوظيفية لزعزعة المنطقة حتى يتم إيجاد تبريرات للقوى الاستعمارية الجديدة في المنطقة وهذا ما تم فعلا، فبعد عام أو اقل من تدخل الأطلسي في ليبيا تم ما يسمى بعملية سيرفال في مالي ثم برخان ومن خلال هاتين العمليتين سعت فرنسا الى تركيز قواعدها أولًا في مالي ثم بوركينا فاسو فالنيجر، وان كانت الاتفاقيات العسكرية موجودة بين فرنسا وهذه الدول، لكنها مرتبطة بالتعاون وتبادل المعلومات، ولا يعني ذلك إيجاد قواعد عسكرية فرنسية في المنطقة، فمسألة العلاقة بين ما يجري في منطقة الشرق الأوسط وما يجري في منطقة الساحل متينة جدًا، لان القوات التكفيرية الإرهابية الموجودة في تلك المطقة هي نفسها الموجودة في منطقة الساحل، وهذا يجعل النضال مشتركًا.

عندما ننظر الى منطقة الساحل نجد أن لها اهمية استراتيجية وأمنية واقتصادية كبيرة جدًا، لأنها منطقة ممتدة على مساحة 9 ملايين و600 ألف متر مربع تقريبًا، كما أن البعد الأمني مهم، وأكثر من 60% من المخدرات التي تأتي من اميركا اللاتينية تمر عبر منطقة الساحل، إذن هي منطقة ذات أهمية جيواستراتيجية ودولية.  لذلك يرى الغرب تهديدًا وجوديًا له انطلاقًا من منطقة الساحل، وهناك خوف شديد جدًا من وجود قواعد عسكرية روسية في المنطقة، وهذا ما سيتم فعلا لان روسيا تسعى إلى أن يكون لها قواعد تنافس القواعد الأميركية.

كل هذه المعطيات تجعلنا نأخذ المسألة بجدية، لأنها مرتبطة بالعمق الاستراتيجي للغرب وأمنه القومي، لذلك يأخذ الغرب بكل جد ما يجري في منطقة الساحل، والدليل أن خطاب اميركا مختلف عن خطاب فرنسا بخصوص المجلس العسكري الجديد في النيجر، فأميركا تريد أن تحافظ على وجود قاعدتها العسكرية في المنطقة بغض النظر عن السلطات الجديدة.

وبدأنا نرى بوادر الانخراط في التكتلات   من خلال الزيارات المتبادلة بين بعض القادة الجدد الى كل من روسيا والصين وكوريا وخاصة إيران، وكل هذا يدل على وعي سياسي لدى القادة الجدد، لأنهم يدركون أن هذه الفرصة التي تتجلى في بداية نشأة وولادة نظام عالمي جديد هي فرصة كبيرة لأفريقيا، وقوى المقاومة هي قوى طبيعية جدًا لان تكون حليفة لأفريقيا ولشعبها ونخبها، لان النضال مشترك والمسار مشترك، بل إن لدى هذه القوى حظوظ كبيرة جدًا لتكون الخليف الحقيقي لأفريقيا، لأنه ليس لديها تركة استعمارية قديمة بخلاف القوى الغربية.

د. محمد حسب الرسول: 

 التطورات الكبيرة التي تجري في افريقيا لها أسبابها، وهذه الاسباب موقع افريقيا الجيواستراتيجي الذي يحقق وصلّا بين الشرق في آسيا والغرب الساحل الأطلسي، وهذه القارة مستودع غذاء العالم ومستودع ثرواته كذلك، وهي قارة شابة 60% من سكانها هم من الشباب، وأدرك العالم أهمية هذه القارة في مستقبل الكون بأجمعه؛ وذلك يتصل بقضية المستقبل والغذاء، ومستقبل الصراع حول الطاقة والثروات في كل أنواعها؛ لذلك تكتسب هذه القارة أهمية استراتيجية في الصراع الدولي.

وأهم جزء من هذه القارة هو ما يمكن أن نطلق عليه بالحزام السوداني الممتد من القرن الافريقي في الشرق وانتهاءً بدول غرب افريقيا أو حزام الصمغ الغربي، وعليها صراع مستتر حول الطاقة والمعادن، هذا الشريط هو الذي يحتوي على أهم الثروات ويكتسب أهميته من هذا التواصل بين الشرق والغرب.

وما يجري في دول غرب افريقيا ثورة واستكمال للجهود الوطنية السابقة في عملية التحرر الوطني، ولكن في طور جديد هو محاولة لطي صفحة الاستعمار الغربي والفرنسي بصفة خاصة في أبعاده الثقافية. وقد رأينا كيف أن الدول التي حدث فيها تحول قد أحدثت انتقالات مهمة في ما يتصل بهذا الجانب لاسيما ما يتصل باللغة، ورأينا كيف ان الرئيس السابق ادريس ديبي قد جعل من اللغة العربية لغة رسمية للدولة، وأصبحت هي اللغة التي تجمع سكان تشاد، ورأينا في دول افريقيا الغربية التي نحت ذات النحو.

وكذلك هذه الحركة تحررية من خلال تحرير الاقتصاد الافريقي من الهيمنة والسيطرة الغربية بشكل عام وسيطرة فرنسا بصفة خاصة في دول غرب أفريقيا، ومحاولة تحريك استقلالها السياسي من الهيمنة الغربية. هذا الذي يجري  في دول غرب افريقيا هو الطور الجديد من عملية الاستقلال والتحرر الوطني ومحاولة صناعة مستقبل جديد من قادة وطنية افريقية خالصة، وقد رأينا ملامح ذلك من الخطاب الذي سمعناه خلال السنوات الأربع السنوات الماضية الذي تجدد بشكل كثيف خاصة بعد احداث النيجر والتغيرات التي طرأت فيها وبعد القمة الافريقية الروسية التي انعقدت مؤخرًا، فهذا الصوت الجديد وهذا الخطاب السياسي الجديد خطاب استقلالي ووطني بامتياز، ويعبر عن الوجدان الشعبي في افريقيا والتطلعات والاشواق الشعبية التي تنادي بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول، والسعي نحو توظيف ثرواتها لصالج مستقبل شعوب هذه الدول، ولكن ثمة خطاب آخر وعنوان آخر يتصل في المستقبل في اطار التكتلات التي أصبحت السمة المميزة من خلال الدعوة الى تشكيل اتحادات جديدة فيدرالية وكونفدرالية في هذه الدول وهذه لفتة مهمة يجب الانتباه اليها.

لا شك أن لكل الذي جرى في دول غرب افريقيا صلة مباشرة بالصراع الدولي حول القارة كذلك؛ إذ ان هذه القارة هي التي تضمن حياة ومستقبل أوروبا؛ وبالتالي من يحرم أوروبا من هذه الخاصية فقد يحقق تقدمًا كبيرًا في النصر الدولي، ويخطو خطوة مهمة نحو تشكيل مستقبل جديد للعالم بعيدًا عن النخبة الغربية التي سيطرت عليه.

على الرغم من أن الذي جرى في دول غرب افريقيا فيه الخير الكثير، لكن الذي جرى في السودان منذ أربع سنوات محاولة عكسية، وإن كانت دول غرب افريقيا تسعى نحو التحرر من خلال جهود وطنية خالصة ومخلصة، فإن الذي جرى في السودان بعد تلك الثورة المستحقة والتغيير المستحق على النظام السابق محاولة عكسية تريد احكام سيطرة القوى الغريبة على السودان من خلال أدوات محلية كالتي يطردها إخواننا في غرب افريقيا، وفي السودان محاولة لتوظيف بعض الساسة وبعض العسكريين السودانيين لإعادة الاستعمار من باب التغيير، وهذه واحدة من أخطر ما يجري في السودان، وتمثل إشارة عكسية لما يجري في غرب افريقيا وغرب الساحل السوداني، وبالتالي ما يحدث في الساحل السوداني من الغرب يتعارض مع ما يجري في شرق الساحل.

ظلت المحاولات متصلة لتمكين الغرب من خلال ادواته المحلية المدنية والعسكرية، ورأينا السلطة الانتقالية التي أشرف عليها الغرب بشكل مباشر من خلال أدوات إقليمية في بعض دول الخليج، ورأينا كيف انقلبت هذه السلطة الانتقالية في اتجاهات معاكسة تمامًا، وإن كانت دول غرب افريقيا تنحو نحو الهوية الوطنية من خلال اللغة العربية التي اتخذها بعض دول غرب افريقية كاللغة رسمية للدولة، فقد رأينا السلطة الانتقالية وبالذات الشق المدني منها قد ألغى اللغة العربية كلغة رسمية للدولة ؛ وهذا أمر في منتهى الغرابة والخطورة، ويؤشر الى المستقبل الذي يراد للسودان في هذه المرحلة، كما حدث تنافس بين أقطاب السلطة الانتقالية المدنيين والعسكريين في أمر التطبيع؛ وهذه كذلك إشارة الى أن هذه السلطة هي سلطة تحاول وتسعى بجد الى اخضاع السودان للاستعمار الغربي الصهيوني وتبني المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني في السودان.

ما يجري من قتال داخل السودان هو صراع حقيقي ليس بين رجلين ليسا مختلفين حول المشروع الخارجي، بل بين المجتمع والمؤسسة العسكرية، وبين المشروع الخارجي الذي كانت له أداة سياسية ممثلة بتحالف الحرية والتغيير، وله أداة عسكرية ممثلة بقوات الدعم السريع التي طورت قواتها وقدراتها من 17 ألف مقاتل الى 120 ألف مقاتل، وطورت عتادها وسلاحها بشكل نوعي كبير حتى أصبحت قوى ضاربة وكبيرة وقادرة على احداث تغيرات كبيرة كالذي رأيناه في اليومين الأول والثاني من الحرب، فقد تمكنت من السيطرة على السلطة بشكل كامل في السودان خلال اليومين الاولين 15 و16 ابريل / نيسان 2023، وتريد هذه القوى انهاء حالة الاستقلال الوطني والقضاء على دولة 1956 الذي هو عنوان الاستقلال الوطني من الاستعمار البريطاني وعنوان السيادة الوطنية والمشروع الوطني السوداني الذي لم يكتمل ويتبلور بشكله نهائي، ولكن تاريخ الاستقلال في السودان شهد مراحل استقلال وطني حقيقي برز في اكثر من تحدٍ. 

لقد شهدت الحقبة الأخيرة لحكومة البشير، وعلى الرغم من أن بدايتها لا تشبه نهايتها، مرحلة من المراحل التعبير الواضح عن استقلال القرار الوطني، وتبدى ذلك بشكل واضح من الموقف من الغرب والتدخلات الغربية في السودان. وما يجري الان هي محاولة للردة، لكن هناك حالة من الوعي، وهناك حالة من الوعي في دول غرب افريقيا والتفاف حول المؤسسة الوطنية في تلك الدول، وهناك حالة من الوعي كذلك عند الشعب السوداني والمؤسسة العسكرية، التفاف تاريخي بين المجتمع السوداني بمختلف مكوناته والمؤسسة العسكرية في مناهضة المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني الجديد الذي اخذ طورًا جديدًا من خلال العملية العسكرية التي بدأت في 15 ابريل / نيسان الماضي.

إن غروب المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني سيكون في المغرب العربي، وشروق مشروع التحرري الافريقي كذلك سيكون من هذه المنطقة، وروح وتاريخ تنبكتو سيدفع بذلك دفعًا كبيرًا. لكن هناك خمسة تحديات تواجه هذا المشروع:

1. التحدي السياسي: ويتمثل في قدرة القوى السياسية الوطنية الاستقلالية في التوافق وتعزيز التوافق والتشبيك ونسج الشركات بينها لدعم هذا المشروع التحرري، ويستتبع ذلك تشبيك وشراكات افريقية – افريقية بين هذه الدول والشعوب كذلك.

2. التحدي الإعلامي: التوجه نحو صناعة الوعي.

3. التحدي الاقتصادي: يقتضي فك الارتباط الاقتصادي بين دول افريقيا بصفة عامة والغرب ودول غرب افريقيا وفرنسا بصفة خاصة، ثم إقامة شركات افريقية - افريقية وافريقية مع آسيا وبصفة خاصة مع الصين والهند وروسيا وإيران وغيرها من الدول التي تقف في الشاطئ الاخر من المشروع.

4. التحدي العسكري: تصنعه القواعد العسكرية الغربية: وليس الفرنسية فقط في دول افريقيا.

5. التحدي الأمني: تمثله ما يمكن أن نسميه الصهيونية الثالثة المتمثلة في المجموعات التكفيرية في هذه المنطقة، وسيكون هذا التحدي كبيرًا، والغرب سيعمل على توظيف هذه التنظيمات لتعزيز وجوده من خلال زعزعة الامن والاستقرار في تلك الدول.

د. موديبو دانيون: 

أصبحت افريقيا اليوم مشغل العالم، وما يحصل اليوم على الساحة الأفريقية هو نتيجة الغطرسة الغربية، ففي مالي على وجه الخصوص نلاحظ أن الطلاق بين مالي وفرنسا ناتج عن غطرسة السلطات الفرنسية، ولكن رئيس فرنسا هو ذاته الذي قال للسلطات المالية أنها ستنسحب من مالي إذا واصلت التعامل مع الإرهابيين، لان مالي وقتها كانت قد قررت فتح نقاش مع الماليين المتورطين في العمليات الإرهابية في مالي. وماكرون هو الذي صرح انه سينسحب، ولكن السلطات المالية وقتها كانت قد اخذت إجراءات على هذا الأساس، وبدأ التواصل مع روسيا في الخفاء قبل ان يظهر الى العلن، وعندما قررت السلطات الفرنسية الانسحاب وجدت مالي فرصة تاريخية لإبراز شخصيتها.  فقد وجد الماليون فرصة ثمينة في الطلاق مع فرنسا، والمنطلق الحقيقي لما يحصل في غرب افريقيا كان من مالي، وان كانت جمهورية افريقيا الوسطى هي الشرارة الأولى.

وما حصل في بوركينا فاسو وجد دعمًا سريعًا من السلطات المالية، وأيضّا في النيجر وجدت السلطات الجديدة دعمًا من السلطات في بوركينا فاسو ومال،ي بل واتحدت السلطتان في دعم السلطات الجديدة في النيجر.

السلطات في مالي وبوركينا فاسو ترى ان الرئيس محمد بازوم هو العميل الرقم واحد عملانيًا في غرب افريقيا، وخصوصيته أنه منح النيجر الى الغرب بصفة عامة، إذ توجد على أراضي النيجر ما يصل الى 8 قواعد عسكرية للغرب، والسلطات في بوركينا فاسو ومالي رأت أن النيجر يمثل ثالوث الصراع ضد الإرهاب في الساحل، وإذا ما لم ينخرط النيجر الى جانب بوركينا فاسو ومالي فإن النجاح صعب جدًا، لان ما يسمى بالحدود المشتركة الثلاثة أصبح طرف النيجر هو مدخل الإرهاب والأسلحة والمخابرات الغربية، ولو لم يتم انقلاب في النيجر كان على الماليين والبركانيين ان يثيروا هذا الانقلاب لتتم حلقة الثالوث.