• اخر تحديث : 2024-04-19 15:15

على خطى سعى إسرائيل نحو تأطير روايتها حول أحداث 7 أكتوبر (2023) ومأسستها، وافق الكنيست الإسرائيلي، في قراءة أوّلية في الجلسة العامة في 7 فبراير الجاري (2024)، على مشروع القانون الذي قدمه عضو الكنيست عوديد فورير، عن حزب "يسرائيل بيتنا"، والذي يقضي بأن عقوبة إنكار "مذبحة" 7 أكتوبر هي السجن لمدة خمس سنوات، بحسب نص مشروع القانون. وتأتي هذه الخطوة على غرار قانون عام 1986 الذي يحظر إنكار الهولوكوست، بيد أن التوقيت المبكر لهذا التشريع –خاصة أن الحرب لاتزال جارية– أثار بعض التساؤلات حول دوافعه وكذلك تداعياته المحتملة، خاصة في ظل نصوصه الفضفاضة التي تثير في اللحظة الراهنة العديد من التوترات في الأوساط القانونية والحقوقية الإسرائيلية.

دوافع التشريع وأهدافه

تسعى إسرائيل في اللحظة الراهنة إلى الموازنة بين آلة الحرب العسكرية المستعرة في حصد أرواح الآلاف من الفلسطينيين المدنيين، وآلة الحرب الإعلامية المرتبطة ببناء "سردية خاصة" حول الأحداث لكسب تعاطف المجتمع الدولي وحشد أكبر دعم ممكن، حيث لا تقل ما يُعرف بـ"حرب السرديات" أهمية عن الحرب العسكرية.

وعلى هذا الأساس، اتخذت تل أبيب عدداً من الخطوات لفرض رؤيتها وسرديتها للأحداث منذ اندلاعها. فتارة، قامت بالترويج لروايات متناقضة مع الواقع الحاصل من ناحية المبالغة في توصيف الأحداث التي بدأت تتكشف تفاصيلها عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية التي أكدت، على سبيل المثال لا الحصر، تورط الجيش الإسرائيلي في قصف العديد من القتلى الإسرائيليين وقت اندلاع الأحداث. وتارة أخرى، اتجهت نحو مأسسة روايتها وتأطيرها من الناحية القانونية عبر تمرير التشريع محل الدراسة، وذلك ارتباطاً بعدد من الدوافع والأهداف التي يُمكن إجمالها على النحو التالي:

1- التأسيس لذكرى الأحداث في ذاكرة الدولة العبرية: تستهدف إسرائيل من خلال هذا التشريع التأسيس لذكرى أحداث 7 أكتوبر واستمرار تأثيرها الإدراكي عبر الأجيال، لتحفيز دافع العداء تجاه الفلسطينيين، خاصة في ظل احتفاظها بحصرية روايتها للأحداث التي تخلق لها شرعية الاستمرار في الحرب في إطار استراتيجيات "كي الوعي" التي صاغها موشيه يعلون، وزير دفاع ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، والتي طورها بالأساس لاستخدامها مع الفلسطينيين، إلا أن المسئولين الإسرائيليين يبدو أنهم قد وجدوا فيها أداة جيدة لتطويع الداخل الإسرائيلي وتعبئته، وتوحيد الصف المنقسم على أرضية مواجهة ما يسمى بـ"الخطر الفلسطيني"، وهو الأساس الذي تعقد إسرائيل عليه الآمال من أجل تأسيس الدولة اليهودية القومية اليمينية، وذلك على أنقاض آمال الفلسطينيين في إنشاء دولة مستقلة لهم.

2- تعزيز "المظلومية" التاريخية لليهود: تسعى تل أبيب من خلال تمرير هذا التشريع إلى تأكيد معنى "المظلومية" التاريخية التي تنطلق منها في تعاملها مع العالم الخارجي لتعزيز شرعية سلوكها وانتهاكاتها الوحشية في حق الفلسطينيين، واستحضار أحداث 7 أكتوبر على مسطرة مظلومية أحداث الهولوكوست، عبر تطوير هذا التشريع بذات الفلسفة لقانون إنكار المحرقة، حيث تضمن بنوداً عقابية لتجريم الإنكار بعقوبة السجن لمدة خمس سنوات.

كما عكست نصوص القانون إبراز هذا التوجه بتحفيز المظلومية التاريخية لليهود، وهو ما بدا واضحاً في أحد نصوصه التي ذكرت: "إرهابيو حماس ذبحوا وقتلوا وقطّعوا واغتصبوا ونهبوا أكثر من 1400 من السكان الإسرائيليين الذين يعيشون بالقرب من الحدود… فقط لأنهم إسرائيليون ويهود". كما استطرد مشروع القانون في نصوصه التفسيرية لتأكيد المعنى ذاته، حيث أشار إلى أن إنكار هذه الجرائم يشكل محاولة لإعادة كتابة التاريخ و"إخفاء وتقليل وتسهيل الجرائم المرتكبة ضد الشعب اليهودي ودولة إسرائيل".

3- حشد الدعم الغربي حول السردية الإسرائيلية: ارتباطاً بتراجع مصداقية الرواية الإسرائيلية للأحداث في ظل مشاهد القتل الوحشية للمدنيين الفلسطينيين التي كانت لها أصداءها في أوساط الرأي العام العالمي، وتصاعد موجة الاحتجاجات في العواصم الغربية، تتجه تل أبيب إلى تأطير سرديتها من الناحية القانونية لإضعاف صدى السردية المعارضة وتهيئة الحكومات الغربية لتبني هذا التشريع ضمن منظومتها القانونية على أرضية الدعم لـ"المظلومية التاريخية" لليهود.

4- تعبئة وتوحيد موقف الداخل: ساهم هذا التشريع في خلق حالة من التوافق السياسي الرمزي، وانعكس ذلك في الدعم الذي اكتسبه بالفعل من مجموعة واسعة من المشرعين في كل من الائتلاف والمعارضة، حيث ذكر وزير العدل الإسرائيلي ياريف ليفين، عن حزب "الليكود" الذي يتزعمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أنه بينما كان يفضل صياغة أفضل داخل النص، فإن القانون "يحتوي أيضاً على بيان للعالم – لأننا نحن نحارب ظاهرة الإنكار، وبالتالي فإن قرارنا بعدم الموافقة على مشروع القانون من شأنه أن يبعث برسالة معاكسة تماماً للرسالة التي يجب أن نرسلها".

في هذا السياق، يبدو أن هناك جانباً آخر من أعضاء الكنيست الإسرائيلي يتجه لدعم مشروع القانون، من كل حزب في الحكومة تقريباً، بما في ذلك أحزاب الحريديم الأرثوذكسية المتطرفة "شاس ويهدوت هتوراة"، وحزب "الصهيونية الدينية"، و"عوتسما يهوديت"، وأحزاب المعارضة مثل "يش عتيد"، و"يسرائيل بيتنا"، و"الوحدة الوطنية".

تداعيات محتملة

تبرز في اللحظة الراهنة جملة من المؤشرات العاكسة لحدوث عدد من التداعيات المحتملة في حالة دخول مشروع القانون حيز النفاذ بشكله الحالي، والتي يمكن إجمالها على النحو التالي:

1- زيادة حدة الاستقطاب المجتمعي: عكست نصوص التشريع الترسيخ للانقسام في الداخل الإسرائيلي بين المجتمع اليهودي والمجتمع العربي، حيث حصرت زاوية التركيز في نصوص القانون على اليهود، بل ذهب عدد من التقارير الإسرائيلية التي طُرحت حول التشريع المقترح إلى الدفع بأن القانون تمت صياغته لاستهداف عناصر المجتمع العربي الذين يتم اتهامهم حاليا بدعم الموقف المعارض للحكومة الإسرائيلية وحربها ضد قطاع غزة، حيث أوضح عوديد فورير، مقدم التشريع، أن مشروع القانون يهدف إلى محاربة الإنكار محلياً، معلناً أنه "يجب ألا نسمح لمجموعات داخل البلاد بتدمير وإتلاف ذاكرة الضحايا".

وفي هذا الصدد، أشارت بعض التقارير إلى أن هذه التصريحات وهذا التشريع المقترح يأتي تزامناً مع جهود فورير لطرد عوفر كسيف، المشرع عن حزب "الجبهة العربية للتغيير"، الذي يواجه حالياً عملية عزل موسعة بسبب دعمه العلني لموقف جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية.

2- تصاعد التوتر في الأوساط القانونية: تثار في الأوساط القانونية الإسرائيلية بعض التحفظات والرفض لمشروع القانون بصيغته الحالية وكذلك توقيت طرحه، حيث ذكرت تمار شونامي من إذاعة الجيش الإسرائيلي في 1 فبراير الجاري، أن المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية غالي بهارافميارا عارضت التشريع، وأوضحت أن "تحديد حظر جنائي خلال هذه الفترة، في خضم الحرب، قد يضر بالمصلحة العامة المتمثلة في تقديم إرهابيي حماس إلى العدالة ويثير صعوبة قانونية كبيرة"، وأضافت أن القانون المقترح يمكن أن يعّقد محاكمة أعضاء حماس، خاصة وأن هذه المرحلة لا تزال أحداث 7 أكتوبر قيد التحقيق، والأدلة غير مكتملة، وهو ما يجعل من الصعوبة للغاية الرجوع في إطار الإجراءات القانونية ضد المتهمين بجرائم الإنكار المقترحة إلى الادعاءات المتعلقة بالتحقيقات الجارية.

كما أشارت في مذكرتها التي رفعتها بتاريخ 30 نوفمبر 2023، حول مشروع القانون، إلى أن الجرائم المقترحة، في نسخة القانون الحالية، والتي تنص، من بين أمور أخرى، على حظر جنائي حتى للأفعال المرتكبة دون نية إجرامية، تسبب صعوبات على المستوى الجنائي والدستوري، ومن هنا، اقترحت عدم الترويج لمشروع القانون في الوقت الحالي.

3- تصاعد احتجاجات منظمات المجتمع المدني: في أعقاب الموافقة على مشروع القانون بالقراءة الأوّلية، تصاعدت بعض أصوات المنظمات المعنية بالحقوق المدنية لرفض الصيغة الحالية لمشروع القانون، مؤكدة أن مثل هذه القوانين لها تأثير مروع على حرية التعبير. وبحسب جيل غان مور، مدير جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل، فقد أكد أن "إنكار المذبحة أمر مؤسف وصارخ، لكنه ليس من الحالات المتطرفة التي يجب الحفاظ فيها على تجريم تعبيرات الرأي"، مشيرًا إلى الصياغة الغامضة والفضفاضة للنص، مؤكداً أنه سيكون من الصعب التنبؤ بكيفية تطبيقها. ودلل على ذلك بمثال أنه وفقاً لنص مشروع القانون المقترح فإن الشخص الذي يدعي أن الرد على المجزرة مبالغ فيه، أو يحاول إظهار سياق تاريخي، قد يجد نفسه قيد التحقيق من قبل الشرطة بسبب التقليل من أبعاد المذبحة.

ومن المتوقع أن تتسع رقعة الرفض لتشمل العديد من المنظمات الحقوقية والليبرالية، خاصة إذا ما بقي مشروع القانون بصيغته الحالية التي يرتأيها النشطاء الحقوقيون بأن له "تأثير مروع" على حرية التعبير، بحسب تعبيرهم.

ختاماً، يمكن القول إن هذا القانون المقترح ومن قبله العديد من الخطوات التي اتخذتها إسرائيل في الماضي، تمثل حلقة ضمن سلسلة حلقات لتدعيم وتطوير السردية الإسرائيلية حول مظلوميتها التاريخية، التي توفر لها شرعية القبول على المستوى الدولي وتُضعف السرديات المقابلة التي تندد بانتهاكاتها الصارخة لحقوق الشعب الفلسطيني، إلا أنه في اللحظة الحالية وفي ظل عصر الصورة والتحولات الرقمية لم تعد هذه المهمة سهلة كسابقاتها، وهو ما يُثار في حالة التشريع الحالي، والذي من المتوقع أن يقابل بالرفض من جانب العديد من المنظمات الحقوقية الإسرائيلية التي ترفض صيغته الفضفاضة التي تشكل تغولاً على حرية التعبير، على نحو ينذر باحتمالية تجدد أزمة قانون "المعقولية" الذي ألغته المحكمة العليا الإسرائيلية، ويعوّل في هذه الأثناء على أن يُعاد النظر في الصيغة المقترحة قبل أن يصبح مشروع القانون قانوناً، والذي يحتاج إلى المرور عبر اللجنة الوزارية للتشريع وثلاث قراءات إضافية في الجلسة المكتملة.