• اخر تحديث : 2024-04-19 15:15
news-details
دراسات

ورقة تحليلية: التداعيات الجيوسياسية للحرب على غزة


مقدمة

في حدث أذهل المراقبين، فاجأت كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس الجانب الإسرائيلي، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، عندما اجتازت الحاجز الأمني الذي يفصل قطاع غزة عن غلافها محققة انتصارًا ميدانيًّا مدويًا لم يتوقع مداه حتى أكثر الناس تفاؤلًا بقدرات حماس. وحبس العالم أنفاسه في الساعات الأولى إذ لم يكن واضحًا ما جرى بعد سقوط عدد كبير من القتلى ووقوع عدد كبير من الجنود الإسرائيليين في قبضة كتائب القسام.

لم يتأخر الرد الإسرائيلي، فشنَّت إسرائيل هجومًا كان ظاهره القضاء على حماس لكن في جوهره تهجير الشعب الفلسطيني والانتقام وتحويل مناطق شاسعة من قطاع غزة الصغير إلى مناطق تفتقد أبسط مقومات العيش. وما أن بدأت المعركة البرية -أو المرحلة الثانية من الحرب- حتى أظهرت كتائب القسام قدرًا عاليًا من الصمود والتضحية؛ ما جعل فكرة هزيمة حماس ميدانيًّا والقضاء عليها في وقت قصير أمرًا يتعذر تحقيقه. ومع أن الحرب ما زالت مستعرة، فإن الكثير من المراقبين يحاول مقاربة شكل القطاع وإسرائيل بعد الحرب، ناهيك عن التغيرات التي ستجري في الإقليم بشكل عام.

تجيب هذه الورقة عن تساؤل بالغ الأهمية يتعلق بالأبعاد الجيوسياسية لـ (طوفان الأقصى) في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ففي صبيحة ذلك اليوم فاجأت كتائب القسام التابعة لحركة حماس الإسرائيليين والعالم معًا بتنفيذ هجوم مدروس ومتقن أوقع خسائر مادية ومعنوية بالجانب الإسرائيلي لم تشهد إسرائيل مثيلًا له طيلة عقود طويلة من الصراع مع العرب والفلسطينيين على أرض فلسطين.  لم يتأخر رد إسرائيل؛ إذ أعلن رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، أن إسرائيل هي في حالة حرب مع حماس وأن الهدف النهائي للحرب هو القضاء على حركة حماس وتحرير المحتجزين والأسرى الإسرائيليين. وبناء عليه، شنَّت إسرائيل حربًا توصف على نطاق واسع بأنها حرب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.

مدخل مفاهيمي

لا تجري الحرب على غزة في فراغ على الرغم من صغر مساحة قطاع غزة والخلل الفادح في موازين القوى بين طرفي الصراع، فلهذه الحرب تداعيات جيوسياسية واضحة في الشرق الأوسط تجعل من الاستقرار الإقليمي أمرًا صعب المنال. وعلاوة على ذلك، وفرت هذه الحرب فرصًا لبعض اللاعبين الدوليين والإقليميين لمضاعفة مكتسباتهم الإستراتيجية في وقت شكلت قيدًا على لاعبين آخرين.

في العقد الأخير، كان التحول المستمر في المشهد الجيوسياسي باديًا للعيان، برزت معالمه في تراجع الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة إذ لم تعد القوة الوحيدة التي تحدد النظام الجيوسياسي في الإقليم. وأدى الانسحاب النسبي (Relative Disengagement) لواشنطن بداعي الاستدارة نحو الشرق إلى فتح المجال أمام صعود قوى عالمية أخرى، ولاسيما الصين وروسيا، اللتان تكافحان من أجل مشاركة دور القيادة العالمية مع الولايات المتحدة في المنطقة. رافق هذا التحول بروز لاعبين إقليميين يمارسون دورًا ملحوظًا، وتقوم إيران على سبيل المثال فيها بالتحوط الإستراتيجي ضد الولايات المتحدة. ويبدو أن نظام ما بعد الحرب الباردة الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والغرب عمومًا ويتحكم في القيم الليبرالية والسياسات الاقتصادية الليبرالية لم يعد من دون تحد جدي في منطقة الشرق الأوسط. فاللحظة الأميركية في الشرق الأوسط تتلاشى أمام تحول نمطي في المسرح الجيوسياسي ما زالت الولايات المتحدة لاعبًا رئيسيًّا لكن ليس وحيدًا.

يرى أنصار المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية أن تغيير بنية النظام الدولي يحتاج إلى حرب كبرى.  لكن يبدو أن حربًا كبرى ليست ضرورية لإحداث مثل هذا التغيير؛ إذ يسهم عدد من الحروب، تكون فيها خطوط الصراع بين الجنوب العالمي والغرب وأدواته، في إحداث مثل هذا التغيير المطلوب بحيث ينتقل النظام إلى نظام أكثر عدالة.

بكل تأكيد سيكون لهذه الحرب تداعيات إقليمية وتغيرات واسعة في المنطقة بشكل عام. وعليه، تطرح هذه الدراسة السؤال التالي: ما التداعيات الجيوسياسية لـ(طوفان الأقصى) والحرب التي شنتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني في غزة؟ فالراهن أن هناك اتجاهات جيوسياسية بدأت تتشكل، فما هذه الاتجاهات؟ وما تداعياتها؟ ومن اللاعبون الرابحون والخاسرون في هذا الواقع الجديد؟ ستناول هذه الورقة الموضوع من خلال تسليط الضوء على بعض الاتجاهات الجيوسياسية التي بدأت تتشكل، وستقارب الموضوع من خلال وضع عملية (طوفان الأقصى) في سياقها الصحيح ومن ثم شرح طبيعة التحولات الناجمة عن الحرب على غزة.

"طوفان الأقصى" والسياق

لم يكن السابع من أكتوبر/تشرين الأول مثل أي يوم آخر شهدته إسرائيل منذ تأسيسها عام 1948، فإسرائيل خاضت حروبًا عديدة ومواجهات مختلفة مع العرب أكسبت إسرائيل قوة الردع. لذلك اعتقد الفريق الحاكم في تل أبيب أن العرب وتحديدًا حماس في حالة ردع شديدة. لذلك شكلت عملية (طوفان الأقصى)، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مفاجأة من العيار الثقيل أفقدت إسرائيل صوابها لأنها منيت خسائر بشرية ومادية ومعنوية غير مسبوقة في تاريخها القصير.

في اليوم الأول للعملية سيطرت السردية الإسرائيلية في الغرب وأصبحت المنظور الذي حدد زاوية النظر للقادة الغربيين، وكانت السردية تؤكد أن عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول ما هي إلا هجوم "إرهابي" من دون استفزاز. ونقلت الصحافة الغربية، وبخاصة الأميركية والبريطانية، من جانب واحد فقط، وخلال الأسبوع الأول غاب القصف الإسرائيلي الوحشي عن التغطية الغربية للحرب. وبالفعل، كان هناك دور كبير للغة في تشكيل الفهم وتكوين الرأي العام. وعليه، تمكنت التغطية الإعلامية المنحازة من تشكيل المواقف السياسية للقادة الغربيين الذين تقاطروا مهرولين لزيارة إسرائيل والتأكيد على "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس" ضد حماس التي وصفت على نطاق واسع بالغرب بأنها حركة "إرهابية" شنَّت هجومًا "إرهابيًّا" ضد إسرائيل مستهدفة المدنيين وغير المدنيين.

من المفهوم لماذا ركزت السردية الإسرائيلية على السابع من أكتوبر/تشرين الأول وكأنه ليس هناك سياق تاريخي لهذه الأحداث تمثل في وجود احتلال إسرائيلي ما زال جاثمًا على صدور الفلسطينيين. فنكبة العام 1948 أفضت إلى تهجير ثلثي الفلسطينيين من بيوتهم وبلداتهم في عملية تطهير عرقي حملت اسم خطة دالت. وهذا الأمر كشف عنه بالوثائق التاريخية عدد من المؤرخين الجدد الإسرائيليين أنفسهم وبخاصة إيلان بابيه وبني موريس وغيرهم. ومنذ تلك اللحظة والفلسطينيون يعيشون في الشتات وجزء منهم لجأ إلى غزة إذ يشكل اللاجئون أكثر من نصف سكان القطاع بعضهم موزع في ثمانية مخيمات معترف بها.

لم تعترف إسرائيل حتى هذه اللحظة بأي مسؤولية عن ميلاد مشكلة اللاجئين محملة العرب والفلسطينيين أنفسهم مسؤولية ما جرى في العام 1948. ومع أنه توجد قرارات أممية مثل قرار الجمعية العامة رقم 194 الذي ينص على حق اللاجئين بالعودة والتعويض، إلا أن إسرائيل ضربت بعرض الحائط كل هذه القرارات ومضت في مشروعها الصهيوني القائم على الاستيلاء على مزيد من الأرض ورفض عودة اللاجئين. ولهذا السبب كان الصراع قبل نكسة يونيو/حزيران 1967صراعًا صفريًّا رفضت فيه إسرائيل كل المحاولات التي بُذلت لإيجاد تسوية سلمية للصراع.

وعلى إثر النكسة سقط قطاع غزة -الذي كان تحت الإدارة المصرية- وكذلك الضفة الغربية والقدس الشرقية تحت الاحتلال الإسرائيلي وما ترتب على ذلك من إذلال ممنهج للشعب الفلسطيني وصل إلى نقطة تفجرت فيها انتفاضة الحجارة في عام 1987 التي انتشرت من قطاع غزة إلى باقي مدن الضفة الغربية. وأمام المقاومة الفلسطينية قررت إسرائيل، في عام 2005، بزعامة آرئيل شارون الانسحاب الأحادي من قطاع غزة لكنها أبقت السيطرة عليه. وفي عام 2006، جرت انتخابات تشريعية فازت بها حركة حماس وشكلت حكومة فلسطينية برئاسة إسماعيل هنية، وهو أمر لم تقبل به إسرائيل ولا الدول الغربية التي تعلي من قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في خطابها، وفي ذلك مفارقة لافتة. وشكَّل الموقف المناهض لحركة حماس دافعًا للغرب ولدول عربية محددة لدفع الفلسطينيين إلى الانقسام الذي اتخذته إسرائيل ذريعة للتسويف واحكام الحصار على قطاع غزة. ومنذ عام 2007 والفلسطينيون في قطاع غزة يعانون من حصار إسرائيلي وسلسلة من الحروب أدت في النهاية إلى ردة فعل الفلسطينيين في قطاع غزة، وعليه يمكن فهم لماذا قامت كتائب القسام ببدء عملية طوفان الأقصى. فالحصار الشديد، والممارسات الإسرائيلية في الاستيطان وفي تدنيس المسجد الأقصى، وتحول الحكومة الإسرائيلية إلى حكومة تمثل مصالح الاستيطان والاحتلال أوصل الفلسطينيين إلى نقطة اليأس التي فجرت "طوفان الأقصى". لذلك كان تقديم عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول إسرائيليًّا وفي الغرب وكأنه من دون استفزاز أو سبب مقنع (casus belli) مجرد تضليل.

هذا السياق كان غائبًا عن الفهم الغربي وعن الإعلام الغربي في الأسبوعين الأولين للحرب. لكن إسرائيل ارتكبت، وما زالت، عشرات بل مئات المجازر؛ الأمر الذي أفضى إلى إحداث تغيير كبير في مواقف الرأي العام الغربي. وعلى إثر ذلك اندلعت مظاهرات حاشدة في عواصم رئيسية تندد بالمجازر الإسرائيلية وتؤكد على حق الفلسطينيين في المقاومة وفي التحرير.

تسبب طول أمد الحرب، والكوارث الإنسانية الناجمة عن الهجمات الإسرائيلية، واعتماد الحرب على غزة نمطًا انتقاميًّا واضحًا، وضغوط الرأي العام، في انتشار السردية الفلسطينية للأحداث، وتغير مضامين التغطية الإعلامية بشكل واضح، مما فتح الطريق واسعًا أمام سماع الأصوات المؤيدة للفلسطينيين، والناقدة لإسرائيل. ولم يقتصر الأمر على تغير في الرأي العام الدولي، بل تراجع بعض القادة الغربيين عن الدعم الأعمى لحكومة نتنياهو التي باتت عقبة أمام أي حل لدرجة أن إدارة بايدن -الرئيس الذي يصف نفسه بأنه "صهيوني" ويقدم وزير خارجيته نفسه بوصفه يهوديًّا- بدأ يفكر باليوم التالي لنتنياهو. هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الرئيس بايدن يتخلى عن إسرائيل، لكنه بدأ يدرك أن نتنياهو يتلاعب به وبالدعم الأميركي لتحقيق أهداف سياسية شخصية تتعلق بالسياسة الداخلية في إسرائيل.

وضُربت السردية الإسرائيلية بشكل أكبر بعدما رفعت دولة جنوب إفريقيا قضية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية تتهمها بالإبادة الجماعية للفلسطينيين. وبالفعل قدمت جنوب إفريقيا إحاطة قانونية رفيعة المستوى تُبين فيها كل أركان الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين. وعليه، بدت إسرائيل في حالة من الهلع نتيجة للتحولات لصالح الفلسطينيين وبدأت تشعر بأنها تخسر معركة السردية. وزاد من سوء الأمر بالنسبة لإسرائيل، فشلها لغاية كتابة سطور هذه الدراسة في تحقيق ما أُعلن عنه من أهداف للحرب. ناهيك عن الفشل الاستخباري لاسيما في توقع عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول؛ حيث كانت كل التقارير الإسرائيلية تشير إلى عدم رغبة حماس في مواجهة عسكرية مع إسرائيل.

بعد أن تم توضيح السياق العام لطوفان الأقصى والتطرق لحرب السرديات التي بدأت منذ اللحظة الأولى، تنتقل هذه الدراسة إلى تفحص أبرز التداعيات الجيوسياسية لـ(طوفان الأقصى) والحرب على غزة التي ستغير في ديناميات السياسة الإقليمية بشكل إستراتيجي.

فشل الردع الإسرائيلي

نظرًا لطبيعة المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي، لعب الأمن دورًا مركزيًّا في السياسة الإسرائيلية، فالصهاينة يعرفون منذ البداية أن هذه الأرض التي تم الاستيلاء عليها لم تكن تلك "الأرض من دون شعب لشعب من دون أرض" كما ذهبت إليه الدعاية الصهيونية مطلع القرن الماضي. وأدرك الصهاينة أن أصحاب الأرض سيقاومون الغرباء المحتلين، لكنهم قرروا تجاهل هذا السؤال في البدايات خوفًا من إحباط المرشحين للهجرة إلى فلسطين. فالأمن قيمة مركزية بالنسبة لهم وشكَّل المنظور الذي يحدد سياستهم الخارجية تجاه العرب بشكل عام والفلسطينيين على وجه الخصوص.

بنت إسرائيل نظريتها الأمنية منذ إقامتها على نظرية الردع الإستراتيجي التي تُعد الركيزة الرئيسية لسياستها الأمنية التي وضعها رئيس وزرائها الأول، ديفيد بن غوريون، وتنص على أن مصالح إسرائيل في الأمن والبقاء تتحقق من خلال إظهار القوة وتوظيفها بشكل يقنع العرب باستحالة هزيمة إسرائيل وأن كلفة الحرب مع إسرائيل ستكون كارثية للطرف العربي. فنظرية الردع هي المركب الأهم في العقيدة الأمنية لإسرائيل التي أيقن قادتها أنهم يعيشون في بيئة لن تقبل بهم، لذلك هدفت إلى تحقيق نوعين من الردع: الردع بالمنع (أي منع العرب من مجرد التفكير جديًّا في شن حرب معها، وهذا فشل في أكثر من مرة وطوفان الأقصى هو التجلي الأبرز لهذا الفشل)، والردع بالعقاب من خلال توظيف القوة العسكرية بشكل كبير، وهي فكرة تعكس تفكير الأب الروحي للصهيونية التنقيحية، زئيف جابوتنسكي (1880-1940)، الذي جاء على شكل أطروحة حملت عنوان الجدار الحديدي. وقد جادل جابوتنسكي بأن العرب لن يتخلوا عن أرضهم للغرباء وعليه سيكون الصراع معهم حتميًّا؛ الأمر الذي يتطلب تشييد جدار حديدي يستند إلى بناء قوة ردع عسكرية كافية لجعل اليأس يدب في قلوب العرب حول إمكانية تحقيق النصر، عندها فقط سيقبل العرب بالصهيونية ويقدمون تنازلات مهمة في هذا السياق بعد أن يستنبطوا فكرة أن المقاومة العسكرية لن تجدي نفعًا وأن الأفضل لهم قبول الوضع القائم.

وفي ذات السياق، بنت إسرائيل منذ تأسيسها إستراتيجية الأمن مستندة إلى ركائز أساسية، هي: الردع، والتفوق الاستخباري، والحسم السريع في أرض الخصم. وهذه الإستراتيجية صُمِّمت لمواجهة الجيوش العربية في صراع ممتد، وبالفعل نجحت هذه الإستراتيجية إلى حد كبير، فمنذ حرب النكسة، في يونيو/حزيران عام 1967، وحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، اعترفت الدول العربية بصعوبة التصدي للقدرات العسكرية الإسرائيلية المتفوقة كمًّا ونوعًا، مما دفع بالتهديدات إلى أسفل منطقة النزاع. وعليه انخفض احتمال أن تشن دول عربية حربًا تقليدية ضد إسرائيل التي بدت واثقة ومغرورة بقوتها العسكرية التي عادة ما تصفها بأنه لا يمكن قهرها.

في أعقاب اتفاقيات السلام مع مصر ثم الأردن واتفاق أوسلو، وتدمير العراق في حربين كارثيتين لم تعد هناك تهديدات عربية تقلق الإسرائيليين. لكن في الوقت ذاته ظهرت ضمن التهديدات حركات وتنظيمات المقاومة مثل حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان. ولذلك؛ طرحت إسرائيل مفاهيم إجرائية جديدة مثل "كي الوعي"، و"جز العشب"، فضلًا عن "المعركة بين الحروب" التي تستند إلى فكرة القيام بإجراءات وتدابير استباقية بناء على معلومات استخبارية دقيقة بهدف ردع الخصم مع إبقاء القتال دومًا على أرضه وتقليم أظافره دون الحاجة لخوض حرب واسعة.

وبناء عليه، يكون من الضروري تقليل قدرات حماس عسكريًّا وفقًا لمبدأ "جز العشب"، أي عدم السماح لها بمراكمة القوة العسكرية، وفي حال قيام حماس بعملية عسكرية تعمل إسرائيل على إلحاق خسائر عسكرية باهظة بها لتمنعها من العود، وهذا ما تسميه إسرائيل "كي الوعي"؛ الأمر الذي يكفل لها أن تحصل على ما يلزم من تهدئة تمكِّنها من إعادة توجيه الموارد نحو الازدهار الاقتصادي والتوسع الاستيطاني.

أصبحت الحروب ذات الكثافة المنخفضة (low intensity warfare) والتي يقوم بها فاعلون من غير الدول (Non state Actors)، مثل حماس وحزب الله، الوسيلة الرئيسية لمقاومة إسرائيل واحتلالها. لذلك قامت بعض الدول مثل إيران بتحويل انتباهها إلى دعم هذه الجماعات بشكل سري أحيانًا وعلني أحيانًا أخرى، لأنها وجدت فيها آليات منخفضة التكلفة والمخاطر لمواصلة التصدي لإسرائيل دون أن تتحمل المسؤولية المباشرة وربما الانتقام الإسرائيلي.

ومن أجل مواجهة هذه التهديدات غير التقليدية، ارتفع الردع إلى الصدارة في سياسة الأمن الإسرائيلية، بهدف منع التنظيمات المسلحة من تنفيذ هجمات تتطلب استجابة واسعة النطاق من قبل الجيش الإسرائيلي. وأي نظرة فاحصة لسجل حروب إسرائيل ضد حماس وحزب الله تكشف عن فشل إسرائيل في مسألتين: أولًا: لم تتمكن إسرائيل من تحقيق انتصار إستراتيجي ضد حزب الله أو حماس، وثانيًا: لم تنجح إسرائيل لغاية الآن في إيجاد وسيلة لردع حماس من القيام بأعمال عسكرية وشن هجمات مميتة على غرار ما حدث في السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

وجاء تصريح نتنياهو بأن بلاده "في حرب" في يوم الطوفان لتعكس مستوى إحساس الإسرائيليين بانهيار نظرية الردع التي تهاوت فجأة بعد أن اعتقد نتنياهو بأن حماس في حالة ردع عميقة. لذلك أعلنت الحكومة الإسرائيلية مباشرة التعبئة العامة واستدعاء الاحتياط وتشكيل حكومة "وحدة وطنية" في محاولة بائسة لاستعادة الردع وترميم صورة إسرائيل التي كان قادتها يصرون على أن جيشهم لا يُقهر الأمر الذي تحول إلى وهم تحت ضربات السابع من أكتوبر/تشرين الأول.  فالهجوم المفاجئ الناجح الذي نفذته حماس ضد إسرائيل أفضى إلى تلاشي الردع الإسرائيلي. فتكوَّن انطباع بهشاشة إسرائيل وأن قوتها مبالغ بها ما يشجع على استهدافها. وبناءً على ذلك، فإنه من الضروري لإسرائيل أن تستعيد الردع. هذه هي رسالة الحكومة الإسرائيلية من اليوم الأول. لذلك تحاول بكل ما أوتيت من قوة تدمير أكبر جزء ممكن من قطاع غزة لاستعادة قوة الردع من خلال فرض عقوبة ثقيلة على حماس وهذا يفسر الحملة البرية بهدف قطع رأس القيادة السياسية والعسكرية لحماس.

وكما أسلفنا، أطاح هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول بما يسمى "المعركة بين الحروب" إذ انتقلت إسرائيل إلى مفهوم الحسم العسكري واستئصال التهديد من جذوره، وهو أمر لم ينجح ميدانيًّا لغاية كتابة سطور هذه الدراسة، فباتت إسرائيل تواجه تهديدات من جنوب لبنان، وأخيرًا من الجنوب بعد أن قام الحوثيون باستهداف الأمن البحري في البحر الأحمر. ولا يمكن الاستهانة بالتهديد الحوثي الأمر الذي تطلب تدخلًا عسكريًّا من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا. وعليه، فقد تحولت إسرائيل من قوة يخشاها الجميع إلى قوة عسكرية قابلة للهزيمة ولا يخشاها الجيران وسيكون لهذا التطور أبعاد لا يمكن تصورها في قادم الأيام. باختصار، خسرت إسرائيل معركة استعادة الردع، فكل محاولات التدمير الممنهجة لقطاع غزة والتي وصلت حد رفع قضية ضدها في محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية لم تصنع الفارق ولم تجبر حماس على الاستسلام ولم تسهم في تحقيق إسرائيل لأهداف الحرب المعلنة ولم تسهم في تهجير الفلسطينيين خارج القطاع ولم تقنع الرأي العام العربي بأن إسرائيل هي قوة لا تهزم. وعلى الأرجح سيكون لهذه الحرب انعكاسات كبيرة جدًّا على انطباع العرب عن الردع الإسرائيلي ولن يشكل اندلاع حرب أخرى يشنها طرف عربي ضد إسرائيل أمرًا مفاجئًا بعد أن بانت عورة القوة الإسرائيلية التي لم تعد مقنعة للخصوم وربما حتى للحلفاء وبخاصة بعد أن هبَّت الولايات المتحدة إلى نجدتها عسكريًّا منذ اللحظة الأولى. ويبقى السؤال برسم الإجابة يتعلق باليوم التالي لحرب غزة: هل ما زال بعض العرب مقتنعين بالقوة الإسرائيلية والتحالف معها والدخول في اتفاقات تطبيع لمواجهة التهديد الإيراني بعد أن ظهر للعيان حدود القوة الإسرائيلية وعدم قدرتها على الحسم العسكري أمام تنظيم محاصَر بإمكانات محدودة؟

التطبيع وطوفان الأقصى

بدأت موجة التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية بعد أن توصلت مصر إلى اتفاق سلام مع إسرائيل في شهر مارس/آذار من العام 1979 مدشنة بذلك مسارًا أفضى إلى توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في سبتمبر/أيلول من العام 1993 واتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول من العام 1994. وحتى سوريا كانت قاب قوسين أو أدنى من توقيع اتفاق سلام لولا اغتيال رابين وعودة اليمين الإسرائيلي للحكم. وعلى الرغم من شيوع مناخ إيجابي في النصف الأول من التسعينات كان يمكن أن يفضي إلى عملية تطبيع أوسع، إلا أن انقلابًا سياسيًّا داخل إسرائيل أوصل حزب الليكود للحكم برئاسة نتنياهو والذي عمل ما بوسعه لتقويض مسار السلام، فالسلام من وجهة نظره يعني نهاية أحلام الصهاينة بما يسمى "إسرائيل الكبرى" التي آمن بها نتنياهو وما زال.

تعطل مسار التطبيع بعد اندلاع انتفاضة الأقصى في العام 2000، وأصبح صنع السلام مع إسرائيل أمرًا مستحيلًا من الناحية السياسية نظرًا لانزياح المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين وتلاشي ما كان يسمى "معسكر السلام" الإسرائيلي. وفي الأثناء سادت مقولة اليمين الإسرائيلي بأن العرب لا يأبهون بفلسطين وأنه بالإمكان صنع السلام والاحتفاظ بالأرض معًا. وحتى مبادرة السلام العربية التي تبنَّتها الجامعة العربية بالإجماع، في عام 2002، لم تنجح في زحزحة الموقف الإسرائيلي قيد أنملة، وكان رد رئيس الوزراء، آرئيل شارون، عندما أعلن العرب عن مبادرة السلام العربية أن قام بإعادة احتلال مدن الضفة الغربية في عملية السور الواقي، في نهاية شهر مارس/آذار 2002. ومع أن مبادرة السلام تعني الاعتراف بإسرائيل وسيادتها وإعطاءها حق الفيتو على عودة اللاجئين إلا أن الأخيرة لم تفكر إلا في استكمال السيطرة على الأرض.

واتخذ التطبيع منحى مختلفًا بعدما جاء الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض إثر انتخابات عام 2016؛ إذ انخرط بفكرة "صفقة القرن" التي أفضت إلى ما يسمى بـ"الاتفاقيات الإبراهيمية" والتي قفزت على مركزية القضية الفلسطينية. فكان هناك عدد من الدول الخليجية التي بدأت ترى في إسرائيل حليفًا في مواجهة التهديدات الإيرانية. وكانت هرولة هذه الأنظمة العربية تجاه تل أبيب هدية من السماء لنتنياهو الذي شعر بأن مقولته: "السلام مقابل السلام" لها ما تستند إليه. وبالفعل، شهدت السنوات الأخيرة محاولات لـ"تخفيف" التوترات في الشرق الأوسط وتحقيق التطبيع بين إسرائيل وعدة دول عربية. وكانت اتفاقيات أبراهام، التي حققت التطبيع بين إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين، مثيرة للإعجاب لأنها أفضت إلى سلام دافئ. ومع مجيء إدارة بايدن سعت إسرائيل بقيادة نتنياهو للحصول على الجائرة الكبرى متمثلة بالتطبيع مع المملكة العربية السعودية. وكانت المؤشرات تشير إلى إمكانية تحقيق هذا الهدف لولا طوفان الأقصى الذي خلق رأيًا عامًّا عربيًّا مساندًا للمقاومة.

وعلى الرغم من أن العديد من دول الخليج تنتقد بصوت عال هجمات إسرائيل على غزة، إلا أن لغة بعضهم كانت أكثر اعتدالًا بكثير مما كانت عليه حتى قبل بضع سنوات؛ وذلك لأن العديد من الأسباب التي دفعت إلى التقارب في السنوات الأخيرة لا تزال قائمة. فمع محاولة هذه الدول تنويع مصادر الدخل القومي والابتعاد عن النفط والغاز، ومع تنامي الشعور بالتهديد التي تشكله إيران والجماعات المدعومة منها بدأت هذه الدول ترى في إسرائيل شريكًا. لذلك سعت إلى التوازن الحذر. أما الانقسامات بين دول الخليج فكانت واضحة تمامًا، فأدانت البحرين طوفان الأقصى. ومع ذلك، قامت الأحداث الأخيرة بتقويض تلك التقدمات بسرعة، مهددة استقرار الدول في الشرق الأوسط وكشفت عن التحديات العميقة التي تظل تواجه عملية التطبيع. ويبدو أن عملية التطبيع العربي مع إسرائيل ستشهد تراجعًا وتوقفًا ولو مؤقتًا على الرغم من وجود علاقات دبلوماسية رسمية مع دول هذه المنطقة. فأحد أهم المكاسب الإستراتيجية للقضية الفلسطينية يتمثل بعودة الوعي للشارع العربي بأن إسرائيل دون غيرها هي من تشكل التهديد الأبرز والوجودي. وبالفعل، وصل التضامن والتعاطف العربي مع الفلسطينيين الذين يواجهون حرب إبادة تقوم بها إسرائيل مدعومة بالولايات المتحدة وتواطؤًا من قبل عدد من دول الإقليم وصل إلى مستويات ربما غير مسبوقة. ويكشف استطلاع للرأي قام به المركز العربي بالدوحة عن التضامن الكبير للشارع العربي مع الفلسطينيين

 وهذا بدوره يشكل عامل ضغط كبيرًا جدًّا على الأنظمة العربية التي باتت تشعر بالعجز حيال ما يمكن أن تقوم به لوقف العدوان على الفلسطينيين. فرهانات هذه الدول وعلاقاتها الدولية لم تمكِّنها من ممارسة الضغط على إسرائيل التي استفردت بالفلسطينيين في غزة. وعليه، سيكون من الصعب استئناف التطبيع إلا في حال قبول إسرائيل بمسار يفضي إلى قيام دولة فلسطينية وهو أمر مستحيل سياسيًّا نظرًا لتركيبة الحكومة الإسرائيلية وحقيقة أن اليمين الإسرائيلي هو صاحب السطوة بالموقف من الدولة الفلسطينية. علاوة على ذلك، تضررت صورة إسرائيل كدولة قوية وتهشمت قوتها الاستخبارية وحتى تفوقها التكنولوجي لم يعد مقنعًا وربما ليس مغريًا لدول عربية لكي تقدم على عملية تطبيع مجانية.

يدور الحديث عن المملكة العربية السعودية كهدف إسرائيلي وأميركي للتطبيع. في 20 سبتمبر/أيلول 2023، أجرى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مقابلة مع فوكس نيوز حيث ناقش مجموعة من المواضيع، بما في ذلك السياسة السعودية تجاه إسرائيل. بإيجاز، أعلن أن فرص تحقيق علاقات متجانسة بين البلدين "تقترب" يومًا بعد يوم، على الرغم من تأكيده بعناية على أن حقوق الفلسطينيين يجب أن تكون مكفولة. السعوديون لن يعرِّضوا بلادهم للمخاطر الدبلوماسية والرُّوحية في العالم الإسلامي من دون سبب وجيه. لكن في ظل الحرب الدموية على غزة، وسقوط عشرات الآلاف من الشهداء، تواجه المملكة العربية السعودية -التي تتمتع بتاريخ عميق في دعم الفلسطينيين- ضغوطًا كبيرة لعدم متابعة أي نوع من التسوية مع إسرائيل في الوقت الحالي. بدلًا من ذلك، أكد السعوديون على ضرورة تأمين حقوق الفلسطينيين قبل أن توقِّع الرياض أي اتفاق سلام مع إسرائيل.

الخلل في مفهوم التطبيع يتمثل في حقيقة أن إسرائيل لم تستبطن بعد ماذا يعني توقيع معاهدة سلام مع دولة عربية. فالتطبيع مع الأردن ومصر لم يمنع قادة إسرائيل من الإفصاح عن نيتهم تهجير الفلسطينيين. ويفسر هذا الموقف قلق الأردن ومصر من إسرائيل وسياساتها المدمرة. صحيح أن علاقات مصر والأردن من جانب وإسرائيل من جانب آخر كانت باردة قبل طوفان الأقصى، إلا أنها تدهورت بعد ذلك بشكل ملحوظ. وأدان الملك عبد الله العدوان الإسرائيلي على غزة بوصفه جريمة حرب، بينما انتقدت مصر ذلك باعتباره عقوبة جماعية وذلك حتى في الوقت الذي يعبِّر فيه الرئيس المصري، السيسي، عن قلقه بشأن حماس، التي تعتبر أحد آخر تجليات جماعة الإخوان المسلمين، التي استولى منها السيسي على السلطة في انقلاب عسكري، في يوليو/تموز 2013. وتشعر كلتا الدولتين بقلق خاص بشأن تدفق اللاجئين والعواقب الأمنية المحتملة الأوسع لبلديهما. ولكن في صميم قلقهما يكمن ارتفاع دعم الفلسطينيين بين شعوبهم الخاصة، العديد منهم يتعاطفون مع قضية الفلسطينيين، التي يعتقدون أنها تعكس استياءهم من حكوماتهم الاستبدادية. في زمن الأزمة الاقتصادية وعدم الاستقرار الداخلي، تحذر كلتا الدولتين من إيقاظ الاستياء الكامن ضمن شعبيهما من خلال عدم دعم فلسطين.

التداعيات الإقليمية والدولية

لا يبدو أن تداعيات الحرب على غزة ستكون مقتصرة على الفلسطينيين أو حتى الجوار الإقليمي فقط، فهناك أبعاد على المستوى الدولي. فعلى الأرجح حصول تداعيات ومخاطر تشمل اضطرابات اقتصادية، وتزايد الضعف العسكري، والتحزب السياسي المتعمق، وتحديات إستراتيجية جديدة، وتغير طبيعة الحرب نتيجة لتورط جهات غير حكومية بها. وبهذا الصدد يمكن الإشارة إلى مجموعة من التداعيات.

أولًا: اصطفافات سياسية جديدة

فالحرب وصلت إلى قارات بعيدة في عالم يتجه بالفعل نحو مزيد من التوتر والانقسامات. فعمَّت المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في مدن رئيسة في العالم ابتداء من كوالالمبور إلى لندن مؤذنة بانقلاب شديد في الرأي العام العالمي الذي بات مؤيدًا للفلسطينيين. فمثلًا، تشير روبين رايت إلى أنه في الحادي والثلاثين من أكتوبر/تشرين الأول، قاطع العديد من المحتجين بشكل متكرر شهادة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، حول قضايا أمن الولايات المتحدة أمام الكونغرس. "لا لحصار غزة"، صرخت امرأة موجهة إشارة بيدها قبل أن يطردها الأمن. واندلع الحشد في هتافات: "وقف فوري لإطلاق النار!" وتم طردهم أيضًا بشكل فعال. حتى حلف شمال الأطلسي شهد انقسامًا؛ حيث أدانت الولايات المتحدة طوفان الأقصى، بينما وصف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إسرائيل بأنها قوة احتلال ونفى أن تكون حماس تنظيمًا إرهابيًّا.

ثانيًا: انتصار الجنوب العالمي

فالكثير من دول ما يعرف بالجنوب العالمي (Global South) أبدى تعاطفًا متزايدًا من فلسطين، وهو أمر تدركه الصين جيدًا إذ قامت بدراسة معمقة لموقعها وكيفية الاستفادة من الحرب لتعبئة الدعم لقيادتها للدول النامية. فما من شك أن أحد أهداف الصين بعيدة المدى هو تقليل نفوذ واشنطن عن طريق الاستفادة من التعاطف مع الفلسطينيين على مستوى العالم. وهذا بدوره يساعد على جني الدعم للمواقف الصينية في قضايا الأمور الأساسية مثل تايوان ورؤية القيادة الصينية للحوكمة العالمية. وستستفيد الصين من ارتفاع منسوب المشاعر المعادية للولايات المتحدة في العالم العربي نظرًا لانحياز واشنطن الأعمى لإسرائيل. وعليه، سيرتفع مستوى انخراط الصين في الشرق الأوسط إذ ستلعب بكين دورًا معزِّزًا في الجهود المبذولة لإنهاء الحرب، وتأمين مصالحها الاقتصادية، كما أنها تريد الاستفادة من إحباط الدول العربية تجاه الولايات المتحدة لترسيخ نفسها باعتبارها قوة عظمى في المنطقة.

تراجعت مستويات الثقة بالولايات المتحدة نتيجة الدعم الأميركي لإسرائيل إذ وصلت بين شعوب المنطقة إلى أدنى مستوياتها، في وقت ارتفعت فيه نسبة التأييد لمنافسيها وخصومها الإستراتيجيين (الصين، وروسيا). وكما يشير مؤشر مثير للقلق تضمَّنه الاستطلاع إلى وجود تصاعد في المواقف التي أسهمت في تغذية عمليات التجنيد السابقة لتنظيم داعش أو القاعدة أو حتى الميليشيات. وبسبب الموقف الأميركي المنحاز كليًّا لإسرائيل، تراجعت الولايات المتحدة مقارنة مع منافسيها وخصومها؛ إذ بلغت نسبة العرب الذين يرون أن للولايات المتحدة دورًا إيجابيًّا في حرب غزة 7% فقط، وفي بعض البلدان العربية مثل الأردن وصلت النسبة إلى 2% فقط. على الطرف الآخر، تقف الصين منتصرة إذ يرى ما يقارب 46% من المصريين و27% من الأردنيين و34% من العراقيين أن للصين دورًا إيجابيًّا. والشيء نفسه ينطبق على روسيا التي ارتفعت نسبة من يرون أن لها دورًا إيجابيًّا لتصل إلى 47%. وحتى إيران التي عانت، وما زالت، اشتباكات طائفية في المنطقة بلغت نسبة من يصفون دورها بالإيجابي 40%، وفي مصر وصلت النسبة إلى 50%. ويستخلص التقرير أنه "من الواضح أن طريقة تعامل الولايات المتحدة مع حرب غزة أفقدتها ما تبقى لها من مصداقية وحيادية بين قسم من الجماهير العربية، فالمتابع لما ينشر في الإعلام العربي وعبر منصات التواصل الاجتماعي يدرك فعلًا كم بلغت خسارة الولايات المتحدة في قوتها الناعمة في المنطقة التي استثمرت فيها على مدار قرن من الزمن الكثيرَ من الأموال والدماء والجهود التي على ما يبدو مهددة بالضياع كليًّا بسب الصراع في غزة". إن أحد أهم أسرار القوة الناعمة الأميركية في مواجهة منافسيها هو الأنموذج الأميركي القائم على حقوق الإنسان وعدم العنصرية ورفض "شريعة الغاب" في التعامل بين الدول. ويؤكد استطلاع الرأي العام الذي أُجري مؤخرًا أن الأغلبية الساحقة من المستطلَعين لا يعتقدون أن مثل هذه المبادئ يتم تطبيقها في الموقف الأميركي الرسمي من الحرب في غزة.

إيران ومحور المقاومة

وفَّر العدوان الإسرائيلي على غزة مجموعة من الفرص والقيود بالنسبة لإيران. فقد أسهمت الحرب الحالية في منح إيران المزيد من الخيارات بما يسهم في توسيعها للروابط الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية على الصعيدين، الثنائي ومتعدد الأطراف. بطبيعة الحال، ليس من السهل تغيير أنماط الصداقة والعداء طويلة الأمد غير أن تخفيف التوتر والعسكرة في المنقطة يعد شرطًا أساسيًّا للاستمرار في تخفيف التوتر في الخليج.

في اليوم الثاني لطوفان الأقصى، أعلنت إيران أنها لم تكن على علم بهذا الهجوم المباغت الذي أخذ الجميع على حين غرة. وعلى لسان المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، أعلنت إيران أنها لم تكن متورطة في هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول، ودعا صانعو القرار في إيران إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة. وأكدت مصادر رفيعة المستوى لصحيفة الشرق الأوسط أن خامنئي طلب من قيادة حماس إسكات الأصوات التي تطالب بتدخل إيراني مباشر في الحرب. ومع ذلك، فقد قدمت حرب غزة لإيران فرصة ذهبية لحماية إنجازاتها الإقليمية وتحقيق أهداف جديدة. أولًا: أكدت الحرب اعتقاد إيران بأن تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل لا يؤدي إلى أمن واستقرار إقليميين، بل يؤدي إلى عدم استقرار وفوضى. ثانيًا: شكلت هذه الهجمات تحديات داخلية عديدة لحكومة نتنياهو، مما يجعل من الصعب عليها البقاء في السلطة. ثالثًا: على الرغم من إنكار إيران القوي للتورط في النزاع، فإن دورها الرئيسي في "محور المقاومة" أظهر أهميتها للقوى الخارجية، بما في ذلك الولايات المتحدة. وعليه، أظهرت هذه الحالة المضطربة للقوى الإقليمية والعالمية أن إعادة تعريف النظام الإقليمي دون إدراج إيران فيه ليس أمرًا ممكنًا.

ومع محاولات الولايات المتحدة ردع إيران ومنعها من التدخل المباشر، فقد أعلن آية الله خامنئي أن إيران لن تتدخل مباشرة في النزاع نيابة عن حماس؛ حيث لم تتلق إيران تحذيرًا مسبقًا حول هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول. ومع ذلك، أكد خامنئي دعم إيران السياسي والأخلاقي الثابت لحماس، وأعاد تأكيد أن إيران ستتدخل فقط في حالة تعرضها لهجوم مباشر من إسرائيل أو الولايات المتحدة. وأثنى على المقاومين وقال: "نقبِّل أيادي الذين خططوا للهجوم على الكيان الصهيوني". وأضاف خامنئي في كلمة ألقاها خلال حفل تخرج ضباط بكلية عسكرية إيرانية: "إن أنصار النظام الصهيوني نشروا إشاعات الأيام الثلاثة الماضية تقول: إن إيران تقف وراء عملية حماس، لكنهم مخطئون".

وعلى الرغم من هذا الموقف، فقد قدم النزاع لإيران عدة أوراق تفاوض مهمة. بناءً على تأثيرها على شبكة محور المقاومة، تلعب إيران دورًا رئيسيًّا في توسيع أو تقييد نطاق الحرب. يمكنها أن تعمل وسيطًا غير رسمي لتيسير وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى، كما فعلت في إطلاق سراح 23 رهينة تايلاندية في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني، عندما توسطت بين حماس والمسؤولين التايلانديين. علاوة على ذلك، يرى المواطنون في الدول العربية الوضع في غزة بشكل مختلف عن حكوماتهم الحاكمة، ويزيد هذا الفارق تحديات الدول الخليجية للتمسك باتفاقيات أبراهام ودورها التوازني المعادي لإيران.

وعلاوة على ذلك، قامت إيران -التي كانت منبوذة في النظام الإقليمي الذي قادته الولايات المتحدة منذ الثورة في عام 1979- بالتكيف لمتابعة مصالحها الأمنية وسط الفوضى والأزمات الإقليمية. فبينما تدعم طهران إقامة آلية أمنية إقليمية محلية، إلا أنها تدرك أن الولايات المتحدة لن تنسحب تمامًا من الشرق الأوسط في المستقبل القريب، وتدرك أيضًا أن دول الخليج تسعى لتوسيع روابطها الأمنية مع واشنطن. ونتيجة لذلك، تعتبر إيران الصراعات الجيوسياسية والأمنية في المنطقة فرصة للحفاظ على موقفها واستغلاله لتحقيق مصالحها الوطنية المحددة.

شنَّت إيران حربًا إعلامية ضد إسرائيل ورأت في العدوان الإسرائيلي على غزة فرصة لإضعاف إسرائيل. فعدم قدرة إسرائيل على تسجيل نصر حاسم وسريع بما ينسجم مع عقيدتها القتالية التي تبنتها لعقود طويلة أيقظ إيران على حقيقة جديدة تتمثل بإمكانية هزيمة إسرائيل في الميدان. وعليه، فإن الحرب رفعت من مكانة إيران العسكرية وقوة ردعها، ويرى مئير جافيدانفار، المحلل السياسي في تل أبيب وخبير الدراسات الأمنية الإيرانية في المركز متعدد التخصصات في هرتسيليا، أن إيران تعتبر الهجمات الصاروخية "إعادة إرساء الردع" ضد مزيد من الهجمات الإسرائيلية على أراضيها.

بالإضافة إلى ذلك، ضاعفت إيران من معاناة إسرائيل والولايات المتحدة عندما شجعت أذرعها على التدخل الحذر في الحرب، فهي بذلك تشن حروبًا بالوكالة دون أن تصطدم مباشرة بالولايات المتحدة أو إسرائيل. صحيح أن الحرب ما زالت محصورة بين إسرائيل وحماس إلا أن الأنظار تتجه دومًا إلى القوى الداعمة لطرفي الصراع. لقد كانت الولايات المتحدة داعمة لإسرائيل منذ فترة طويلة، وهي أكبر داعم لها، وكونها ضامنًا لأمنها وبقائها وتقديمها معونة دفاعية تبلغ 3.8 مليارات دولار سنويًّا، فإن علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل، التي تعتبر أكبر متلقية للمعونة الأجنبية الأميركية، طويلة الأمد. وتستند هذه العلاقات إلى شعور بالطموح المشترك في الشرق الأوسط، والروابط التاريخية، والرأي العام المحلي. وبشكل متوقع، منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول، كانت الولايات المتحدة واضحة في دعمها لإسرائيل. وقد شمل ذلك إرسال حاملتي طائرات إلى المنطقة لردع الأطراف الأخرى عن الهجوم، وجمع المعلومات وتوفير الدفاع الجوي. واستخدمت الولايات المتحدة أيضًا حق النقض لمنع اعتماد مشروع قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة صاغته البرازيل بشأن النزاع لأنه لم يذكر حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. في الوقت نفسه، وعلى الرغم من عدم وجود أدلة تشير مباشرة إلى تورطها في تخطيط هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، كانت إيران داعمة لحماس ماليًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا. في الواقع، كانت إيران تدرب مقاتلي حماس حتى في سبتمبر/أيلول الماضي، وقد هنأ المسؤولون الإيرانيون حماس بشكل صريح على الهجوم المفاجئ في 7 أكتوبر/تشرين الأول. كما تزعم الولايات المتحدة أيضًا أن إيران تراقب وحتى تيسر هجمات على قواتها وقواعدها العسكرية في الشرق الأوسط.

في حين أن كلًّا من الولايات المتحدة وإيران قد أظهرتا وضوحًا في دعمهما لأحد أطراف الصراع، لا يزال غير واضح إلى أي مدى سيكون كل طرف على استعداد لدعم حلفائه. دعت إيران علنيًّا إلى وقف هجمات إسرائيل على غزة وهددت بالمشاركة في حال انتشار النزاع، ولكنها ستجد نفسها بالتأكيد عالقة بين رغبتها في السيطرة الإقليمية والقلق من الانجراف إلى نزاع كلفته باهظة في زمن أزمة اقتصادية واضطرابات داخلية. لكن من جانب آخر، يشير تقرير مجموعة الأزمات الدولية إلى معضلة تواجه صنَّاع القرار في طهران. فالحرب البرية التي بدأتها إسرائيل وضعت إيران في مأزق، فنأي إيران بنفسها عن الحرب منعًا لتدمير حماس قد يُفقدها مصداقيتها لدى الرأي العام في المنطقة ولدى بعض حلفائها في الإقليم؛ إذ ستبدو مترددة، وفي الوقت ذاته سيشكل تدخل إيران بشكل مباشر أو طلب إيران من وكيلها في لبنان -حزب الله- التدخل بقوة في الحرب فإنها قد تُدفع إلى مواجهة مع إسرائيل بمساندة من الولايات المتحدة وقد تلحق ضررًا بالغًا بحزب الله. بمعنى أن إيران تخاطر في السيناريو الأول بأن تفقد ماء وجهها أما في السيناريو الثاني فهي قد تعرض يدها اليمنى والمهمة جدًّا -حزب الله- إلى تدمير سيكون من شأنه حرمان إيران من أداة عسكرية بالغة الأهمية يمكن أن ترفع من قدرة إيران على ضرب الأصول الأميركية والإسرائيلية في حال تعرض إيران لهجوم على برنامجها النووي. وحتى هذه اللحظة، تسير طهران على حبل مشدود، فهي من جانب تشجع حلفائها على تصعيد هجماتهم على إسرائيل والولايات المتحدة بطريقة محسوبة بدقة لكن بحذر وبحسابات لا تُدخلها في السيناريو الثاني.

دول الطوق (مصر، الأردن، لبنان)

ما من شك، شكَّل طوفان الأقصى والعدوان الإسرائيل على غزة تحديًا كبيرًا لكل من مصر والأردن ولبنان على وجه التحديد. وخشيت مصر والأردن من سيناريو التهجير بعد أن انطلقت تصريحات إسرائيلية تطلب من الفلسطينيين الخروج من قطاع غزة، فتاريخ الحروب مع إسرائيل شهد موجات تهجير وتطهير عرقي موثقة. وبالفعل، كانت هناك تصريحات من قبل مسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين تفيد بأنهم يرغبون بطرد السكان، وهي تصريحات تزامنت مع مطالب أميركية وأوروبية بفتح معبر فتح.

وقفت مصر بقوة ضد هذه الدعوات وأكدت لشركائها الإقليميين والدوليين أنها لا تريد أن تكون المكان الذي ينشده المهجَّرون من الفلسطينيين لأسباب براغماتية. فالقاهرة أكثر من غيرها تعرف جيدًا ما حدث في حرب عام 1948 التي تبعت الإعلان عن قيام دولة إسرائيل، عندما تم طرد كثير من الفلسطينيين الذين يشكلون سكان غزة اليوم وأسلافهم ولم تسمح إسرائيل لهم بالعودة. وقد أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أن "تصفية القضية الفلسطينية دون حل عادل لن يحدث. وفي كل الأحوال، لن يحدث أبدًا على حساب مصر". في تمسكها بهذا الموقف، تتمتع القاهرة بدعم عواصم عربية أخرى والشعب المصري.

لمصر مخاوف أمنية بالدرجة الأولى تتعلق بسيناء إذ يتصدى الجيش المصري لخلايا جهادية، وفي حال تدفق لاجئين إلى سيناء فإنه من المتوقع أن تقوم مجموعات فلسطينية جهادية بهجمات على أهداف إسرائيلية من قلب سيناء؛ الأمر الذي سيستدعي ردًّا من إسرائيل يزعزع استقرار علاقاتها مع مصر. ويمكن للتداعيات الإنسانية أن تكون خطيرة؛ ذلك لأن أعدادًا كبيرة من سكان شمال سيناء كانوا هم أنفسهم قد هُجِّروا منذ سنوات بسبب حملة على المتمردين. لذلك يمكن لتدفق الفلسطينيين أن يفرض ضغوطًا على البنية التحتية المحلية والموارد المتاحة ما يطرح تحديات كبيرة من حيث استيعابهم في جميع أنحاء مصر، وربما يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار البلاد بأسرها. باختصار، فإن مصر لا تريد أن تُجرَّ إلى صراع إسرائيل مع الفلسطينيين.

لا يختلف الموقف الأردني عن المصري من حيث معارضة فكرة تهجير الفلسطينيين خارج بلادهم. فالحرب والتصريحات الرسمية وغير الرسمية الصادرة عن الإسرائيليين أثارت أيضًا تكهنات برغبة إسرائيل في تهجير سكان قطاع غزة الفلسطينيين وأيضًا مخاوف عمرها عقود من أنها تخطط أيضًا لطرد فلسطينيي الضفة الغربية إلى الأردن. لهذا السبب، اعتبر الملك عبد الله الثاني، التهجير خطًّا أحمر وبمنزلة إعلان حرب. فالحديث عن الوطن البديل ارتفع منسوبه أثناء الأزمة على اعتبار أن إسرائيل تبحث عن حل معضلتها الديمغرافية على حساب الأردن. وضع الأردن سيعتمد بشكل كبير على الطريقة التي تنتهي بها هذه الحرب، ففي حال نجحت إسرائيل ورضخت مصر لمنطق التهجير عندها سيكون الأردن على موعد مع مواجهة مؤجلة مع إسرائيل. لكن في حال تمكن الرئيس بايدن من إطلاق مسار سلمي سيكون للأردن -الذي يعاني من انكشاف إستراتيجي- دور كبير في هذا المسار.

في لبنان، يبدو الوضع أكثر سخونة نظرًا لانخراط حزب الله في اشتباك مستمر مع إسرائيل منذ بداية الحرب، فحزب الله -الذي يعد أحد أذرع إيران القوية في المنطقة- لا يُخضع ترسانته الهائلة للحكومة اللبنانية ويقرر بمفرده متى شاء توظيفها داخليًّا وخارجيًّا. ومع أن القوى اللبنانية الأخرى تريد النأي بلبنان عما يجري إلا أنها عاجزة عن فرض موقفها ورؤيتها على حزب الله الذي بدوره لا يريد الانزلاق إلى حرب مع إسرائيل حتى لا يتوسع الصراع ولا تنخرط فيه الولايات المتحدة. وعدم الرغبة في الانخراط بحرب مفتوحة مع الإسرائيليين -أي فتح جبهة ثانية- هو أمر واضح وجاء على لسان الأمين العام للحزب، حسن نصر الله. والحزب يعد نفسه جزءًا من محور المقاومة الذي تنتمي له حركة حماس. وهذا المحور هو عبارة عن تحالف من القوى الفاعلة المكونة من دول وكيانات من غير الدول، يعارض إسرائيل والولايات المتحدة، ويشمل أيضًا إيران، وسوريا، والحوثيين في اليمن وعددًا من المجموعات المتشددة الناشطة في العراق وسوريا.

لقد أكد حسن نصر الله على التعاون الوثيق بين مكونات هذا التحالف بصفته هدفًا إستراتيجيًّا في السنوات الأخيرة؛ وقد حذَّر الحزب على نحو متكرر إسرائيل من أنها قد تواجه حربًا متعددة الجبهات. تشكل مثل هذه التحذيرات عنصرًا رئيسيًّا في موقف الردع الذي يتخذه حزب الله. الراهن أن الحزب سيلتزم بتعليمات إيران التي تسعى إلى عدم جر الحزب إلى مواجهة شاملة مع إسرائيل يمكن أن تلحق ضررًا بالغًا بإمكانات الحزب العسكرية.

التطرف

لعل النتيجة الأهم في التحولات الجيوسياسية التي قد تتشكل بعد انتهار الحرب هي انتشار موجة من التطرف.  فالصراعات الممتدة وبخاصة في غزة يمكن أن تستغلها الجماعات المتطرفة لتجنيد المحبطين، وهم في تزايد. وهذا قد يؤدي إلى تحديات أمنية في المنطقة وخارجها.كما هي الحال مع النزاعات السابقة في الشرق الأوسط، قد يتسبب القتال الحالي في غزة في إيجاد موجة من المتطرفين قد تتجاوز الإقليم. ويعتمد حجم وشكل التهديد لهذه الجماعات على مجرى النزاع: مدى استمراره، وما إذا كانت الأطراف الخارجية -مثل حزب الله أو إيران- تقرر التدخل بشكل كامل، أو إذا قامت إسرائيل بشن هجوم وقائي لمنعهم من ذلك. ومع تورط الولايات المتحدة بشكل أعمق في الصراع فقد يسهم ذلك في منح فرصة أخرى للجماعات الجهادية على غرار ما حدث في عام 2011. لذلك يمكن أن تجذب الحرب متشددين غاضبين إلى تشكيلات متطرفة جديدة وتخلق حالة جديدة من عدم اليقين وموجة من العنف. ويفيد بعض خبراء التطرف بأن القصف العنيف لإسرائيل على قطاع غزة سيخلق حاضنة لجيل جديد من المتطرفين؛ حيث يواجه الآلاف من الشبان الذين فقدوا عائلاتهم ومنازلهم خطر التطرف نتيجة للحرب والفوضى المحتملة بعدها.

هل انتهى حل الدولتين؟

شكَّل إطار دولة يهودية-ديمقراطية القاسم المشترك لكل الأحزاب الصهيونية في إسرائيل، ولهذا لا يمكن لإسرائيل أن تكون يهودية وديمقراطية في الوقت ذاته دون الانفصال عن الفلسطينيين. من هنا جاءت فكرة منح الفلسطينيين دولة مستقلة لكي تحافظ إسرائيل على يهوديتها وديمقراطيتها بدلًا من أن تتحول إلى دولة ثنائية القومية تحكم فيها الأقلية اليهودية الغالبية الفلسطينية.شكلت مقاربة حل الدولتين معادلة رابح/رابح غير أن انزياح المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين دفع بقوى تنتمي إلى اليمين لا توافق على منح الفلسطينيين دولة مستقلة لكن دون أن تقدم حلًّا للمعضلة الديمغرافية الإسرائيلية. والحق أن تفشي الاستيطان -كما سعت إليه هذه القوى اليمينية- هو العائق الأكبر أمام تبلور حل الدولتين.

مع حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين يبدو أن فرص حل الدولتين تلاشت أكثر فأكثر. ولذلك، فإن الجهود التي قد تبذل بعد نهاية الحرب لإحياء حل الدولتين على الأرجح لا تكون سوى أفعال دبلوماسية رأيناها من قبل ولم تجلب السلام للفلسطينيين ولا الأمن للإسرائيليين. وتعمدت إسرائيل تعميق الانقسام الفلسطيني منذ 2007 بحيث تحولت السلطة الفلسطينية في رام الله إلى سلطة فاشلة بقائد ضعيف وغير فعَّال ما زال في منصبه رغم تراجع الثقة به. وزاد الطين بلة أن السلطة الفلسطينية وصلت إلى مستويات خطيرة من الفساد، وتفتقر إلى القدرة على إعادة تشكيل الاقتصاد الضعيف، ولم تكن جهودها لإنشاء قوات أمن كافية للتعامل مع تحدياتها الحالية فعَّالة بما فيه الكفاية. أما بالنسبة لحماس، فقد جاءت إلى السلطة في غزة في عامي 2006 و2007، جزئيًّا بسبب فشل وفساد منظمة التحرير الفلسطينية، وقامت إسرائيل بفرض حصار عليها وشنت عليها سلسلة من الحروب بذرائع مختلفة غير أنه لا يوجد الآن بديل واضح لحماس في غزة أو مؤشر على أن الغزاويين يرغبون في أن تحكمهم السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

النتيجة النهائية من المرجح جدًا أن تكون جهودًا خارجية بائسة تقودها الولايات المتحدة لمواصلة النهج الفاشل نحو السلام الذي شكَّلته جهود التفاوض لإيجاد حل للصراع العربي-الإسرائيلي منذ مؤتمر مدريد. وعليه، لن تفلح الجهود في إقناع الإسرائيليين بحل الدولتين، وسيزداد الأمر صعوبة في حال تم البحث عن جوهر الدولة الفلسطينية، فهناك قضايا مثل اللاجئين والمستوطنات والقدس ستشكل عقبة كبيرة لتجسير الفجوة بين ما يمكن أن يقبل به أي طرف فلسطيني وما يمكن أن يوافق عليه أي طرف إسرائيلي. بمعنى آخر، على الأرجح ألا تكون حرب غزة الحرب التي تنهي الحروب وتجلب السلام بل ستكون معركة ضمن سلسلة لا يمكن التنبؤ بموعد اندلاعها مرة أخرى. لذلك لن تشهد المنطقة استقرارًا وستبقى القضية الفلسطينية المحرك الرئيسي لمشاعر الرأي العام العربي والفلسطيني.

خاتمة

حاولت هذه الدراسة التطرق بشكل عام إلى التداعيات الجيوسياسية لطوفان الأقصى بشكل لامس الثيمات الرئيسية التي تشكل جوهر السياسة الإقليمية والتدافع الخارجي على التأثير ومناطق النفوذ. عمليًّا، لم يكن ممكنًا تغطية تأثير الحرب على كل اللاعبين، فلم تتطرق الدراسة مثلًا لتأثير الحرب على الموقع الجيوسياسي لكلٍّ من سوريا وتركيا على أهمية البلدين.

يتضح من التحليل السابق في هذا الدراسة أنه على الرغم من نجاح الولايات المتحدة في تحديد نطاق الحرب وحصرها بشكل رئيسي في غزة، إلا أن تأثير الحرب الجيوسياسي هو كبير جدًّا. ومن أهم التداعيات وقف قطار التطبيع بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية. وبهذا، شكَّل طوفان الأقصى ضربة قاصمة لمقولة اليمين الإسرائيلي بأنه بإمكان إسرائيل التطبيع مع العرب وإبقاء الاحتلال. وبكل تأكيد ستكون إسرائيل من أكثر الخاسرين نظرًا للتكلفة الباهظة للحرب التي لم تحقق أهدافها وفشل إسرائيل في استعادة قوة الردع، فإسرائيل تحولت إلى قوة لا يخشاها ولا يحترمها أحد في الإقليم. مقابل هذا التراجع سيكون هناك صعود لإيران التي جنت مكاسب كبيرة من هذه الحرب أهمها أنها ثبَّتت نفوذها على حساب خصومها وبذلك ترسل برسالة واضحة مفادها أن العبث مع إيران سيكون مكلفًا بشكل لا يمكن تصوره.

التحول الجيوبسياسي الآخر يتمثل في استمرار تراجع الولايات المتحدة في المنطقة مع بروز لاعبين إقليميين واختراقات صينية باتت بارزة مع الحرب. فانحياز الولايات المتحدة لطرف لم يحقق الانتصار وارتكب مجازر ومتهم بالإبادة الجماعية ضرب مصداقية واشنطن التي مارست معايير مزدوجة تسهم بشكل كبير في انتشار المشاعر المعادية لها. لذلك، فأبرز ضحايا الحرب هو الجهود الأميركية لإيجاد منظومة إقليمية تندمج فيها إسرائيل ترى في إيران مصدرًا للتهديد.

وختامًا، ستشكل الحرب حافزًا لمزيد من الشباب الذين سيلتحقون بمنظمات متطرفة كردَّة فعل على المذبحة التي جرت على الهواء مباشرة، وهذا بدوره سيجعل مهمة الولايات المتحدة في غاية الصعوبة، فكلما أرادت واشنطن الانسحاب من المنطقة تستجد أحداث وتلزمها بالبقاء لكن بشكل أضعف.