• اخر تحديث : 2024-04-19 15:15
news-details
تقدير موقف

كيف تستفيد فيتنام من تزايد التنافس الدولي في الهندوباسيفيك؟


مع تصاعد المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين خلال السنوات الأخيرة، كانت منطقة جنوب شرق آسيا واحدةً من المجالات الرئيسية التي يتجلى فيها هذا التنافس، ومن ضمنها دولة فيتنام، التي سبق أن عانت من مواجهات عسكرية مباشرة مع العديد من القوى الكبرى، في ذروة الحرب الباردة؛ ما يجعلها مركزاً رئيسياً لهذه المنافسة الاستراتيجية المتزايدة الحدة، التي تجلى ظهورها خلال زيارة كلٍّ من الرئيس الأمريكي جو بايدن، والرئيس الصيني شي جين بينج إلى هانوي خلال عام 2023، لتصبح فيتنام الدولة الوحيدة التي تشهد زيارة من كلا الرئيسين خلال العام ذاته. وعلى الرغم من هذه المنافسة الاستراتيجية، فإن الكثيرين في المنطقة يعتقدون أن المنافسة ضرورية للحفاظ على توازن القوى الإقليمي؛ إذ تحاول هانوي تحقيق أقصى استفادة من التنافس الجيوسياسي المتصاعد بين عدوها اللدود السابق وجارتها الشمالية الدائمة، بما يخدم أهداف السلام والاستقرار التي تسعى إليها؛ من أجل التركيز داخلياً على أهداف التنمية الاقتصادية.

أهمية استراتيجية

هناك العديد من الأسباب التي دفعت القوى العظمى إلى تعزيز حضورها في فيتنام، التي تتمتع بقدرات تؤهلها للعب دور محوري في المجالات الاقتصادية والسياسية في المنطقة، لعل أبرزها ما يلي:

1الأهمية الجيوستراتيجية لفيتنام: تُعتبَر فيتنام هي الدولة الوحيدة في جنوب شرق آسيا التي شهدت مواجهات عسكرية مباشرة مع قوى متعددة خلال الحرب الباردة، وكانت هذه المواجهات ناجمة عن عوامل جيوستراتيجية مختلفة أثَّرت على المنطقة؛ لذلك تدرك فيتنام بشكل خاص التنافس المتزايد بين الصين والولايات المتحدة، وخاصةً عندما يتعلق الأمر بعلاقتها مع كلتا الدولتين. ومع ذلك، تُعَد روسيا أيضاً منافساً كبيراً في فيتنام؛ بسبب علاقتها الطويلة الأمد، ومن ثم يمكن القول إن هذه المنافسة الثلاثية بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، ترجع جذورها إلى عصر الحرب الباردة، الذي بدأنا نشهد عودته خلال السنوات القليلة الماضية.

هذا وتلعب الجغرافيا أيضاً دوراً في نهج فيتنام في السياسة الخارجية؛ إذ تقع فيتنام بجوار الصين التي استعمرتها لسنوات طويلة، وهذا يجعل من الضروري بالنسبة إلى فيتنام أن تأخذ ردود أفعال الصين ومصالحها في الاعتبار قبل التعامل مع الولايات المتحدة أو القوى الخارجية الأخرى؛ فعلى سبيل المثال، كانت فيتنام مترددة في رفع مستوى علاقتها مع الولايات المتحدة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. ويرجع ذلك في المقام الأول إلى المخاوف من أن الصين قد تنظر إلى مثل هذه الخطوة باعتبارها إشارة إلى تعزيز التعاون الدفاعي والأمني بين فيتنام والولايات المتحدة ضد بكين.

2التحول إلى مسرح للتنافس الصيني–الغربي: بسبب التوتر المتزايد بين الولايات المتحدة والصين، تعتبر فيتنام هي الرابح الأكبر في هذا التطور؛ حيث تركز على زيادة تعاونها الاقتصادي والتجاري مع الصين، ناهيك عن الاستفادة من نقل التكنولوجيا وفرص الاستثمار من الولايات المتحدة. ومن ثم يمكن القول إنه يتم التخطيط للدبلوماسية الفيتنامية بعناية. ويتجلى ذلك من خلال علاقات البلاد المتزايدة مع الولايات المتحدة. وبينما قامت فيتنام مؤخراً بترقية علاقاتها مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة"، فإنها في المقابل، وخلال زيارة شي الأخيرة إلى فيتنام، أيدت هانوي رؤية بكين لفكرة "مجتمع ذي مستقبل مشترك"؛ حيث تفيد التقارير بأن مشاريع الصين الثلاثة الجديدة: مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، قد حصلت أيضاً على موافقة فيتنام.

3الصراع مع بكين حول بحر الصين الجنوبي: بالرغم من قوة العلاقات الاقتصادية بين الصين وفيتنام، فإن الأخيرة تحاول خلق مساحة من المناورة في علاقتها مع الصين، من خلال تعزيز العلاقات مع الكتلة الغربية، وتحديداً الولايات المتحدة؛ نظراً إلى النزاع المرير بين الجارتين الآسيويتين بشأن بحر الصين الجنوبي، الذي قد يصبح – وفقاً للعديد من المحللين – مسرحاً لمواجهة عسكرية واسعة النطاق في العقود المقبلة، خاصةً بعدما اكتسب هذا الصراع صفة جديدة في أوائل عام 2010، عندما تبنت الصين سياسة خارجية أكثر حزماً تجاه هذا الملف الحيوي.

ومن ثم يمكن الجزم بأن استراتيجية واشنطن الحرة والمفتوحة في منطقة الهندوباسيفيك، وجهودها لمواجهة طموحات بكين البحرية، تتوافق إلى حد كبير مع مصالح هانوي؛ لذلك قدَّمت الولايات المتحدة لفيتنام أيضاً مساعدة كبيرة في بناء القدرات البحرية على مر السنين، وقد تظهر باعتبارها مورداً دفاعياً مهماً لها في المستقبل.

4الفرص المتاحة في الاقتصاد الفيتنامي: إن سياسة الإصلاح التي انتهجتها فيتنام عام 1986، قد جعلتها واحدة من "اقتصادات النمور الآسيوية"؛ حيث زاد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (القوة الشرائية) ثمانية أضعاف على مدى السنوات العشرين الماضية، حتى باتت مرشحة بقوة للانضمام إلى الشريحة العليا من الاقتصادات المتوسطة الدخل؛ وذلك بعدما أدخلها البنك الدولي في الشريحة الدنيا في عام 2009.

وعلى الرغم من انكماش حجم الاقتصاد الفيتنامي خلال فترة وباء كورونا، ارتد مرة أخرى، وحقَّق نمواً بمعدل 8% عام 2022، ثم انخفض إلى 4.7% في عام 2023 نتيجة أزمة الائتمان التي شهدتها البلاد، بيد أنه من المتوقع أن يتعافى إلى 5.8% هذا العام؛ الأمر الذي يمنحها وضعاً جيداً لمواصلة جذب الاستثمار، خاصةً أنها باتت أكثر انفتاحاً على التجارة من نظيراتها في جنوب شرق آسيا؛ حيث كانت حركة تجارتها تعادل 186% من ناتجها المحلي الإجمالي في عام 2022، مقابل 45% في إندونيسيا، و72% في الفلبين، و134% في تايلاند، ناهيك عن منح قوتها العاملة الرخيصة ميزةً تنافسيةً ضد الصين؛ حيث تستمر تكلفة العمالة في النمو.

بالإضافة إلى ما سبق، أصبحت الدولة، التي كانت زراعية في الغالب، واحدة من "مراكز التجميع" في آسيا؛ حيث ازدهرت الصناعة الإلكترونية منذ أواخر العقد الأول من القرن الحالي، بيد أنه من الواضح أن هانوي لا يمكن أن تكون راضية دائماً عن هذا الدور، بل تحتاج إلى مكانة أعلى في سلاسل القيمة العالمية؛ لذلك تتخذ الحكومة تدابير عديدة لتعزيز القدرات الإنتاجية والتصديرية للشركات المحلية حتى تتمكن من لعب دور أكبر في الاقتصاد، ولا سيما في قطاعات التصنيع والتكنولوجيا الفائقة لتعزيز القاعدة الصناعية المحلية في فيتنام.

5بديل واعد للسوق الصينية: بفضل مقوماتها الاقتصادية، يتجه المستثمرون بشكل متزايد إلى فيتنام كقاعدة آسيوية بديلة ذات مخاطر اقتصادية وسياسية أقل، وسط تصاعد التوترات بين واشنطن وبكين، وهو ما تشجع عليه أيضاً الولايات المتحدة، التي وصفت وزيرة خزانتها جانيت يلين، خلال زيارتها إلى هانوي في يوليو 2023، فيتنام بأنها شريك رئيسي في الجهود المبذولة لتقليل الاعتماد على الصين، باعتبارها بديلاً مناسباً لتنويع سلاسل التوريد الهادفة إلى التخفيف من الصدمات العالمية والمخاطر الجيوسياسية.

وبالنسبة إلى فيتنام، تساعد الجهود الغربية على تحقيق هدفها المتمثل في التحول إلى دولة صناعية حديثة تعطي الأولوية لأشباه الموصلات، وإنتاج السيارات الكهربائية، والتحول إلى الطاقة الخضراء، على النحو المبين خلال المؤتمر الوطني الثالث عشر للحزب الشيوعي الفيتنامي في عام 2021.

وبالرغم من أن هذا النهج الفيتنامي قد يأتي بنتائج عكسية؛ لأن هانوي لا تريد إرسال إشارة خاطئة إلى بكين، فمن المؤكد أن فيتنام ستعمل على أن توضح للصين أنها لا تريد الانحياز إلى أي طرف، بل تركز في المقام الأول على تحقيق التنمية الاقتصادية، وهو ما قد نجحت فيه نسبياً حتى الآن؛ بسبب إدارتها الجيدة للعلاقات مع القوتين العالميتين، حتى أصبح المصنعون الصينيون نفسهم ينظرون إلى فيتنام على أنها وجهة استثمارية أكثر جاذبيةً خلال السنوات الأخيرة، مدفوعين جزئياً بالرغبة في تجنب الرسوم الجمركية المفروضة منذ اندلاع الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين في عام 2018.

مظاهر التنافس

انعكست الأهمية الجيوستراتيجية والاقتصادية التي تتمتع بها فيتنام في تصاعد التنافس الدولي عليها، بل في السعي نحو تحقيق أقصى قدر من النفوذ داخلها. ويمكن إيجاز أبرز مؤشرات تصاعد الاهتمام الدولي بها على النحو التالي:

1نشاط دبلوماسي صيني وأمريكي في هانوي: في النصف الثاني من عام 2023، تصدرت فيتنام الأخبار الدولية؛ لاستضافتها أقوى زعيمين في العالم في غضون بضعة أشهر؛ إذ شهد شهر سبتمبر زيارة الرئيس جو بايدن، التي تُوِّجت بعقد اتفاق تاريخي رفع الولايات المتحدة إلى أعلى وضع دبلوماسي في فيتنام، يتمثل في شراكة استراتيجية شاملة، وهو مستوى الشراكة الذي كان يقتصر في السابق على الصين والهند وروسيا وكوريا الجنوبية فقط. وبعد ثلاثة أشهر، التقى الرئيس شي جين بينج رئيس الحزب الشيوعي الفيتنامي نجوين فو ترونج في هانوي، وتعهدا حينها ببناء "مستقبل مشترك"، وتعزيز العلاقات الاستراتيجية، من خلال التعاون في قضايا مثل الدوريات البحرية والتجارة ومنع الجريمة.

وقالت مجلة إيكونوميست إن "فيتنام وضعت نفسها بذكاء في منتصف الطريق بين الصين والولايات المتحدة؛ ما دفع القوتين العظميين إلى جذبها"، مشيرةً إلى أن عملية الموازنة الدبلوماسية بين هذه المصالح الجيوسياسية المعقدة والمتنافسة، تُعرَف الآن باسم "دبلوماسية الخيزران".

2توافُد زعماء القوى الإقليمية على هانوي: تلعب العلاقات مع القوى المتوسطة الإقليمية أيضاً دوراً رئيسياً في السياسة الخارجية لفيتنام؛ حيث بدأ شهر يونيو 2023 بوصول رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي إلى هانوي، وتمت الإشارة خلالها إلى الارتقاء المحتمل بالعلاقات الثنائية إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" بحلول نهاية عام 2024. وباعتبارها واحدةً من حلفاء الولايات المتحدة المقربين في المنطقة، تُوفِّر كانبيرا قناة خلفية فعَّالة لهانوي للتعاون مع واشنطن في المسائل الحساسة، مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمن البحري، دون إثارة غضب بكين.

وبعد زيارة ألبانيزي، سافر الرئيس الكوري الجنوبي يون سوك يول إلى فيتنام في رحلته الافتتاحية إلى جنوب شرق آسيا منذ توليه منصبه؛ إذ ترغب سيول في أن تكون شريكاً حاسماً في برنامج التحديث الدفاعي في فيتنام، خاصةً أنها تحتل الآن ثالث أكبر مورد للأسلحة إلى فيتنام.

3مساعي استقطاب فيتنام داخل الاستراتيجيات الدولية: بجانب تلك التبادلات الرفيعة المستوى، قامت كل من الولايات المتحدة والصين بإدراج فيتنام في عمليات صنع السياسة الخارجية، حتى أصبحت فيتنام هي الدولة الوحيدة في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، بجانب سنغافورة، التي تم ذكرها مباشرةً في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، كما تمت دعوتها للانضمام إلى العديد من المبادرات الجديدة التي تقودها الصين والولايات المتحدة، بما في ذلك مبادرة التنمية العالمية والإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وتجدر الإشارة إلى ذكر فيتنام في العديد من الوثائق الاستراتيجية الأجنبية الخاصة بمنطقة الهندوباسيفيك، مثل كندا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وكوريا الجنوبية؛ حيث أعطت هذه الدول الأولوية للتعاون مع فيتنام في مجموعة متنوعة من المجالات، مثل بناء المجتمع الفرانكفوني وحقوق المرأة (كندا)، والدفاع والجيش (كندا وفرنسا)، والتعليم والعلوم (ألمانيا وفرنسا)، وسيادة القانون (ألمانيا)، والاستثمار (كوريا الجنوبية).

4توثيق العلاقات العسكرية بين فيتنام والقوى الكبرى: وفقاً لتصنيف Global Fire Power، تعد فيتنام ثاني أقوى قوة عسكرية في منطقة الآسيان، وباعتبارها دولة لها تاريخ طويل في مكافحة الغزوات، فإن الشعب الفيتنامي يدرك الحاجة إلى الحفاظ على قوة دفاع وطنية قوية لأغراض الردع. ونتيجة لذلك، اختارت فيتنام تأطير الشراكة مع الولايات المتحدة على أنها "شراكة استراتيجية شاملة من أجل السلام والتعاون والتنمية المستدامة"، للإشارة إلى النوايا الحميدة.

على جانب آخر، أظهرت بيانات معهد سيبري أن روسيا هي أكبر مزود للأسلحة لفيتنام لعقود من الزمن، ولكن نتيجة لانشغالها بالحرب مع أوكرانيا، خفضت موسكو بشكل ملحوظ صادراتها العالمية من الأسلحة عام 2023؛ الأمر الذي وضع ضغوطاً على فيتنام لتقوية قدراتها العسكرية، ناهيك عن الصعوبة التي تواجه هانوي لدفع فاتورة الأسلحة الروسية دون انتهاك العقوبات الأمريكية.

وخلال عام 2022، عقدت هانوي معرضها الدولي الأول للأسلحة، قائلةً علناً إنها تريد تنويع إمداداتها من الأسلحة. وبناءً على ذلك، بدأنا نشهد كثافة في محادثات فيتنام مع الموردين المحتملين الآخرين، بما في ذلك الهند والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان وجمهورية التشيك، ولكن لم يتم الإبلاغ عن أي صفقات كبيرة، وسط مشكلات تتعلق بالتكاليف والتكامل مع الترسانة الحالية، التي كان الكثير من أصولها يعود إلى الاتحاد السوفييتي، وفقاً للخبراء العسكريين.

5توسع فيتنام في بناء الشراكات التجارية: إن حركة التجارة بين فيتنام والبلدان الأخرى آخذة في الازدياد خلال السنوات القليلة الماضية. وتمثل الولايات المتحدة أكبر سوق للصادرات الفيتنامية بإجمالي 109 مليارات دولار (29% من الإجمالي) خلال عام 2022، تليها الصين التي تستحوذ على 16% في عام 2022. أما بالنسبة إلى الواردات الفيتنامية، فإن ما يقرب من ثلثها يأتي من الصين، تليها كوريا الجنوبية، واليابان، وتايوان (تمثل دول شرق آسيا مجتمعةً 59% من واردات فيتنام).

6اهتمام دولي بالمشروعات الاستثمارية في فيتنام: شهد عام 2023 أعلى مستوى للتدفقات الاستثمارية إلى فيتنام بإجمالي 36.6 مليار دولار، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 32.1% على أساس سنوي، ولكن لا تزال البنية التحتية الفيتنامية تواجه العديد من نقاط الضعف؛ لذلك أقدمت كل من الصين واليابان على تكثيف استثماراتهما في مجال البنية التحتية الأساسية لمساعدة هانوي على معالجة هذه المعضلة.

هذا وقد تعهدت واشنطن أيضاً بالاستثمار في تنمية فيتنام كجزء من شراكتها المطورة، بيد أن الاستثمارات الأمريكية في فيتنام – على الرغم من أهميتها – لا تميل إلى تلبية حاجة الأخيرة الملحة في مجال البنية التحتية بشكل مباشر. وبدلاً من ذلك، تقوم الولايات المتحدة عادةً بتمويل التنمية الطويلة الأجل في قطاعات مثل الزراعة وحقوق الإنسان وتغير المناخ والصحة. وخلال زيارة بايدن، أعلنت واشنطن عن شراكة مع هانوي لاستكشاف فرص تنمية النظام البيئي العالمي لأشباه الموصلات، من خلال دعم فيتنام في سعيها لتطوير صناعة أشباه الموصلات الخاصة بها، وهو ما قد يمنح العديد من المكاسب للاقتصاد الفيتنامي على المدى الطويل.

7الحفاظ على العلاقات الروسية–الفيتنامية: كانت زيارة الرئيس جو بايدن إلى فيتنام في سبتمبر 2023 بمنزلة بداية حقبة جديدة من العلاقات الأمريكية الفيتنامية، ولكن قبل يوم واحد من الزيارة، تم الكشف عن إجراء فيتنام محادثات سرية لشراء ترسانة من الأسلحة الروسية بقيمة 8 مليارات دولار في انتهاك صارخ للعقوبات الأمريكية؛ فبالرغم من توجه فيتنام نحو الغرب، فإنها لا تزال محافظة على علاقاتها العميقة تاريخياً مع روسيا، وهو ما قد ينحسر تدريجياً على مدى السنوات المقبلة بسبب التعاون الروسي والصيني الاستفزازي المتزايد، ولا سيما مكانة روسيا المشكوك فيها كمورد عسكري طويل الأجل، والتوترات المتصاعدة بين القوى العظمى الثلاث.

والجدير ذكره أن روسيا تمتلك حصة كبيرة في قطاع النفط والغاز في فيتنام؛ حيث تشارك شركتا طاقة روسيتان تديرهما الدولة (زاروبجنفت وغازبروم) في مشاريع التنقيب والإنتاج في المنطقة الاقتصادية الخالصة التي يبلغ طولها 200 ميل بحري في فيتنام. وترحب هانوي بمشاركة شركات الطاقة الأجنبية في مشاريعها؛ ليس فقط لأنها مصدر للخبرة الفنية الحيوية ورأس المال، ولكن لأنها تؤكد أيضاً حق فيتنام السيادي بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تقرر كيفية تطوير احتياطيات الهيدروكربون في منطقتها الاقتصادية الخالصة.

خلاصة القول: تُظهر التفاعلات الإيجابية الأخيرة مع كل من الولايات المتحدة والصين، أن توازنات فيتنام في إدارة علاقاتها مع القوى العظمى قد حقق العديد من النجاحات حتى الآن. ومع ذلك، فإن المشهد الجيوسياسي المتطور يفرض تحديات ستتطلب من فيتنام التكيف وإعادة ضبط استراتيجيتها باستمرار، وعلى رأسها المنافسة المستمرة بين القوى العظمى، والنزاعات المستمرة في بحر الصين الجنوبي، فضلاً عن التهديدات العابرة للحدود الوطنية مثل تغير المناخ والأوبئة وتنظيم التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي.