• اخر تحديث : 2024-05-24 20:09
news-details
مقالات عربية

تجمع التحليلات في إسرائيل على أن يوم الثالث عشر من نيسان 2024 سوف يسجل في تاريخ منطقة الشرق الأوسط باعتباره يوماً تاريخيّاً أعلنت فيه إيران لأول مرة شنّ هجوم غير مسبوق على إسرائيل بواسطة مئات المُسيّرات والصواريخ البالستية التي تم إطلاقها في اتجاه إسرائيل من الأراضي الإيرانية، وأيضاً من العراق واليمن.
 
من أبرز الاستنتاجات التي خرجت بها تلك التحليلات في ما يخص هذا الهجوم أن هناك شيئاً ما أساسياً تغيّر في حسابات إيران وجعلها تقلب رأساً على عقب معادلة الردع التي حالت حتى الآن دون قيامها بمثل هذا الهجوم المباشر في اتجاه الأراضي الإسرائيلية، إلى جانب استنتاج آخر فحواه أنه لم يطرأ على بال القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية في إسرائيل أن إيران ستردّ بصورة حادة وواسعة النطاق على الهجوم الذي استهدف القنصلية الإيرانية في دمشق ونُسب إلى إسرائيل. ووفقًا لما أكده المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل وغيره ربما تكون هذه السياسة الإيرانية نتاج الشعور بأن إسرائيل تجاوزت الخطوط الحمراء في اغتيالها اثنَين من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني في دمشق خلال 4 أشهر، لكن في الوقت عينه هذا له علاقة أيضاً بالانطباع الذي يسود طهران بأن "إسرائيل ضعيفة وعالقة في حربها مع حركة حماس في قطاع غزة، ومن الممكن ضربها بصورة مباشرة".
 
وبموجب جلّ هذه التحليلات كان هناك نجاح عملاني كبير في ما يرتبط بالوقوف في وجه هذا الهجوم، على ما يؤكد رئيس "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، اللواء احتياط تامير هايمن، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية ("أمان"). وقد تجسّد هذا النجاح بقراءته في ما يلي: 1- توفر معلومات استخباراتية مسبقة لدى شعبة "أمان" (يمكن أن نضيف هنا أن جزءاً كبيراً منها توافر من رسائل علنية دأبت طهران على بثّها قبل شنّ هجومها)؛ 2- منظومة كشف فاعلة؛ 3- منظومة اعتراض ذات أداء ممتاز لدى سلاح الجو الإسرائيلي.
 
أمّا الاستنتاج الأبرز المتعلّق بالناحية الاستراتيجية المترتبة على الهجوم الإيراني، فإنه يشير إلى أن الوضع بات الآن أكثر تعقيداً، حيث لم تنجح إسرائيل ولا حتى الولايات المتحدة في ردع إيران عن شنّ هجومها، كما أن هذه الأخيرة نجحت في أن توجّه ضربة إلى إسرائيل من دون أن تجبر الولايات المتحدة على الردّ بشنّ هجوم مشترك.
 
غير أن ما لا يقل أهمية عن ذلك هو أن الهجوم الإيراني، الذي سبقته تهديدات على رؤوس الأشهاد، برهن مرة أُخرى على ارتباط إسرائيل الكامل بالولايات المتحدة عسكرياً وسياسياً، على الرغم من وجود خلافات بين الدولتين بشأن الحرب على قطاع غزة. فللمرة الثالثة منذ بدء الحرب في غزة، بادر الرئيس الأميركي جو بايدن إلى قول كلمة "D’ont". وكان تحذيره موجهاً مرة أُخرى إلى القيادة الإيرانية التي هدّدت بالانتقام لمقتل مسؤولها في الحرس الثوري الإيراني في دمشق، وترافق ذلك مع إرسال مسؤولين رفيعي المستوى من القيادة المركزية للجيش الأميركي (سنتكوم) إلى إسرائيل، ونشْر قوات في شتى أنحاء الشرق الأوسط. وهدفت هذه الخطوات الأميركية إلى إظهار القوة، كما فعلت الإدارة الأميركية في أواسط تشرين الأول 2023 بعد أيام من نشوب الحرب في قطاع غزة. ويومها أيضاً كان ثمة تخوُّفات من انضمام حزب الله، وربما إيران، إلى هجوم "طوفان الأقصى" الذي شنته حركة حماس على مواقع عسكرية إسرائيلية وعلى بلدات في منطقة "غلاف غزة"، فسارع الرئيس بايدن إلى إطلاق تحذيرات كلامية مدعومة بأفعال، وأرسل حاملتي طائرات إلى المنطقة، عادت إحداهما من منطقة الشرق الأوسط إلى قاعدتها في كانون الثاني الماضي، بينما بقيت الثانية ("دوايت أيزنهاور") في منطقة البحر الأحمر، وتوجهت في نهاية الأسبوع الماضي نحو إسرائيل للتلميح إلى الإيرانيين بأن عليهم ألاّ يرتكبوا خطأ. وإلى جانب التحرّك البحري، نشرت بكثافة منظومات دفاع جوي في شتى أنحاء الشرق الأوسط، مع التشديد على التواصل مع إسرائيل ودول أُخرى في العالم وفي المنطقة. وبرزت، بصورة واسعة النطاق، هنا منظومة الدفاع الجوي الإقليمية التي كانت الولايات المتحدة وإسرائيل بحثتا في إقامتها قبل عامَين. وأعيد إلى الأذهان أن اعتراض المسيّرات والصواريخ التي أطلقها الحوثيون من اليمن طوال فترة الحرب على غزة في اتجاه إسرائيل يستند إلى هذا التعاون الإقليمي الواسع النطاق. وينوّه كثير من المحللين بأن لدى إسرائيل في الوقت الحالي قدرة كشف متقدمة وبعيدة المدى تسمح لها بالاستعداد للتصدي إزاء تهديد يبعد عنها عدة مئات من الكيلومترات.
 
ومثلما أشار الخبير البارز في الشؤون الأميركية، البروفسور إيتان غلبواع، في سياق مقالة نشرها في صحيفة "معاريف"، فإن الهجوم الإيراني غير المسبوق على إسرائيل اصطدم بدفاع غير مسبوق من جانب ما وصفه بأنه "الائتلاف الإقليمي الإسرائيلي – العربي" بزعامة الولايات المتحدة والتي بنته طوال أعوام لمواجهة التهديدات الإيرانية. وبرأيه: "فشل الردع الأميركي حيال إيران ولكن التصدّي نجح، كما أن التفوّق الدفاعي الإسرائيلي هزم القدرة الهجومية الإيرانية".
 
يبقى السؤال: ماذا بعد أول هجوم صاروخي إيراني ضد إسرائيل؟ وهل ستتجه الأمور نحو مزيد من التصعيد؟
 
لعل ما يلفت النظر، أكثر شيء، في معرض محاولة الإجابة عن هذا السؤال هو أمران:
 
الأول، أن الردّ الإسرائيلي على هذا الهجوم الإيراني غير المسبوق آتٍ لا محالة. ومثلما كتب المحلل العسكري لموقع "واللا" أمير بوحبوط: إذا ما حكمنا على الهجوم الإيراني بمقاييس تاريخية، وعلى مسألة الردع المطلوب في مقابل الجسارة الإيرانية في شنّ الهجوم على الرغم من التهديدات والتحذيرات الصادرة عن قادة كبار في العالم (في إشارة إلى الرئيس الأميركي بالأساس)، يتعيّن على إسرائيل أن تردّ بأي شكل من الأشكال ولو حتى من أجل ألا تظهر في صورة أنها انتحت جانباً وقامت بحماية مرماها بصفتها حارس مرمى فقط.
 
أما اللواء احتياط تامير هايمن فيجزم بأن الردّ الإسرائيلي حتميّ وسيكون داخل الأراضي الإيرانية، لكن على إسرائيل المحافظة على الغموض، وترْك الطرف الثاني (الإيرانيّ) يعاني جرّاء حالة من عدم اليقين. وبرأيه "الوقت في متناول أيدينا، ويتعيّن علينا أن نفكّر ونخطّط ونعمل بذكاء، ونجاحُنا في الدفاع والتصدّي للهجوم الإيراني يسمح لنا بذلك".
 
الثاني، أنه في إطار التصدّي للهجوم الإيراني عملت إسرائيل لأول مرة ضمن إطار ائتلاف ضد إيران وجبهة المقاومة، وهذا برأي كل المحللين الإسرائيليين ناجع ومهم، لكنه في الوقت ذاته يحدّ من حرّية العمل والردّ من جانب إسرائيل. وما لا ينبغي نسيانه أو تناسيه أنه في موازاة وقوف الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل والذي يشي بالاستراتيجية العامة لواشنطن، يواصل الرئيس الأميركي إدارة حملة قوية لمنع التصعيد واشتعال منطقة الشرق الأوسط كلّها مع التركيز على ضرورة التنسيق والسيطرة على الرد الإسرائيلي من جهة، وعلى الخطوات الدبلوماسية من جهة أخرى. كما أوضح بايدن أن الولايات المتحدة تساعد إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكنها لن تشارك أو تتدخل في أي ردّ هجومي. وفي جميع الأحوال، طلب بايدن أن يكون الردّ الإسرائيلي الممكن متناسباً، وأن يتم تنسيقه مسبقاً مع الولايات المتحدة. وما يجب أن نشير إليه أيضاً أن بايدن يعكف على بلورة ائتلاف دولي دبلوماسي لعزل إيران، وفرْض عقوبات ضدها على خلفية برنامجها النووي أيضاً، ومن أجل هذا الموضوع عقد جلسة طارئة مع "مجموعة الدول السبع" التي تضم الولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان.