• اخر تحديث : 2024-06-21 02:51
news-details
تقارير

تقرير "مدار" الإستراتيجي 2024: المشهد الإسرائيلي 2023


خلص تقرير المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار" 2024 إلى أن  الاضطرابات الداخلية في إسرائيل خلال العام 2023 ممثلة بالاحتجاجات المناهضة لخطة "الإصلاح القضائي"، وهجوم" حماس" المباغت في 7 أكتوبر وما تلاه من حرب إبادة على غزة قادت إلى حالة استنزاف سياسية لإسرائيل وشرعيتها، عَكَسا أن ما تواجهه إسرائيل هو أزمة بنيوية غير قابلة للحل على المديين القصير والمتوسط، إذ فشلت على الرغم من مرور 76 عاماً على إقامتها في تجاوز مسألتَي حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني، وإقامة رؤية قومية جامعة تحتوي التناقضات الجماعات المتنوعة التي أفرزها تطور مجتمع المهاجرين بعد تفكك هيمنة الصهيونية المؤسسة.

وأوضح التقرير الذي أعدّته مجموعة من المختصين في الشأن الإسرائيلي، وأعلن عنه مركز "مدار" في رام  الله اليوم الأحد 2/6/2024 (دون عقد مؤتمره السنوي بسبب ظروف الحرب على غزة)، أن "صدمة 7 أكتوبر" التي عصفت بإستراتيجية نتنياهو القائمة على "إدارة الصراع لحسمه" وبرزمة من المفاهيم السائدة في إسرائيل، وإن كانت وحّدت المجتمع الإسرائيلي مؤقتاً، فقد أدت ارتداداتها التي غذاها الفشل في تحقيق أهداف الحرب المعلنة لتظهير الانقسامات الداخلية وتأكيد عمقها الهوياتي والمجتمعي وإمكانية استمرارها وتصاعدها، بعيداً عن موضوع الاحتلال الذي لم يعد خلافياً بين الأحزاب الإسرائيلية اليهودية.
 
مفترق طرق
 
واعتبر التقرير أن ثلاثة تغيرات طرأت في العام 2023 ستشكل مفترق طرق قد يعيد تأطير علاقة إسرائيل مع المسألة الفلسطينية وستكون لها ارتدادات بعيدة المدى. الأول، هجوم 7 أكتوبر. والثاني، الحرب على قطاع غزة. والثالث، "احتلال" المستوطنين مواقع مفتاحية في إدارة شؤون ما يسمى بالمناطق "ج".
 
وأضاف: في حين أن مجريات الحرب في قطاع غزة تشير إلى توجه إسرائيل نحو "احتلال أمني" بدون أن تصيغ، حتى اللحظة، رؤية واضحة لليوم التالي للحرب، فإن مؤسسات المستوطنين التي باتت متداخلة مع مؤسسات الإدارة المدنية امتلكت "مفاتيح" تسريع "حسم" مصير الأراضي المصنفة "ج"، عبر تصعيد الاستيطان وتسليح المستوطنين واستهداف التجمعات الرعوية الفلسطينية والتضييق عليها لصالح "الاستيطان الرعوي"، والاستيلاء على الأراضي بذرائع المحميات الطبيعية والتراث التوراتي، يأتي هذا بموازاة محاصرة السلطة الفلسطينية مالياً ومقاطعتها سياسياً، وتصعيد وتيرة اجتياحات الجيش ودمويتها وما تشهده من تخريب متعمد في مدن الضفة ومخيماتها وقراها.
 
واعتبر التقرير أن عولمة المسألة الفلسطينية، وإعادة موضعتها في صدارة الحراك على الصعد المؤسساتية والشعبية والطلابية العالمية، وتحولّها لجزء من قضيةِ النضال الجيوسياسي بين الشمال والجنوب، وموضوع منازعة سياسية داخل الحقل الحزبي في الولايات المتحدة كما في دول أوروبية أخرى، ما عوّض تآكل الدعم العربي، مما شكل ديناميكية ضغط خارجية ضرورية، في هذا السياق.
 
وضع إستراتيجي هش
 
ورصد الفصل الخاص بالمشهد الأمني حيثيات إخفاق 7 أكتوبر الأمني وأبعاده ومعانيه، معتبراً أنه حدث فشل بتحقيق ثلاثة من أركان العقيدة الأمنية الإسرائيلية الأربعة وما زال الرابع متعثراً وتشمل: أولاً الإنذار المبكر، ثانياً الردع، ثالثاً الدفاع، فيما يبقى الرابع وهو ركن النصر (بدل الحسم) متعثراً وهو مرهون حتى اللحظة بنتائج الحرب.
 
وحول النهج الحربي أوضح التقرير أن الكيفية التي تم فيها تدمير البنية التحتية والمؤسساتية والبيوت تشير إلى أن إسرائيل تسعى لتحويل غزة إلى منطقة غير صالحة للسكن، محققة بذلك مشروع التهجير تحت مسمى "الهجرة الطوعية" الذي وصفه بنيامين نتنياهو، وهو مجرد تبييض لغوي للتهجير الإجباري.
 
ورأى المحور الأمني من التقرير بأن تجند الولايات المتحدة غير المسبوق منذ 7 أكتوبر لدعم إسرائيل ودورها في قيادة التحالف لصد هجوم إيران ليلة 13 - 14 نيسان 2024، عمّق فشل العقيدة الأمنية، وكشف عن أن قدرة إسرائيل على مواجهة المخاطر تعتمد بشكل كبير على الدعم الأميركي، ما يجعلها في وضع إستراتيجي هش.
 
على المستوى الحزبي والداخلي أشار التقرير إلى أن اتفاق تشكيل حكومة الطوارئ سمح لوزراء الائتلاف، خصوصاً في الوزارات الحيوية (المالية، الدفاع، الأمن القومي، الخارجية، الاستيطان، وغيرها)، بالاستمرار في العمل، ما دفع إلى خلق مسارين للحكومة: مسار يعمل من خلاله وزراء اليمين المتشدد على تطبيق رؤاهم الأيديولوجية وفق الإطار الذي حددته الاتفاقات الائتلافية، ومسار إدارة الحرب الذي يعمل فيه أيضاً أعضاء "المعسكر الرسمي".
 
وأكد على أن الخلافات التي تمحورت حول الإصلاح القضائي ولاحقاً حول موقع الأسرى على الأجندة الداخلية، لا تمتد لتشمل الأسئلة ذات الصلة بالصراع مع الفلسطينيين.
 
وأضاف التقرير: على الرغم من أن نتنياهو يُخضع قضيتي صفقة التبادل وإنهاء الحرب إلى أجندته الخاصة، وعدم تطرقه ولو بالتلميح إلى دوره في إخفاق 7 أكتوبر، فإن مجريات الحرب والتفاعلات الإسرائيلية الحزبية معها قد تشير إلى أن مستقبل نتنياهو السياسي قد يكون على مفترق طرق، وأن انتهاء حياته السياسية قد يكون وشيكاً.
 
تدهور علاقات إسرائيل الدولية  
 
على المستوى الدولي، ركز التقرير على مركزية التغيرات الدولية المستمرة والمتزاحمة، بحيث عادت القضية الفلسطينية لتتصدر الاهتمام الدولي؛ فتحولت إلى مادة إعلامية يومية ومكون رئيس في تفاعل الرأي العام، وموضوع لانتفاضة جامعية شملت أهم الجامعات في العالم، وجزء من الجدل الحزبي الشرعي في دول طالما شكلت الدرع الحامي لإسرائيل وممارساتها، ما تطور إلى قرارات غير مسبوقة في المحاكم الدولية، وتُوّج بفتح باب الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية.
 
وفصّل التقرير: لقد عصفت هجمات 7 أكتوبر وما تلاها من رد متوحش بهدفيّ حكومة نتنياهو السادسة الإستراتيجيين على مستوى العلاقات الخارجية؛ الأول هو تطبيع العلاقات مع السعودية، ومع دول عربية أخرى، والثاني، محاولة تعزيز مكانة إسرائيل على المستوى الدولي، من أجل تعميق تهميش القضية الفلسطينية، لكن ما حدث هو تراجع إنجازات إسرائيل على المستوى الدولي والإقليمي رسمياً وشعبياً، خاصة في أفريقيا وأميركا اللاتينية، وتعثر مسار التطبيع خاصة مع السعودية، ودخول العلاقات مع دول مركزية مثل روسيا والصين مرحلة جديدة من التوتر، كما ألقت الحرب بثقلها على موقف الاتحاد الأوروبي الذي تأثر بشكل كبير بالمواقف المتباينة للدول الأعضاء فيه، وتدريجياً، تبنى الاتحاد الأوروبي موقفاً أكثر انتقاداً ضد إسرائيل.
 
وتطرق التقرير في محوره الاقتصادي إلى "الصدمة الأولى" والمركزية لسوق العمل، حيث جندت الحكومة الإسرائيلية ما يزيد على 300 ألف من جنود الاحتياط، إضافة إلى إيقاف ما بين 120 - 150 ألفاً من العمال الفلسطينيين عن العمل داخل إسرائيل، ومغادرة العديد من العمال الأجانب خاصة الذين يعملون في مستوطنات غلاف غزة وشمال البلاد.
 
وتعقّب التقرير ثقل الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي، من جهة الكلفة المباشرة وانعكاسها على الميزانية ونسب العجز والتضخم وسوق الأسهم، منوهاً إلى انعكاسات دخول اليمن على خط الحرب - خصوصاً قضية الملاحة التجارية في البحر الأحمر - وآثار ذلك العميقة على إسرائيل، بما يشمل التكاليف المالية المباشرة والآثار الإستراتيجية الأوسع.
 
إعادة إنتاج الاستقطاب الداخلي
 
اجتماعياً، أوضح التقرير أن المنازعة حول أولوية الحرب مقابل تحرير الأسرى أعادت نظم الاستقطاب الداخلي من جديد، وأعادت إنتاجه وفق الخطوط الفاصلة التي وسمت المشهد السياسي خلال حركة الاحتجاج الصاخبة التي اجتاحت شوارع إسرائيل، ما يعني أن الاستقطاب الداخلي وإن حوّل تمحوره من الانقلاب القضائي إلى قضية المحتجزين فإنه لم يختفِ.
 
وأضاف: إضافة إلى ما شكّله هجوم 7 أكتوبر، من حدث مؤسس جديد في نظرة المجتمع الإسرائيلي لشكل حياته ومستقبله، وكذلك في نظرته وثقته بمؤسسات الدولة السياسية والعسكرية، فقد تحول إلى منعطف مهم ونوعي في ما يتعلق بخدمة الحريديين في صفوف الجيش، حيث أدّت حاجة الجيش إلى الموارد البشرية للتعويض عن الخسائر خلال الحرب الحالية على قطاع غزة، إلى إعادة تموضع هذا الملف على أجندة الأحزاب السياسية.
 
 الفلسطينيون في إسرائيل: "حكم عسكري غير معلن"
 
في محور "الفلسطينيون في إسرائيل"، وصف التقرير السياسة الإسرائيلية التي تم تبنيها تجاههم منذ ٧ أكتوبر بأنها "حكم عسكري غير معلن"، فيما "يمكن القول إنهم تصرفوا وفق تجربتهم التاريخية من خلال التعامل ببراغماتية وتخوّف مع الأحداث".
 
ونبه إلى أن اليمين حول الحرب إلى فرصة ذهبية لتنفيذ جزء واسع مما كان يدفع به على مستوى "الإصلاحات القضائية" والأمن وتسليح ما سوف يتطور إلى حرس قومي مدني، فيما واصلت الشرطة الإسرائيلية ترديد رواية عجزها وعدم امتلاكها الأدوات والموارد اللازمة لفك رموز الجرائم في المجتمع العربي، منادية بالمزيد من الصلاحيات وبالذات لتقنيات تتوفر فقط للشاباك.
 
وختاماً، أشار التقرير في مقدمته إلى أن صدوره في "ظل استمرار حرب الإبادة على غزة، وفي ظل مشهد معقد يتسم بالضبابية والسيولة وعدم الاستقرار، جاء بعد تريّث، ومحاولة تبيان سيرورة الأحداث ووجهتها، مع محاولة التركيز على ما يبدو أنه متغيرات نوعية أفرزتها الأحداث وقراءة ورصد التداعيات الممكنة لهذه المتغيرات".