• اخر تحديث : 2024-06-21 02:51
news-details
مقالات عربية

عن أبرز الأزمات التي يواجهها الجيش الإسرائيلي على خلفية الحرب ضد غزة وتداعياتها


(1) تتوقف آخر التحليلات الإسرائيلية بشأن الحرب المستمرة على قطاع غزة عند مستجدات كثيرة يصعب الإحاطة بها كافتها، وفي مقدمها الخطة التي طرحها الرئيس الأميركي جو بايدن يوم الجمعة الفائت من أجل وضع نهاية للحرب من خلال التوصل إلى اتفاق يشمل صفقة تبادل أسرى، والتي يبدو أن الأضواء ستظلّ مسلطة عليها إلى حين معرفة المصير الذي ستؤول إليه في أرض الواقع.

وحرص مساعدو الرئيس الأميركي ومستشاروه على تأكيد أن خطته المعروضة هذه تستند إلى وثيقة تمت المصادقة عليها في "كابينيت الحرب الإسرائيلي" وبضوء أخضر من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. ووفقاً لما أشار إليه المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، يوم الاثنين (3/6/2024)، وهو ما أكده غيره من المحللين المختصين في الشؤون العسكرية والأمنيّة، فإن خطوة بايدن هذه ترمي إلى أن تضع أمام الرأي العام في إسرائيل ما وافق عليه نتنياهو في المحادثات التي تجري من وراء الكواليس من خلال وسطاء وبمشاركة فاعلة من الولايات المتحدة.
 
فضلاً عن ذلك تشير آخر التحليلات الإسرائيلية إلى أن الجمهور الإسرائيلي العريض ما عاد مقتنعاً بأن كفّة الجيش الإسرائيلي هي الراجحة في المعارك الدائرة، سواءً في قطاع غزة، أو في الجبهة الشمالية.
 
وفي هذه الجبهة الأخيرة تدور حرب مع حزب الله منذ يوم 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، غداة شنّ الحرب على قطاع غزة ردّاً على الهجوم المباغت الذي قامت به حركة حماس ضد مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في منطقة "غلاف غزة". وقد أخذت الحرب بين إسرائيل وحزب الله أبعاداً تصعيدية في الأيام القليلة الفائتة على خلفية مُستجدين أشير إليهما في تلك التحليلات: الأول، اتساع رقعة الأرض التي يطاولها القصف من جانب حزب الله في العمق الإسرائيلي، سواءً من حيث إطلاق الصواريخ أو الطائرات المسيّرة. والثاني، نوعية الصواريخ التي يتم استخدامها من حيث قوتها ودقتها. ومثلما أشير في تقارير إسرائيلية متطابقة ذهل إسرائيليون كثيرون من مشاهد الدمار التي لحقت مثلاً بمقر قيادة اللواء 769 (المسؤول عن الأمن الجاري في منطقة الحدود مع لبنان) بعد أن أصابها صاروخ ثقيل من طراز بركان أطلق لأول مرة من جنوب لبنان في نهاية الأسبوع الفائت.
 
ثمة موضوع لا يتم الكلام حوله كثيراً ويشكل مصدر قلق كبير لقيادة الجيش الإسرائيلي وهو التآكل الجسدي والنفساني الآخذ بالتفشي بين صفوف الجنود الإسرائيليين إلى جانب النقص الكبير في الضباط والقادة. وهو ما أشار إليه على وجه التحديد المحلل العسكري عمير ربابورت من صحيفة "مكور ريشون" الذي شدّد (23/5/2024) على أن سبب هذا التآكل يعود إلى استمرار الحرب كل هذه المدة الطويلة. فلقد تم بناء الجيش الإسرائيلي على مدار عشرات الأعوام وفقاً لمفهوم عام يشدّد على وجوب أن تكون أي حرب يخوضها قصيرة قدر الإمكان، وأن تدور رحاها بالأساس في "أرض العدو". غير أنه من الناحية العملياتية فإن الحرب على قطاع غزة تدور في الأراضي الإسرائيلية كذلك، ولا تبدو أي نهاية لها في الأفق بالرغم من مرور نحو ثمانية أشهر على اندلاعها.
 
وكشف ربابورت مثلاً أنه عندما قام وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (رئيس "الصهيونية الدينية") بزيارة إلى منطقة الحدود الشمالية مع لبنان قبل فترة وجيزة وتكلم حول الحاجة إلى قيام الجيش الإسرائيلي باحتلال الأراضي الواقعة فيما وراء الحدود حتى حدود نهر الليطاني، طرح كثير من الذين استمعوا إليه أسئلة بشأن مجرّد قدرة الجيش الإسرائيلي على أداء مثل هذه المهمة من جراء مخزون الصواريخ الهائل الموجود بحيازة حزب الله (والذي من شأنه أن يضع تحديّات هائلة أمام قدرات منظومة "القبة الحديدية" الدفاعية، كما ثبت حتى الآن) من جهة، ومن جهة أخرى من جراء تأخر وصول شحنات أسلحة من الولايات المتحدة، وتشكيلات القوى المحدودة للجيش الإسرائيلي، حيث تشير آخر التقارير مثلاً إلى أن كمية الدبابات التي بحيازة الجيش الإسرائيلي في الوقت الحالي أقل من نصف الكمية التي كانت بحيازته قبل نحو عقد من الأعوام، وهي أدنى بكثير من "الخط الأحمر" الذي حددته هيئة الأركان العامة للجيش في الماضي.
 
وخلص ربابورت إلى القول: "إن حقيقة أن الجيش الإسرائيلي هو جيش صغير وقليل العدد، مقارنةً مع ما هو ماثل أمامه من مهمات كبيرة في ساحات متعددة، باتت واضحة للجميع". وهي بالتأكيد تستلزم استنتاجات محدّدة. وهو ما تطرّق إليه أيضاً كل من المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل، والمحلل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت" يوسي يهوشواع وغيرهما.
 
(2) في ضوء الأزمات السالفة التي يواجهها الجيش الإسرائيلي لوحظ في الفترة القليلة الماضية أن هناك ارتفاعاً في الأصوات التي تضغط على المؤسسة الأمنية من أجل أن تقوم بدور مُعوّل عليها في كل ما يتعلّق بوقف الحرب. وهذه الأصوات آخذة بالارتفاع مع تعزّز القناعة إسرائيلياً بأن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو معنيّ بإطالة أمد الحرب لأسبابه الخاصة التي توقفنا عندها كثيراً.
 
وبرز بين هذه الأصوات أخيراً صوت اللواء احتياط يسرائيل زيف، الذي تولى منصب قائد "فرقة غزة" ورئيس قسم العمليات وضابط سلاح المظليين وسلاح البر، والذي كتب بلهجة حادّة أنه في حال اختيار نتنياهو، تحت وطأة كل الظروف التي تراكمت منذ بدء الحرب، التمسك بهدف الحرب الطويلة والمستمرة عبر إقدامه على احتلال قطاع غزة الذي يعني استمرار حرب الاستنزاف في مقابل حزب الله وتعاظم قوة إيران وانهيار الاقتصاد الإسرائيلي وتدهور مكانة إسرائيل في العالم، فإن الاستنتاج المطلوب هو أن هذه الحكومة خطرة جداً على إسرائيل، وستتسبب بانهيار الدولة على نحو أكيد. وعندها ينبغي القول إنه يتعيّن على كل من رئيس هيئة الأركان العامة هرتسي هليفي، ووزير الدفاع يوآف غالانت، أن يضعا شرطاً لا يجوز المساومة عليه أمام رئيس الحكومة، وهو اتخاذ قرار سياسي بشأن اليوم التالي للحرب. ولا بُدّ من القول إن إتاحة المجال لنتنياهو بإرجاء مثل هذا القرار يعني السماح له بدهورة البلد نحو الهاوية، وعندها فإن مسؤولية هذا التدهور تقع على كاهلهما أولاً وقبل أي شيء (25/5/2024).
 
في واقع الأمر كانت هناك سوابق في إسرائيل بادرت فيها المؤسسة العسكرية ممثلة بقيادة الجيش إلى طرح رؤيتها على المؤسسة السياسية في كل ما يرتبط بمآل الحروب أو العمليات العسكرية. وربما يحتاج هذا الموضوع إلى وقفة أخرى في المستقبل، نظراً إلى حقيقة أنه لا يمكن إنكار قيمة هذه المبادرات والتي يمكن أن تتوافق مع الفترة الراهنة.