مقدمة: هل أصبحت الحرب أكبر من أهداف الذين أشعلوها؟
لم تعد الحرب الإقليمية الدائرة في الشرق الأوسط قابلة للفهم من خلال تعداد الضربات الجوية، أو مقارنة الترسانات الصاروخية، أو قياس حجم الخسائر البشرية والمادية لدى الأطراف المتحاربة. فهذه المؤشرات، على أهميتها العسكرية، لا تكفي لتحديد النتيجة الاستراتيجية لصراع تتداخل فيه الجغرافيا العسكرية مع أمن الطاقة، وحرية الملاحة، والاستقرار الداخلي للدول، وقدرة الأنظمة السياسية على اتخاذ قرارات مستقلة تحت ضغط الحرب.
إن التحول الأهم الذي ينبغي التوقف عنده هو انتقال الصراع، تدريجياً، من محاولة إخضاع الخصم عسكرياً إلى التأثير في قدرة البيئة الإقليمية بأكملها على الاستمرار في أداء وظائفها الطبيعية. فحين تصبح الممرات البحرية موضع تهديد، والطاقة أداة ضغط، والبنية التحتية هدفاً محتملاً، والاقتصادات عرضة للصدمات، فإن الحرب لا تعود محصورة في الجبهات التقليدية، بل تتحول إلى اختبار شامل لقدرة الدول والمجتمعات على الصمود والاستمرار.
ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من فرضية استراتيجية مفادها أن المعيار الحاسم لنتيجة الحرب لن يكون فقط مَن يستطيع تدمير قدرات خصمه، بل مَن يستطيع منع خصمه من تحويل الصراع إلى أزمة ممتدة تُفقد الإقليم قدرته على الاستقرار والحكم والتعافي.
هذه المقاربة لا تفترض أن التفوق العسكري فقد أهميته، بل ترى أن قيمته النهائية تتوقف على القدرة على ترجمته إلى مكاسب سياسية مستدامة، وهو ما قد يكون أكثر صعوبة من تحقيق النجاح في العمليات القتالية نفسها.
أولاً: من تدمير القوة إلى تعطيل الوظائف الاستراتيجية للدولة
تقليدياً، كان التقييم العسكري يركز على ثلاثة عناصر أساسية: تدمير قدرات العدو، والسيطرة على الأرض، وفرض الإرادة السياسية. لكن الحروب الحديثة كشفت أن هذه العناصر، رغم ضرورتها، لا تضمن وحدها الوصول إلى النتيجة السياسية المنشودة.
فقد تتمكن قوة عسكرية متفوقة من تدمير منشآت، واستهداف قيادات، وإضعاف وحدات قتالية، لكنها قد تعجز عن فرض تسوية سياسية مستقرة أو منع الخصم من إعادة إنتاج التهديد بأشكال مختلفة.
وفي المقابل، قد لا يحتاج الطرف الأضعف تقليدياً إلى تحقيق نصر ميداني شامل كي يمنع خصمه من بلوغ أهدافه. يكفي أحياناً أن يحتفظ بقدرة مستمرة على التهديد، وأن يرفع كلفة الحرب، وأن يوسع نطاق المخاطر، وأن يمنع الطرف المقابل من إعلان نهاية الصراع وفق الشروط التي وضعها لنفسه.
في هذا السياق، لا تُقاس القدرة الاستراتيجية بحجم القوة المستخدمة فحسب، وإنما بمدى تأثيرها في وظائف الخصم الحيوية: أمنه الداخلي، واقتصاده، ومؤسساته، وطرق إمداده، وعلاقاته الخارجية، وقدرته على المحافظة على تماسك قراره السياسي.
وتكشف تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران عن هذه المعضلة، إذ إن إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات العسكرية لا يعني بالضرورة إزالة مصادر التهديد أو ضمان عدم تجدد المواجهة. وقد أشار تحليل لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في آب 2026 إلى أن الحرب أوجدت مأزقاً استراتيجياً يتعلق بكلفة المواجهة وحدود القدرة العسكرية الأمريكية على ترجمة القوة إلى نتيجة حاسمة.
والاستنتاج هنا أن السؤال الاستراتيجي الأهم لم يعد: كم دُمِّر من قدرات الخصم؟ بل: ما الذي تغيَّر في قدرته على التأثير، وما الذي تغيَّر في قدرة الطرف الآخر على تحقيق أهدافه؟
ثانياً: الجغرافيا الاقتصادية بوصفها جبهة قتال موازية
من أبرز التحولات التي تستحق الدراسة أن الجغرافيا الاقتصادية أصبحت جزءاً من معادلة الردع والصراع، لا مجرد خلفية تتحرك فوقها الجيوش.
فمضيق هرمز، وخليج عُمان، وباب المندب، ومسارات نقل النفط والغاز، ليست ممرات تجارية فحسب، إنها عقد استراتيجية تربط أمن الخليج بالاقتصاد العالمي. وأي اضطراب مستمر فيها ينعكس على تكاليف النقل والتأمين، وأسعار الطاقة، وحسابات الدول المستوردة والمصدرة، والقدرة على تمويل العمليات العسكرية وإعادة الإعمار.
وفي 14 تشرين الأول 2026، نقلت رويترز عن مسؤولين إيرانيين أن طهران تعمل على توسيع نطاق الضغط على الملاحة إلى ما وراء مضيق هرمز، مع تسجيل تصاعد في الحوادث التي طالت السفن التجارية. ثم أفادت رويترز في 21 تشرين الأول بارتفاع أسعار النفط وسط المخاوف من تعطل الإمدادات واستمرار المخاطر البحرية.
هذه الوقائع تفرض قراءة تتجاوز السؤال المتعلق بإمكانية إغلاق ممر بحري بصورة كاملة. فالتأثير الاستراتيجي قد يتحقق حتى من دون إغلاقه رسمياً، إذ يكفي أن تصبح حركة السفن أكثر خطورة وكلفة، وأن تتردد الشركات في إرسال ناقلاتها، وأن ترتفع أقساط التأمين، وأن تتزايد المخاوف من اتساع نطاق الهجمات.
وبذلك تتحول الملاحة من وظيفة اقتصادية إلى وسيلة ضغط سياسي، ويصبح أثرها خارج المنطقة أوسع من حجم القوة العسكرية المستخدمة لتحقيقه.
لكن هذا السلاح ليس بلا ثمن.
فالضغط على طرق التجارة قد يضر أيضاً بالدول التي تستخدمه، ويحفِّز خصومها على بناء طرق بديلة، وتوسيع المخزونات الاستراتيجية، وتشكيل تحالفات بحرية، وتطوير وسائل الردع. لذلك فإن القدرة على إحداث اضطراب اقتصادي لا تعني تلقائياً القدرة على التحكم في نتائجه.
وهنا تظهر المفارقة: كلما اتسع نطاق الضغط الاقتصادي، ازدادت فرص التأثير في الخصم، لكن ازدادت أيضاً احتمالات تشكل ائتلاف مضاد يهدف إلى إزالة مصدر التهديد.
ثالثاً: الجبهة اليمنية واختبار مفهوم الحرب الإقليمية
إن عودة الجبهة اليمنية إلى واجهة التصعيد تقدم نموذجاً مهماً لفهم الترابط بين ساحات القتال. ففي 7 تشرين الأول 2026، تناول تقرير لرويترز تجدد انخراط السعودية في المواجهة اليمنية، مشيراً إلى المخاطر التي تفرضها التطورات على البنية التحتية السعودية وصادرات الطاقة، وإلى الصعوبات التي تواجه تحقيق حسم سريع في ظل طبيعة الجغرافيا اليمنية والانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين.
ثم أعلنت بريطانيا في 20 تشرين الأول توسيع دعمها الدفاعي للسعودية ليشمل دوريات جوية دفاعية، في حين برزت في اليوم نفسه تطورات سياسية تتعلق بإمكانية تقديم مصر دعماً إضافياً للأمن السعودي، مع بقاء مسألة التدخل العسكري المباشر موضع إجراءات ونقاشات سياسية.
تكمن أهمية هذه التطورات في أنها تكشف كيف يمكن لجبهة جغرافية محدودة أن تفرض آثاراً استراتيجية واسعة. فتهديد منشأة نفطية أو مطار أو طريق ملاحي قد يستدعي إعادة توزيع الموارد الدفاعية، واستنزاف مخزونات الاعتراض، وتوسيع الاعتماد على الحلفاء، وفتح نقاشات داخلية بشأن طبيعة المشاركة في الحرب وحدودها.
وهذا يعني أن الجبهة اليمنية لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها امتداداً ثانوياً للحرب الكبرى، بل بوصفها ساحة يمكن أن تؤثر في حسابات الردع وتوزيع الموارد وفي قدرة الأطراف على التحكم بتصعيد المواجهة.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من اختزال كل تحرك إقليمي في كونه نتيجة توجيه مركزي واحد. فالتقارب في المصالح أو التوافق السياسي لا يثبت وحده وجود قيادة عملياتية موحدة، كما أن امتلاك أحد الأطراف القدرة على التأثير في طرف آخر لا يعني سيطرته الكاملة على قراراته.
إن هذا التمييز ضروري لأي تحليل عسكري رصين، لأنه يفصل بين التنسيق الفعلي، والتأثير السياسي، والتلاقي الظرفي في الأهداف.
رابعاً: معضلة الردع وحدود القوة الأمريكية
تواجه الولايات المتحدة في هذا الصراع معضلة تتعلق بالعلاقة بين القدرة على التصعيد والقدرة على إنهائه.
فالتفوق في القوة الجوية والقدرات الاستخبارية والتكنولوجيا العسكرية يمنح واشنطن أدوات كبيرة لتوجيه ضربات مؤثرة. لكن تحقيق نتيجة سياسية مستقرة يتطلب أكثر من التفوق في ميدان العمليات: يحتاج إلى تصور واضح لنهاية الحرب، وإلى شروط قابلة للتنفيذ، وإلى ضمانات تمنع عودة الصراع بأشكال جديدة.
إذا توسعت الحرب إلى مسارات بحرية واقتصادية متعددة، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مفاضلة بين الاستمرار في استخدام القوة للحفاظ على المصداقية الردعية، وبين الحد من التصعيد لتجنب ارتفاع الكلفة الاقتصادية والسياسية.
كما أن حماية الحلفاء والمنشآت والممرات البحرية في وقت واحد تتطلب توزيعاً مستمراً للموارد. وكلما تعددت ساحات التهديد، ارتفعت كلفة المحافظة على الجاهزية، حتى لو بقي التفوق العسكري النوعي قائماً.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على الردع، أو أن خصومها باتوا قادرين على موازنة قوتها العسكرية بصورة تقليدية. بل يعني أن التفوق لا يلغي معضلة الاختيار بين الأهداف، ولا يضمن أن تكون كلفة تحقيقها مقبولة.
إن المعيار الحقيقي للقوة العظمى ليس قدرتها على بدء العمليات فحسب، بل قدرتها على تحديد نهايتها، وضبط إيقاعها، ومنعها من التحول إلى التزام مفتوح يستنزف مواردها ويقيد خياراتها في مناطق أخرى من العالم.
خامساً: إسرائيل بين المكاسب العملياتية والنتيجة السياسية
ينبغي التمييز بين نجاح إسرائيل في تنفيذ عمليات عسكرية محددة وبين قدرتها على بناء بيئة أمنية مستقرة بعد انتهاء القتال.
فالتدمير الواسع للبنية التحتية العسكرية، وإضعاف القيادات والقدرات القتالية، قد يحقق نتائج ميدانية ملموسة. لكن هذه النتائج لا تحسم وحدها مستقبل الردع، ولا تمنع نشوء أنماط جديدة من التهديد، ولا تضمن قبول البيئة السياسية المحيطة بالشروط التي تسعى إسرائيل إلى فرضها.
وفي الحالة اللبنانية، تتضاعف هذه المعضلة بسبب تداخل الاعتبارات العسكرية مع السيادة الوطنية، والواقع الاجتماعي، وأزمة إعادة الإعمار، وقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها الأمني والمؤسساتي.
فالسيطرة العسكرية على مساحة جغرافية لا تعادل بالضرورة السيطرة السياسية المستدامة عليها. وقد يتحول الانتشار العسكري طويل الأمد إلى مصدر استنزاف، إذا استدعى استمراراً دائماً للموارد والجاهزية، وفتح المجال أمام مواجهات متقطعة، وأبقى احتمالات التصعيد قائمة.
وفي المقابل، لا يمكن افتراض أن بقاء الخصم أو احتفاظه ببعض قدراته يشكل تلقائياً انتصاراً استراتيجياً له. فالحكم على النتائج يتطلب قياس الأهداف المعلنة والمتحققة، وحجم الخسائر، والقدرة على التعافي، وشروط التسوية، ومدى تغير ميزان الردع.
لذلك فإن القراءة العلمية للحرب يجب ألا تقع في فخين متعاكسين: اعتبار كل نجاح تكتيكي انتصاراً نهائياً، أو اعتبار عدم تحقيق الحسم الكامل دليلاً كافياً على الهزيمة.
إن النتيجة الاستراتيجية تتحدد بمدى قدرة كل طرف على تحويل ما حققه في الميدان إلى وضع سياسي وأمني يمكنه المحافظة عليه.
سادساً: الحرب على قابلية الإقليم للحكم
هنا تبرز الفرضية المركزية لهذه الدراسة: قد تكون إحدى أهم نتائج الحرب الإقليمية إضعاف قدرة دول المنطقة على إدارة أزماتها بصورة مستقلة، حتى إذا لم تنهَر مؤسساتها أو تتغير أنظمتها السياسية.
والمقصود بقابلية الإقليم للحكم هو قدرة الدول على الحفاظ على وظائفها الأساسية تحت الضغط: حماية السكان، وتأمين الطاقة والغذاء، واستمرار التجارة، وتمويل الخدمات، وضبط الحدود، وإدارة الخلافات الداخلية، واتخاذ قرارات سياسية لا تمليها الضرورات العسكرية وحدها.
عندما تضطر الدولة إلى تحويل جزء متزايد من مواردها إلى الدفاع الجوي، وحماية المنشآت، وتأمين الموانئ والمطارات، ومعالجة آثار الضربات، فإن قدرتها على الاستثمار والتنمية وإصلاح البنية التحتية تتعرض للضغط.
وإذا تزامن ذلك مع تراجع الإيرادات أو ارتفاع كلفة الواردات أو تزايد النزوح والبطالة، فقد تنتقل آثار الحرب من المجال الأمني إلى المجال الاجتماعي والسياسي.
وعندها لا تكون المشكلة محصورة في خسارة معركة أو منشأة، بل في تآكل قدرة الدولة على أداء وظائفها، وفي تراجع ثقة المجتمع بمؤسساتها، وفي اتساع الفجوة بين متطلبات الأمن ومتطلبات الحياة اليومية.
هذه النتيجة ليست حتمية، لكنها تمثل خطراً استراتيجياً ينبغي أن يدخل في حسابات جميع الأطراف.
ومن هنا، فإن الدولة التي تحافظ على مؤسساتها، وتنوع مصادر إمدادها، وتحمي تماسكها الداخلي، وتملك قدرة مالية وخططاً للتعافي، قد تتمتع بمرونة استراتيجية أكبر من دولة تمتلك أسلحة متطورة لكنها تعجز عن امتصاص الصدمات الاقتصادية والاجتماعية.
وبالمثل، فإن المجتمع الذي يحتفظ بقدرته على الصمود والتماسك يصبح عاملاً حاسماً في تحديد المدى الذي يمكن أن تبلغه الحرب، وفي منع الخصم من تحقيق أهداف تتجاوز الميدان العسكري.
سابعاً: المآلات المحتملة للحرب الإقليمية
لا تسمح المعطيات الراهنة بالجزم بمسار واحد، لكن يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية، مع الإشارة إلى أن الواقع قد يجمع عناصر من أكثر من سيناريو.
السيناريو الأول: تسوية تحت ضغط الاستنزاف.
في هذا المسار، تدفع الكلفة العسكرية والاقتصادية وتزايد المخاطر البحرية الأطراف إلى قبول تسوية مرحلية. وقد لا تنهي هذه التسوية جذور الصراع، لكنها تضع قيوداً على التصعيد، وتفتح الباب أمام ترتيبات تتعلق بالملاحة والطاقة والضمانات الأمنية.
وتتوقف فرص هذا السيناريو على وجود قنوات تفاوض فعالة، وعلى قدرة الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة، وعلى وجود آليات للتحقق من الالتزامات.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف متعددة الجبهات
يستمر القتال من دون قدرة أي طرف على فرض نتيجة نهائية، وتتكرر الضربات والردود، وتتوسع المخاطر البحرية والاقتصادية، فيما تتزايد كلفة حماية المنشآت والبنية التحتية. و يبقى الإقتصاد العالمي مضطرباً و ما المظاهرات و الشغب الذي إنتشر في العواصم الأوروبية إلا نتيجة لذاك.
وقد يكون هذا السيناريو الأخطر على المدى المتوسط، لأنه لا يتطلب بالضرورة حرباً شاملة متواصلة، بل يمكن أن يقوم على موجات تصعيد متقطعة تمنع الاستقرار وتؤجل التعافي.
السيناريو الثالث: تصعيد أفقي يغيِّر طبيعة الحرب
في هذا المسار، تتوسع المواجهة إلى ساحات جديدة، أو تتزايد المشاركة العسكرية المباشرة لدول إضافية، أو تتعرض منشآت حيوية وممرات تجارية لضربات أكثر كثافة.
ولا يعني اتساع التحالفات بالضرورة حسم الحرب لمصلحة طرف بعينه. فقد يزيد عدد المشاركين من القدرة على الدفاع والضغط، لكنه يرفع أيضاً مخاطر سوء التقدير وتداخل الأهداف وصعوبة احتواء التصعيد.
والعامل المشترك بين السيناريوهات الثلاثة هو أن نهاية الحرب لن تتحدد فقط بميزان القوة العسكرية، بل كذلك بقدرة الأطراف على تحمل الكلفة، وبمدى تماسك تحالفاتها، وبقدرتها على تقديم صيغة سياسية قابلة للاستمرار.
ثامناً: ماذا تعني هذه التحولات للأمن العربي؟
تفرض التطورات الراهنة على الدول العربية إعادة النظر في مفهوم الأمن الإقليمي. فالحماية العسكرية الخارجية قد تظل عنصراً مهماً، لكنها لا تغني عن بناء قدرات وطنية وإقليمية للتعامل مع التهديدات العابرة للحدود. ويشمل ذلك تطوير الإنذار المبكر، وتنسيق الدفاع الجوي، وحماية البنية التحتية للطاقة، وتأمين الموانئ والمطارات، وتبادل المعلومات، ووضع خطط لاستمرارية الخدمات الأساسية في حالات الطوارئ.
لكن الجانب العسكري وحده لا يكفي. فالأمن الإقليمي يتطلب أيضاً آليات سياسية تمنع تحول الخلافات إلى مواجهات مفتوحة، وقنوات اتصال لإدارة الأزمات، وتعاوناً في حماية الملاحة، وترتيبات واضحة لتجنب سوء التقدير.
كما ينبغي ألا تتحول الحاجة إلى الحماية إلى تبعية استراتيجية دائمة، أو إلى انخراط غير محسوب في حروب لا تتطابق أهدافها مع المصالح الوطنية للدول المعنية.
إن المصلحة العربية تقتضي بناء قدرة على التأثير في مسار الصراع، لا الاكتفاء بالتكيف مع نتائجه. ويتطلب ذلك الانتقال من ردود الفعل المتفرقة إلى تصور إقليمي يوازن بين الردع والدبلوماسية، وبين متطلبات الدفاع وأولويات التنمية، وبين الشراكات الدولية واستقلال القرار الوطني. كما يتطلب مراجعة دقيقة لفوائد و أضرار القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة.
ولا يمكن تحقيق ذلك من دون إدراك أن استقرار أي دولة عربية بات أكثر ارتباطاً باستقرار محيطها، وأن اضطراب الممرات البحرية أو انهيار مؤسسات دولة مجاورة يمكن أن يتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية وأمنية عابرة للحدود.
المنتصر هو من يستطيع بناء ما بعد الحرب
إن أخطر ما يمكن أن تنتجه الحرب الإقليمية ليس بالضرورة انهيار طرف أو انتصار آخر، بل نشوء شرق أوسط أكثر هشاشة، تتراجع فيه قدرة الدول على إدارة خلافاتها، وتزداد فيه كلفة الأمن، وتتقدم فيه الحسابات العسكرية على فرص التنمية والاستقرار.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي قياس النتيجة النهائية للحرب بما تحقق من تدمير أو بما أُطلق من صواريخ، بل بما ستتركه من قدرة أو عجز على بناء نظام إقليمي قابل للاستمرار.
قد ينجح طرف في تدمير جزء كبير من قدرات خصمه، لكنه يفشل في فرض تسوية دائمة. وقد يحتفظ طرف آخر بقدرة على المقاومة، لكنه يخرج من الحرب مستنزفاً وغير قادر على تحويل صموده إلى مكاسب سياسية مستدامة.
وقد لا يكون أي من الطرفين قد حقق أهدافه الكاملة، فيما تكون المنطقة بأسرها قد دفعت ثمناً استراتيجياً باهظاً.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الخبراء الاستراتيجيين ليس فقط: من سيربح الحرب؟ بل: أي نظام إقليمي سيولد منها، ومن سيمتلك القدرة على التأثير فيه، ومن سيدفع ثمن إعادة بنائه؟
إن التفوق العسكري قد يحسم معركة، لكنه لا يضمن وحده صناعة السلام. والقدرة على إلحاق الضرر بالخصم لا تساوي القدرة على بناء الاستقرار. أما الاختبار الاستراتيجي الأعمق، فهو أن يخرج الطرف من الحرب قادراً على حماية مصالحه، وإعادة بناء قدراته، وإدارة محيطه، ومنع تكرار الصراع بالشروط نفسها.
وفي الشرق الأوسط، حيث تتداخل الجبهات مع الممرات البحرية والطاقة والتحالفات والاضطرابات الداخلية، قد يكون الانتصار الأهم هو الحفاظ على القدرة على الحكم، ومنع الحرب من تحويل الإقليم كله إلى ساحة استنزاف دائمة.
وهذه، في تقديري، هي الزاوية التي ينبغي أن تتقدم إلى صدارة التفكير الاستراتيجي العربي: ليس فقط كيف نمنع الهزيمة العسكرية، بل كيف نمنع تحوُّل الحرب إلى هزيمة طويلة الأمد للدولة والاقتصاد والمجتمع، وكيف ننتقل من إدارة الصراع إلى صناعة شروط تمنع تجدده.