• اخر تحديث : 2021-01-15 03:31
news-details
ندوات وحلقات نقاش

مقدمة

يشير مفهوم الدولة العميقة وفقًا لمؤلفي كتاب" Top Secret America: The Rise of the New American Security State" دانا بريست وويليام أركين إلى أنها دولة غير مرئية وسرية، وتوازي الحكومة العلنية الشرعية.

ومن هذا المنظار، أشار الباحثون إلى هذا المفهوم في توصيفهم للعلاقة بين الولايات المتحدة واللوبي الصهيوني؛ لاسيما مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

للوقوف على هذا البعد في العلاقة بين الكيان وأميركا، نظّمت الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين حلقة نقاش بعنوان: "الداخل الصهيوني والعلاقة الأيديولوجية مع الدولة العميقة في أميركا "، وهذا أبرز ما جاء فيها.

 

أولاً: معطيات أولية حول اللقاء:

الزمان

الأربعاء 9\12\2020 (العاشرة صباحًا لغاية الحادية عشرة والنصف).

المكان

منصّة Zoom Cloud Meeting

 

 

المشاركون الأساتذة السادة:

1

رئيس الرابطة د. محسن صالح

2

مدير مركز دراسات الإسلام والشؤون الدولية د. سامي العريان

3

الأكاديمي والكاتب الفلسطيني د. عبد الستار قاسم.

4

الباحث في الشؤون الصهيونية الأستاذ تحسين الحلبي

5

الباحث في الشؤون الصهيونية الأستاذ حسن حجازي

6

مدير مركز يافا للدراسات والأبحاث د. رفعت سيد أحمد

7

مدير مكتب قناة الميادين في فلسطين المحتلة د. ناصر اللحام

8

أمينة سر الرابطة د. وفاء حطيط

 

ثانيًا: وقائع الجلسة:

بعد الترحيب بالسادة المشاركين بدأ رئيس الرابطة د. محسن صالح حلقة النقاش بالحديث عن الكيان الصهيوني الغاصب، وتجمعات المستعمرين القادمين من شتات الأرض التي تشبه بتاريخها ووجودها الولايات المتحدة، واعتمادها على شكل من أشكال الوجود الأميركي في ما سُمّي العالم الجديد عندما استولوا على الهنود الحمر، وبالتالي إقامة هذا الوطن السليب، فالولايات المتحدة تشبه الاحتلال الصهيوني في هذا الجانب، ولذلك هي متعاضدة وداعمة لهذا الكيان. وقال د. صالح: لقد استطاعت أميركا أن تقضي على تجمعات الأهل الموجودين في أميركا الشمالية، لكنها لن تستطيع القضاء على القضية الفلسطينية التي ستبقى عقل كل الأجيال وعقل التاريخ، وستبقى حافرة عميقة في وجدان الأمة العربية على الرغم من كل ما نراه من تطبيع وتخلف عن هذه القضية.

ورأى د. صالح في ضعف الكيان الصهيوني الغاصب مؤشرًا على ضعف الولايات المتحدة، والعكس صحيح، وقال: الأدوات العربية ليست دليل خير، ولا دليلًا على القدرة والفعالية، بمعنى أنهم يلجؤون إلى هذه الأنظمة عندما يُحبطون، وهم محبطون من قوة المقاومة ومحورها. والواضح أن هناك مشكلة في تركيبة الكيان الصهيوني، وفي الثقافة والاقتصاد، وفي النظرة إلى الذات والآخر، حتى أن ما نراه إيجابيًا في نظرتهم إلى ذاتهم هو إشكالية مع العالم الآخر.  وأمام النظرة الصهيونية، أو التناخية التي ترى في الآخر عدوًا يجب قتله وسحقه وابادته من الوجود، كيف يمكن للعالم الغربي أو الولايات المتحدة الأميركية أن يهضم هذا الأمر إلا إذا كان هناك ما هو مشترك. وأعتقد أنه، وعلى الرغم من كل الاختلافات والتناقضات الداخلية في الكيان الصهيوني الغاصب، ففي الولايات المتحدة الأميركية أيضًا دولة على ما يبدو، وما يبقي على هذا الكيان هو قدرة التي يسمونها دولة عميقة، بالإضافة إلى عدم وجود قوة أخرى مناقضة لهذا الوجود تستطيع أن تخفف من هيمنته وغطرسته على العالم.

أبرز نقاط مداخلة الأستاذ تحسين الحلبي

بعدها قدّم الأستاذ تحسين الحلبي مداخلته التي أشار في بدايتها إلى أن ما يجمع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة كأقوى قوة عظمى منذ الستينيات حتى وقتنا الراهن يثبت أن الولايات المتحدة كقوة امبريالية كبرى ورثت كل ما قام به الاستعمار البريطاني والفرنسي منذ القرن التاسع عشر إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومبدأ "ايزنهاور" في تعبئة الفراغ الذي ستخلفه أقوى قوتين استعماريتين.

وقال الأستاذ الحلبي: هنا تكمن مسألة كيف نفهم ما يسمى بالأمن القومي الإسرائيلي، حين أسست "إسرائيل" عام 1948 وضع بن غوريون في بداية الخمسينيات استراتيجية سماها استراتيجية الامن القومي التي تعارف عليه مع قادة الكيان الصهيوني في ذلك الوقت، ووضع أول شرط أساسي لحماية بقاء هذا الكيان ووجوده وتمثّل في أن تكون هناك قوة كبرى تتبنى هذا الكيان، وتحميه من أن يندثر، أو يتعرض للزوال، وهذا شرط أساسي في استراتيجية الامن القومي التي وضعها، وبعد هزيمة إسرائيل في العام 1956 مع قوتين هما فرنسا وبريطانيا أدركت "إسرائيل" أنها أمام وضع جديد، فبدأ تفكير الكيان الصهيوني بالمرتكز الثاني لحماية وجوده، وهو الحصول على القدرة النووية بالتوازي مع الحصول على قوة عظمى تحميه. في هذا  يسأل يغيل هانيكن في بحث قدمه في مجلة أبحاث "هشيلوح" العبرية: "ما الذي يحمي وجودنا"، ويقول بالحرف الواحد إن كيسنجر أعلن لإسرائيل في أكثر من مناسبة أنكم لا تضعون استراتيجية للسياسة الخارجية؛ بل تضعون استراتيجية للسياسة الداخلية، فالاستراتيجية السياسية الخارجية تضعها الولايات المتحدة الاميركية لإسرائيل"، هذا هو الدور الوظيفي الاستراتيجي الأساسي لدى الولايات المتحدة بعدما ورثت "إسرائيل" من قوى الاستعمار البريطاني والفرنسي، وبدأت منذ ذلك الوقت وحتى وقتنا الراهن بهذه المهمة ، وهي حماية هذا الكيان بكل ما أمكن من القدرات. وقد كشفت مكتبة الكونغرس ومكتبة المخابرات الأميركية "CIA" مشاركة طيارين أميركيين بطائرات أميركية وضع عليها نجمة صهيون في عدوان العام 1967، وفي الوقت نفسه سحبت منهم بطاقات سلاح الجو الأميركي، وتم تسليمهم بطاقات إسرائيلية، وبالتالي منذ ذلك الوقت بدأت اميركا تتبنى هذا الكيان وتحميه. ويمكن أن نستشهد بما قاله وزير خارجية اميركا في الثمانينيات إبّان عهد إدارة ريغان ألكسندر هيغ، حيث يقول ويعرف "إسرائيل" بأنها "حاملة الطائرات غير القابلة للغرق"، وهذا وصف دقيق لأنها حاملة طائرات على الأرض. والسؤال: هل استطاعت الولايات المتحدة الأميركية حماية هذا الكيان بكل قدراتها حتى الآن؟، خاصة مع عوامل الضعف التي تعتري داخل الكيان الصهيوني سنة تلو أخرى، ومع تدهور القوة الأميركية سنة تلو أخرى، وهنا المفصل الأساسي.

أبرز نقاط مداخلة د. عبد الستار قاسم

أما د. عبد الستار قاسم فقد استبعد في مداخلته إمكانية استمرار الكيان الصهيوني في الوجود مهما حاولت القوى الاستعمارية، وعلى رأسها الولايات المتحدة دعمه واعطاءه ما يكفي من العكازات ليبقى واقفًا، وقدّم عددًا من الأسباب فنّدها وفق الآتي:

أولًاـ  هذا الكيان لا يملك مقومات استراتيجية للبقاء، فمن الناحية السكانية مثلًا هو قليل العدد، صحيح أن الصهاينة الآن هم الأكثر نفيرًا، ونحن الأقل نفيرًا على الرغم من أن أعدادنا تفوق اعداده بصورة هائلة جدًا، لكن قلة النفير لدينا مسألة مؤقتة مرتبطة بأمور ظرفية وليس استراتيجية، فإذا زالت الأمور الظرفية التي هي وجود الأنظمة العربية يمكن للشعوب العربية أن تنطلق من جديد، وتصبح أكثر نفيرًا؛ وبالتالي يمكن التغلب على الكيان الصهيوني بسهولة، فمن الناحية السكانية فان هذا الكيان قليل العدد ولا يستطيع في النهاية أن يواجه هذا العدد الهائل من العرب الذي يمتد من الخليج الى المحيط.

ثانيًاـ مهما عظم الكيان الصهيوني يبقى صاحب مساحة قليلة جدًا، فمساحة فلسطين الانتدابية 27 ألف كيلومتر مربع، واستخدم مصطلح الانتدابية، لأن فلسطين الحالية هي من صناعة الاستعمار الفرنسي والبريطاني، وليست فلسطين التاريخية كما يصفها بعض السياسيين بسبب جهلهم. ومساحة فلسطين الانتدابية قليلة جدًا، ويمكن تغطيتها من الناحية العسكرية بالوسائل التقليدية، بمعنى أننا لسنا في حاجة إلى قنابل نووية لمواجهة العنصر النووي الصهيوني، بل نحتاج إلى قوة صاروخية ومدفعية عربية تستطيع تغطية هذه المساحة، وفي إمكان المقاومة العربية والجمهورية الإسلامية، أو الجمهورية السورية إذا امتلكت العدد الكافي من الصواريخ ومنصات الاطلاق تغطية هذه المساحة.

ثالثًاـ إن الكيان الصهيوني لا يستطيع مواجهة اقتصاد عربي بهذه الثروات الهائلة مهما عظم اقتصادياً.

وسأل د. عبد الستار قاسم: أين هو العنصر الأساسي في بقاء الكيان الصهيوني حتى الآن، وقال: هذا العنصر الأساسي مرتبط بالأنظمة العربية التي ارتبطت منذ الهجرة الصهيونية إلى فلسطين بهذه الهجرة وبالصهاينة، وارتبط بقاؤها ووجودها بالمحافظة على الكيان الصهيوني. مثلًا عندما أنشئت امارة شرق الأردن كان من الواضح أن علاقات الصهاينة، خاصة غولدا مائير مع أمير شرق الأردن تتميز بروابط قوية جدًا وتبادل زيارات، ولم تقم الامارة ولم تتطور الى مملكة إلا بشرط المحافظة على الكيان الصهيوني او الحدود الشرقية لهذا الكيان، وهذا ينطبق على بلدان عربية أخرى. والأنظمة السياسية في دول الخليج عندما قامت ارتبطت بالمصالح الاستعمارية والصهيونية، فكانت أو وجدت من أجل ان الحفاظ على المصالح الاستعمارية، وبالتالي على المصالح الصهيونية، لأن المصالح الاستعمارية مرتبطة عضوياً بالمصالح الصهيونية، والكيان الصهيوني يخدم هذه المصالح عسكريًا وتجاريًا واقتصاديًا. وقد كانت العصا الصهيونية قوية بما يكفي لقتل أي محاولات عربية لاكتساب القوة أو تغيير الانظمة السياسية، فالأنظمة السياسية العربية ارتبطت بمشاريع ثقافية مهمتها تحويل الأمة العربية من ثقافة جامعة إلى ثقافات قطرية، وعمل الاستعمار مع هذه الأنظمة على صناعة هموم ذاتية لكل قطر عربي كي يتلهى كل قطر بهمومه الذاتية على حساب الهموم العامة.

هم تمكنوا منا حقيقة، وساعدتهم في ذلك الأنظمة العربية والعديد من المثقفين العرب الساقطين الذين باعوا أنفسهم لهذا الاستعمار وللكيان الصهيوني بأثواب براقة ومزخرفة من التوجهات الوطنية، وهذه القوة الأساسية التي يستند اليها الكيان الصهيوني، وموجات التطبيع التي نشهدها اليوم لم تكن غائبة في السابق، بل ظهرت إلى السطح فقط.

ولفت د. قاسم إلى ضرورة الالتفات إلى التغيير الثقافي "إذا كنا نريد تغيير الأوضاع واستعادة المبادرة، وأن نكون أصحاب قدرة في مواجهة التحديات"؛ وقال: أمامنا ما يجب القيام به، وفي المقدمة احداث تغييرات ثقافية وتربوية في الساحة العربية. ومسؤوليتنا الضغط على وسائل الاعلام المختلفة من أجل أن تتبنى ثقافة جديدة جامعة للأمة العربية، وتتخلى عن عملية التمييز، وتفتيت الأمة ثقافيًا وتربويًا من خلال تهميش قضايانا؛ فالقضية الفلسطينية تحولت مع الأيام من قضية اغتصاب وطن وتشريد شعب إلى مسألة مستوطنات، وحدود، وحقوق مدنية فلسطينية، ومقدسات في القدس، الخ...، لقد مزقوا القضية الفلسطينية، وتم تفتيتها إلى جزئيات بحيث أن الشباب العربي لا يسمع جوهر القضية الفلسطينية ككل متكامل، وعاونت في ذلك القيادات الفلسطينية، فقد قبلنا بعملية التجزئة والتفتيت، وكان المفروض أن نمسك بجوهر القضية الفلسطينية ككل متكامل لا الخضوع إلى تمزيق القضية الفلسطينية بهذا الشكل، والبحث عن مبرر لما حصل عندنا بسبب الهزائم المتكررة التي تعرضنا لها على الساحتين العربية والفلسطينية.

 وتساءل د. قاسم: هل يمكننا التأثير على المصالح الاستعمارية والصهيونية، وقال: نعم يمكن، لكن وللأسف الشديد نستعملها بسبب ضعفنا وعجزنا كمبرر على عدم القيام بواجبنا، لقد الأمور اختلفت الآن؛ فعندنا مقاومة لبنانية عظيمة تشكل قوة ردع في مواجهة الصهاينة، وعندنا أيضًا مقاومة فلسطينية في قطاع غزة تستطيع صد الجيش الصهيوني، صحيح أنها لم تصل بعد إلى درجة الردع بسبب الحصار المصري المشدد على قطاع غزة، لكننا سنصل إلى درجة الردع في يوم ما، وما دامت هذه المقاومة موجودة، وتكتسب قوة مع الزمن فنحن لسنا يائسين، بل لدينا تفاؤل كبير، وعلينا دعم هاتين المقاومتين كي نكون قادرين على مواجهة التهديدات.

ولفت د. قاسم إلى تحولات وتغيرات في أميركا والكيان الصهيوني، قائلًا: هذا الكيان مفتت ومجزأ وفق انقسامات اجتماعية أدت بدورها إلى انقسامات سياسية، والانقسامات السياسية أدت إلى مزيد من التعصب السياسي والاجتماعي، وانتهت إلى فساد هائل يغزو كل ركن وزاوية في الكيان الصهيوني. وفي أميركا تكفل ترامب بإحداث تحولات سياسية واجتماعية كبيرة جدًا، فالانقسامات حاصلة والتعصب السياسي كبير جدًا.

والسؤال: ما هو دورنا في تعزيز الانقسامات، وتعزيزها، وأرى أن دورنا حتى الآن ضعيف، ومن المفروض أن نستغل ما يجري في الكيان الصهيوني فنعزز الفساد والتعصب، وأن نؤدي دورًا في الولايات المتحدة، لكن يجب أن نلغي التفكك الذي نعاني منه، ونصلح أوضاعنا حتى نتمكن من رفع مستوى التفكك والتعصب السياسي والاجتماعي في الكيان وأميركا. وبدلًا من البحث في عوامل الاجتماع العربي الذي لم نستطع أن نستغله، فلنبحث في عوامل الافتراق العربي لعل وعسى نقضي عليها. كما أننا بحاجة إلى فهم التفكير اليهودي والثقافة اليهودية لنعرف ما إذا كانت خطواتنا تجاه هذا الكيان صحيحة أم لا. ونحتاج أيضًا إلى كيفية انهاء التفكك العربي، والتفكك على الساحة الفلسطينية بالذات، لان هذا التفكك أضر كثيرًا بالقضية الفلسطينية، ولايزال يلحق الأضرار الخطيرة.

أبرز نقاط مداخلة د. سامي العريان

أما د. سامي العريان فقد بدأ مداخلته بالإشارة إلى عدم وجود دولة عميقة في أميركا كما يظن البعض؛ وقال: فأميركا دولة عظمى خرجت الى العالم في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين،  وأصبحت تريد أن تهيمن هيمنة عالمية، وهناك ستّ مراحل في تاريخ الولايات المتحدة، ومرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية هي محاولة الوصول ليس إلى الهيمنة العالمية فقط، وانما عدم السماح لأي قوة أخرى أن تظهر، أو أن تنافسها، وحتى تنافس أي قوة فان الولايات المتحدة لا بد ان تكون مهيمنة إقليميًا، وبالتالي فان استراتيجية الولايات المتحدة هي عدم السماح لأي قوة بأن تهيمن اقليميًا حتى لا تخرج بعد ذلك من اقليمها إلى مساحات أخرى يمكن ان تنافس فيها الولايات المتحدة.

وأشار د. العريان إلى خمس استراتيجيات عظمى داخل دوائر صناع القرار في أميركا، فنّدها وفق التالي:

الاستراتيجية الأولى وهي التي اتخذتها الولايات المتحدة لسنوات قليلة جدًا بعد الحرب العالمية الثانية، وما يسمى بـ "سياسة العزلة والانعزال"، باعتبار أن لدى اميركا محيطان كبيران يمنعان أي قوة أخرى من أن تغزوها، أو تؤثر عليها تأثيرًا مباشرًا، وهذه الاستراتيجية لا أحد يتحدث عنها اليوم تقريبًا.

الاستراتيجية الثانية ما يسمى بـ "التوازن الخارجي"، وهو عدم خروج الولايات المتحدة بأساطيلها، أو قوتها الكبيرة جدًا إلا عندما يكون هناك تهديد مباشر يتمثل في وجود قوة يمكن أن تسيطر في اقليمها كما يحدث اليوم محاولة الصين، وهذه يدعو لها ما يسمى بتيار ال "Realist" وهم الناس الواقعيين الذين لا يريدون ان يكون لأميركا وجود عسكري كبير في الخارج، وهؤلاء قلة.

الاستراتيجية الثالثة وهو ما يسمى بـ "المشاركة الانتقائية"، وهي مع الاستراتيجية الرابعة التي تسمى "الامن الجماعي"، هاتان الاستراتيجيتين ه اتبعتهما الولايات المتحدة، وهي تعني خروجها العسكري المباشر ومحاولة التأثير في كل مناطق العالم لعدم السماح بشكل مباشر لأي قوة من أن تهيمن. وهذا يفسر لنا الكثير من الأمور التي تحدث في العالم.

الاستراتيجية الخامسة هي ما يسمى بـ "الهيمنة العالمية"، ودعاتها ليسوا من القائمين على القرار، وهم من الاعين إلى الوجود الأميركي المباشر العسكري الفظ، وحاول المحافظون الجدد اتباعها في وقت من الأوقات، ومنيوا بهزائم.

ليس هناك دولة عميقة في اميركا، بل هناك مؤسسة يُجمع عليها الديمقراطيون والجمهوريون، بمعنى ليس هناك فرق كبير جدًا بين رئيس ديمقراطي ورئيس جمهوري في ما نتحدث عنه من هذه الاستراتيجيات، انما هناك ما بين "المشاركة الانتقائية" و"الامن الجماعي"، وهي مقدار او حجم الوجود العسكري في منطقة من المناطق.

ولفت د. العريان إلى أن أميركا حمت تقريبًا ما يسمى بنصف الكرة الغربي، وقال: إن المناطق الاستراتيجية الثلاث التي تحرص الولايات المتحدة على ألا يكون فيها منافس، أو قوة يمكن أن تنافسها كانت أثناء الحرب الباردة غرب أوروبا ومن ثم الخليج العربي. وذلك بقصد المحافظة على منابع النفط، ليس لأن هذه المنابع هي السلعة الوحيدة اليومية التي تخرج بـ 900 مليون برميل فقط، بل حتى يباع بالدولار، فهذه مسألة في غاية الأهمية للحفاظ على الاقتصاد الأميركي والهيمنة الاقتصادية العالمية، والمنطقة الثالثة هي منطقة شمال شرق اسيا، وإن تبّدلت بعد الحرب العالمية الأولى والثالثة وبقيت الثانية كما هي.

لقد جاء ترامب ضد الكثير من استراتيجيات، أو فهم صانعي القرار الاستراتيجي، فبدا للبعض أن هناك دولة عميقة وما شابه، لكن هي شبكات مصالح كبيرة جدًا، منها شركات أسلحة وشركات طاقة وشركات اعلام، وبنوك، وشركات تكنولوجيا، وهؤلاء يحافظون على هذه الاستراتيجية، وعلى عدم وجود خلاف عليها، أو حصره في الهوامش. يبقى الاتفاق الكامل بالنسبة للاستراتيجيات العظمى على إبقاء الولايات المتحدة كدولة مهيمنة عظمى.

وما خص الكيان الصهيوني فهو يؤدي دورًا مهمًا جدًا في منطقتنا، فمبدأ "ايزنهاور" هو عدم السماح للاتحاد السوفياتي بالتواجد في منطقتنا، وكان يريد أداء هذا الدور دائمًا. وقد تطور النفوذ الصهيوني في اميركا عبر عشرات السنين، وهناك وجود صهيوني نافذ داخل الولايات المتحدة نظرًا لوجود جالية يهودية كبيرة جدًا. وتطور دور الصهاينة حتى وصلوا إلى دوائر صنع القرار مع بداية عصر ريغان، وأصبح لهم نفوذ أكبر فأكبر.

وتحدث د. العريان عن اثني عشر محددًا يُبقي على الكيان الصهيوني، وقال في هذا المجال: إحدى المحددات الكبرى هو وجود دولة عظمى تحميهم دبلوماسيًا وسياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وقد أصبح الترابط بين الكيان الصهيوني او النفوذ الصهيوني واميركا ترابطًا عضويًا، وأصبحت "إسرائيل" جزءًا مهمًا جدًا من استراتيجية اميركا في المنطقة، واستطاع الصهاينة اقناع جميع أصحاب القرار بأن لهم دور استراتيجي يمكن أن يستفاد منه، وهم يقومون بالكثير من المسائل كدولة وظيفية في تحقيق مصالح الولايات المتحدة، وعلى الجانب الآخر أصبح الوجود الصهيوني داخل اميركا قضية داخلية، وليس قضية خارجية فقط بعكس القضايا الأخرى كلها.

وإذا كان الهدف الاستراتيجي للصراع بين الكيان الصهيوني وبيننا هو تفكيك هذا الكيان، وحل هذه القضية جذريًا، فعلينا التعامل مع عوامل ومحددات بقائه واستمراره، وجزء كبير منها هو العلاقة العضوية بينه وبين الولايات المتحدة الأميركية التي تشكل إحدى أهم المحددات التي تبقي على الكيان الصهيوني ككيان قوي. هذا الكيان لديه هدف رئيس وهو الإبقاء على هذه المنطقة مجزأة ومقسمة وضعيفة حتى يهيمن عليها، ولا يستطيع أن يهيمن إلا بهذه الطريقة.  وقد عملت الحكومات الصهيونية المتعاقبة كلها على خطة تقسيم المقسم، بمعنى تقسيم هذه المنطقة أكثر مما هي عليه بعد سايكس بيكو، لأنها الطريقة الوحيدة التي تضمن بقاء واستمرار الكيان الصهيوني وهيمنته.

لكن إحدى المشاكل عند النخب العربية هي إما التهوين أو التهويل، بمعنى أننا نكبر كثيرًا من قوة الكيان، أو نهون كثيرًا من قوته، لذلك لا بد من الحكمة في معرفة أسباب قوة هذا الكيان والتعامل معها على هذا الأساس، وليس التهوين من شأنها، أو التهويل منها. كما يجب عدم الدخول في المهاترات والمفاوضات والحديث عن الدولة والدولتين، لأنه لا علاقة لها بمعاناة الشعب الفلسطيني، والمسألة أكبر بكثير من الشعب الفلسطيني الذي هو رأس الحربة في هذا الصراع، وبالتالي لا تكون المسألة في التعامل مع هذا الكيان على حجم المعاناة.

وتحدث د. الهريان عن مهمتين رئيسيتين إذا أردنا تفكيك هذا الكيان، وقال: المهمة الأولى هي الحفاظ على الشعب الفلسطيني وصموده في الأرض المحتلة، وهذه المسألة في غاية الأهمية، فالصهيونية تريد ترحيل هذا الشعب، ونفيه لتنتهي منه، او لتتحكم به بالكامل، ولا نستطيع ان نطلب من هذا الشعب أكثر من الصمود، لأن حل القضية الفلسطينية أكبر بكثير من قدرة الشعب الفلسطيني على حلها بمفرده.

أما المهمة الأخرى التي تتجاوز الشعب الفلسطيني، وحتى العرب والمسلمين، فهي الاشتباك مع الحركة الصهيونية في كل مكان في العالم على الأصعدة كافة، وفي الساحات والجغرافيات كلها، وفي كل شيء، وعلى المستويات كاف، وليس على مستوى واحد، وهذا يستدعي وجود استراتيجية شاملة وكاملة بما فيه مجابهتهم والاشتباك معهم داخل الولايات المتحدة وهذا ممكن وقائم.

وكما ذكرت بداية، هناك اثني عشر محددًا، وتفكيك الكيان الصهيوني يستدعي التعامل مع هذه المحددات التي هي أكبر من الشعب الفلسطيني من أن يتعامل معها بنفسه، ولا بد من توسيع من دائرة الاشتباك والصراع. لقد اشتغلنا كثيرًا جدًا جدًا بالداخل الفلسطيني بين "فتح" و"حماس" ما بين مصالحة وانقسام، وضيعنا الكثير من الوقت من الاشتباك المباشر، وهذا لا يجوز أن يبقى، فهذا جزء من تلك المحددات، وجزء من استراتيجية العدو للإبقاء على هذا الانقسام وهذا الضعف وهو يغذيها ونحن في الحقيقة نلعب بلعبته.

أبرز نقاط مداخلة د. ناصر اللحام

أما د. ناصر اللحام فقد ركّز على الإجابة عن سؤال من هو اليهودي، وقال: هذا السؤال صعب، ويصطدم بالتوراة، والتناخ، والفلسفة، وحقوق الانسان، والشعر. إن الهجرة الأولى التي جاءت الى فلسطين كانت هجرة عادية، وكان اليهود 25 ألفًا فقط، وبعدها الهجرة الثانية الفقراء والمنبوذين من أوروبا واستقبلتهم فلسطين لغاية العام 1903، والهجرة الثالثة ضمت العزابية والأيتام، وصولًا الى الضربة الكبيرة بالنسبة للفلسطينيين ديمغرافيًا، والهجرة الخامسة التي غيرت في الصراع؛ إذ حضر 130 ألفً، وبعد ذلك دخلنا في هذه الدوامة.

من هو اليهودي؟، السؤال طرحه بن غوريون، فحين أقيم الكيان الصهيوني عام 1948 وسئل بن غوريون من هو اليهودي؟، فأجاب من يتكلم اللغة العبرية، وانتهى عند هذا الامر. واليهودي تتم صناعته صناعة صهيونية داخل "إسرائيل" بطريقة مختلفة، والحركة الصهيونية تقول اليهودي كائن بيولوجي مختلف، جينات معدلة متفوقة وشعب الله المختار بحسب قناعتهم.

من هو اليهودي قصة تبدأ من عند كلمة النفس اليهودية، وقد عدت إلى التوراة وبحثت عن عبارة تفيد بأن اليهودي مختلف بيولوجيا؛ فاكتشفت أنه شعر، والشاعر الذي كتب هذا الامر لم يقصد ذلك، لكن الخطورة في الامر هي قناعة الحركة الصهيونية بأن اليهودي مختلف جينيًا عن باقي البشر، لذا هو شعب الله المختار، وبالتالي نحن نتحدث مع مرضى عقليين بالمفهوم البيولوجي، ولا أمل من مناقشتهم. واللغة العبري هي التي أسسها العلمانيون الملحدون، فهرتسل لم يكن يؤمن بالله.

من هنا أقول لا يمكن أبدًا أن يكون هناك أي تفاوض مع الصهاينة لأسباب اختلاط الشعر بالإلحاد والاستعمار والجنس، واخرجوا اسمه التناخ، كل يهودي الآن تراه لم يتربّ على التوراة باستثناء الحريديم، بل تربوا على التناخ. ونحن اليوم أمام جيل من الوزراء، والجنود يعتقد بأنه متفوق بيولوجيًا، وأن العربي لا يحق له بيولوجيًا أن يلتقط ثمار الزيتون الموجودة في رام الله، ويقول حاخام من صفد بأن الأرض ومن عليها عبيد لهذا اليهودي ،ويجب أن يخدموننا.

ولفت د. اللحام إلى أن الصهاينة ينتقمون من أوروبا ومن أجيالها بالمخدرات والدعارة، وقال: إن أصحاب دور الدعارة في أوروبا الآن يهود، وسينتقمون من العواصم العربية التي طبّعت، ولا نحتاج للانتظار عشرات السنوات، هي ربما أشهر وستجدون هذا الكلام. فالصهيوني مقتنع بأنه يجب أن يقتل ويفعل كل شيء، وأنن الغاية تبرر الوسيلة، يعني نحن أمام مجموعة من الترهات والسفاهات والتفاهات التي تم جمعها في كتاب يسمى تناخ، والغريب أن الولايات المتحدة والحركة الصهيونية تطالب بإعادة قراءة القرآن وتعديله وهم لم يقرأوا التناخ، هذا الكتاب العنصري الحقير، واللعين، والحاقد على البشرية ويبرر القتل. لقد فشلت منظمة التحرير الفلسطينية في فهم الحركة الصهيونية كمصنع، وعندما وقّعت معها اكتشفت بأنهم يغدرون، وينكثون العهود، وتعاملت الحركة الإسلامية بمنطق ديني، وأن الهجوم هو أفضل طريقة، فعلوا ذلك، ثم استراحوا وأصبحوا مثل منظمة التحرير. لذا نحن بحاجة إلى جيل جديد مطلوب أن يهدأ ويفكر، لأن سيطرة "إسرائيل" ليست هنا فقط، بل سيطرتها على دبي والخرطوم وافريقيا وأميركا اللاتينية، ونحن اليوم امام جيل صهيوني تمت تعبئته. ببساطة، فعلينا إعادة قراءة من هو الصهيوني، ومن هو اليهودي. 

أبرز نقاط مداخلة الأستاذ حسن حجازي

من جهته سلط الأستاذ حسن حجازي الضوء على المجموعات اليهودية العاملة في الولايات المتحدة والمؤثرة على صناع القرار، وقال: علينا أن ننظر الى العلاقة التي تربط كيان الاحتلال والولايات المتحدة، والقائمة على أسس ثلاثة: أساس أيديولوجي، وأساس استراتيجي، وأساس سياسي يتعلق بسياسة الولايات المتحدة الداخلية.

على مستوى الأساس الأيديولوجي، هناك نظرة إلى نشوء الكيان الصهيوني على أنه نسخة شبيهة بنشوء الولايات المتحدة التي بنيت على أساس المهاجرين القادمين من الخارج، وربطها ببعض النبوءات اتي يؤمن بها جزء من الاميركيين بأن هذا تنفيذ لوعد الرب الذي ترد في بعض المعتقدات المسيحية الانجيلية تحديدًا.

أما الجانب الاستراتيجي فهو مرتبط بالتحولات التي مرت بها سياسات الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الأولى، مرورًا بفترة الانعزال، وصولًا الى عودة الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وعملها على مجموعة من الاستراتيجيات انتهت بحسب القراءة الإسرائيلية بانهيار حلف بغداد ورؤية الولايات المتحدة لإسرائيل كعنصر استراتيجي مهم في المنطقة.

وما خص العامل السياسي الداخلي، ربما يجب أن نركز هنا على دور مجموعات الضغط؛ فهناك مؤسسات، وتدرك جماعات الضغط اليهودية العاملة في الولايات المتحدة كيف تتعامل مع هذه المؤسسات. ومنذ نهايات القرن التاسع عشر كان لمجموعات الضغط دور وتأثير على الولايات المتحدة في موقفها من الهجرة إلى فلسطين ونشوء الكيان الصهيوني. ونحن نعلم أن الولايات المتحدة كانت الدولة الأولى التي اعترفت بنشوء كيان الاحتلال، وهذه المسألة هي نتيجة التأثير الذي كانت تمارسه هذه الجماعات داخل الكونغرس الأميركي وعلى الإدارة الأميركية.

وقد أطلق الرئيس الأميركي الأسبق جيرالد فورد المعادلة التي لا تزال حاكمة حتى الآن، وقال فيها: "يجب أن نحافظ على تفوق اسرائيل النوعي"، هنا تبرز عملية التأثير بالبعدين الاستراتيجي والأيديولوجي.

وتناول الأستاذ حجازي دور مجموعات الضغط اليهودية التي تضم عددًا من المجموعات أبرزها "ايباك" (لجنة العلاقات الأميركية اليهودية) ذات الطابع اليميني، والمنسجمة مع سياسات اليمين الإسرائيلي الذي سيطر على السياسة الإسرائيلية منذ العام 1977.

وقال: تمتلك هذه المجموعات وسائلها الخاصة، ولا يمكن قراءة العلاقة الأميركية الإسرائيلية من دون فهم هذه العلاقة، وكيفية عمل هذه المجموعات، وتأثيرها على السياسة.  فهذه المجموعات مؤثرة داخل الإدارة الأميركية، ولديها وسائل تستطيع التأثير على أعضاء الكونغرس الذين يحصل جزء كبير منهم على تمويل لحملاتهم الانتخابية من جماعات الضغط، وهؤلاء يصلون إلى الكونغرس الأميركي ليؤيدوا بتشريعاتهم كيان الاحتلال، وهنا التبادل في الخدمات، وقد سنّت مجموعات "الايباك" الكثير من القوانين التي لا نزال نعاني منها حتى اليوم. فضلًا عن أن مجموعات الضغط تمارس تأثيرًا على استمرار الدعم الاميركي غير المحدود بالسلاح وغيرها، فمنذ الستينيات هناك التزام بتمويل كيان الاحتلال عسكريًا، وهم ملتزمون بمذكرة التفاهم المبرمة في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في العام 2016، وتقضي بتقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات.

كما لفت إلى أن هذا التأثير يفتقد الى أي قوة موازية، وقال : ليس هناك لوبيات عربية وليس هناك من يستطيع التأثير على السياسة الأميركية، ويدرك الأميركيون أنهم ملزمون بتقديم الخدمات للكيان الصهيوني لأنهم يستفيدون من هذه المسألة على المستوى السياسي الداخلي.

وقال الأستاذ حجاوي: إن بنيامين نتنياهو الذي أثر على العلاقة مع الحزبين الديمقراطي والجمهوري ذهب كليًا إلى تأييد الجمهوريين، وهو واجه بذلك اليهود الأميركيين، يعني هناك مشكلة في العلاقة حاليًا بين يهود الولايات المتحدة وكيان الاحتلال، فاليهود الأميركيون يدعمون بأغلبيتهم الحزب الديمقراطي، ونتنياهو اختار الحزب الجمهوري، ومن ثم لم يعد يعتمد على مجموعات الضغط اليهودية، بل تماهى مع دونالد ترامب، والوصول إلى الاعتماد على الكتلة الكبيرة للمسيحيين الإنجيليين الذين قدموا دعمًا كبيرًا لدونالد ترامب مقابل دعمه نتنياهو.

إن مسألة تفكيك هذه العلاقة مرتبطة بتعقيدات السياسة الداخلية الأميركية، وربما لا نستطيع التأثير كثيرا على هذه المسألة نتيجة غياب لوبيات في المقابل مع الأسف الشديد، وطرق لإقناع الولايات المتحدة بالتخلي عن العلاقة مع كيان الاحتلال؛ فالولايات المتحدة تنظر إلى هذه العلاقة كعلاقة عضوية ووظيفية يؤديها كيان الاحتلال.

ومع ذلك  علينا أن ندرك أن كيان الاحتلال يواجه مجموعة من المشاكل، كما أن العلاقة بين يهود الولايات المتحدة وحكومة اليمين في داخل كيان العدو تواجه مجموعة من المشاكل؛ فهناك بعض التفاصيل المتعلقة بخلافات تتعلق بطبيعة تهويد اليهود الأميركيين، فإذا أراد أحد الدخول في الديانة اليهودية لا يستطيع ذلك نتيجة سيطرة المؤسسة الارثوذكسية التقليدية على هذه القضية، وهناك مشكلة تتعلق بالخلاف مع اليهود الإصلاحيين وهم جزء من اليهود في الولايات المتحدة، عدا عن الخلاف مع التيار العلماني، أو الإصلاحي وهو تيار واسع.

وهناك أيضًا  شرخ على المستوى الاستراتيجي، وهذه المسألة تؤثر بشكل كبير على مستقبل كيان الاحتلال، وهناك مشكلة أخرى تتعلق بالسياسات الأميركية التي تتجه بحسب القراءة الإسرائيلية إلى نوع من العودة إلى العزلة الجزئية في العلاقات الخارجية، وهذه مسألة بدأت في عهد أوباما الذي وقع الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية في إيران، ومن ثم امتدت إلى عهد ترامب الذي تحدث عن انهاء الحروب في المنطقة. وهذه السياسة تخشاها تل ابيب بشكل كبير، وهذه القضية مؤثرة جدًا على الارتباط بين كيان الاحتلال الذي يجد نفسه معزولًا في حال عودة الإدارة الأميركية مجددًا إلى الاتفاق النووي مع ايران؛ لذا يحاول الكيان  تعزيز علاقاته واستراتيجياته من خلال التطبيع مع بعض العرب، وبناء جبهة مشتركة؛ في الوقت نفسه  نرى أن  العامل اليهودي لم يعد مساعدًا، لأن جامعات الضغط اليهودية لم تعد مؤثرة جدًا، و"ايباك" لا تؤثر على الحزب الديمقراطي.

وتوقع الأستاذ حجازي أن يكون لاتجاه الكيان الصهيوني إلى اليمين مقابل اتجاه السياسة الأميركية على الأقل في الإدارة الحالية نحو الديمقراطيين الكثير من التداعيات. وقال: يواجه الكيان الصهيوني مشكلة أساسية تتمثل في الانقسام الحاد، والتناقضات التي باتت أشدّ بروزًا، ولم تستطع التجارب السابقة كلها خلق وصهر الهوية الإسرائيلية في بوتقة واحدة.  لقد حاول بن غوريون منذ نشوء كيان الاحتلال صناعة هوية موحدة للإسرائيليين، وما يحصل حاليًا يؤكد فشل هذه التجربة، وبعد 72 عامًا على نشوء كيان الاحتلال هناك شرخ عميق جدًا تعكسه ما نشهده اليوم من احتجاجات ضد اليمين ونتنياهو، وهي تعبّر عن انقسام في تيار علماني يساري يعيش في بعض المناطق ويعزل نفسه مقابل تيار يميني ومقابل تيار آخر هو التيار الديني الذي يجد نفسه منعزلًا بشكل كلي عن بقية المكونات، ويحتفظ بنمط حياته الخاص، ويقول أنا لم أعد بحاجة لهذا الكيان، ولا لهذه السلطة. وقد عزز حالة الانقسام وجود شخص مثل بنيامين نتنياهو الذي يُتهم في غالبية الدوائر بأنه شخص يسعى إلى بناء نظام ديكتاتوري وفاشٍ على حد تعبير ايهود باراك، وهو يعزز حالة الاحتراب والصدام. فضلًا عن أن هذا الانقسام حاد وقابل للتعمق أكثر فأكثر، وقابل للوصول إلى حالة صدام، خصوصًا في الفترة الحالية التي يعيش فيها الصهاينة نوعًا من الشعور بتهديدات مباشرة إلى حد ما، وهذا يعزز التناقضات الداخلية المرشحة للتصاعد في المستقبل.

وما خص مواجهة هذا الكيان، قال حجازي: هناك عامل أساسي في مواجهة كيان الاحتلال، وهو ما يعمل عليه محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران، وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين المحتلة وسوريا والعراق واليمن، هناك قوى حية تعمل على احداث موازين استراتيجي جديد، وعلينا ان لا نراهن كثيرًا لا على رأي عام غربي قد يتقلب وقد يتأثر بتغير الحكومات، ونحن نشهد كيف تحارب حركة المقاطعة في الولايات المتحدة وتجرم، وأصبح أي انتقاد للحركة الصهيونية والممارسات الإسرائيلية موازيًا للاسامية، وهذه المسألة تؤثر كثيرًا، وتظهر مدى هشاشة التحرك على هذه المستويات، وليس هناك فضاء واسع يؤثر على سياسات الحكومات، فهذه السياسات لا تزال تتبنى كيان الاحتلال، لذا علينا العودة إلى انفسنا وقدراتنا وثقتنا بأنفسنا لمواجهة هذا الكيان.

  أبرز نقاط مداخلة د. رفعت سيد أحمد

بدوره أكّد د. رفعت سيد أحمد أن موضوع الداخل الصهيوني والعلاقة مع الدولة العميقة في أميركا في غاية الأهمية، وعلى الرغم من قدمه كمادة للبحث إلا أنه يتجدد كل حين خاصة مع التحولات في السياسة الأميركية، ومع محطات السياسات الأميركية الجديدة مثل الانتخابات التي فاز بها بايدن على ترامب. وقال: ظهرت هذه العلاقات بين الدولة الأميركية العميقة والكيان الصهيوني، وهي قديمة قدم العلاقات بين الدولة الأميركية العميقة والكيان الصهيوني منذ 1948، منذ اول اعتراف بالكيان الصهيوني من قبل دولة في العالم، وكانت الولايات المتحدة الأميركية. مبدئيًا يُشار إلى أن مفهوم الدولة العميقة هو الأجهزة الموازية للدولة السياسية المنتخبة، يعني الاستخبارات، وكبار الموظفين، وكبار الهيئات البيروقراطية، وجماعات الضغط المؤثرة من تجار سلاح الى لوبيات يهودية الى جماعات مصالح.

والدولة العميقة هي الدولة الحقيقية الحاكمة استخباراتيًا وعسكريًا في الولايات المتحدة، وهي التي يربط معها الكيان الصهيوني وشائج قوية مؤثرة دائمًا ما يستخدمها في مصالحه تجاه المنطقة العربية والإسلامية. وتقوم هذه العلاقات على مصالح تربط الدولة الصهيونية بجماعات مثل الجماعات اليهودية في داخل الولايات المتحدة ، مثل جهاز الـ"CIA" والمخابرات الأميركية، مثل التنسيق على مستوى مصالح عميقة مع كبار الموظفين داخل الإدارات الأميركية الذين لا يختفون مع كل انتخابات ويبقون كموظفين كبار، وتربط هؤلاء جميعًا بالكيان الصهيوني مصالح قوية، هم بصراحة استطاعوا بناء هذه المصالح من خلال اللوبي اليهودي بصفة أساسية، وتفوقوا فيها على كل الوسائل العربية والإسلامية في بناء لوبيات، او إمكانية التأثير على الداخل الأميركي مثلما تفعل "إسرائيل".

ولفت د. سيد أحمد إلى أن الركيزة الأساسية في هذه العلاقات هي جهاز الاستخبارات والموظفين الكبار واللوبي اليهودي، وقال: أعتقد أن ما جرى في الانتخابات الأميركية الأخيرة التي كان يتصور الجميع أن الكتلة اليهودية ستصب لصالح ترامب ليتضح لاحقًا أن مصالح "إسرائيل" هي التي حكمت في التوجه ناحية بايدن؛ لذا علينا أن نتوقع من بايدن انحيازًا كبيرًا لإسرائيل، وان كان بطريقة في قدر من الالتواء وعدم الصدامية كما جرى في عهد ترامب، لكنه سيحقق المصالح الإسرائيلية تحت ضغط هذه العلاقات الكبيرة لإسرائيل على ركائز الدولة العميقة، وفي مقدمتها أجهزة الاستخبارات واللوبي اليهودي.

وتساءل: كيف نستطيع نحن عربيًا واسلاميًا تعطيل ما سيترتب من هذه العلاقة القديمة والمتجددة لإسرائيل بالدولة الأميركية العميقة؟، وقال: لدينا وسائل عديدة بتقديري لكنها معطلة بحكم أن المنظومة التي تمتلك المال ـ وهي أحد العناصر المهمة في التأثير على الداخل الأميركي ـ هي منظومة الخليج، وهذه المنظومة مجرد أداة في يد اميركا منذ ظهور النفط في تلك البلاد، وليس لها قرار سياسي مستقل، ولا قدرة على تحويل الفوائض الاقتصادية، وسلاح النفط إلى سلاح حقيقي لتحقيق مصالح شعوبها ومصالح المنطقة ومصالح الأمة العربية والإسلامية.

وإلى جانب سلاح المال، والفوائض البترولية نتيجة النفط، لدينا أيضًا سلاح آخر نستطيع من خلاله أن نُحيّد، أو نقلل به من آثار الدولة العميقة السلبية التي يسيطر عليها اللوبي اليهودي، وهو سلاح تغيير الأمر الواقع في بلادنا العربية والإسلامية، يعني كلما استطاعت الأمة أن تستقل بقرارها، وتعلي من إمكانيات الصمود والمقاومة والمواجهة مع حاملة الطائرات الأميركية في المنطقة "إسرائيل" كلما أمكن تعطيل فاعلية اميركا، سواء كانت دولة عميقة أو دولة ظاهرة. فاذا أمكنا أن نعلي من إمكانيات القدرات الذاتية والمقاومة والصمود، وبشكل أساسي في بلاد المواجهة الرئيسة في فلسطين وحولها في لبنان وسوريا، والعراق وحتى في مصر كلما أُجهض التأثير اليهودي الصهيوني على الداخل الأميركي، أو على الحكومات الأميركية الخفية.

 وتوقع د. سيد أحمد حدوث مواجهات كبيرة في المنطقة ستكون اميركا حاضرة فيها وبالطبع إسرائيل، وقال: هناك أحاديث كثيرة عن مواجهات قد تحدث مع ايران نتيجة عمليات الاغتيال التي استمرت هذا العام، سواء الشهيد سليماني او الشهيد فخري زاده، ونتوقع مواجهات، واعتقد أن الدولة اليهودية العميقة داخل الولايات المتحدة الأميركية ستدفع بهذا الاتجاه ربما في الأيام الأخيرة من عهد ترامب وربما في عهد بايدن وان كان في أساليب وأدوات مختلفة، لذلك علينا ان نستعد لهذه اللحظة بما نمتلك من أدوات تأثير وقوة، سواء على شكل استخدام الاقتصاد العربي والإسلامي في الداخل الأميركي، أو على مستوى المقاومة وتصعيد الصمود في بلادنا في هذه المواجهة، أيضًا لدينا الثقافة والفكر على المستوى الدولي نستطيع أن نؤثر من خلاله بما نمتلكه من قدرات وجاليات عربية وإسلامية ذات ثقافة ووعي وفهم لطبيعة الصراع الممتد بين الكيان الصهيوني وبلادنا وطبيعة الجانب العدواني الدائم في هذه الغزوة الصهيونية على بلادنا منذ 1948.