• اخر تحديث : 2021-05-07 17:29
news-details
ندوات وحلقات نقاش

أطلق الرئيس الأميركي جون بايدن قبل وبعد وصوله إلى البيت الأبيض مواقف أوحت بإعادة هيكلة سياسة الولايات المتحدة الخارجية، وإنهاء ملفات عدة، بينها الحرب على اليمن التي كان قد أيّدها بايدن عندما كان نائباً لـلرئيس الأسبق باراك أوباما.

وقد لخص وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في حديث مع شبكة "سي إن إن" الأميركية توجّه إدارة بايدن حيال العدوان على اليمن في ثلاثة أمور، "أولها: إننا ننهي دعمنا للحملة العسكرية بقيادة المملكة السعودية في اليمن، وثانيًا: نحن ملتزمون بشدة بالدفاع عن المملكة السعودية ضد العدوان الموجه ضدها من الحوثيين، أما النقطة الثالثة فهي لا تقل أهمية، فحيث ننهي دعم المجهود العسكري فإننا نميل إلى لعب دور قيادي ودور نشط دبلوماسيًا لمحاولة إنهاء الحرب بالفعل".

بالإضافة إلى تعيين مساعد وزير الخارجية تيموثي ليندركينغ مبعوثًا خاصًا إلى اليمن، وإلغاء تصنيف حركة أنصار الله كجماعة إرهابية.

هذه المواقف طرحت تساؤلات عديدة عن احتمال اقتراب نهاية الحرب العدوانية على اليمن، وهو ما ناقشته حلقة نقاش نظمتها الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين عبر الفضاء الافتراضي بعنوان: "اليمن يدحر العدوان السعودي ـ الأميركي"، وناقشت الآتي:

ـ هل تعكس مواقف بايدن تراجعًا عن نهج سلفه دونالد ترامب، وبالتالي تشكل تحوّلًا في السياسة والرؤية الأميركية للحل؟، أم أنها تندرج في سياق أولويات بايد اقفال ملفات المنطقة للتفرغ لمواجهة الصين وروسيا والجمهورية الإسلامية الإيرانية؟..

ـ ماذا تعني توجهات بايدن بالنسبة إلى السعودية؟.

ـ هل إن المبادرة السعودية للتسوية في اليمن اعتراف بخسارة الحرب، وتمهيد للقبول بالطرح الأميركي، ومؤشر على نية جدية للخروج من مستنقع اليمن؟، أم انها استيعاب للضغوط الأميركية، والأوروبية (وتحديدًا بريطانيا وفرنسا وألمانيا)؟.

ـ بعد المبادرة السعودية والتحرك الاميركي الذي يبدو جادًا، ما هي السيناريوهات الميدانية والسياسية في اليمن؟.

ـ بعد مأرب ماذا سيكون مصير باقي اليمن؟

ـ ما هي التعقيدات الإقليمية والدولية المحيطة بالعدوان على اليمن، لاسيما دور الكيان الصهيوني.

أولاً: معطيات أولية حول اللقاء:

المشاركون الأساتذة السادة:

1

رئيس الرابطة د. محسن صالح

2

عضو الهيئة الإدارية للرابطة د. فؤاد ابراهيم

3

عضو الهيئة الإدارية للرابطة الأستاذ حمدي الرازحي

4

الكاتب والمحلل السياسي اليمني الأستاذ طالب الحسني

5

الكاتب والمحلل السياسي اليمني الأستاذ حميد رزق

6

أمينة سر الرابطة د. وفاء حطيط

 
ثانيًا: وقائع الجلسة:

بدايةً رحّب رئيس الرابطة د. محسن صالح بالسادة المشاركين، ثم مهّد لموضوع حلقة النقاش بوصف اليمن بأنه درة تاج محور المقاومة، وقال: عليه تقع الآمال الكبرى، وأعتقد أن اليمن هو مفتاح فلسطين، صحيح أننا في لبنان قريبين جدًا من الحدود مع فلسطين، ولكن حسم معركة اليمن يحسم ونهائيًا النفس العدوانية المتحالفة مع الصهيونية، يعني السعودية وبعض الدول العربية المتحالفة مع الصهيونية تتزعزع، وهذا ما يجعلنا نقترب من فلسطين والقدس أكثر.

أبرز نقاط مداخلة د. فؤاد إبراهيم

بدأ د. فؤاد إبراهيم مداخلته بالإشارة إلى أن ما ظهر من مواقف على الأرض لا يبشّر بتحوّل جوهري في السياسة الأميركية فيما يتصّل بملفات المنطقة عمومًا على الرغم من إطلاق إدارة بايدن حزمة وعود انتخابية في عدد من الملفات الداخلية والخارجية. وقال: وبسبب غياب آلية فاعلة لاختبار صدقية الدعاوى الاميركية سواء على مستوى وقف بيع الأسلحة الهجومية للسعودية، أو رفع حركة أنصار الله من قائمة الإرهاب الشكلي، أو معالجة الأزمة الإنسانية، فإن شهادة المتضررين ـ أي الشعب اليمني ـ تشكل المعطى العملاني الوحيد.

وما توافر من معلومات حول مقاربة ادارة بايدن للملف اليمني يؤكد أن هذه الادارة لا تزال تمسك بقرار الحرب والسلم، وأنها هي من يفاوض نيابة عن التحالف العربي بقيادة السعودية. في المعلومات، الحصار الاقتصادي المفروض على اليمن تعاظم مع وصول بايدن، وكذلك القصف الجوي والعمليات العسكرية.. صحيح أن السعودية في مأزق، وصحيح أيضًا تريد اخراجًا وخروجًا لائقًا بها من الوحل اليمني، ولكنّها ليس الطرف الذي يقرر نهاية الحرب كما لم تقرر بدايتها.

وما خص الموقف الأميركي قال د. إبراهيم: يبدو أن إدارة بايدن تميل الى الجمع بين نهج أوباما ونهج ترامب لجهة مواجهة ما تعتقده خطرًا صينيًا على تفوقها الكوني، وفي الوقت نفسه تثمير الفرص الاقتصادية والاستراتيجية في منطقة الخليج، وإعادة تفعيل الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والسعودية التي أعلن عنها أول مرة في الرابع من أيلول \ سبتمبر 2015 في زيارة الملك سلمان مع ابنه محمد ولي ولي العهد (ولي العهد حاليا) ولقاء القمة مع الرئيس باراك أوباما. هذه الشراكة التي قطف ثمارها الأولى الرئيس ترامب في الرياض بتوقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بقيمة 420 مليار دولار.

مع تكشّف البراغماتية الاميركية، بدت وعود بايدن كأوراق خريف تساقطت الواحدة تلو الأخرى، وعاد الى التمسّك بتقاليد السياسة الاميركية في الشرق الأوسط وتشمل الدفاع عن الأنظمة الشمولية، وعلى رأسها المملكة السعودية.

وبعد أن كانت ملفات مثل حقوق الانسان، وقتل خاشقجي، والعدوان على اليمن أمام إدارة ترمب، ومن دون معالجة، باتت اليوم خلف ادارة بايدن، وجرى تسويتها بطريقة إنقاذية للمجرم، وتبقي الضحايا والمتضررين مكشوفين أمنيّا وسياسيًا وعسكريًا. باستعارة اللغة الدينية، إنه الفارق بين الكافر والمنافق.

ولفت د. إبراهيم أن التحديات الاستراتيجية، لاسيما الصعود الاقتصادي الصيني، وتنامي دور روسيا السياسي، وقدرة الجمهورية الاسلامية في إيران الاستثنائية على ابتكار خيارات خلاّقة لاحتواء العقوبات وتطوير القدرات الذاتية، كلها أمور تفرض نفسها بسطوة على صنّاع السياسات في الولايات المتحدة، بلحاظ الانذارات المبكرة التي أطلقتها تقارير مجلس الاستخبارات القومي((National Intelligence Council، لاسيما تقريره الأخير حول الاتجاهات العالمية 2030 بعنوان العوالم البديلة الذي يؤكد ما ذكره في تقريري استشرافيين 2020 و2025 لناحية انتقال ثقل العالم من الغرب الى الشرق وصعود قوى جديدة مثل الصين وروسيا والهند وتركيا وإيران وغيرها..

وقال: إزاء هذا التحوّل الاستراتيجي الكوني لا تنوي الولايات المتحدة التخلي عن الأنظمة الوظيفية التي رعتها لعقود، وتحمّلت نيابة عنها مهمات كبرى سواء إبان الحرب الباردة أو بعدها. وعليه، فإن واشنطن ليست في وارد رفع الغطاء عن أي من مشيخات الخليج، كونها جزء من رأسمال الولايات المتحدة الاستراتيجي في مواجهة الصين وروسيا وإيران..

إن رفض ادارة بايدن وكما جاء على لسان وزير الخارجية بلينكن توصيف محمد بن سلمان بالقاتل وأنه سوف يتولى العرش قريبًا هو دليل على أن لا خلاف حقيقي بين ادارة بايدن ومحمد بن سلمان، وأن التنسيق بينهما قد عاد كما السابق، وأن الكلام عن معاقبة القاتل والمتورط في قتل خاشقجي ليس أكثر من وعد انتخابي بصلاحية محدودة، وسوف تشهد الشهور القادمة تطوّرات لافتة على مستوى العلاقات بين البلدين.

على مستوى المبادرة السعودية للتسوية في اليمن، قال د. إبراهيم: على الرغم من البعد الاستعلائي فيها، وحالة الانكار العميقة لدى صنّاع القرار في المملكة السعودية كما يظهر من بنود المبادرة، فإن السعودية ومجرد تقديمها "مبادرة" تسوية هي تذعن بطريقة مباشرة الى حقيقة كونها فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية، وأن عليها الدخول في مسار تفاوضي. وهذه المبادرة في تقديري ليست صناعة سعودية، بل اميركية ظهّرت سعوديًا بصفتها المعنية التنفيذية بالحرب. مع لفت الانتباه الى أن السعودية هي الأخرى عزلت نفسها عن الحرب وحسبتها حربًا يمنية يمنية، ولا كأنها هي من أعلنت الحرب من واشنطن، وشكّلت تحالفًا عربياً لها، ولا عيّنت متحدّثا رسميا للتحالف، ولا ... ولا ... وهذا دليل الهزيمة.. والسعودية في مأزق حقيقي وتريد الخروج منه بأقل الأثمان، ولكن هناك مستفيدون كثر قد استثمروا في هذه الحرب، وجعلوها سوقًا لسلاحهم وابتكاراتهم العسكرية والاستخبارية، وليست من مصلحة تجّار السلاح نهاية الحرب قبل جني أكبر قدر من المال..

وختم د. إبراهيم مداخلته بالإشارة إلى أنه للمفاوض اليمني تقديره الخاص بخصوص نية واشنطن والأطراف الدولية المعنية بالحرب، وأن الشروط التي تمليها على الجانب اليمني كفيلة بالكشف عن جديّة الدعوة الى وقف الحرب. وقال: حتى اللحظة ليست هناك بوادر مقنعة للجانب اليمني بأن الولايات المتحدة وحليفاتها الاوروبيات عازمة على وقف شامل للحرب تبدأ بوقف العمليات العسكرية ورفع الحصار، وإن الموفد الأميركي لليمن لم يقدّم طرحا جدّيا، وكل ما هناك هي إملاءات بوقف استهداف المنشآت الحيوية في المملكة السعودية، والنفطية خاصة مقابل رفع جزئي للحصار عن مطار صنعاء. وهذا في حد ذاته مؤشر على رغبة شبه مفقودة لإنهاء الحرب.

أبرز نقاط مداخلة الأستاذ حميد رزق

بدوره، أكد الأستاذ حميد رزق أن حروب النظام السعودي والوهابية على اليمن ليست وليدة السنوات الست السابقة فقط، ولكنها قديمة منذ نشوء الوباء الوهابي في نجد منذ ان تم زراعة الوهابية في الجزيرة العربية، وكانت تجد نفسها على النقيض من اليمن واليمنيين، بل كانت ترى في اليمن هو التحدي الأساسي لهذه الغثة المزروعة من قبل البريطانيين لأداء أدوار خطيرة تخدم الاستعمار.

وقال: منذ نشوء الوباء الوهابي في القرن الثامن عشر وحتى اليوم، والسعودية وتعبيراتها السياسية وال سعود هم في صراع وعمل دؤوب لإضعاف اليمن والاستيلاء عليه، ولتحويل اليمن لمجرد ساحة وحديقة خلفية والحروب التي شنها ال سعود والوهابيون على اليمن ليست حروب عسكرية بحتة فقط، وكانت البندقية تستخدم عندما تعجز أساليب أخرى كالتبشير التكفيري الوهابي الذي استمر لعقود طويلة جدا، عندما كان يسقط امام وعي اليمنيين وعندما كان يفشل هذا الأسلوب، كانت في بعض الأحيان تتحرك الآلات العسكرية مستندة الى أطماع ودعم قوى غربية واستعمارية لآل سعود والوهابية في نجد والحجاز، إذن اليمن في تاريخه نقيض للوهابية ولآل سعود، واليمن أصيل يعبر عن أمة وعن شعب.

بعد هذه اللمحة الموجزة عن طبيعة النظرة السعودية إلى اليمن، أشار الأستاذ رزق إلى الوضع القائم اليوم فقال: الأعوام القليلة منذ العام  2002 حتى العام 2014 كانت حافلة بالمتغيرات الهائلة التي أعادت تفجير بركان الكرامة داخل الشعب اليمني، وأُطيح بالوصاية السعودية في أيلول العام 2014 في ثورة عارمة قادها السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، هذه الثورة أسقطت وصاية الأميركيين وال سعود على شعب الايمان والحكمة، كما أفقدت الأعداء صوابهم،  وأخرجت ال سعود عن القدرة على استيعاب ما يحدث في اليمن، وحاولوا تحريك الأدوات المحلية من أحزاب سياسية، ونظام سياسي عميل وتابع، والجماعات التكفيرية من قاعدة وداعش، ولكنهم فشلوا أيضًا أمام هذه الثورة ورجالاتها التي استطاعت أن تحرر اليمن من أقصاه الى أقصاه.

ورأى الأستاذ رزق أن ثورة اليمن كانت مفاجئة للسعودية وأميركا كما كانت الثورة الإسلامية في إيران، وقال: كانت حساباتهم أن اليمن تحت القبضة الحديدية، ولم يكن لديهم أدنى مؤشرات على قدرة السيد بدر الدين الحوثي والسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي على استنهاض اليمنيين وقيادتهم والنجاح في هذه الثورة؛ ففي العام 2014 انتصرت الثورة، ووجدوا أنفسهم أمام واحدة من الحقائق المرّة، ويمن مختلف تمامًا، فما كان منهم إلا أن شنوا هذه الحرب الواسعة، ولكن اليمن صار مختلفًا؛ صحيح أن امكاناتنا كانت ضعيفة ووضعنا كان ممزقًا في تلك المرحلة، لكن اليمن كان يتمتع بقيادة من طراز مختلف السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، والطليعة  التي كانت تقود الثورة هي طليعة انصار الله كانت أيضًا نموذجًا مختلفًا ضرب مثالًا أسطورًيا في الثبات والتحدي، وكانوا طليعة الشعب اليمني الذي استنهض المجتمع وفجر في داخله بركان الكرامة والعزة والشوق إلى الاستقلال منذ عقود طويلة، فكان هذا الصمود وهذا الثبات الذي فضح الأعداء فضيحة إضافية، وهزمهم هزيمة إضافية.

وبالنسبة إلى معركة مأرب ودورها في حسم الأمر، قال الأستاذ رزق اليوم على عتبة العام السادس من الحرب، اليمن ينتصر وال سعود ومن معهم في وضع لا يحسدون عليه، وصاروا رمزًا للفشل العسكري والإجرام والتوحش، وفي القادم من الأيام لا تزال هناك المزيد من المفاجآت. خاصة أن محافظة مأرب تعتبر النطاق الجغرافي الأخير للنظام السعودي وأدواته في المحافظات الشمالية في اليمن، وبخسارة هذا النطاق الجغرافي تكون السعودية قد خسرت الحرب عمليًا بشكل كامل، لأنه تاريخيًا من حسم المعركة في شمال اليمن حسمها في اليمن كله، والمسألة مسألة وقت فقط. وتاريخيًا كان اعتماد السعودية في اليمن على قوى شمالية وليس على قوى أخرى، والقوى التقليدية في الشمال القبلية والعسكرية حتى الدينية كانت أداة السعودية دائما للهيمنة على اليمن عمومًا، وعندما تخسر السعودية أخر أوراقها في الشمال فهي تدرك أنها خسرت اليمن والى الأبد.

 ثانيًا تعدّ مأرب عاصمة اليمن التاريخية، والمحافظة الأكثر أهمية في ما يص وجود الثروات النفطية والثروات الغازية، وهي على تماس من السعودية، والقوى التقليدية ممثلة بالإخوان المسلمين عندما يسقطون في هذه المحافظة يكونون عبارة عن كارت غير ذي قيمة ولا وزن سياسي ولا تفاوضي؛ وهذا يشكل خسارة إضافية للتحالف في ما يخص الاستحقاق السياسي وطاولة المفاوضات. فضلًا عن أن وضع التحالف في بقية مناطق اليمن خارج مأرب ليس بالقوة والمتانة التي وفرها العملاء في هذه المحافظة؛ فالعدو يتمترس عمليًا بقوة كبيرة جدًا، ويخوض المعركة في هذه المنطقة على أنها معركة مصير، سواء السعودية أو الأدوات في الداخل اليمني الذين يدركون يعني اندحارهم وسقوطهم من هذا الحيز، ومن هذه الجغرافية.

ولفت الأستاذ رزق إلى أن المعركة ليست بالسهلة قائلًا: قطع المجاهدون شوطًا كبيرًا جدًا، فاليوم نتحدث عن 14 مديرية تشكلها مأرب، 12 منها أصبحت محررة، وبقي مركز المدينة والمناطق التي فيها النفط والغاز، والمعركة ليست عسكرية بحتة، بل يتداخل فيها البعد الاجتماعي والبعد القبلي، وهناك منشآت ونازحون ومدنيون، ما يجعل العمل على استعادة المحافظة يحتاج الى حكمة وبصيرة وتقدم ثابت بما لا يعطي العدو فرصة الهيستريا والجنون ليصب جام حقده وغضبه على المدنيين والمنشآت الحيوية التي هي ملك الشعب اليمني في هذه المحافظة.

أبرز نقاط مداخلة الأستاذ حمدي الرازحي

أما الأستاذ حمدي الرازحي فقد قدّم في بداية مداخلته لمحة عامة عن مجمل الوضع في اليمن، ومما جاء في مداخلته:

من المعلوم تاريخيًا أن شخصية الرئيس المنتهية صلاحيته عبد ربه منصور هادي لم تكن تمتلك الشرعية الحقيقية، ولم تكن تمتلك الحضور الفاعل في الوسط اليمني، حيث انه كان شخصية منبوذة منذ أيام حرب 1994 في الجنوب، باعتباره أحد الانقلابين الذين انقلبوا على مفهوم الوحدة لصالح المناطق الشمالية تحت راية الاخوان، والجانب الاخر يعتبر هادي شخصية انهزامية لا تمتلك سلطة القرار ولهذا استطاع الرئيس السابق علي عبدالله صالح ان يجعله نائبا له لأنه الوحيد الذي يستطيع التحكم به ومسار تفكيره ليكون أداة تنفيذية لتحقيق الأهداف التي كان النظام السابق يستند عليها بشكل كبير.

كما يقال تاريخيًا من يمتلك صنعاء يمتلك اليمن، ولهذا كانت تتنافس القوى السياسية على امتداد تاريخ اليمن على امتلاك صنعاء وتحويلها الى عاصمة سياسية لأنها هي التي تتحكم في مسار المحافظات والمناطق الأخرى.

استطاعت سلطة صنعاء أن تحقق حضورها الفاعل اجتماعيًا من خلال تعزيز علاقة المجتمع اليمني بالقيادات السياسية وبشكل مغاير لما كان سائدًا ومألوفًا في ظل الأنظمة السابقة التي حرصت وبشكل كبير جدًا على زرع الفتن والحروب الداخلية في أوساط المناطق اليمنية، وكذلك تغذية التارات القبلية التي كانت تنشئ بين قبائل اليمن لأتفه الأسباب؛ إذ كان علي عبدالله صالح وكذلك علي محسن الأحمر هم من يتولون تغذية هذه الصراعات حتى يتفرغوا لنهب ثروات اليمن من جهة، وكي لا تستقر الأوضاع، لأن طبيعة الشعب اليمني خصوصًا في مناطق الشمال هي طبيعة ثورية لا تستقر على حال، إنما تتمرد على كل الأوضاع التي لا تتناسب مع معطياتها وآمالها، وهذا قد يكون له تأثير أيديولوجي من خلال انتماء اغلب المناطق الشمالية الى المذهب الزيدي القائم على مبدأ الخروج على الظالم، ورفع راية الجهاد في سبيل الله تحت المسميات السياسية.

 وعن وضع السعودية وتقديراتها، قال الأستاذ الرازحي: كانت السعودية تراهن على رفع قميص عثمان تحت مسمى الشرعية واعادتها، ولكنها أخطأت التقديرات، ولو انفقت السعودية ربع ما أنفقته على هذه الحرب في إقامة بنية تحتية لتوجه اليمنيون جميعّا للهتاف باسمها، فطبيعة اليمني أنه لا يتنكر للجميل ممن كان ومهما كان، ولكن السعودية هي من تنكرت لهذا الجميل. وإشكالية الجنوب والشمال ليست إشكالية ناشئة منذ اليوم، لكن الطبيعة التي نشأ عليها المجتمع اليمني في الجنوب هي طابع سكوني خاضع؛ وبالتالي لا تجد السعودية حضورها في المناطق الجنوبية، والمناطق الشمالية ذات طابع ثوري جهادي متمرد على كل القيم التي تتعارض مع مصالحها وقيمها وعاداتها وتقاليدها؛ وبالتالي فالمجتمع هناك ثائر باستمرار او بالفطرة.

لذا يصبح رهان السعودية على هادي وحضوره الاجتماعي والسياسي رهانًا خاسرًا في ظل تنامي الوعي، وكذلك توافد العديد من القبائل الجنوبية ودخولها تحت لواء وراية الحكومة في صنعاء، وكذلك الشخصيات القيادية سياسية كانت أو ثقافية أو اجتماعية وغيرها.

وفي معرض الإجابة عن سؤال حول مدى مقبولية الفكر الجديد لأنصار الله واللجان الشعبية حول مقاومة الوهابية ومقاومة اميركا ومقاومة هذا الاستعمار الذي كان يرى في اليمن حديقة خلفية لمهماته في تلك المنطقة، وهذا اتجاه السعودية والامارات الذين ذهبوا للتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب، وهذه تعطي حجة اقوى لقوات صنعاء لكي تستطيع أن تبرهن فشل العدوان أو عداوة هذا العدوان الاستراتيجية والفكرية والثقافية، ما مدى مقبولية الشعب اليمني لهذا الفكر ولهذه الثقافة السياسية الجديدة على اليمن، قال الأستاذ الرازحي: هناك العديد من المقاربات التي حاولت تسليط الأضواء على هذا الجانب، والمقبولية تتمثل في العديد من المنطلقات المنهجية التي قام عليها مشروع الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، والمشروع القرآني الخاص برؤية أنصار الله، وهي رؤية شمولية تتوجه لمحاولة جمع مختلف الفصائل، ومختلف الثقافات والرؤى والاطروحات الخاصة بكل المكونات الفكرية والثقافية حول القواسم المشتركة، والاشكالية التي يواجهها البعض أنه ينطلق من منطلقات العداء باعتبار هنالك ما كان ما يسمى بالعداء بين السنة والشيعة الذي كانت تغذيه المدرسة الوهابية التي زرعتها السعودية بشكل كبير جدًا في مركز دماج في صعدة، وهو مركز كان يضم العديد من الشخصيات التي جاءت من مختلف بقاع العالم تحت مسمى الدراسة في المعهد، ولكن كانت مؤسسة استخباراتية بامتياز.

السيد حسين بدر الدين الحوثي عندما قدم المشروع القرآني لم يصطدم بمسلمات المذاهب، بل تناولها في نقد بناء بما فيها المسلمات التي كانت لدى المدرسة الزيدية التي ينتمي اليها، ولهذا اصطدم في البداية مع العديد من علماء الزيدية باعتبار أنه خرج عن أطر عمل المذهب الزيدي في طابعه السكوني.

الفكرة التي قدمها أنصار الله مرتبطة بالمنهجية القرآنية، وهذه المنهجية باعتبارها القاسم المشترك الذي يلتف حولها جميع المسلمون في كل أنحاء العالم، وليس على مستوى اليمن فقط، وهذا هو الإطار العام.

في ما يتعلق بسيناريوهات المرحلة قال الأستاذ الرازحي: هناك العديد من المتغيرات التي فرضتها طبيعة المعركة، وتحديدًا التطورات الاخيرة التي حصلت في اليمن وعالميًا التي تفرض نفسها على الولايات المتحدة الاميركية باعتبارها المعنية في المقام الاول بالحرب على اليمن باعتبار أن الحرب أُعلنت من واشنطن، والسعودية مجرد وسيط تنفيذي في العدوان الاميركي السعودي على اليمن. كما أنه هناك العديد من المتغيرات التي فرضت نفسها على واقع الحال في السياسة العالمية منها تصريحات رئيس المجلس التنفيذي لشركة ارامكو بأولوية الصين في ما يتعلق بأمن الطاقة ومحاولة لتوجيه صفعة كبيرة للولايات المتحدة.

فضلًا عن أن ملف اليمن معقد وشائك ومتداخل في ابعاده الايديولوجية العقائدية، باعتبار سعي تركيا والاخوان المسلمين والسعودية إلى الهيمنة على اليمن عقائديًا، ومن الناحية السياسية اعتبار اليمن الحديقة الخلفية للسعودية، وصمام الامان للهيمنة على الممرات المائية والاستراتيجية، ومن الناحية الاقتصادية باعتبار المخزون الكبير من النفط الذي تملكه اليمن.

وما خص السيناريوهات المحتملة قال الأستاذ الرازحي: إن أبرز السيناريوهات التي نتوقع حصولها هو تنازل السياسة الاميركية (وهذا ما يحصل حاليا) عن الغطرسة واللغة الاستعلائية والاستكبارية في التعاطي مع الملف اليمني. وقد تتخلى اميركا عن السعودية وتقدمها ككبش فداء مع التحفظ على بعض الاشياء التي تحفظ لأميركا بعد الامتيازات الاقتصادية التي تتعلق بحجم الطاقة.

أما ما خص الوجود الصهيوني وحرصه على التغلغل في القرن الافريقي والمناطق الافريقية للهيمنة على البحر الاحمر ومضيق باب المندب، فإنه سوف صاب بهزيمة ساحقة.

وختم الأستاذ الرازحي مداخلته بالإشارة إلى طروحات تقسيم اليمن قائلًا: في ما يتعلق بالمناطق الجنوبية، لا يتحقق حضورها الفاعل الا بكيان منفصل، والوحدة اليمنية كانت مهربًا للتخلص من نزاعات بينية داخل الاراضي الجنوبية، وبالتالي لا خوف على الوحدة اليمنية، ولا خوف من اثارة مفهوم الانفصال أو غيره، لأن الشعب اليمني بطبيعته يتوجه لوحدة الانتماء. والشعب اليمني ينظر الى المعركة بمعيارين: الأول المعيار المادي المتمثل بفارق القوة المادية وفارق القوة اللوجستية، والمعيار الثاني هو البعد الغيبي الايماني، وبالتالي نحن نراهن بشكل كبير جدًا على الله سبحانه وتعالى.

أبرز نقاط مداخلة الأستاذ طالب الحسني

أما الأستاذ طالب الحسني فقد بدأ مداخلته بتسليط الضوء على مقاربة الإدارة الأميركية والسعودية للعدوان على اليمن، فقال: أميركا حاليًا بإدارة بايدن لديها مقاربات مختلفة كليًا عن المقاربات السابقة، والحقيقة أن هذه المقاربات لم تبدأ بالتغيّر الآن، انما كان لها علاقة بإدارة اوباما. فأميركا في العام 2015 اعتقدت كالسعودية أن الحرب في اليمن ستكون سريعة وهذا كان واضحًا بشكل كبير؛ ولذلك سمحت إدارة أوباما أن يكون اعلان هذه الحرب من واشنطن، وهذا واحد من المؤشرات التي تقول إن اميركا جزء رئيس من هذه الحرب ومشارك رئيس فيها. ولو كانت إدارة أوباما تعلم أن النتائج ستكون بهذه الصورة لما سمحت بإعلان هذه الحرب من واشنطن. لكن هذه الصورة تغيرت بعد أشهر من العدوان، ولهذا رأت ادارة اوباما أنه لا بد من مقاربة مختلفة وضعتها في ما سميّ مبادرة جون كيري، لكن الوقت لم يكن متاحًا، وكانت الحرب في تلك الفترة شديدة.

 والسعودية كانت لا تزال تضع الآمال على معطيات ميدانية، وعلى تحقيق مكاسب من خلال الوقت، ومن خلال الرهان على ضعف اليمن العسكري بسبب الحصار والضربات العسكرية والكثير من المعطيات، وكانت لا تزال أيضًا تبني جيشًا في قاعدة في ارتيريا ومعسكرات في جيبوتي، ومعسكرات في الربع الخالي ومعسكرات كانت موجودة في حضرموت في اطار التحضير لمعارك أكبر بعدما وجدت أن هناك ورطة؛ وبالتالي هي بحاجة الى توسيع القوات البرية، لأن الحرب بنيت على أساسين: الاول وجود غطاء جوي بكثافة نارية كبيرة تستهدف اليمن وقدراته العسكرية، والاساس الثاني القيام بزحف بري ينطلق من تعز ومأرب والجوف والحجة، وينطلق في اتجاه صعدة من المناطق المحيطة بعسير.

 ولكن هذه الخارطة فشلت فشلًا ذريعًا، ولهذا كان هناك استدارة مبكرة من عهد أوباما، وهو ما وضعه في مبادرة كيري التي تنطلق من الغاء الاتفاق الدولي القرار 2216 الذي جاء بعد الحرب بفترة وجيزة، وهذا القرار ينطلق من وضع الية لعملية التسليم من دون حرب، وأول بند في هذا القرار هو تسليم السلاح والمدن والانسحاب؛ وهذا يعني استسلام القوى الوطنية في العاصمة صنعاء عسكريًا وسياسيًا، والسماح لعودة عبد ربه منصور هادي، وهذه المرة ليس بصورة مركبة عن الاخوان، انما بصورة واضحة فيها تحالف تقوم به السعودية؛ وبالتالي سيكون وضع اليمن أسوأ بكثير مما كان عليه قبل الثورة.

 وما يضعه اليوم بايدن هي هذه المقاربة التي تقوم على الواقعية التي تعني أن الحرب فشلت، وأن الخيار العسكري فشل، وأن التقديرات الاميركية والسعودية التي كانت مقتنعة بوجود قوات برية قوية لصالح هادي وحاضنة شعبية قوية لصالح هادي، وحاضنة سياسية قوية يمكن أن تتحرك في الوسط الذي فيه القوى الوطنية، وبالتالي تخلط الأوراق؛ وهم انتظروا لفترة طويلة لأن تكون هذه الاوراق حقيقية؛ ولكن وجدوا أنها ليست حقيقية.

 لذا تحاول ادارة بايدن اليوم الانطلاق من النقطة التي تقلل من الخسائر، فالرغبات والاطماع الاميركية والسعودية في اعادة اليمن الى الموقع الاميركي والوصاية السعودية انعكست الآن مخاوف من اليمن بدأنا نشهدها عمليًا منذ العام 2019، وتحديدًا عندما تم ايجاع السعودية في ابقيق، وهذا التوقف والشلل الكبير في النفط السعودي، بالإضافة إلى دخول اليمن في مرحلة ليس كسر الهجوم وصدّه فقط،  وانما الاضرار بالطرف الاخر؛ وبالتالي فإن ما لدى الادارة الاميركية والسعودية اليوم هو خوف من هذا التحول اليمني الاستراتيجي القائم على التحرر من الهيمنة على الجيش، لأنه كانت هناك وصاية كبيرة على الجيش، واليوم المخاوف أين سيذهب اليمن بعد الانتصار، وماذا سيؤثر على حلفائنا في الدول الخليجية، خاصة أن اليمن كان تاريخيًا صانع سياسات وليس مستقبل سياسات كما هي الحال منذ العام 1962، ويمن ما قبل العام 1962 هو مختلف تمامًا سياسيًا وفكريًا وعقائديًا، حتى الشعور بالتأثير كان موجودًا، والتأثير على الجزيرة العربية كان موجودًا، والقوة كانت موجودة والتباين كان موجودًا.

الواضح لدى الادارة الاميركية اليوم أنه يجب التقليل من الخسائر، واستخدام الورقة الاقتصادية والحصار، وهي ورقة اميركية وليست سعودية؛ فأميركا هي الخبيرة الأبرز في موضوع العقوبات، وما يوضع حاليًا من ورقة أو مقترح سعودي ينطلق من هذه الرؤية الأميركية، أي أنه يجب استخدام الورقة الاقتصادية لأنه ليس لديكم لا ورقة سياسية ولا ورقة عسكرية يمكن التفاوض بها.

والادارة الاميركية اليوم تنظر الى السعودية كدولة فقدت قدراتها الاستراتيجية المتعلقة بالاحتواء، احتواء الدول العربية عن طريق المال والاحزاب السياسية، وهذا كان حاصلًا في اليمن بدرجة كبيرة، او باستخدام النفوذ الديني والفكري عن طريق الوهابية التي كانت تنشرها وتوسعها.

في معرض الإجابة عن سؤال: كيف أُعطيت مأرب هذه الاهمية الكبيرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة؟،قال الستاذ طالب الحسني: إن مأرب ليست معركة عسكرية فقط، بل إنها معركة استراتيجية ستحدد مصير التحالف، وستبدو المشكلة الكبيرة بالنسبة إلى اليمن هو الحفاظ على الوحدة اليمنية، لأن استعادة مأرب ستشجع السعودية على الذهاب نحو تفعيل ورقة التقسيم (جنوب- شمال)، خاصة أن موضوع الأقلمة كان موجودًا في الحوار الوطني، وكانت السعودية واميركا تعملان عليها بدرجة أساسية. إن أميركا لا تريد أن تسقط مأرب، ولهذا تستميت في ادانة العمليات العسكرية التي تنشط اليوم في مأرب، لأنها عندما تفقد مأرب فإن الخارطة السياسية ستتغير حتى.

وما يحصل في اليمن هو أنه هناك حرب اقليمية بين الجمهورية اليمنية والسعودية وخسرتها الأخيرة؛ لذا يسعون إلى تقديم السعودية كطرف ثالث وسيط ليس له علاقة بالحرب، حتى الاعلام السعودي بدأ يكتب عن أن السعودية غير معنية بالانتصار في اليمن؛ وبالتالي هي ليست معنية بالهزيمة، هذه النغمة في الاعلام السعودي هو محاولة للنزول عن الشجرة، وتقديم مبررات إلى الجمهور السعودي والجمهور العربي لماذا فشلت السعودية.

وعن السيناريوهات المحتملة للعدوان على اليمن قال الأستاذ الحسني: لن تخرج السعودية من اليمن باتفاق سياسي، لأنها لا تريد توقيع اتفاق سياسي تكون طرفًا فيه، وبالتالي تتحمل تبعات الهزيمة وتبعات الحرب وتداعياتها، وتتحمل أيضا اللعنة التاريخية بالنسبة إلى الهزيمة، مع أن الجمهور العربي والدولي والاقليمي يدرك تمامًا أن الحرب سعودية يمنية، ومعهما الولايات المتحدة.

خلال اسبوع فقط هناك أربع سفراء (المندوب الاميركي، والمندوب الاممي، والمندوب السويسري، والمندوب السويدي) ذهبوا الى مسقط للقاء كبير المفاوضين اليمنيين محمد عبد السلام، هؤلاء الاربعة يريدون اقناع الفريق المفاوض بالقبول بالورقة الاقتصادية التي تستخدم اليوم على أنها مساومة لانتزاع حل سياسي وعسكري؛ لهذا يركز اليمن اليوم على فصل الملفات الانسانية وموضوع المطار والميناء والحديث عن المفاوضات السياسية والعسكرية، ليس بواقع نزاع أهلي وحرب أهلية،  انما بواقع أنه يجب أن توقف السعودية عدوانها، وترفع حصارها، وتنسحب من المحافظات الجنوبية.

سقف اليمن اليوم هو التالي: الحوار مع السعودية وأميركا على وقف الهجمات ضد السعودية مقابل وقف اطلاق النار ورفع الحصار بشكل كلي. ومأرب ستكون نقطة النهاية بالنسبة إلى التحالف السعودي، وستتحول المعركة في اتجاه الامارات التي تتحكم بالمحافظات الجنوبية ومفاصلها وتفاصيلها. ولهذا أوعزت الامارات إلى المجلس الانتقال بالإدلاء بتصريحات مسبقة حول ما سيكون عليه الوضع بعد مأرب، ويقول الانتقالي: سنتحاور مع صنعاء اذا تمت استعادة مأرب، وهذه لغة الامارات وليست لغة الانتقالي؛ وبالتالي فالإمارات اليوم تفكر بهذه الطريقة: يجب الحوار مع صنعاء اذا تمت استعادة مأرب، لأن الامارات اختلفت مع السعودية في العام 2018 تحديدًا، وقد ذهب وفد من الامارات الى السعودية قال لهم: إن مقتل علي عبدالله صالح يعني أننا نحارب بالنيابة عن القطري والتركي؛ لأن الاصلاح هو يد تركيا، وان جاملكم اليوم وهو يد قطر، وعلينا العمل على فصل الجنوب من الشمال، وما كانت السعودية تقول إن الموضوع مبكر، ومحاولة عدم ترك اليمن الشمالي في يد انصار الله والقوى الوطنية؛ ولهذا ستعود اليوم السعودية الى ما كانت عليه قبل العدوان، أي  الى نقطة الصفر، وستبدأ معركة استعادة المحافظات الجنوبية.

والسيناريو المتوقع اليوم هو أن تصل السعودية واميركا الى فشل كبير في انتزاع صفقة سياسية مع اليمن، فاليمن ـ خاصة انصار الله ـ لديه القدرة الكافية على منع بيع صفقات، لأن المنطلق ليس الوصول الى السلطة، بل التغيير في اليمن، ولهذا سنرى السعودية تنسحب بالطريقة نفسها التي قامت بها الامارات، وهي بدأت حقيقة تحضر لهذا تمامًا، وستحاول مع الامارات أن تثبت الجنوب كدولة، ولكن هذا يخالف القانون الدولي.

وما خص سيناريو تقسيم اليمن، قال الأستاذ الحسني: إن اليمن تاريخيًا توحد وانفصل وهذه طبيعة اليمن، وعملية الانفصال ليست خطيرة إلى درجة تسليم عملية الانفصال للإمارات، لأن ادواتها في المحافظات الجنوبية ضعيفة، وما قام به التحالف في المحافظات الجنوبية من افراغ وتحول الى قوة استعمارية كان خطأ فادحًا؛ فالتحالف اليوم بالنسبة إلى الجنوبيين قوة استعمارية احتلالية، والمعركة في المحافظات الجنوبية ستكون سهلة جدًا بعد مأرب.

إن من ينظر الى خارطة اليمن من منظور ديمغرافي سيجد أن الكتلة الأكبر والمفيدة تبدأ من صعدة والجوف ومأرب والبيضاء وشبوة، ثم تنتقل مباشرة الى حضرموت، والكتلة الشمالية من هذه المناطق من الصحراء وحتى البحر الأحمر، هذه الكتلة السكانية المهمة، والكثافة العددية والمنطقة المهمة والمفيدة والحيوية. والجنوب عبارة عن شريط ساحلي يبدأ من عدن ثم يصل الى أبين على البحر ثم حضرموت على البحر ثم بمسافة كبيرة جدًا المهرة، ثم في جزيرة سقطرى، وهذه المناطق تسكنها أقلية ما يقارب سبعة ملايين، يعني أقل من 20 في المئة من سكان اليمن.

وفي المناطق المفيدة هم يسيطرون على 10 في المئة فقط، لان المنطقة المفيدة هي 40 في المئة من مساحة اليمن، و60 في المئة هي منطقة صحراوية تبدأ من الشرق من المهرة مرورا بحضرموت مرورا بمأرب مرورا بالجوف وصولا الى نجران وهذه المساحة هي 60 في المئة بالنسبة لخارطة الجمهورية اليمنية، والشمال هو يشكل النسبة الاكبر من 40 في المئة.