• اخر تحديث : 2022-12-09 13:21
news-details
تقدير موقف

في محاولة لمكافحة معدلات التضخم المرتفعة الناجمة عن حدوث زيادة في الطلب، وتعطيل سلسلة التوريد التي تفاقمت بسبب الأزمة الروسية الأوكرانية، شددت العديد من البنوك المركزية سياستها النقدية، وجاء ذلك على إثر رفع البنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة ست مرات منذ بداية عام 2022 حتى بداية نوفمبر من العام الجاري؛ حيث رفع الفيدرالي سعر الفائدة القياسي بمقدار 0.75 نقطة مئوية (75) نقطة أساس، ليبلغ معدل الفائدة – الذي كان يقترب من الصفر في مارس 2022 – 3.75 نقطة مئوية في الأشهر الثمانية الماضية. وتعتبر هذه هي أكثر سلسلة ارتفاعات في أسعار الفائدة منذ الثمانينيات، كما تشير التوقعات إلى أن المستوى النهائي لأسعار الفائدة سيكون أعلى مما كان متوقعاً في السابق. ومع استمرار رفع الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة، تضطر العديد من البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة بشكل أسرع وأعلى؛ حيث يساهم الدولار الجامح في انخفاض قيمة عملاتها.

تحديات رئيسية

مع استمرار ارتفاع معدل التضخم الأمريكي – الذي وصفه الاحتياطي الفيدرالي في البداية بأنه “مؤقت” – ليسجل 8.2% في سبتمبر 2022 بعد أن سجل أعلى مستوى له في أربعين عاماً يونيو 2022 مسجلاً معدلاً بلغ 9.1% على أساس سنوي، وهي أعلى بكثير من معدل التضخم المستهدف للاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، وانطلاقاً من ترابط الاقتصاد العالمي؛ فإن قرار رفع الفائدة في الولايات المتحدة سيكون له تأثيرات متعددة على اقتصاديات باقي دول العالم. وتتمثل أهم مؤشرات التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدول فيما يلي:

1- مواصلة رفع الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة: قام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة ست مرات هذا العام؛ فبعد أن أغلقت جائحة كورونا الاقتصاد، قرر الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على معدلات الفائدة قريبة من الصفر حتى مارس 2022 قبل أن يرفع بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار 0.25 نقطة مئوية في مارس 2022 بعد اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية، وكانت هي أول زيادة منذ أكثر من ثلاث سنوات. وجاءت زيادة إضافية قدرها 0.50 نقطة مئوية في مايو 2022، تلاها ارتفاع تاريخي بمقدار 0.75 نقطة مئوية في يونيو 2022، ثم قفزة أخرى بنحو 75 نقطة في يوليو 2022، وفي سبتمبر أيضاً تم رفع سعر الفائدة بمقدار 75 نقطة، ومؤخراً في مطلع شهر نوفمبر أعلن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عن رفع سعر الفائدة للمرة السادسة على التوالي والرابعة بنسبة الرفع نفسها بمقدار 75 نقطة. وأدت الزيادة السادسة على التوالي إلى رفع معدل الإقراض القياسي للبنك الاحتياطي إلى نطاق مستهدف جديد يتراوح بين 3.75% و4%، وهو أعلى معدل منذ يناير عام 2008.

وتظهر التوقعات الاقتصادية على المدى المتوسط لبنك الاحتياطي الفيدرالي أن معدل الفائدة الفيدرالية يصل إلى 4.4% بحلول نهاية العام و4.6% العام المقبل، لكن العديد من الاقتصاديين يتوقعون أن معدل أسعار الفائدة الفيدرالية يجب أن يرتفع إلى 5% على الأقل للتغلب على الارتفاع المستمر لمعدل التضخم.

2- تخوفات من حدوث ركود للاقتصاد الأمريكي: رفع أسعار الفائدة لا يمكن إلا أن يقلل من الضغوط التضخمية، لا سيما عندما تكون العوامل الحالية تعتمد إلى حد كبير على جانب العرض؛ حيث يفترض العديد من الخبراء الاقتصاديين أن الوضع أكثر تعقيداً للسيطرة، وأن السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي وحدها ليست كافية؛ إذ يشعر الكثيرون بالقلق من أن الزيادات الإضافية في تكلفة اقتراض الأموال قد تؤدي إلى تقلص الاقتصاد أكثر من اللازم. ويبدو أن الركود أكثر احتمالاً. وقد صرح رئيس الاحتياطي الفيدرالي نفسه بأنه من المحتمل أن الاقتصاد الأمريكي يتجه نحو فترة نمو أقل. ويتمثل تعريف الركود في انخفاض كبير في النشاط الاقتصادي الذي ينتشر في جميع أنحاء الاقتصاد ويستمر أكثر من بضعة أشهر، وهذا يعني انخفاض الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تناقص الإنتاج ومبيعات التجزئة، فضلاً عن تقلص الدخل وانخفاض العمالة.

3- استمرار ارتفاع الدولار والضغط على العملات الأخرى: عندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، فإنه عادة ما تقوم البنوك المركزية حول العالم برفع المزيد من أسعار الفائدة؛ حيث تجذب العوائد المرتفعة رأس المال الاستثماري من المستثمرين في الخارج الباحثين عن عوائد أعلى على السندات؛ لذا يبيع المستثمرون استثماراتهم المقومة بعملاتهم المحلية مقابل استثمارات بالدولار الأمريكي؛ ليؤدي في النهاية إلى رفع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل العملات الأخرى؛ ما أزعج الأسواق في بعض أكبر الاقتصادات في العالم، من اليابان والصين إلى الهند وبريطانيا. وتعني العملة الأضعف أن استيراد الغذاء والطاقة والسلع الأخرى يكلف أكثر، وهذا يضيف إلى التضخم المحلي ويضر الأسر ويمكن أن يسهم في حدوث انكماش عالمي.

4- تزايد مخاطر الركود العالمي: تتزايد مخاطر حدوث ركود عالمي في العام 2023، وفقاً لتحذيرات البنك الدولي مع استمرار البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم في رفع أسعار الفائدة معاً لكبح جماح التضخم في تزامن لم يشاهد خلال العقود الخمسة الماضية، وهو اتجاه من المرجح أن يستمر حتى العام المقبل؛ حيث إن هذا الاتجاه قد يؤدي إلى سلسلة من الأزمات المالية بين الاقتصادات النامية – التي لا زالت تعاني الكثير من تداعيات جائحة كورونا – من شأنها أن تلحق ضرراً بتلك الدول. ويتوقع المستثمرون أن ترفع البنوك المركزية معدلات السياسة النقدية العالمية إلى ما يقرب من 4% حتى عام 2023، بزيادة تزيد عن نقطتين مئويتين عن متوسطها في عام 2021.

5- تفاقم مشكلة الديون: ربما تؤدي قرارات السياسة النقدية للولايات المتحدة إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية للأسواق الناشئة؛ فمن المُحتمَل أن تُفضِي القرارات الأمريكية المتتالية برفع سعر الفائدة إلى خلق مشكلات في دول الأسواق الناشئة، لتتزايد بذلك المطلوبات بالدولار في كثير من الأسواق الناشئة بنسبة كبيرة. علاوة على ذلك، يمكـن أن تواجـه اقتصـادات الأسواق الصاعـدة والاقتصادات الناميـة خـروج المزيد مـن رؤوس الأموال، وتراجعـاً أكبـر في قيمـة عملاتها، حتى قبل ارتفاع الدولار. وفي هذا العام، كان ما يقرب من 60% من الدول المنخفضة الدخل مُعرَّضة لخطر أزمة الديون.

آليات مختلفة

كانت قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بصورة متتالية، مع وجود توقعات بالمزيد من الارتفاعات القادمة، بمنزلة دافع للبنوك المركزية في جميع أنحاء العالم إلى أن تصبح أكثر تشدداً في أدوات السياسة النقدية (رفع أسعار الفائدة)؛ ففي الوقت الذي يستطيع فيه الاقتصاد الأمريكي تحمل ارتفاع معدلات البطالة والركود، لا يستطيع الاقتصاد العالمي الاستمرار في النمو. ويمكن توضيح آليات البنوك المركزية للتعامل مع هذه السياسة الأمريكية من خلال ما يلي:

1- رفع الدول المتقدمة لأسعار الفائدة: وصل الدولار إلى أعلى مستوى له منذ عام 2000 خلال العام الجاري بعد أن ارتفعت قيمته مقابل عملات رئيسية مثل الين واليورو منذ بداية هذا العام. وانطوى هذا الارتفاع على انعكاسات حادة على الاقتصاد الكلي للدول المختلفة نظراً لهيمنة الدولار على التجارة والتمويل الدوليين؛ ففي حين أن حصة الولايات المتحدة من صادرات البضائع العالمية قد انخفضت من 12% إلى 8% منذ عام 2000، احتفظت حصة الدولار في الصادرات العالمية بنحو 40%.

ولذلك قامت العديد من البنوك المركزية للدول المتقدمة برفع أسعار الفائدة؛ فعلى سبيل الذكر قامت الدول التي تشرف على أربع من العملات العشر الأكثر تداولاً، بإقرار 200 نقطة أساس لرفع أسعار الفائدة فيما بينها خلال أكتوبر 2022؛ حيث قام صانعو السياسة في البنك المركزي الأوروبي والبنك الاحتياطي الأسترالي وبنك الاحتياطي النيوزيلندي وبنك كندا برفع معدلات الإقراض.

2- استمرار الأسواق الناشئة في سياسة التشديد النقدي: يؤدي استمرار رفع أسعار الفائدة الأمريكية وما ينتج عنها من ارتفاع في قيمة الدولار إلى تفاقم الضغوط، خاصة بالنسبة إلى بعض الأسواق الناشئة التي تراجعت عملاتها بصورة واضحة مقابل الدولار، والعديد من البلدان المنخفضة الدخل المعرضة بالفعل لخطر كبير من ضائقة الديون. وتكون التداعيات الناجمة عن استمرار ارتفاع الفائدة الأمريكية محسوسة في تلك الدول أيضاً لإصدارها ديوناً مقومة بالدولار؛ لأن سداد هذه الالتزامات يصبح أكثر تكلفة مع انخفاض قيمة العملات المحلية؛ ما يجبر الحكومات على تقليص الإنفاق ورفع أسعار الفائدة، لا سيما مع تراجع إجمالي الاحتياطيات الأجنبية التي تحتفظ بها اقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية بأكثر من 6% في الأشهر السبعة الأولى من هذا العام.

وقد قامت البنوك المركزية في الأسواق الناشئة برفع أسعار الفائدة؛ حيث قامت خمسة بنوك مركزية من أصل 18 برفع أسعار الفائدة بمقدار 325 نقطة أساس في أكتوبر 2022؛ أقل من نصف حصيلة سبتمبر وأقل بكثير من الحصيلة الشهرية التي تزيد عن 800 نقطة أساس في شهري يونيو ويوليو 2022. وإجمالاً، رفعت البنوك المركزية في الأسواق الناشئة أسعار الفائدة بما مجموعه 6765 نقطة أساس منذ بداية العام حتى نهاية أكتوبر 2022؛ أي أكثر من ضعف 2745 نقطة أساس لكامل عام 2021. ورفعت كل من إندونيسيا وكوريا الجنوبية وإسرائيل وكولومبيا وتشيلي أسعار الفائدة، بينما أشار صانعو السياسة في تشيلي إلى أنه لن يكون هناك المزيد من رفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب، وفي الوقت نفسه، قامت تركيا؛ حيث يضغط الرئيس رجب طيب أردوغان من أجل خفض أسعار الفائدة، بخفض قياسي أكبر من المتوقع بمقدار 150 نقطة أساس على الرغم من التضخم الذي تجاوز 80%.

3- التدخل عبر عمليات شراء العملة الوطنية: شهدت الفترة الأخيرة تسجيل الين الياباني أسوأ أداء في تاريخه، بعد أن انخفض إلى أضعف مستوياته مقابل الدولار منذ عام 1990 منخفضاً بأكثر من 23% لهذا العام؛ ما دفع الحكومة اليابانية في سبتمبر 2022 إلى إنفاق ما يقرب من 20 مليار دولار لشراء عملتها الخاصة لوقف انخفاضها السريع، وهو أول تدخل من هذا النوع منذ عام 1998. وساهم هذا الإجراء في تقليل التقلبات في السوق، لكن آثاره لم تدم طويلاً، واستمرت العملة في الانزلاق. وقامت الحكومة اليابانية بإنفاق 6.35 تريليون ين (43 مليار دولار) على عمليات التدخل في العملات الأجنبية بين 29 سبتمبر و27 أكتوبر 2022؛ وذلك بعد أن انخفضت العملة إلى ما بعد 151 مقابل الدولار في أكتوبر 2022 للمرة الأولى منذ 32 عاماً.

4- تفعيل اتفاقيات تبادل العملات بين البنوك المركزية: وقد ظهر هذا التوجه بصورة واضحة خلال السنوات الماضية وخصوصاً منذ الأزمة المالية لعام 2007 – 2008؛ إذ دخلت البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم في العديد من اتفاقيات تبادل العملات الثنائية بعضها مع بعض. وتسمح هذه الاتفاقيات للبنك المركزي في بلد ما بتبادل العملة المحلية مقابل مبلغ معين من العملات الأجنبية. ويمكن للبنك المركزي المتلقي بعد ذلك إقراض هذه العملة الأجنبية لبنوكه المحلية، بشروطه الخاصة وعلى مسؤوليته الخاصة. وهكذا تسمح هذه الاتفاقيات بسداد قيمة بعض المبادلات التجارية بين الدول بالعملات المحلية بعيداً عن الدولار، وهو ما يعني تخفيف الطلب على الدولار من جانب الدول التي تواجه أزمات اقتصادية.

وختاماً، يبدو أن البنوك المركزية حول العالم ستستمر في سياسات تشديد السياسة النقدية مع استمرار الفيدرالي الأمريكي في رفع أسعار الفائدة، وسط تزايد عدم اليقين الشديد في البيئة العالمية التي تتسم بمستويات مرتفعة للتضخم منذ عدة عقود، والتدهور المستمر في التوقعات الاقتصادية في العديد من المناطق، والمخاطر الجيوسياسية المستمرة. ولتجنب ترسخ الضغوط التضخمية، كان على البنوك المركزية التي تواجه تضخماً مرتفعاً أن تسرع من تشديد السياسة النقدية. علاوة على ذلك، يواجه أولئك الموجودون في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء مخاطر ونقاط ضعف كبيرة عبر مختلف القطاعات والمناطق.