• اخر تحديث : 2023-01-28 00:24
news-details
تقارير

مع قرب انتهاء عام 2022، يمكن القول إن الحرب الأوكرانية كانت هي أبرز أزمات العام المنصرم، على الصعيد العالمي، من حيث التأثير والتداعيات والامتدادات الإقليمية والدولية، كما يبدو أنها ستكون مرشحة بقوة لتستمر كأزمة ممتدة في عام 2023؛ الأمر الذي حدا الكثير من الدراسات والتقديرات والخبراء والباحثين إلى العمل على بحث واستخلاص أبرز الدروس العسكرية المستلهمة من تلك الحرب، إلى جانب تداعياتها وتأثيراتها التي تجاوزت الإطار الجغرافي الضيق لميدان الحرب، إلى امتدادات جغرافية أكثر بعداً لتغطي رقعة العالم ككل أو غالبيته على أقل تقدير. وفي هذا الإطار نشر موقع "استراتيجيك سيرفاي 2022" تقريرين: الأول بعنوان "حرب روسيا في أوكرانيا: ما الدروس العسكرية الناشئة؟"، والثاني بعنوان "الحرب الروسية الأوكرانية: تداعيات أوسع: ماذا يعني ذلك بالنسبة للجغرافيا السياسية؟"؛ ويمكن استعراض أبرز ما جاء في التقريرين على النحو التالي:

دروس عسكرية

على الرغم من أنه في الوقت الحالي لا يمكن التنبؤ بنتائج ومدة الحرب الروسية في أوكرانيا بشكل موثوق، فإن تلك الحرب قد أظهرت بعض الدروس الرئيسية للحرب الحديثة بين الدول، وهي الدروس التي يمكن تلخيصها في عدد من النقاط؛ وذلك على النحو التالي:

1- صعوبة الحسم العسكري وتعقد طبيعة الحرب: حدد المنظر العسكري الألماني كارل فون كلاوزفيتز بُعدين للحرب: طبيعتها وهي دائمة، وطابعها الذي يتغير مع تغير الطرق والوسائل المستخدمة في خوض الحروب. وبالنسبة إلى الحرب الأوكرانية، فقد فشلت الجهود الروسية “لقطع رأس الحكومة الأوكرانية”، والاستيلاء السريع على العاصمة كييف، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى ضعف كبير في التخطيط والتكتيكات والتدريب وقيادة القوات البرية والجوية الروسية. لكن روسيا قامت بتكييف استراتيجيتها، في محاولة لطرد القوات الأوكرانية من دونباس من خلال تركيز كميات كبيرة من المدفعية لإحداث مستوى عالٍ من الاستنزاف.

ثم شنت أوكرانيا هجمات مضادة وضربات دقيقة حول إقليم خيرسون؛ وذلك لتهديد السيطرة الروسية على المدينة وإبعاد القوات الروسية عن دونباس. ومع ذلك، لم تؤمِّن روسيا ولا أوكرانيا الهيمنة على المجال الجوي أو البحري؛ الأمر الذي قيد خيارات كلا الجانبين، كما أثرت الإمدادات الخارجية من الأسلحة والذخيرة والاستخبارات والتدريب العسكري بشكل كبير على ديناميات الحرب على الأرض والبحر وفوق المجال الجوي لأوكرانيا.

2- البعد الدعائي عنصر أساسي في الحرب الحديثة: تميزت الحروب منذ 11 سبتمبر بمنافسة كبيرة على التأثير في مواقف المقاتلين والسكان المحليين وقادتهم والداعمين الدوليين. ومنذ البداية كان هذا جزءاً مهماً في الحرب الأوكرانية؛ فعلى سبيل المثال استخدم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع في وقت مبكر من الحرب، وقد كان حضوره المستمر في وسائل الإعلام الغربية والمنتديات السياسية والعامة عاملاً رئيسياً في التأثير على المواقف في الولايات المتحدة وأوروبا وخارجها.

فيما قامت روسيا بتكييف دبلوماسيتها ورسائلها في الجنوب العالمي، مدعية أن الولايات المتحدة وحلف الناتو مسؤولان عن العدوان الروسي، وأن العقوبات الغربية مسؤولة عن ضرر الاقتصاد العالمي، بما في ذلك أزمة الأمن الغذائي. ويرى الخبراء أن الدرس المستفاد هو أن معركة السرد عنصر أساسي في الحرب الحديثة، وكذلك الحفاظ على الشرعية من قبل الأطراف المتحاربة. ومن ثم، ستحتاج الدول إلى التخطيط لهذه المعركة بمجموعة متنوعة من الوسائل، بداية من وسائل التواصل التقليدية إلى وسائل التواصل الحديثة، والتدرب على التعامل مع جماهير عالمية متنوعة، مع مراعاة الاختلافات المحلية.

3- اعتماد القدرة العسكرية الرئيسية على الكفاءة: في أوائل عام 2022، توقع العديد من المراقبين أن روسيا ستهزم أوكرانيا؛ وذلك استناداً إلى التحديث العسكري للقوات الروسية، وخبرتها العسكرية، وتفوقها العددي. ومع ذلك، أخفقت موسكو من اليوم الأول في اختراق دفاعات كييف الرئيسية، ناهيك عن التقدم إلى وسط المدينة. ويعتقد المحللون أن من أهم أسباب الإخفاقات العسكرية الروسية المبكرة هو التخطيط وضعف الكفاءة؛ إذ أظهرت الهجمات الأولية الثقة الزائدة بعدم قدرة الأوكرانيين على المقاومة، ومن ثم بدت الاستعدادات اللوجستية الروسية غير ضرورية، بالإضافة إلى عدم كفاية القيادة والسيطرة. كما كشفت الحرب عن نقاط ضعف التدريب الروسي على الأسلحة الحديثة والعمليات المشتركة، وأظهرت نقاط ضعف المعدات الروسية مقابل المعدات الغربية.

ويعتقد المحللون أن فاعلية الاستثمارات الروسية الضخمة في مجال التحديث العسكري قد تآكلت بسبب آثار الثقافة السياسية “الاستبدادية”، فضلاً عن المحسوبية والفساد، ويؤكدون أن الدرس المستفاد هو أنه بدون الاستثمار في قدرات الأفراد يمكن إهدار مثل هذه الاستثمارات في المعدات، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن الشرط الأساسي للقوات المسلحة هو الكفاءة، التي تعتمد جزئياً على شراء معدات عسكرية كافية مدعومة بالذخيرة الكافية وقطع الغيار والقدرة اللوجستية، وتعتمد بشكل أكبر على ذكاء القوات وقيادتها ولوجستياتها وتدريبها.

4- الأعداد والكتلة واللوجستيات عناصر رئيسية للحرب: جادل العديد من المنظرين بأن الأسلحة الدقيقة الجديدة ستقلل من متطلبات الكتلة في ساحة المعركة؛ حيث يمكن تحقيق تأثير أكبر من خلال القوات البرية والجوية الحديثة؛ ما يقلل من الحاجة إلى الحجم. لكن الحرب الأوكرانية أظهرت أن الكتلة لا تزال عاملاً مهماً؛ فبحسب محللين، يعتمد تحقيق الكتلة في النقاط الحاسمة على القدرة على تحريك القوات وتركيزها والحفاظ على إمداداتها اللوجستية الرئيسية من الوقود والذخيرة وقطع الغيار.

فيما فشلت روسيا في تحقيق التركيز الضروري للقوة في الشهر الأول من الحرب للاستيلاء على كييف وخاركيف، كانت القوات الأوكرانية في كثير من الأحيان قادرة على تركيز النيران المضادة للدبابات والنيران غير المباشرة ضد الوحدات الروسية. ومنذ بداية الحرب ناشدت أوكرانيا حلفاءها توريد الأسلحة والذخيرة، وكان كلا الجانبين ينفقان الذخيرة بمعدلات هائلة. ويرى الخبراء أن الإنفاق المرتفع جداً للذخيرة طوال الحرب سيعطي وقفة للعديد من الدول، ولا سيما واشنطن وحلفاؤها، الذين كانوا في السابق يقتصدون في حجم مخزوناتهم اللوجستية.

5- محدودية الأسلحة الدقيقة لاعتبارات التكلفة وعامل الوقت: يمكن القول إن الإنفاق المرتفع للذخيرة التقليدية غير الموجهة رافقه إنفاق مرتفع مماثل للأسلحة الدقيقة؛ فعلى سبيل المثال، يبدو أن مخزون روسيا من صواريخ كروز للهجوم البري قد نفد. وقد صرحت أوكرانيا في عدة مناسبات بأنها اقتربت من نفاد صواريخ جافلين وNLAW المضادة للدبابات. ويؤكد المحللون أن استخدام الأسلحة الدقيقة له ثمن؛ إذ تحتوي أنظمة التوجيه الخاصة بها على إلكترونيات متطورة وأجهزة استشعار كهربائية بصرية. وفي كل مرة يتم فيها إطلاق الصاروخ، تُفقد هذه المكونات الباهظة الثمن؛ لذلك ولكي يكون دفاع الجيش المضاد للدروع مرناً، يجب استكمال الصواريخ الباهظة الثمن المضادة للدبابات بقذائف أرخص وأبسط مضادة للدبابات تطلقها الدبابات. ويوضح هذا، بحسب المراقبين، نقطة أوسع، وهي أن أي قدرة عسكرية مستقبلية تعتمد حصرياً على الأسلحة الدقيقة ليس من المرجح أن تكون باهظة الثمن فحسب، بل ستستغرق أيضاً وقتاً طويلاً لإعادة الإمداد.

6- تحول ميدان المعركة إلى ساحات أكثر شفافية: اتسمت الحرب أحياناً بدرجة عالية جداً من الشفافية تجعل من الصعب على القوات البرية الاختباء؛ فعلى المستوى الاستراتيجي، فإنه في الأشهر التي سبقت الغزو استخدمت واشنطن ولندن بشكل غير مسبوق المعلومات الاستخباراتية التي رفعت عنها السرية لدعم روايتهما بأن روسيا كانت تحيط أوكرانيا بتشكيلات معبأة. وتم تعزيز هذا الموقف عندما نشرت شركة “ماكسار”، صوراً لوحدات روسية منتشرة في بيلاروسيا وغرب روسيا. وواصلت “ماكسار” نشر صور القوات الروسية في أوكرانيا وحولها منذ ذلك الحين. ويؤكد الخبراء أن هذا لا يمثل سوى نسبة صغيرة من الصور المتاحة من أقمار المراقبة المدنية والعسكرية الحديثة.

7- تصاعد أدوار الطائرات المسيرة في الحروب البرية: تميزت الحرب الأوكرانية بالاستخدام المكثف للمسيرات من كلا الجانبين؛ وذلك لتحديد مواقع الخصم والسيطرة على الضربات بالمدفعية والصواريخ. ويرى الخبراء أن الدرس المستفاد هو أن المُسيَّرات تمثل الآن قدرات أساسية للقوات البرية. ويضيف هذا درجة من التكامل البري والجوي إلى أدنى المستويات التكتيكية، وصولاً إلى مستوى الشركة والفصيل، وهو ما لم يكن قابلاً للتحقيق في الحروب السابقة. وبحسب الخبراء العسكريين، سيتطلب التهديد من كل من المُسيَّرات والاستطلاع المدني والعسكري بالأقمار الصناعية من القوات الأمريكية وقوات الناتو إعادة اكتشاف فن التمويه والإخفاء والخداع، الذي فقده في العقود الأخيرة.

8- محورية استغلال التضاريس في التأثير على الحرب: لقد أعاقت الغابات والأرض الموحلة التقدم الروسي في كييف؛ فقد تم إبطاء القوات الروسية من خلال الاضطرار إلى عبور الأنهار. وفرضت القوات الأوكرانية مزيداً من التأخير عن طريق هدم الجسور واستخدام المدفعية لمهاجمة القوات الروسية التي تعبر الأنهار. وقد دار الكثير من القتال حول السيطرة على التضاريس الحضرية. ويعتقد المحللون أن هذا قدم ميزة كبيرة للقوات الأوكرانية التي تدافع ضد القوات المدرعة الروسية؛ فقد نجحت كتيبة آزوف في الصمود في معقلها تحت الأرض أسفل مصانع الصلب في آزوفستال بحيث لم تتم محاولة هجوم نهائي من قبل روسيا، وتم التفاوض على الاستسلام بدلاً من ذلك. ومن ثم يرى المحللون أن الحرب توضح أن الاتجاه العالمي الهائل للتوسع الحضري المتزايد باستمرار يعني أن القدرات القتالية في المناطق الحضرية ضرورية للقوات المسلحة.

تداعيات متشابكة

كانت حرب روسيا ضد أوكرانيا هي السمة المهيمنة على العلاقات الدولية في عام 2022 ومن المرجح أن تستمر حتى عام 2023. ويمكن القول إنها الإجراء الجيوسياسي الأكثر أهمية منذ عقدين. وفي هذا الإطار يمكن تناول أبرز تداعيات الحرب على روسيا وحلفائها وكذلك على خصومها الاستراتيجيين على حد سواء؛ وذلك في النقاط التالية:

1- تراجع سمعة القوة العسكرية الروسية: كانت أهم نتيجة مبكرة للحرب الروسية الأوكرانية هي تراجع سمعة القوة الروسية عبر المجالات العسكرية وغيرها. ويؤكد بعض المحللين أن موسكو ستدفع ثمناً طويل الأجل لهذا، على الرغم من أن النتيجة النهائية للحرب لا تزال غير مؤكدة. وعلى الرغم من أن الدول الغربية كانت تزود أوكرانيا بأسلحة متطورة بشكل متزايد، فإن روسيا قد تظل قادرة على استخدام قوة عسكرية متفوقة عددياً، خاصة إذا كانت على استعداد للمخاطرة باستخدام موسع للقوة الجوية، وعلى وجه الخصوص لاتخاذ الخطوة المصيرية المتمثلة في إصدار أوامر تعبئة عامة.

وهذا من شأنه أن يمكِّن الكرملين من إجبار مواطنيه على القتال، ومن ثم تحرير نسبة أكبر بكثير من قواهم البشرية المحتملة للصراع، التي ستضع اختباراً جديداً وأكثر قسوة للدعم الشعبي للحرب. وسواء تجاوز الرئيس فلاديمير بوتين ذلك أم لا، وبغض النظر عن نتيجة الحرب، فإن نقاط الضعف التي كشفها الغزو ستؤدي – طبقاً للتقرير – إلى إعادة تقييم رئيسية للقوة الروسية، وحتى مستقبل نظام بوتين.

2- تعزيز مكانة “الناتو” وتغير الفكر الأمني الغربي: مثلما كشفت الحرب عن حدود القوة الروسية، عززت بشكل كبير وحدة الغرب وتصميمه، ووسعت التزاماته الأمنية؛ فمن خلال تغيير الحسابات السياسية في فنلندا والسويد، أدى ذلك إلى تحفيز توسيع الناتو؛ إذ يتم الآن تتبع دخول كلا البلدين بسرعة. وفي قمة مدريد في يونيو 2022، وافق الناتو على مفهوم استراتيجي جديد – وهو الأول منذ عام 2010 – ركز على روسيا باعتبارها التهديد الأمني الرئيسي للحلف. كما يصنف المفهوم الصين على أنها منافسة لـ “النظام الدولي القائم على القواعد”؛ ولذلك فإن انضمام فنلندا والسويد للناتو والمفهوم الاستراتيجي الجديد يمثلان تغييراً جذرياً في التفكير الأمني الغربي.

 3- تيقن الأوروبيين بضرورة بناء قدرات دفاعية كافية: تشير التحليلات الأمنية والعسكرية إلى أن لهجة النقاش في أوروبا حول “الدفاع الذاتي الاستراتيجي” تتطور بشكل واضح. ولا يتعلق هذا الطموح بالذهاب إلى طريق منفصل عن الأمريكيين، بل يتعلق ببناء قدرات كافية لضمان الدفاع الأوروبي في سياق التحالف عبر الأطلسي؛ ففي حين أن لدى المملكة المتحدة وفرنسا مصالح وطنية واضحة على المحك في زيادة وجودهما العسكري (خاصة البحري) في المحيطين الهندي والهادئ، فإن العدوان الروسي يعني بوضوح أن معظم الدول الأوروبية يجب أن تضاعف تركيزها الجغرافي الرئيسي في القارة وعلى الفور.

4- محورية حرب الطاقة بين الدول الغربية وروسيا: اعتباراً من يوليو 2022، فرض الاتحاد الأوروبي سبع جولات من العقوبات على روسيا، بما في ذلك حظر نفطي تدريجي ينص على خفض بنسبة 90% من واردات النفط من روسيا بحلول نهاية عام 2022. وتتم أيضاً مناقشة حظر الشحن والتأمين، الذي من شأنه أن يعمل بشكل فعال كعقوبات ثانوية تعيق الأعمال التجارية الروسية مع الدول التي لا تفرض عقوبات أيضاً. كما تعمل أوروبا على توسيع نطاق إلغاء الإدراج من نظام المدفوعات “سويفت” ليشمل أكبر بنك في روسيا “سبيربنك”، فيما تعمل روسيا على تصعيد الضغط الاقتصادي على أوروبا من خلال تقييد تدفق الغاز إلى العديد من البلدان؛ ما ينذر بقطع شامل محتمل في الشتاء. واستجابةً لهذه التهديدات، وافق الاتحاد الأوروبي على استجابة مشتركة للنقص المحتمل في شكل خفض طوعي بنسبة 15% في استخدام الغاز حتى نهاية مارس 2023.

5- زيادة الاهتمام الأمريكي بمصادر الوقود الصخري: بدأت الحرب الأوكرانية تسلط الضوء على ضرورة الحد من اعتماد الولايات المتحدة على واردات الطاقة من المناطق المتقلبة جيوسياسياً – لا سيما الشرق الأوسط – وكذلك ضرورة تقليل اعتماد حلفائها الرئيسيين في أوروبا على دول أخرى من هذا القبيل. في هذا السياق، زادت وتيرة إدارة “بايدن” لتعزيز إنتاج النفط الصخري المحلي والغاز الطبيعي المسال، والبدء في الوقت نفسه في إعادة موازنة علاقتها بالسعودية والمنتجين الخليجيين الآخرين. ويتوقع المراقبون أن يكون الإنتاج الأمريكي للوقود الصخري والغاز المسال عاملاً حيوياً في تمكين أوروبا من الانفصال عن الطاقة الروسية.

6- تأثر الصناعات الدفاعية الروسية بفعل العقوبات: يرجح الخبراء أن يكون التأثير الطويل المدى للانفصال الاقتصادي عن الغرب شديداً على روسيا. وسيكون القطاع الأكثر ضعفاً في الاقتصاد الروسي هو السلع المصنعة المتقدمة، التي ستفتقر إلى الوصول إلى المكونات الرئيسية وسلاسل التوريد، كما سيؤدي خروج مئات الآلاف من العمال المهرة من روسيا في الأشهر الأخيرة إلى تفاقم هذه التكاليف. وستصبح هذه قضية صعبة بشكل خاص بالنسبة لصناعة الدفاع في موسكو، وهي ثاني أكبر قطاع في الاقتصاد الروسي بعد صادرات السلع.

7- عودة مفهوم الحياد للواجهة خاصة بين الدول النامية: سعت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى عزل روسيا عن المجتمع الدولي الأوسع. وحتى الآن، أسفرت هذه الجهود عن نتائج متباينة؛ فعلى الرغم من أن الدول الآسيوية المتقدمة الرئيسية، ولا سيما اليابان وسنغافورا وتايوان، قد انضمت إلى تحالف العقوبات الذي يقوده الغرب ضد روسيا، فإن العديد من الدول النامية لا تزال حذرة من الجهود لعزل روسيا؛ فعلى سبيل المثال، تبنت الهند ما تصوره على أنه مسار محايد في الحرب، وحافظت على علاقاتها الوثيقة – بما في ذلك المشتريات الدفاعية – مع موسكو؛ وذلك على الرغم من ميلها المتزايد نحو حلفاء الولايات المتحدة، خاصة في منطقة الهندوباسيفيك.

8- تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين الصين وروسيا: بينما استوعبت الصين العقوبات الأمريكية، وعلقت بعض الشركات الصينية أو قلصت علاقاتها مع روسيا، لا تزال بكين تدعم موسكو بطرق مهمة – ليس فقط من خلال توفير سوق بديلة لصادرات المواد الخام الروسية، ولكن أيضاً عن طريق التعاون العسكري الوثيق – خاصة في إجراء مزيد من التدريبات العسكرية في الشرق الأقصى. ومن المرجح أن تكون إحدى النتائج الرئيسية للحرب هي توثيق العلاقات بين موسكو وبكين. ولكن نظراً للضرر الذي ألحقته الحرب بوضع روسيا على المدى الطويل كقوة عظمى، هناك احتمال متزايد بأن تخضع العلاقة لتحول نوعي.

إذ يمكن أن تصبح موسكو أقل استقلالية وأكثر اعتماداً على بكين. من ناحية أخرى، يتوقع المحللون أن تؤثر العلاقات الصينية الروسية الأوثق على العلاقات الرئيسية الأخرى للدولتين في آسيا؛ إذ ستستمر الهند في اعتبار الصين التحدي الرئيسي لها، ومن المحتمل أن يؤدي اعتماد موسكو المتزايد على الصين إلى دفع المزيد من التحركات للحد من اعتماد نيودلهي العسكري على روسيا. وفي غضون ذلك، برزت طوكيو كعضو قوي في تحالف العقوبات ضد روسيا؛ الأمر الذي سيؤدي إلى نهاية الجهود المستمرة منذ عقود لاستعادة السيادة اليابانية على الأقاليم الشمالية من خلال الدبلوماسية مع موسكو.

ختاماً، يمكن القول إنه ربما يكون أهم جوانب الحرب الأوكرانية هو أن ما تم التخطيط له على أنه “عملية عسكرية خاصة” قصيرة ضد عدو أدنى شأناً، قد تحول إلى صراع واسع النطاق بين الدول. ويتوقع المحللون أن تكون هذه الحرب أشبه بالحروب في كوريا (1950-1953)، والبوسنة (1992-1995) وبين إيران والعراق (1980-1988). ومن ثم فإن نتائجها والديناميات والدروس العسكرية التي ستسفر عنها سيكون لها تأثير كبير على التفكير العسكري العالمي، والتخطيط للحروب المستقبلية المحتملة، وستستمر في تشكيل المستقبل لفترة طويلة حتى بعد توقف “المدافع”.