• اخر تحديث : 2023-10-04 14:05
news-details
قراءات

كيف تُطور الدول آليات توفير النقد الأجنبي خلال الأزمات الاقتصادية؟


في خضم الأزمات الاقتصادية الأخيرة التي واجهتها الاقتصادات العالمية – بدءاً بجائحة كورونا مروراً بأزمة اضطرابات سلاسل الإمدادات والتوريد، وانتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية – التي ألقت بظلالها على الاقتصادات العالمية وأسهمت بارتفاعات جامحة في معدلات التضخم؛ دفعت بدورها الاقتصادات العالمية لانتهاج سياسات نقدية تشددية للمحافظة على اقتصادها؛ ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى رفع سعر الفائدة على الدولار؛ ما أدى إلى ارتفاع جاذبية الاستثمارات الأمريكية للاستفادة من ارتفاع العائد على الدولار، وسحبها من الاقتصادات النامية والناشئة.

في ذلك الإطار، واجهت العديد من الاقتصادات العالمية المتقدمة والنامية على حد سواء، تحديات هيكلية ناجمة عن نقص الدولار الذي يعد عملة الاحتياطي النقدي الرئيسية لمعظم الاقتصادات؛ حيث أدى ارتفاع سعره إلى انخفاض قيمة العملات المحلية للدول، وارتفاع تكلفة الاقتراض ومن ثم ارتفاع حجم مديونيتها؛ ما دفع العديد من الدول إلى بحث سبل توفير عملة النقد الأجنبي لديها، من خلال انتهاج سياسات عدة؛ من بينها سبل استقطاب عوائد العاملين في الخارج، وتحسين البيئة الاستثمارية لجذب الاستثمارات الأجنبية، ومن ثم جذب العملات الأجنبية، والعمل على تحسين الإنتاجية لزيادة الصادرات مقارنة بواردات الدول، فضلًا عن زيادة الاستثمار المؤسسي الأجنبي في الدولة.

أهمية استراتيجية

احتياطيات النقد الأجنبي جزء من الأصول الاحتياطية للدولة من عملات الدول الأخرى التي يمكن تحويلها إلى عملتها الخاصة، وتستخدم لتنويع محفظتها من الاحتياطيات الدولية، وتتضمن الأوراق النقدية الأجنبية، وأذون الخزانة الأجنبية، والودائع المصرفية الأجنبية، والأوراق المالية الحكومية الأجنبية الطويلة والقصيرة الأجل، واحتياطيات الذهب، وحقوق السحب الخاصة. وترغب العديد من الدول في الاحتفاظ بالدولار الأمريكي بالإضافة إلى مزيج من العملات الأخرى بما في ذلك اليورو والين والفرنك السويسري والجنيه الإسترليني كجزء من احتياطياتها. وفي هذا الصدد، يمكن تناول أبعاد حضور الدولار في الاقتصاد العالمي من خلال ما يلي:

1- الدولار الأمريكي كعملة احتياطي النقد الأجنبي الرئيسية: يعد الدولار الأمريكي عملة الاحتياطي العالمية منذ مؤتمر بريتون وودز في يوليو 1944؛ حيث تم إرساء سعر الصرف الثابت مع الدولار الأمريكي، بحيث تكون جميع العملات العالمية مربوطة بالدولار. وبعد انهيار بريتون وودز، ظل الدولار الأمريكي هو العملة المفضلة، حتى بعد تخفيض قيمته، مدعوماً بحجم وقوة الاقتصاد الأمريكي، واستقراره وانفتاحه على التجارة وتدفقات رأس المال، وحقوق الملكية القوية وسيادة القانون.

2- هيمنة الدولار الأمريكي كمخزن للقيمة: في إطار تعرض الاقتصادات العالمية لأزمات عدة من جراء هيمنة الدولار الأمريكي على الاحتياطي النقدي للدول، خفضت البنوك المركزية منذ بداية القرن الـ21، نسبة الدولار الأمريكي كاحتياطي للحد من الاعتماد على عملة واحدة، وتم تنويعه إلى عملات الدول الأخرى، بما في ذلك الدولار الأسترالي، والدولار الكندي، فتراجع متوسط حيازة الدولار الأمريكي في احتياطيات النقد الأجنبي للدول من نحو 71 % في عام 2000، إلى نحو 59.5% خلال الربع الثاني من عام 2022؛ أي ما يقرب من 6.6 تريليون دولار من إجمالي الاحتياطيات البالغ 11 تريليون دولار على مستوى العالم، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، ولكنها لا تزال تتجاوز بكثير جميع العملات الأخرى بما في ذلك اليورو؛ حيث يمثل نحو 21% من احتياطيات النقد الأجنبي للدول، والين الياباني نحو 6%، والجنيه الإسترليني نحو 5%، بينما يمثل الرنمينبي الصيني 2%.

علاوة على ذلك، فإن الانخفاض في حصة الدولار الأمريكي قد تم الاستعاضة عنه بمجموعة واسعة من العملات الأخرى، بدلاً من عملة واحدة أخرى. ومن ثم، لا يزال الدولار هو العملة الاحتياطية المهيمنة إلى حد بعيد. وتستفيد العديد من الدول الأجنبية من فاعلية الدولار الأمريكي كمخزن للقيمة عن طريق الحد من تحركات عملاتها أمام الدولار.

3- الصين أكبر احتياطي دولاري عالمياً: تمتلك الصين، بسبب مكانتها كأكبر مصدر في العالم، أكبر احتياطيات نقدية من الدولار، بلغت نحو 3.454 تريليون دولار في يوليو 2022، وهو ما يقرب من نصف الاحتياطيات المحتفظ بها على مستوى العالم، فيما بلغت احتياطيات اليابان نحو 1.4 تريليون دولار، وسويسرا نحو 961 مليار دولار. ولدى روسيا احتياطيات بنحو 577 مليار دولار، في حين تبلغ احتياطيات الهند نحو 576 مليار دولار، والسعودية نحو 467 مليار دولار، فيما بلغ إجمالي احتياطيات النقد الأجنبي في الولايات المتحدة 247 مليار دولار، بينما أدت العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على روسيا، رداً على التدخل الروسي في أوكرانيا في فبراير 2022، إلى عدم قدرة الدولة على استخدام تلك الاحتياطيات.

4- احتياطيات النقد الأجنبي ضرورة لدعم النظام النقدي: تسهم احتياطيات النقد الأجنبي في ارتفاع ثقة المستثمر الأجنبي بسياسات إدارة النقد وأسعار الصرف في الدولة، وتزيد من قدرة الدولة على دعم عملتها الوطنية، وتوفير السيولة بالعملات الأجنبية لامتصاص الصدمات خلال الأزمات الاقتصادية، كما تسهم في زيادة قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها الداخلية والخارجية المتعلقة بفاتورة وارداتها، والتزامات الدفع الدولية من الديون السيادية والتجارية؛ ما يساعد على تجنب التخلف عن السداد.

5- استمرار ارتفاع الطلب على الدولار الأمريكي: تنعكس مؤشرات ارتفاع الطلب على الدولار الأمريكي بارتفاع حصته من معاملات الصرف الأجنبي؛ حيث تم تداول الدولار في نحو 88% من معاملات العملات الأجنبية العالمية، بحسب تقديرات في أبريل 2019، وظلت هذه الحصة مستقرة على مدى السنوات الـ20 الماضية. في المقابل، تم تداول اليورو في 32% من معاملات العملات الأجنبية، بانخفاض عن ذروته البالغة 39% في عام 2010، ومع ارتفاع الطلب على التمويل بالدولار بشكل خاص في أوقات الأزمات، قد تواجه المؤسسات المالية الأجنبية صعوبات في الحصول على التمويل بالدولار. وفي إطار مواجهة السياسات النقدية والمالية المتشددة عالمياً – التي يقودها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي – توجه معظم المستثمرين إلى سندات الخزانة الأمريكية القصيرة الأجل؛ ما أدى إلى ارتفاع سعر الدولار مقارنة بالعملات الأخرى بنسبة 15% مقابل بعض العملات الأكثر تداولاً في العالم؛ ما أدى إلى زيادة أسعار الفائدة عالمياً، ومن ثم ارتفاع تكلفة الاقتراض؛ ما يعد تحدياً رئيسياً لمعظم الاقتصادات للحفاظ على قيمة عملاتها المحلية، ولا سيما اقتصادات الأسواق الناشئة ذات أرصدة الديون الكبيرة المقومة بالدولار.

جهود متنوعة

ونظراً لأهمية النقد الأجنبي – حيث يلعب الاحتياطي النقدي الدولاري دوراً مهماً في الاقتصادات القومية، ويعد معياراً لقوة أو ضعف الاقتصاد على الصعيدين الدولي والإقليمي، ومن ثم تتحدد على أساسه القرارات والسياسات الاقتصادية للدول – تبذل الدول جهوداً كبيرة لتوفير موارد دولارية لبناء احتياطيات النقد الأجنبي لديها ودعم اقتصاداتها، من خلال تعزيز الصادرات، والاعتماد على الاستثمارات الأجنبية والسياحة، وكذلك الاستدانة من الشركاء الدوليين.

علاوة على هذه الجهود التقليدية للحصول على العملات الأجنبية، تسعى الدول لابتكار آليات جديدة تسهم في توفير موارد النقد الأجنبي بخلاف برامج التمويل المقدمة من المؤسسات الدولية. ويمكن تناول أهم هذه الآليات المبتكرة على النحو التالي:

1- اجتذاب مدخرات المواطنين من العملات الأجنبية: تتمكن الحكومات من توفير النقد الأجنبي من خلال تقديم الحوافز لتشجيع المواطنين على عدم اكتناز العملة الأجنبية، وخاصةً الدولار، من خلال تسعير السلع المكملة والترفيهية في الدولة بالدولار، وتوفير الحوافز التي تشجع المواطنين على دفع الأعباء غير الضريبية (شبه الضرائب) بالعملة الأجنبية بدلاً من العملة المحلية، كما يمكن تعديل نظام الضرائب من خلال توسيع الشريحة الضريبية وإدخال ضرائب جديدة من بينها نظام الضريبة التصاعدية على الدخل، والضريبة على الأرباح؛ ما يسهم في سحب السيولة الفائضة من المواطنين لضمان عدم المضاربة بها أمام الدولار.

2- الاستفادة من تحويلات العاملين في الخارج: من خلال تحفيز العاملين بالخارج على تحويل أموالهم إلى القنوات الشرعية، عبر توفير المشروعات أو أدوات الاستثمار التي يمكنهم الاستثمار فيها، وإصدار شهادات وأوعية ادخارية دولارية بفوائد مرتفعة لاستثمار تلك العوائد، كما تتمكن الدول من دعم احتياطياتها من النقد الأجنبي من خلال الاستفادة من تحويلات العاملين في الخارج، من خلال إحكام المراقبة على السوق المصرفية، وإلغاء السوق السوداء لبيع الدولار، وتشجيع العاملين في الخارج على تحويل أموالهم عبر البنوك الوطنية؛ ما يسهم في دعم حصيلة الدولة من العملات الأجنبية. وقد جاءت الهند على رأس قائمة أعلى الدول استقبالًا لتحويلات العاملين بالخارج في آخر تقديرات عام 2022، بإجمالي 100 مليار دولار، تلتها المكسيك بنحو 60 مليار دولار، والصين بـنحو 51 مليار دولار، ثم الفلبين بإجمالي 38 مليار دولار. وجاءت مصر في المركز الخامس عالمياً، ومن المتوقع أن تسجل تحويلات المصريين بالخارج بنهاية 2022 نحو 32 مليار دولار. ومن ثم تتمكن الحكومات من استغلال تلك التحويلات وإعادة استثمارها من خلال طرح أوعية ادخارية وشهادات استثمار دولارية بفوائد مرتفعة، تسهم في جذب تلك التحويلات واستثمارها محلياً.

كما يمكن تقديم حوافز مشجعة لاستخدامها محلياً بطرق مشروعة. وفي ذلك الإطار وافقت الحكومة المصرية على مبادرة إعفاء السيارات القادمة من الخارج من الرسوم والجمارك مقابل وديعة دولارية، كما تعتزم طرح وحدات سكنية مميزة بأسعار تنافسية، شريطة دفع ثمن هذه الوحدات العقارية بالدولار، وثمة توجه من الدولة لإنشاء شركة مخصصة لاستقبال استثمارات المصريين العاملين في الخارج بهدف ضخ هذه الأموال في المشروعات داخل مصر.

3- تبني نماذج الأعمال الشاملة: تلجأ الحكومات إلى تبني ما يعرف باسم “Inclusive Business Models” من أجل زيادة موارد النقد الأجنبي، وهي نماذج عمل حديثة نسبياً تقوم على تحقيق منافع متبادلة بين الاستثمارات الأجنبية وحكومات المجتمعات والمناطق المحلية ذات الدخل المنخفض. ويمكن تطبيق هذه الفكرة من خلال قيام بعض الاستثمارات الأجنبية بالمساهمة في إنشاء مراكز توزيع للمنتجات ومستلزمات الإنتاج، والقيام بتوفير الدعم المادي والمعرفي للقائمين على هذه المراكز من المواطنين؛ ما يوفر تكلفة استيرادها. ويتم ذلك من خلال تهيئة البنية التحتية وتوفير التشريعات الملائمة، فضلاً عن تخفيض تكلفة الفرص الاستثمارية لاستهداف جذب الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة التي تسهم في زيادة تدفق الاستثمارات الدولارية لشراء الأصول من خلال الصناديق السيادية للدول، سواء أكانت أصولاً ثابتة عقارية، أو غير عقارية كالأسهم والسندات لانخفاض أسعارها، وتحفيز المستثمرين على إعادة استثمار أرباحهم داخل الدولة.

4زيادة جذب الاستثمار المؤسسي الأجنبي في الدولة: من خلال توفير البيئة الاستثمارية الجاذبة وتقديم التسهيلات والحوافز الحقيقية، للمستثمرين المشاركين في التداول في الأسواق المالية، ويشمل الاتحادات الائتمانية والبنوك والصناديق الكبيرة مثل الصناديق المشتركة أو صناديق التحوط وصناديق رأس المال الاستثماري وشركات التأمين وصناديق التقاعد؛ حيث يمثل الاستثمار المؤسسي نحو 80% من إجمالي حجم التداول في البورصات العالمية المتطورة، ويلعب دوراً مهماً في الأسواق المالية، نتيجة لما تضخه تلك المؤسسات من رؤوس أموال للشركات، وخلق مزيد من الطلب في سوق الأوراق المالية؛ ما يوفر سيولة إضافية للأوراق المالية المتداولة، ويسهم في زيادة الاستثمارات في السوق المالية المحلية؛ ما يؤدي إلى زيادة المعروض من العملات الأجنبية.

5- توفير العملة الأجنبية من خلال زيادة الإنتاجية: وذلك بتحويل الاقتصادات للاعتماد على القطاعات الإنتاجية لا الاستهلاكية، وتشجيع المنتج المحلي، وإعطاء مزايا تفضيلية للمصانع التي تنتج سلعاً بديلة عن المستوردة، بأن يتم تخفيض نسبة الضريبة عليها أو أن توفر الدولة للقائمين عليها المواد الخام والوسيطة بأسعار مخفضة، ومن ثم تتراجع أسعار المنتجات المحلية بالإضافة إلى ارتفاع جودتها، بما يؤدي إلى تعزيز الصادرات وزيادة تنافسيتها في الأسواق الخارجية من جهة، وإحلاله محل السلع المستوردة في الأسواق الداخلية من جهة أخرى، فضلاً عن عدم الاعتماد على تصدير المواد الخام فقط، بل يجب الاستفادة من القوى البشرية في الدول، وبناء المزيد من المصانع والشركات الحكومية لتصنيع السلع والمنتجات النهائية بمزايا نسبية سواء باستخدام سلع أولية ومواد خام من الدولة أو استيرادها لإنشاء منتجات ذات قيمة مضافة للتصدير مرة أخرى، وتوجيهها للدول التي لا تمتلك مزايا نسبية في تصنيع تلك السلع، سواء من حيث ارتفاع جودة الإنتاج أو انخفاض تكلفة العمالة؛ للاستفادة من القيمة المضافة للسلع، ومن ثم، يمكن للمصدرين والشركات الأخرى التي تكتسب العملات الأجنبية، استبدالها بالعملة المحلية مع البنوك التجارية الخاضعة لسلطة البنوك المركزية، أو مباشرة مع البنك المركزي، بالإضافة إلى فرض ضرائب جديدة على استيراد السلع الكمالية، فيرتفع سعرها مقارنة بالمنتج المحلي؛ ما يعطي ميزة تنافسية للمنتجات المحلية ومن ثم توفير التدفقات الدولارية الصادرة لدفع فاتورة الواردات، كما يمكن تعزيز برامج المشاركة مع القطاع الخاص، ومواصلة جهود تحفيز القطاع التصديري لدفع الصادرات السلعية والخدمية، إضافة إلى مواصلة الخطط الداعمة لزيادة حصيلة الصادرات الخدمية.

7- استهداف المدخرات الدولارية خارج القطاع المصرفي: من خلال إيجاد أوعية ادخارية ذات فائدة مرتفعة، ورفع سعر الفائدة على الودائع الدولارية للمواطنين، وإصدار شهادات دولارية بفوائد مرتفعة، بما يسهم في زيادة المعروض من العملات الأجنبية في النظام المصرفي، وتخفيف إجراءات التمحيص في مصادر النقد الأجنبي عند الإيداع، ودراسة استخدام المشتقات الدولارية.

8- حظر قنوات استنزاف الموارد الدولارية: من خلال خفض النفقات الحكومية غير الضرورية التي يتم الصرف بها بالعملات الأجنبية، وإعادة ترتيب الأولويات لموارد الدولة المحدودة لضبط الإنفاق، وتفعيل سياسة تجميد استيراد السلع الكمالية والترفيهية، أو زيادة الضرائب على استيرادها، إلى جانب تشديد عقوبات الاتجار في العملة، وتشديد عمليات الصرف الآجلة للعملاء وحظرها لأغراض المضاربة، والسماح بها فقط بشرط أن يكون الغرض منها تغطية مراكز العملاء الناتجة عن أي من العمليات التجارية التي تتم عن طريق البنك ذاته، وهي اعتمادات مستندية، ومستندات تحصيل، وتسهيلات موردين.

9- فرض قيود على خروج رؤوس المال: من خلال فرض ضرائب باهظة على خروج رؤوس الأموال الساخنة، ووضع قيود على خروج الاستثمارات من خلال رفع التكلفة، أو التفاوض حول البقاء من خلال حوافز ضريبية للمستثمرين لإعادة استثمار أرباحهم داخل الدولة، أو فرض إعادة استثمار نصف الأرباح في قانون الاستثمار كما في قانون الاستثمار في الجزائر، وفرض ضرائب على الشركات التي تملك فروعاً في ملاذات ضريبية، أو يتخذ مؤسسوها من الملاذات الضريبية مقراً لهم، على غرار الضريبة في إنجلترا، والولايات المتحدة الأمريكية، وأن تُلزم الدولة الشركات العالمية المستثمرة لديها بأن تعلن أرباح الشركة عن كل دولة على حدة وبشكل مفصل؛ لتفادي تحويل الأرباح إلى الفروع المقامة في البلدان التي لا تفرض ضرائب.

10- إصدار الديون بالعملات الأجنبية: تعتبر السندات والصكوك واحدة من أدوات التمويل من خلال الأسواق الدولية؛ حيث يمكن للحكومات إصدار الديون عن شركاتها بالدولار الأمريكي من خلال طرح السندات والصكوك في الأصول المحلية للاكتتاب دولياً؛ ما يتطلب بناء وتطوير سوق المشتقات المالية بهدف تعميق سوق الصرف الأجنبية ورفع مستويات السيولة بالعملة الأجنبية، وجذب استثمارات المحفظة الأجنبية من خلال طرح أدوات الدين، مثل أذون الخزانة والسندات للمستثمرين الأجانب والمواطنين العاملين بالخارج؛ وذلك بتثبيت سعر الدولار لهم واستعادة دولاراتهم بالسعر الذي تم استثمارها به. ومن الممكن أيضًا أن تقوم البنوك المركزية بعقد اتفاقات مبادلة للعملات المحلية مع البنوك المركزية الأخرى، أو شراء عملات الدول الصديقة من السوق المفتوحة، والتداول على تلك العملات؛ ما يسهم في جذب المزيد من العملة الأجنبية، ومن ثم يزيد الاحتياطي النقدي للدولة فترتفع قيمة عملتها، وتحقق معدلات النمو الاقتصادي المنشودة.

وأخيراً، وللمحافظة على الاحتياطيات النقدية للدول وزيادة حصيلتها من النقد الأجنبي، هناك ضرورة لتطوير النظام النقدي والمالي الدولي ليكون قادراً على التعامل مع التدفقات الخارجة والاضطرابات والأزمات الراهنة وتسهيل التحولات القادمة، من بينها الخروج من السياسة النقدية الاستثنائية، والانتقال إلى صافي الانبعاثات الصفرية والرقمنة المحتملة للنظام النقدي الدولي.

كما يجب على الدول ذات السياسات الاقتصادية السليمة أن تعيد خطوط المبادلة مع البنوك المركزية التي تحتاج إلى معالجة مواطن الضعف، وأن تستفيد بشكل استباقي من الخطط الاحترازية لصندوق النقد الدولي لتلبية احتياجات السيولة في المستقبل، كما يتعين على الدول التي لديها ديون كبيرة بالعملة الأجنبية التقليل من عدم تطابق العملات الأجنبية، باستخدام إدارة تدفق رأس المال أو السياسات الاحترازية الكلية، بالإضافة إلى عمليات إدارة الديون لتسهيل ملامح السداد.