• اخر تحديث : 2024-04-12 17:11
news-details
أبحاث

تداعيات التطورات في السودان على دول الجوار وأمن البحر الأحمر


شكَّل اندلاع الاشتباكات في السودان نهاية متوقعة لتوترات وحرب تصريحات بين الجيش السوداني والدعم السريع استمرت أشهرًا، وخلال الأسبوعين الماضيين أخفقت كل الجهود المبذولة من قوى إقليمية ودولية مختلفة لدفع الطرفين إلى طاولة التفاوض.

تعمل هذه الورقة على البحث عن التداعيات المتوقعة على دول الجوار السوداني وأمن البحر الأحمر في حال استمرار هذا الصراع وتحوله إلى حرب أهلية؛ حيث تبدو مؤشرات حدوث هذا السيناريو في تزايد مستمر.

1- التداعيات المحتملة على دول الجوار السوداني

أ- تشاد

لطالما أثَّرت التغيرات السياسية في السودان على السياسة الداخلية في تشاد، نتيجة التشابكات القبلية بين البلدين والحالة الأمنية الهشة وعدم التوافق السياسي داخل تشاد ما يفتح الباب لإمكانية توظيف العوامل القبلية ضمن حروب الوكالة ذات التاريخ الطويل في المنطقة.

في تشاد تتشابك القبيلة والسياسة والسلطة بشكل لا يمكن فصله؛ حيث "أثبت التاريخ أن القبيلة هي كل شيء في تشاد سابقًا وحاضرًا".

ووفقًا للمعادلات الحالية، فإن الرئيس السابق، إدريس ديبي (1990-2021)، وابنه محمد، رأس الدولة الحالي، يمثلان تحكم قبيلة الزغاوة بمفاصل السلطة في البلاد، وهي قبيلة ذات امتدادات في منطقة دارفور السودانية حيث تضم زعماء بارزين مثل مني أركو مناوي، قائد حركة جيش تحرير السودان، وجبريل إبراهيم جبريل، قائد حركة العدل والمساواة، وهما من أبرز حلفاء تشاد في السودان.

ولذلك يبدو أحد أهم مخاوف نجامينا متمثلًا في أن يؤدي انتصار قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، في معركته الحالية في السودان إلى تحويل منطقة دارفور إلى "قاعدة انطلاق للمتمردين العرب الذين يتحدون الحكومة في تشاد"؛ حيث تبدو "المعادلة العربية"، وفقًا لمسؤول تشادي، "التحدي الأكبر".

من جانب آخر يمثل احتمال هزيمة الدعم السريع في الخرطوم وتحويل زعيمه منطقة دارفور المحاددة لتشاد إلى مركز لقيادة تمرد طويل الأمد ضد الخرطوم، مثار قلق آخر لنجامينا؛ حيث سيؤدي ذلك إلى مجموعة عواقب منها دعم المتمردين التشاديين المقاتلين معه في قوات الدعم السريع؛ حيث تتهم قوات الدعم السريع بتجنيد مقاتلين عرب من تشاد ودول الساحل وتشجيعهم على إحضار عائلاتهم كجزء من محاولات تغيير الأوزان الديمغرافية في دارفور.

بجانب ذلك، قد تتيح عودة حميدتي إلى دارفور الفرصة لحلفائه من قوات فاغنر الروسية لإنشاء شبكة تمتد من السودان إلى إفريقيا الوسطى إلى معاقل الجنرال خليفة حفتر في ليبيا؛ حيث قامت السفارة الأميركية في نجامينا، يناير/كانون الثاني الماضي، بتبادل المعلومات مع أجهزة المخابرات المحلية حول احتمال تشكيل تمرد تشادي في شمال جمهورية إفريقيا الوسطى بدعم من مقاتلي يفغيني بريغوجين؛ وهو ما سيزيد من حدة التنافس الجيوستراتيجي الدولي على تشاد واحتمال تدخل فرنسا المباشر لحماية نظام الرئيس ديبي الذي يعد واحدًا من آخر حلفاء باريس في المنطقة.

ب- ليبيا

تعد ليبيا من أكثر الدول تأثرًا بتطورات الأحداث في السودان، وتربط علاقة متينة بين كل من قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، والجنرال، خليفة حفتر، المسيطر على شرق ليبيا، ضمن حلف تموله الإمارات وتدعمه روسيا.

وتقاتل ميليشيات الجنجويد التي خرج من رحمها الدعم السريع إلى جانب قوات حفتر في ليبيا، ولذلك فقد كان من اللافت الزيارة التي قام بها خيري التميمي، مدير مكتب حفتر، إلى الخرطوم قبل يومين من اندلاع الاشتباكات مرافقًا للصدِّيق نجل حفتر الذي تم تكريمه رئيسًا شرفيًّا لنادي المريخ السوداني، ويرى بعض المراقبين أن ملابسات زيارة نجل حفتر ولقائه حميدتي في الخرطوم تثير شكوكًا حول إمكانية ارتباطها بالأزمة في السودان.

ونشرت وول ستريت جورنال تقريرًا عن وصول دعم لوجستي لحميدتي من مناطق سيطرة حفتر في ليبيا، وهو ما نفاه الأخير، ويبدو أن هذا النفي نابع من رغبة حفتر في عدم إغضاب القاهرة، فالجنرال الليبي واقع تحت ضغوط كبيرة بين داعميه الكبيرين، مصر والإمارات، وتطورات الأوضاع في السودان قد تدفعه إلى اختيار الوقوف مع أحدهما.

وتبدو تداعيات كل السيناريوهات المتوقعة في السودانية سلبية على الساحة الليبية؛ حيث إن هزيمة حميدتي ستحوِّل الجنوب الليبي إلى ملاذ لمقاتليه الذين ستزداد أعدادهم هناك، في حين أن انتصاره سيقوي شوكة قواته الموجودة في الجنوب الليبي، كما أن استمرار الصراع سيحول الجنوب الليبي إلى قاعدة إمداد خلفي لقوات الدعم السريع بالأسلحة والغذاء والوقود المهرب من ليبيا ما سيؤثر في ارتفاع أسعار الأخيرين في المنطقة.

وأيًّا يكن المسار الذي ستتخذه الأمور في السودان فإنه سيشكل عرقلة حقيقية للجهود الهادفة إلى إخراج المقاتلين الأجانب من ليبيا، كما إنه سيصعِّب من إجراء الانتخابات في الجنوب الليبي في ظل التهديدات الأمنية.

ج- مصر

يمثل السودان عمقًا إستراتيجيًّا للأمن القومي المصري، ولذلك فإن الصراع في الجار الجنوبي يطلق أجراس الإنذار المختلفة في القاهرة.

يبدو الموقف السوداني من سد النهضة في طليعة الملفات التي تشغل صانع القرار المصري؛ حيث نجحت القاهرة في السنوات الماضية في بناء جبهة متماسكة مع السودان في جولات التفاوض الطويلة مع إثيوبيا، وتتخوف القاهرة من أن يسفر القتال عن وصول طرف غير مرحِّب بالتعاون مع مصر في هذا الملف إلى سدة السلطة في السودان، في حين تبدو أولى التداعيات في إضعاف الأوضاع الحالية الموقف السوداني إزاء الملء الرابع للسد، وهو ما يزيد العبء على القاهرة وجهودها لمعالجة أزمة السد.

ورغم أن مصر داعمة تاريخيًّا للمؤسسة العسكرية السودانية فإن أي تدخل مباشر من القاهرة لدعم الجيش السوداني قد يؤدي إلى توتير العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة التي تعد أحد مصادر التمويل القادرة على دعم القاهرة في مواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها، كما أن هذا النوع من التدخل سيعرقل جهود الوساطة التي تنخرط فيها القاهرة، وقد يجرها إلى مستنقع حرب ممتدة تذكِّر بتجربة اليمن السلبية في عهد الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر.

ومما يزيد موقف القاهرة حساسية أن انتصار قائد قوات الدعم السريع سيؤدي إلى تقلص النفوذ المصري في السودان مقابل تعاظم نظيره الإماراتي، ولذلك يبدو أن القاهرة تحاول صنع نوع من التوازن مع أبو ظبي من خلال التنسيق المباشر مع السعودية المتحسبة من ارتدادات الصراع في السودان على أمن البحر الأحمر والمتخوفة من وجود بؤرة لفوضى إقليمية في جوارها.

من جانبها، تتحسب القاهرة من أن طول أمد الحرب سيؤدي إلى حدوث فراغ أمني تستغله جماعات إرهابية تهدد استقرار الحدود الجنوبية لمصر، ولاسيما أن السودان ليس بعيدًا عن أحزمة عنف مختلفة في بحيرة تشاد والقرن الإفريقي والساحل.

اقتصاديًّا، تحمل الأزمة السودانية تبعات ثقالًا على الاقتصاد المصري؛ حيث أكدت وكالة موديز أنه إن تحولت الاشتباكات إلى حرب أهلية في السودان، أو تمددت إلى الدول المجاورة، أو أضعفت البيئة الأمنية في المنطقة، فستتأثر جودة الأصول لبنوك التنمية متعددة الأطراف التي تركز قروضها في تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا ومصر.

في حين أن خطر الصراع في السودان سيدفع المؤسسات المالية الدولية إلى زيادة تكلفة الإقراض والفوائد على القروض التي تمنحها لمصر، ارتفاعًا من 4% أو 5% إلى أكثر من 8%(21).

بجانب هذا، سيؤثر طول الصراع السوداني في فقد القاهرة سوقًا تجارية مهمة؛ حيث ارتفع التبادل التجاري بين البلدين إلى 1.2 مليار دولار بنهاية 2021 من 711.4 مليون دولار عام 2020، في حين أن السودان يعتبر بوابة مصر التجارية إلى شرق إفريقيا وتعطل هذا الطريق سيؤثر على انسيابية الحركة التجارية لمصر مع دول تلك المنطقة ولاسيما أن بعضها دول حبيسة.

وبينما تمثل استضافة مصر للاجئين السودانيين ضربًا من الدبلوماسية الشعبية وتعزيز صورة مصر في السودان حيث أدت التجاذبات السياسية في الأخير إلى توتر مشهود في علاقة القاهرة بشرائح من السودانيين، لكن في المقابل فإن تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين على مصر سيشكِّل ضغطًا على الاقتصاد المصري الذي يعاني أصلًا من أزمات حادة.

د- إريتريا

على خلاف جميع دول الجوار السوداني، لم يصدر عن أسمرة أي رد فعل حيال الأزمة المتصاعدة في جارتها الغربية، وهو ما يمكن عزوه إلى رغبة إريتريا في الانتظار لانجلاء غبار المعارك عن منتصر؛ حيث إن المغامرة بدعم أحد طرفي الصراع، رغم علاقاتها بالدعم السريع بطبيعة تحالفاتها مع الإمارات ورسيا، قد تكون تكلفتها عالية لاحقًا في حال وصول نظام حكم معاد لأسمرة قد يقوض التفاهمات التي أرسيت مع نظام الإنقاذ بعدم السماح بأي نشاط للمعارضة الإريترية في السودان وبالقبول بنفوذ لإريتريا في شرق البلاد عبر حلفائها المحليين.

رغم أهمية السودان متعددة الأبعاد بالنسبة لأسمرة فإن التداعيات التي تتحسب لها إريتريا في ما يتعلق بالصراع السوداني مرتبطة بملفين متشابكين: ملف الأمن وملف اللاجئين.

أسمرة تخشى من انتقال الصراع الواسع إلى شرق السودان المحاد لإريتريا؛ حيث إن انتشار الفوضى الأمنية في تلك المنطقة وانحياز أسمرة لأحد طرفي الصراع قد يمهدان الطريق لظهور تمرد مسلح موجه نحو إريتريا.

تزداد خطورة هذا المهدد بالنظر إلى مجموعة عوامل منها الاحتمال العالي لتدويل الصراع في السودان وتحوله إلى ساحة تصفية حسابات روسية-أميركية؛ حيث نُشرت تقارير عن دعم مجموعة فاغنر الروسية لقوات الدعم السريع، في حين وصلت السفن الحربية الأميركية إلى شواطئ السودان في رسالة واضحة إلى روسيا حول الجاهزية الأميركية للتدخل في الصراع، والذي قد يشمل في هذه الحالة محاولة تقويض النظام الإريتري من خلال تمرد عسكري تدعمه واشنطن، في إعادة إحياء لمشروع مماثل تم العمل عليه إبان الحرب في تيغراي لكنه تعثر في خطواته الأولى.

المخاوف من هذا النوع من التهديدات الأمنية تزداد بالنظر إلى أن شريحة كبيرة من اللاجئين الإريتريين في السودان هم من الشباب، بجانب أن موجات اللاجئين في السنوات الأخيرة كانت تتكون أساسًا من مجندين هاربين تلقوا تدريبات عسكرية في إطار الخدمة الوطنية في إريتريا، واضطرتهم سياسات أسمرة إلى مغادرة البلاد إلى السودان، وانغلاق الآفاق أمامهم في السودان نتيجة الحرب قد يمثل عاملًا مرجحًا لانضمامهم إلى أي عمل عسكري ضد النظام الإريتري.

بجانب هذا، فإن الطرف الأقرب لأسمرة، وهو الدعم السريع، لا يمتلك انتشارًا عسكريًّا كبيرًا أو قواعد شعبية تؤهله للسيطرة على الأوضاع في شرق السودان بما يخدم المصلحة الإريترية؛ حيث إن قواعده الرئيسية موجودة في إقليم دارفور غربي البلاد.

وهذا الملف الأمني مرتبط ارتباطًا وثيقًا بملف اللاجئين الإريتريين في شرق السودان؛ حيث تضم هذه المنطقة إحدى أكبر الجاليات الإريترية في الخارج حيث يبلغ عدد المسجلين في معسكرات اللاجئين في كسلا والقضارف ما يزيد على 123ألف لاجئ، فضلًا عن كلٍّ من المقيمين خارجها والحاصلين على الجنسية السودانية، وكثير من هؤلاء من مجموعات قبلية تعيش على طرفي الحدود بين إريتريا والسودان.

تكتسي هذه المجموعات البشرية أهمية كبرى كونها تمثل المعادل الديمغرافي والتاريخي لمجموعة التغرينية التي تمثل الحاضنة الرئيسية لقادة النظام الإريتري، كما أن قطاعًا مهمًّا منها محسوب على قوى سياسية مناوئة تاريخيًّا للحزب الحاكم في إريتريا قبل وبعد التحرير، ولذلك لم توفر الحكومة الإريترية الخطط والأدوات لعودة هؤلاء اللاجئين الذين يعود تاريخ لجوء بعضهم إلى ستينات وسبعينات القرن الماضي، وهو ما لا ترغب أسمرة في حدوثه بضغط الصراع إن امتد إلى شرق السودان.

ه- إثيوبيا

يبدو المهدد الأمني أحد المشاغل الرئيسية لإثيوبيا من تداعيات الصراع في السودان ولاسيما بالنظر إلى المشاكل الأمنية العميقة التي عانتها إثيوبيا خلال السنوات الأخيرة والقنابل الموقوتة التي تهدد بالانفجار بين الفينة والأخرى.

ضمن هذه المهددات الأمنية يأتي التحسب من أن يؤدي الاقتتال في السودان إلى حالة من انهيار الدولة وفق النموذج الصومالي أو الليبي وهو ما يحولها إلى "جنة" للجماعات المسلحة كحركة الشباب الصومالية التابعة لتنظيم القاعدة والتي عملت على استهداف إثيوبيا بشكل مباشر خلال السنوات الماضية.

بجانب هذا ثمة تخوف من تحول الحدود بين البلدين إلى مجال لتحرك مجموعات إثيوبية معارضة تستهدف النظام في أديس أبابا، وستجد لها دعمًا من أطراف إقليمية مناوئة لإثيوبيا كمصر.

كذلك يبدو التخوف من موجات لجوء كبيرة، سواء من الإثيوبيين الموجودين في السودان أو من السودانيين، ماثلًا، بالنظر إلى أن البلاد لم تستطع بعد التعافي من الآثار العميقة لحرب التيغراي التي استنزفت الاقتصاد الإثيوبي وخلقت أزمات نزوح داخلية ضخمة لم تتمكن الحكومة بعد من معالجتها.

ورغم محاولة حميدتي التقرب من أديس أبابا مستغلًّا مخاوفها من علاقة الجيش السوداني بالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ومصر، فإن المتوقع أن تبتعد أديس أبابا عن الانحياز لأحد الطرفين وأن تعمل على التدخل الإيجابي في الحالة السودانية، كوسيلة لتمتين العلاقات مع الولايات المتحدة التي تقود جهودًا محمومة على أكثر من مستوى للحيلولة دون انهيار الأوضاع في السودان؛ حيث يرجح أن تسهم إثيوبيا في بلورة صيغة تسوية جديدة من خلال مبادرة الإيغاد المدعومة أميركيًّا، في حين تظل أعينها منصوبة باتجاه إضعاف النفوذ المصري في السودان.

بجانب هذا، فإن التطورات الأخيرة في السودان ربما تبدو فرصة لإثيوبيا لاستعادة فاعلية دورها سواء على مستوى الساحة السودانية والذي تأثر نتيجة الخلاف على الفشقة وسد النهضة والموقف من الحرب في تيغراي، أو على مستوى الإقليم الذي شهد تراجعًا للدور الاثيوبي نتيجة انكفائها على الحرب في تيغراي، وقد كان نجاح أديس أبابا في الوساطة بين المكونين، العسكري والمدني، عام 2019، من العلامات البارزة على الصعود الإقليمي لرئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد.

فيما يتعلق بالفشقة، يرجح أن تحاول بعض الميليشيات الأمهرية إعادة الهجوم على المنطقة في مواسم الحصاد السنوية، وربما عملت بعض القوى السياسية الأمهرية للضغط على الحكومة الإثيوبية لاستغلال الأزمة السودانية لاستعادة السيطرة على الفشقة، وهو ما يبدو ضعيف التحقق بالنظر إلى انتشار الجيش السوداني في المنطقة وتعقيده لأي تسوية تحاول إثيوبيا أن تكون طرفًا فيها.

و- جنوب السودان

مخاوف جنوب السودان من تداعيات الأوضاع السودانية مرتبطة بعدد من الملفات يأتي على رأسها تصدير النفط؛ إذ تصدر جنوب السودان إنتاجها النفطي البالغ 170 ألف برميل يوميًّا عبر خط أنابيب يخترق السودان انتهاء بميناء بورتسودان، ويخشى أن يؤدي القتال إلى تعطيل تدفق البترول وهو ما حدث فعليًّا في الأيام الأولى للاشتباكات، في حين لا تزال الاشتباكات مستمرة حول مصفاة الجيلي، وتسريب قوات الدعم السريع صور سيطرتها على المصفاة كانت رسالة مباشرة إلى جنوب السودان.

يمثل قطاع النفط 70% من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من 90% من الإيرادات العامة وجميع الصادرات تقريبًا في جنوب السودان. وفي عام 2019، شكَّل النفط 94.6% من إجمالي الصادرات؛ إذ بلغت قيمة صادرات الخام 1.62 مليار دولار.

ثمة توقعات بتدفق أعداد كبيرة من اللاجئين إلى جنوب السودان وهو ما تحقق بالفعل منذ الأيام الأولى للاشتباكات، ويتنوع هؤلاء اللاجئون بين مواطنين من جنوب السودان يعيشون في الشمال يقارب عددهم 800 ألف، وسودانيين ستضطرهم ظروف الحرب إلى التوجه إلى الجنوب، وهو ما سيزيد من الضغوط الاقتصادية على جوبا التي لم تتعاف بعد من آثار أزمة كورونا والحرب الأهلية التي خلَّفت أكثر من مليوني نازح داخل البلاد.

جانب آخر مرتبط بملف اللاجئين يتمثل في أن قدوم موجات كبيرة من اللاجئين بهذا الشكل غير المخطط له سيثير التوترات في المجتمعات المحلية التي تعاني مسبقًا من انعدام الأمن الغذائي وندرة الموارد، وهو ما حدث فعليًّا في عدد من المناطق.

أحد التداعيات المتوقعة مرتبطة بحلفاء جنوب السودان في النيل الأزرق وجنوب كردفان إذ قد يؤدي طول الحرب السودانية إلى توسيع الحركة الشعبية قطاع الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو مناطق سيطرتها، مستغلة انشغال الجيش السوداني والدعم السريع، الذي يعد الأداة الأساسية لقتال المتمردين في السودان، لكن حاليًّا يبدو هذا التحرك مستبعدًا لأنه يعقِّد الوساطة التي يقوم بها رئيس جنوب السودان، سيلفا كير ميارديت.

2- التداعيات المحتملة على أمن البحر الأحمر

رغم العديد من المخاوف حول تأثير التطورات في السودان على أمن البحر الأحمر فإن ما يبدو حتى الآن أن أي تهديدات من هذا النوع لا تزال فرضية مستبعدة؛ حيث إن القتال لا يزال يدور في الخرطوم، وفي حال هزيمة قوات الدعم السريع في معركة الخرطوم فإنها ستتوجه غربًا إلى دارفور حيث حاضنتها الاجتماعية وقواعدها الخلفية، لا إلى الشرق.

مما يعضد هذا التحليل أن قوات الدعم السريع استسلمت خلال أول يومي قتال في شرق السودان الذي يضم ساحل البحر الأحمر، وبالتالي ظلت ولايات الشرق الثلاث تحت سيطرة الجيش السوداني، وأصبحت إحدى وجهات فرار الهاربين من المناطق المتضررة من الاشتباكات.

ورغم محاولات قائد الدعم السريع بناء قواعد دعم له وسط المكونات الاجتماعية في شرق السودان سواء من خلال شراء الولاءات أو التجنيد في قواته فإن الواقع يثبت أن هذه المحاولة لم يكن لها تأثير يذكر في سياق الصراع الحال، بل إن بعضًا من أكبر المكونات القبلية في الشرق أبدت تأييدها للمؤسسة العسكرية.

بجانب ما سبق، ليس هناك طرف من الأطراف المنخرطة في القتال أو من داعميهم معنيًّا بالتأثير على أمن البحر الأحمر، في حين أن هذا الملف من الخطوط الحمراء للقوى الدولية والإقليمية، وكان من الملاحظ إقدام الولايات المتحدة على إرسال مجموعة سفن حربية إلى الشواطئ السودانية تحت غطاء المساعدة في عمليات الإجلاء في حين تبدو من أبرز مهامها ضمان أمن الملاحة في المنطقة.

وفي تجربة مماثلة، فإن اتفاق ستوكهولم الذي رعته الأطراف الدولية بين المتحاربين في اليمن كان محاولة لحصر القتال في الداخل اليمني بعيدًا عن الساحل، وهو ما قد يتكرر في الحالة السودانية إن تمدد القتال إلى شرق السودان، وهو احتمال يبدو ضعيفًا حتى الآن.

خلاصة

نتيجة للموقع الحساس للسودان ووقوعه في وسط مجموعة من الدول يغلب عليها الهشاشة تتردد الأصداء الخطرة لمعارك الخرطوم في دول الجوار جميعها، مهددة بخلق حالة من الاضطراب الأمني تعم المنطقة.

وهذا ما يفسر تداعي دول الجوار الواردة في الورقة بما فيها السعودية لدعم مبادرات مختلفة للحيلولة دون تدهور الأوضاع في السودان المهدد في حال امتداد القتال بالسيناريو الليبي أو الصومالي.