• اخر تحديث : 2024-06-21 02:51
news-details
مقالات عربية

التطبيع بين السعودية والكيان الصهيوني ما بين ضجيج إعلامي مفتعل وأمانٍ وتوقعات، يستحوذ مصطلح التطبيع على نصيب إعلامي كبير على مستوى العالم وأكثر مصادر هذا التسريب الإعلامي هو الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية باقتراب موعد التوقيع وتم تحديد الربع الأول من عام 2024 لذلك.

ومما تم التركيز عليه وعلى لسان الرئيس الأميركي جو بايدن "بأنه في حل تم إنجاز الاتفاقية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي عهد السعودية محمد بن سلمان سيكون ذلك بمثابة حدث تاريخي وازدهار وتكامل في شرق أوسط جديد، تكون فيه اسرائيل على علاقة طبيعية مع دول العالم الاسلامي، وينتهي الصراع العربي الاسرائيلي، وينجز الممر الاقتصادي الهندي الآسيوي، والشرق أوسطي والأوروبي".

وبهذا حلم ورؤية قادة ومؤسسي الكيان الصهيوني سواء (ثيدور هرتزل وفلاديمير جيبوتنسكي وبن غوريون) الذين تنبأوا بذلك قبل قرن ويزيد، والتي رافقها حربين عالميتين وهزيمة للدولة العثمانية، وتقسيم ممتلكاتها وإنشاء الأمم المتحدة، وكل المنظمات الدولية والجامعة العربية وبناء وطن قومي لليهود في فلسطين قد تحقق.

السؤال الجوهري والمهم هل هذه الضجة والتكثيف الإعلامي عن قرب هذه الصفقة ذات الوزن والعيار الثقيل قابلة للتحقق؟ أم أن هناك مخاض عسير يجري خلف الكواليس قد يتبخر؟!

العنوان المهم هو أن الولايات المتحدة معنية بالتحولات العالمية وتدرك خطورة تهديد الصين وشبحه القادم، لذا خروجها من منطقة الشرق الأوسط المكتنَزة لمواجهته والتصدي له كارثة، سيما أن لاعب إقليمي كبير كالسعودية يوثق علاقته الاستراتيجية بهذا الدب القادم، وينضم لمحور "البريكس" المعادي للسياسة والهيمنة الأمريكية، وتطور معه الأمر لأن ترعى الصين مُصالحة تاريخية بين خصمين، وأهم قطبين إسلاميين في المنطقة إيران والسعودية.

هذا التوجه لا يشكل ناقوس خطر على الكيان الصهيوني فقط بل على الأمريكيين أيضًا، فاستمرار الهيمنة على أكثر مناطق العالم المتحكمة في مصادر الطاقة والممرات المائية، وخزان العقيدة الإسلامية يُبقي هذه المنطقة تحت المظلة الأمريكية وبالمحصلة الكيان الصهيوني يستمر قويًا وحاضرًا.

 الكيان يعيش هذه الفترة قلقًا وجوديًا ويعتقد بأن أمريكا أعادت فتح الحوار مع إيران حول البرنامج النووي حتى لو بسقف مصغر، واستئناف ذلك تحت أي ظرف مهددٌ خطير في الوقت الذي يعد به العدة لتكوين "ناتو -عربي-صهيوني"، بدعم أمريكي لمواجهة واقتلاع هذا العدو.

بايدن حاول أن يخفف من قلق الكيان حيال ما يجري بطرح مشروع التطبيع بين السعودية وإسرائيل وهو يدرك رؤية نتنياهو بأن التطبيع مع السعودية سيجعل الشرق الأوسط أكثر استقرارًا وأمانًا وازدهارًا وسينهي الصراع العربي الإسرائيلي.

على الجانب الآخر اللاعب السعودي ممثلاً بولي العهد ووزير خارجيته وطاقم رفيع المستوى، يراقبون عن كثب وبحنكة ويحسب لهم أنهم يديرون معركة شرسة بصمت ووعي وبعيدًا عن الإعلام والتشنج وبحديث دبلوماسي عالٍ وفي إشارات تدلل على قبولهم صراحةً اندماج الكيان، بل ولعب دورًا مهمًا في الشرق الأوسط.

الطرح السعودي ثقيل العيار لا يقبله الإسرائيلي ولا الأمريكي، وغير قادرَين على تمريره في مؤسساتهم الرسمية، كتوقيع معاهدة دفاع مشترك وحماية في حالة اعتداء أي طرف على السعودية من الولايات المتحدة أسوأه الحاصل مع كوريا الجنوبية واليابان، وبناء برنامج نووي سلمي وتخصيب اليورانيوم في السعودية بالإضافة إلى دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس.

الواضح من القراءة المعمقة بأن هذه الشروط التي وضعتها هي مبادئ وقابلة للتحاور عليها، تدرك سلفًا أن إدارة "بايدن أو نتنياهو" غير قادرة على تطبيق أي من شروطها.

الكيان الصهيوني يمر بأزمة داخلية عاصفة وحكومة ذات لون يميني ديني متطرف تريد أن تنهي كل طموحات وآمال الفلسطينيين، لا بدولة ولا قدس ولا سيادة بل طرد وتهجير وتصفية، والتي عملت مبكرًا للقضاء على فكرة مفاعل في العراق وسورية وليبيا، واليوم مع إيران لن تسمح بالمطلق لا ببرنامج سلمي أو عسكري مع السعودية.

هذه الشروط التي وضعتها السعودية هي مهدده ليس لسقوط حكومة نتنياهو ووضع السيف على رقبته لأن الكنيست الصهيوني لا يمكن أن يوافق على برنامج نووي للسعودية أي كان ولا على دولة فلسطينية.

الكونغرس الأمريكي لا يمكنه الموافقة على التصديق لا على معاهدة حماية ولا على برنامج نووي، ووعود بايدن في الربع الأول الذي يصادف بدء الانتخابات الأمريكية في 2024، وتحقيق هذا الأمر ليس أكثر من أمنيات.

هذا المشهد لا يدلل كما يروج له الأمريكان والصهاينة على استقرار وازدهار بل العكس يعمق الصراع ويؤججه.

الحقيقة الراسخة التي يجب أن لا تغيب عن الأذهان للساسة والعامة هي أن زرع هذا الكيان المعقد لا يمكن أن ينتج سلامًا ولا أمانًا، بل ينتج حروبًا وصراعات وهذا دوره الوظيفي ومهمته؛ فتخيل أن يتحدث عن تطبيع واندماج وسلام واستقرار وهو يهتك ويقتل ويصادر ويهود المقدسات، ولا مشروع أمامه إلا سحق الفلسطينيين وطردهم وإعلان يهودية الدولة ونقائها، وإقامة الهيكل المزعوم بعد هدم المسجد الأقصى. 

التضخيم الصهيوني الأمريكي لهذه الضجة وتشغيل الماكينة الإعلامية هدفها فقط إشاعة وتعميق روح اليأس عند الفلسطينيين بأن لا جدوى من المقاومة والمراهنة على محور المقاومة وعلى الأوهام التي ستنهار أمام التطبيع وأيضًا دفع الدول المترددة إلى الإسراع في التطبيع والاستسلام.

الحقيقة الساطعة برغم كل ما جرى ويجري من تدمير ممنهج وتمزيق للمكون الإسلامي الجمعي هي أن العالم الغربي والشرقي بات يدرك أهمية وخطورة وموقع العالم الإسلامي في الاستمرار الكوني.

الخطاب الصهيوني والأمريكي مجمِع بأن التطبيع مع السعودية سيفتح الباب أمام 57 دولة إسلامية دفعة واحدة أن تتطبع وتُنهي الصراع وتدمج اسرائيل في الشرق الأوسط.

السعودية اليوم كدولة لوحدها تدير هذا الهجوم الكاسح فكيف لو كان التكتل مجتمعًا، ودير حوارات هادئة ولم تلتفت للضجيج الإعلامي، وحددت شروط للتطبيع أقل شرط ينسف العملية برمتها، سواءً على مستوى برنامج نووي وتتحكم في تخصيب اليورانيوم في المملكة، وتوقيع معاهدة دفاع مشترك مع واشنطن تلزمها بحماية تحت أي تهديد أسوة بكوريا الجنوبية واليابان، ودولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

الاستنتاج هو لماذا هذه النتيجة تكون بمثابة الصاعق والمؤسس لبروز تكتل لتلك الدول مجتمعة على غرار الاتحاد الأوروبي أو السوفيتي سابقًا لتصبح قوة مركزية صاحبة قرار ينسجم مع هذا الاستنتاج العالمي، ويصبح قوة مركزية عالمية بدلًا من أن تدخله دولة لقيطة المسماة إسرائيل، والتي استنبتت في جسده ومن أجلها خُلق للحوض العربي الإسلامي إسمًا جديدًا “الشرق الاوسط"، والذي بشر به "ثيدور هرتزل" حينما قال علينا إنشاء "كومن ويلث" اقتصادي شرق أوسطي بهدف تذويب هوية وسمات وثقافة وتاريخ ومستقبل هذه المنطقة.

جاء الاستحقاق بعد قرن ويزيد بأن استئصاله ولفظه وتفكيكه ممكن بل سيكون هو الضامن والمحافظ على هوية واستقلالية الأمة، بعيدًا عن الهيمنة عليها من أي قوة، أيًا كانت كما هو حاصل من تفكك وهدر للثروات والطاقات والضعف والتشرذم.

لذا الأصل أن يكون الصراع في فلسطين ليس مهمة الفلسطينيين فقط بل هم عربي إسلامي لأن تفكيك هذه الدولة اللقيطة ستدفن حلم الصهاينة والأمريكيين وكل من يؤمن بذوبان هذه الأمة صاحبة الرسالة الخالدة.

كل يوم تتجسد الحقيقة بأن الصراع في فلسطين وحول فلسطين صراعٌ على الدين والعقيدة والهوية والحضارة والتاريخ والحاضر والمستقبل فليستمر الصراع ويفكك هذا الكيان اللقيط لتعود الأمة عزيزة قوية ممكنة وقادرة على حماية مصالحها، وتوظيف قدراتها لتنمية مستدامة ليس فقط تخدم شعوبها بل على مستوى العالم، وهذا يستدعي وقف كل أشكال التطبيع وتراجع المطبعين عن خطاياهم وعلى الفلسطينيين الذين يتحدثون عن الشرعية والرسمية بأن ينهوا مهزلة ما يسمى باتفاقات هزيلة شجعت بعض الدول للتطبيع حتى لا يظل هناك مبرر.

الشعب الفلسطيني اليوم ممسكٌ بزمام المبادرة والمقاومة حاضرة وفاعلة ومؤرقة في كل ربوع فلسطين، والمنطقة على صفيح ساخن والتغيرات الكبرى قادمة لا محالة وستشهد هبوط مرحلة الشيطان الأكبر أمريكا، والأصغر الكيان الصهيوني، وصعود تكتلات ومحاور عالمية يكون للأمة الإسلامية دور بارز ومهم.