• اخر تحديث : 2024-04-19 15:15
news-details
كتب

الصندوق القومي اليهودي ودوره في خدمة المشروع الصهيوني في فلسطين


تمهيد: حول الكتاب وأهميته:

إن كتاب الصندوق القومي اليهودي للباحثة الدكتورة إلهام شمالي، هو بحث في أهمية الدور الذي قام به الصندوق القومي اليهودي كمؤسسة صهيونية انبثقت عن المنظمة الصهيونية، ولعبت دوراً مهمّاً في انتهاب أراضي فلسطين خلال الفترة 1901–1948، إذ تمكنت عبر احتضان حكومة الانتداب للمشروع الصهيوني من الاستيلاء على أجزاء من أرض فلسطين وإقامة المستوطنات عليها لاستقبال المهاجرين من جميع أنحاء العالم، فكان الصندوق بذلك أحد أهم ركائز إقامة الدولة الصهيونية سنة 1948.

ولقد سعت الباحثة إلى الإجابة على جملة من التساؤلات، وهي:

1. كيف أسهم نشاط الصندوق القومي اليهودي في إرساء دعائم المشروع الصهيوني على أرض فلسطين؟

2. ما هو وضع الصندوق القومي من المؤسسات والمنظمات الصهيونية الأخرى التي نشأت خلال هذه الفترة؟

3. ما طبيعة المقاومة العربية والفلسطينية لنشاط الصندوق القومي اليهودي؟

وللإجابة على هذه الأسئلة، مزج الكتاب بين المنهجيْن الوصفيّ والتاريخيّ؛ إذ ساعد المنهج الوصفي في رصد الأبعاد المختلفة للموضوع، وفهم السياق المحيط بتنامي دَوْر الصندوق. أما المنهج التاريخي، فيتتبّع التطوُّر التاريخي لهذه المؤسسة ويرصد نشاطها اعتماداً على الوقائع التاريخية، وذلك عَبْر جمع المادة العلمية من مصادرها المعتبرة والمقارنة بينها وتحليلها ونقدها، وصولاً إلى المعلومات التاريخية الأقرب إلى الحقيقة الواقعية. ولذلك، حاولت المؤلِّفة التزام التسلسل الزمني للأحداث إلا في بعض الموضوعات التي لا تحتمل التجزئة، مع الالتزام بالموضوعية في تحليل الأحداث التاريخية.

لقد دفعت طبيعة هذا الكتاب الباحثة إلى استخدام مراجع بثلاث لغات مختلفة، وهي: العربية، والإنجليزية، والعبرية. كما لم يقتصر جهد المؤلفة على الكتب المتاحة في مكتبات قطاع غزة، والمكتبات المصرية، بل اجتهدت للصول إلى المكتبات الصهيونية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948؛ وذلك لمزيد من الإحاطة بموضوع الدراسة من مظانّه الأساسية.

إطلالة على الكتاب:

جاء هذا الكتاب، المكوَّن من 576 صفحة، في خمسة فصول بالإضافة إلى تمهيد، ومقدمة وخاتمة، وبالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الملاحق، الوثائق والخرائط، وقائمة مراجع.

يتناول الفصل التمهيدي منه، تطور حركة الهجرة اليهودية تجاه فلسطين وكيف سهّلت عدة عوامل؛ كسيولة التمويل، وضعف الولاية العثمانية على فلسطين، وتسيّب الإدارة الفلسطينية، ثم تواطئ القوى الدولية وعلى رأسهم بريطانيا والولايات المتحدة شراء مساحات واسعة في فلسطين. بعد ذلك أحصى الفصل أسماء بعض المفكرين الذين طرحوا فكرة مأسسة تمويل الهجرة اليهودية لفلسطين.

أما الفصل الأول، فسعى وباستخدام الأدلة والأرقام إلى توثيق نشأة الصندوق، وإثبات قدرته على جمع الأموال، وتخطي صعوبات التمويل التي فرضتها ظروف ما بين الحربيْن العالميتيْن، بتسليح نفسه بالدعاية، والعقيدة الصادقة لجذب أنظار يهود العالم، والوصول للمموّلين الدوليين من بلدن أمريكا وأوروبا وإفريقيا.

في حين اهتم الفصل الثاني بالأسس التي بنى عليها الصندوق عمله خلال الفترة الممتدة من نشأته سنة 1901 إلى سنة 1936، إذ اتسمت السياسات التي اتبعها بالمرونة، والتحايل والذكاء؛ مرونة في اتباع سياسات ملائمة لكل فترة زمنية، فهي عملت خلال سنواتها الأولى على دراسة الأوضاع على الأرض، وكيف يمكن شرائها والاحتفاظ بها وأهم القوانين المنظمة، ثم اتخذت من الحيل وسيلة لها في وقت سمحت فيه الشراء بذلك، أضف إلى ذلك توقفها عن الشراء خلال فترة الحرب العالمية الأولى حيث اشتدت السياسات العثمانية ضدّ اليهود بسبب خلافتها مع دور الحلفاء، ثم انتعشت بعد ذلك عمليات شراء الأراضي. وكانت من الذكاء أن اختارت الأراضي التي أصحابها غائبين، والأفضل في الموقع.

أما الفصل الثالث، فبيّن دور الصندوق في شراء الأراضي الفلسطينية بعد ثورة 1936، وما صاحبها من تطورات على الساحة الفلسطينية والإقليمية والدولية، كما أوضح طبيعة الصفقات التي عقدها الصندوق، وتتبع إجمالي مشترياته خلال هذه الفترة.

أما الفصل الرابع، فيرسم حدود علاقة الصندوق القومي بغيره من المؤسسات اليهودية؛ السياسية والاقتصادية. وتجدر الإشارة إلى أن الصندوق دخل عليه تعديل وظيفي مهم بعد سنة 1920 مع إنشاء الصندوق التأسيسي؛ فأصبح دوره يقتصر على شراء الأراضي، ويستكمل الصندوق التأسيسي الأمور المتعلقة باستثمارها وبناء المستوطنات عليها، أي أصبح دورهما مكملاً للآخر.

ويشير الفصل الخامس والأخير إلى حقيقة المقاومة العربية لسياسات الصندوق القومي لليهود، والتي يؤكد الفصل على بسالتها على المستوى الفردي، إلا أنها لم ترقَ على المستوى المؤسساتي والتنظيمي إلى القدر المطلوب لمواجهة سياسات الصندوق، والعمل على تقييد حركته في فلسطين؛ ويُردّ ذلك إلى ثلاثة عوامل: أحدهما سياسي والآخر مالي والثالث تنظيمي؛ فأما السياسي فتمثل في ضعف القيادة السياسية التي تقود حركة المقاومة، وأما المالي فظهر في تدني الدعم المادي للمشروعات الفلسطينية للتصدي للصندوق ودعم صغار الفلاحين، وأما التنظيمي فتجلّى في خلل التنظيمات القائمة وغياب الرؤية بعيدة المدى.

خطة التغلغل الصهيوني لتملك أرض فلسطين قبل سنة 1948:

شكّل نظام الامتيازات الذي تمتع به الأجانب ومن ورائهم الدول الأوروبية نقطة اختراق في كيان الدولة العثمانية؛ إذ سمحت بالتدخلات السياسية والاقتصادية في شؤونها الداخلية والخارجية. ووسط تلك الامتيازات صدر قانون التنظيمات الخيرية لسنة 1839 وجرى التأكيد عليه سنة 1856، الذي منح الأقليات غير المسلمة المساواة مع المسلمين، وحافظ على حقوق المسيحيين واليهود الدينية والمدنية، فوسع نظام الحماية، وأصبح الرعايا غير المسلمين يلجؤون إلى قناصل الدول الأوروبية في القدس ليضعوا أنفسهم تحت حماية دولهم.

ومع ذلك، قبل سنة 1869 لم يكن يحقُّ للأجنبي تملكُ الأراضي في أيّ جزء من أرجاء الدولة العثمانية بما فيها فلسطين؛ ولكن بفعل زيادة التدخلات الأوروبية، وتراكم ديون الدولة الخارجية، منح قانون سنة 1869 الأفراد والمؤسسات الأجنبية حقّ امتلاك الأراضي بأنحاء الدولة فيما عدا الحجاز، وسمح لهم بالوصية والهبة في أملاكهم. فكان هذا القانون بدايةً للتغلغل الاستيطاني، وزيادة الوجود اليهودي في فلسطين.

لقد اعتمد الاستيطانُ في مرحلة ما قبل سنة 1897 على رأس المال الفرديّ في امتلاك الأراضي وإقامة المستوطنات، فوجدت المنظمة الصهيونية أدوات بسيطةً لم يستطع معها الاستيطان اليهودي إحراز تقدم ملموس، معتمدةً في تمويلها على منح أثرياء اليهود والصدقات، ومحاولات الاستثمار وجني الأرباح، فلم يكن هناك أيُّ ارتباط بين المستوطن والأرض التي سرعان ما كان يغادرها لعدم خبرته الزراعية، واعتماده على المزارع الفلسطيني.

ولذلك بدأت بعض الأوساط الصهيونية بالبحث عن طرق عملية لتسريع الاستيطان وشراء الأراضي، وتكثيف أعداد المهاجرين بزيادة القدرة الاستيعابية، وتشكيل صناديق ومؤسسات صهيونية تباشر النشاط الاستيطاني، وكان أهم تلك المؤسسات الصندوق القومي اليهودي، موضوع الكتاب، الذي اعتمدت عليه الحركة الصهيونية لتجسيد فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين.

ومن هنا، أُنشأ الصندوق القومي اليهودي بهدف شراء أو استئجار أو مبادلة أيّ أراضٍ أو غابات، واستملاك العقارات واكتساب حقوق الحيازة وغيرها، والمرافق أو أملاك أخرى غير منقولة في المنطقة المحددة في فلسطين وسورية وأي جزء من تركيا في آسيا وشبه جزيرة سيناء؛ لتوطين اليهود فيها، وذلك تحت ستار الافتداء الديني، حسب المادة الأولى من عقد تأسيسه. ولذلك، انطلق مبدأ الملكيّة القومية للأرض من عدة منطلقات تؤكدُ رغبة الصهاينة في تكوين وطن لهم فوق أرض فلسطين يقوم على أسس التقاليد اليهودية؛ ولذلك اشترط الصندوق شراء الأرض بأموال الجميع وليس بأموال الأفراد؛ كي تبقى الأرض ملكاً للجميع وللأبد.

إذ أدركت المنظمة الصهيونية ضرورة اكتساب الأرض في فلسطين، وإبقائها ضمن الملكيّة العامة؛ لإظهار اليهود أمةً واحدةً ذات ملكية موحدة، وأَلزم الصندوق بتنفيذ ذلك، لما له من أهميّة، خصوصاً كون فلسطين بلداً زراعيّاً بالدرجة الأولى من حيث إسهامها في الدخل السنويّ، وفي حجم إسهامها في التجارة الخارجية، ومن ثمَّ قدرتها على استيعاب الأيدي العاملة وتوظيفها فور هجرتها، فالملكيّة العامة تمثل إحدى الركائز الأساسية لإيجاد اقتصاد صهيوني منفصل قادر على منافسة الاقتصاد الفلسطيني، ومن هنا كانت الأراضي وما زالت محور الصراع بين الفلسطينيين والمستوطنين الصهاينة، فالحصول على مساحات واسعة من الأراضي يمثل الشرط الضروري لبقاء واستمرار المشروع الصهيوني.

لقد شكّلت جباية التبرُّعات الماليّة المصدر الأساسي في دخل الصندوق، إذ أقيم الصندوق على أساس الجمع الطوعي لها، وارتكزت عمليات جمع الأموال على قاعدة توجب استغلال كل فرصة مناسبة وإسهامات آمنة؛ بهدف جعل المتبرعين يشعرون بمدى إسهاماتهم المالية في تنفيذ المشروع الصهيوني؛ لبذل المزيد من التبرعات وإثارة حماس أصدقائهم على التبرع، فقد بذل القائمون على الصندوق جهودهم للسيطرة على كل التبرُّعات المبذولة من يهود العالم، وحين وجد الصندوق صعوبةً في جمع التبرعات لجأ إلى مصادر تمويلية أخرى كالقروض وسندات الدين وغيرها. وبذلك، عُدّ التبرع للصندوق جزءاً مكملاً للحياة اليهودية ورمزاً من رموز الدعم اليهودي، ونظر بعضهم إلى التبرعات على أنها نوع من الاستثمار بهدف استرجاع أرض فلسطين، تحت شعار “تخليص الأرض وتحريرها”.

الدول الداعمة للمشروع الصهيوني على أرض فلسطين والصندوق القومي لليهود 1880–1948:

روسيا 1881–1904:

عقب اغتيال القيصر “إسكندر الثاني” سنة 1881، تصاعدت موجة من العداء ضدّ اليهود؛ نتيجة لمشاركتهم في عملية الاغتيال، ما دفع مئات الآلاف من اليهود للهجرة طلباً للنجاة والهجرة إلى الخارج، ووصل عدد كبير منهم إلى فلسطين، إذ قُدِّر عدد الذين وصلوا فلسطين حتى سنة 1903 ما بين 30–20 ألفاً أغلبهم من روسيا وبولندا ورومانيا. خلال هذه الفترة، ما يزيد عن 62% من تبرعات الصندوق كان مصدرها روسيا؛ بسبب الحضور اليهودي المكثف فيها.

أوروبا:

كان يهود أوروبا بصفة عامة هم المستهدف بالأساس لتوطينهم في فلسطين، وهم أصلاً مبرر البحث عن وطن قومي لليهود؛ بسبب حالة العداء لهم داخل دول أوروبا، في ظلّ استحالة التعايش والاندماج اليهودي في المجتمعات الأوروبية.

بريطانيا 1907–1939:

شكَّلت مركز الثقل السياسي للحركة الصهيونية منذ المؤتمر الأول سنة 1897؛ نظراً لأهميتها كدولة استعمارية عظمى، سعت الحركة لتوطيد علاقتها بها، إذ التقت الرغبات الاستعمارية الصهيونية مع المصالح البريطانية في المنطقة العربية، بالإضافة إلى توافق المذهب البروتستانتي الذي تؤمن به بريطانيا مع الفكر الصهيوني، فأصدرت وعد بلفور الشهير سنة 1917. بالإضافة إلى أنها كانت المقر الرئيس للصندوق حتى سنة 1920، قبل انتقاله لفلسطين مع إعلان الانتداب البريطاني عليها.

جنوب إفريقيا 1919–1948:

من الثابت وثائقيّاً حجم العلاقة التي ربطت الحركة الصهيونية والعنصريين في جنوب إفريقيا منذ عهد “إبان سمطس”، رئيس وزراء جنوب إفريقيا، الذي لعب دوراً في استصدار تصريح بلفور، فكانت هناك علاقات تجارية مبكرة بين الصهيونية وجنوب إفريقيا تتعلق بتجارة الألماس. كما كانت جنوب إفريقيا من أوائل الدول التي مدّت الصهاينة بالمال والمساعدة.

الولايات المتحدة الأمريكية 1939–1946:

كانت فروع الصندوق القومي فيها من أنشط الفروع، ولعبت دوراً مهمّاً في دعم الصندوق وتمويله، إذ حصل الصندوق على أكثر من نصف تبرعاته خلال الفترة من 1901–1946 من الولايات المتحدة. وشهدت السنوات 1939–1946 نقل مركز الثقل الصهيوني للولايات المتحدة، بفعل تعدد هيئات العمل الصهيوني داخل المجتمع الأمريكي ذات النفوذ الواسع، وزيادة أعداد الطائفة اليهودية في الولايات المتحدة الذين كان تأثيرهم واضحاً في حجم التبرعات المالية السنوية.

خاتمة:

شكّل تأسيس الصندوق القومي اليهودي بشركاته وفروعه ولجانه نقطة تحول في تاريخ الحركة الصهيونية على أرض فلسطين، حيث استطاع الصندوق القومي اليهودي منذ نشأته من السيطرة على 936 كم2 من مساحة فلسطين، ولكن بالرغم من الإمكانات المهولة التي حظي بها الصندوق القومي اليهودي لم تتجاوز هذه المساحة 3.5% من مساحة فلسطين الكلية، منها نحو 0.06% تمّت السيطرة عليها في العهد العثماني، في حين لم تزد المساحة التي سيطر عليها الصهاينة حتى سنة 1948 أكثر من 6% من مساحة فلسطين، وذلك أقصى ما امتلكوه خلال 50 عاماً من نشأة الحركة الصهيونية.

تُبين التبرُّعات التي جمعها الصندوق خلال الفترة من 1901–1946 أن الولايات المتحدة كانت الأولى في دعم ومساندة المشروع الصهيوني، وذلك يتفق مع التحول الصهيوني ونقل مركز ثقلهم للولايات المتحدة، واقتناع الأمريكيين بالأسباب التي أدّت لاهتمام اليهود بأرض فلسطين، فقد كانت تلك الطائفة الأغنى، والأكثر تنظيماً بين الطوائف اليهودية في دول العالم، وخصوصاً مع انتهاء الخلاف بين قيادة الحركة الصهيونية الأوروبية واللا صهيونيين في الولايات المتحدة الأمريكية وتوحيد جهودهما في دعم مشاريع الاستيطان.

وعلى الرغم من كل المبالغة في أهمية الصندوق القومي لليهود ودوره في استيطان فلسطين، إلا أن الحقيقة الموضوعية تُبين أن ما أنجزه في سنين نشاطه يعدّ محدوداً مقارنة بما صادرته “إسرائيل” من أملاك الفلسطينيين بقوة قرار التقسيم سنة 1947، وكذلك بالقوة العسكرية والمذابح التي ارتكبتها ضدّ الفلسطينيين خلال حرب سنة 1948. إذ إن كل ما بيع من أراضٍ، وكل ما ادعته المنظمة الصهيونية بحيازتها، لا يصلح أساساً لإقامة دولة لهم على أراضي فلسطين التي تعد حقّاً مطلقاً للشعب الفلسطيني وفقاً للشرائع والقوانين الدولية، وأن ما مُنح لهم مُنح سلطة قانون قوة الاستعمار، الذي منح حقّ ما لا يملك لمن لا يستحق.

وفي المجمل يقدِّم هذا الكتاب العديد من التفصيلات التي ربما تكون جَدّ مهمة للمختصين ولغيرهم، وتكشف جانباً مهماً من جوانب العمل التنظيمي اليهودي في فلسطين الذي يتعلق بشراء الأراضي، ويكشف عن حقائق فترة تاريخية كانت مفصلية في قيام الكيان الصهيوني.