• اخر تحديث : 2025-04-03 11:44
news-details
قراءات

تداعيات تصاعد الخلافات بين الرئيسين الأمريكي والأوكراني


يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استغلال الدعم العسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، بهدف تأمين سيطرة أمريكية على الموارد المعدنية الأوكرانية. تمتلك أوكرانيا احتياطيات ضخمة من المعادن الحيوية، بما في ذلك الليثيوم، والجرافيت، والكوبالت، والتيتانيوم، والأتربة النادرة مثل الجاليوم، وهي الاحتياطيات التي تُقدر قيمتها بنحو 11.5 تريليون دولار، وتعد ضرورية لصناعات حيوية مثل الدفاع وإنتاج المركبات الكهربائية. حاول ترامب ربط استمرار الدعم العسكري والمالي الأمريكي بالحصول على هذه المعادن؛ ما أثار استياء الأوكرانيين الذين اعتبروا ذلك تدخلاً في شؤونهم الداخلية، ورفضوا استخدام مواردهم الطبيعية أداة ضغط لاستمرار المساعدات. وقد أدى ذلك إلى تصاعد التوتر بين الطرفين، وتصاعد حرب كلامية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني زيلينسكي.
 
أسباب الخلافات
هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى تصاعد الخلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني زيلينسكي، والتي يمكن توضيحها فيما يلي:
 
1- اتهام أوكرانيا للولايات المتحدة بالتآمر ضدها: من أبرز أسباب التوتر بين واشنطن وكييف اعتقاد الأخيرة أن الولايات المتحدة تآمرت ضدها خلال محادثاتها مع موسكو في الرياض؛ حيث رأت أوكرانيا أن واشنطن حاولت إقصاءها، بجانب إبعاد الجانب الأوروبي عن المفاوضات؛ ما أدى إلى إضعاف الموقف الأوكراني وتعزيز الموقف الروسي. وكذلك أثار غضب كييف قيام ترامب بالتواصل هاتفياً مع الرئيس الروسي لمناقشة الحرب في أوكرانيا من دون أي تنسيق مسبق مع أوكرانيا أو الحلفاء الأوروبيين. وزاد الأمر تعقيداً تصريح ترامب بأن "الولايات المتحدة ستتصالح مع روسيا"، وهو ما اعتبرته أوكرانيا محاولة لإنهاء الحرب بشروط تصب في مصلحة موسكو على حسابها. هذه الاتهامات أغضبت ترامب، الذي رأى أن كييف لم تأخذ وعوده بإنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية على محمل الجد.
 
2- وصف ترامب لزيلينسكي بأنه "دكتاتور": أحد العوامل التي عمَّقت الخلافات بين الجانبين كان تصريح ترامب بوصف زيلينسكي بـ"الدكتاتور"؛ حيث وجه له انتقادات حادة، من بينها استمراره في الحكم دون إجراء انتخابات، وارتكابه أخطاء كارثية في إدارة الحرب مع روسيا، كما زعم ترامب أن زيلينسكي لا يحظى بشعبية، قائلاً: "أكره أن أقول ذلك، لكن نسبة تأييده انخفضت إلى 4%". علاوة على ذلك، اتهمه بالفساد واختلاس جزء من المساعدات الأمريكية. هذه التصريحات دفعت زيلينسكي إلى الرد على ترامب، متهماً إياه بأنه "يعيش في فضاء من المعلومات المغلوطة"، ومحذراً إياه من إبرام أي صفقة مع روسيا قد تؤثر سلباً على استقلال أوكرانيا.
 
3- مطالبة ترامب بالمعادن مقابل استمرار الدعم: كان النهج الاقتصادي لترامب تجاه أوكرانيا محوراً رئيسياً للخلاف؛ إذ سعى إلى تأمين وصول الشركات الأمريكية إلى الثروات المعدنية الأوكرانية، خاصة أن أوكرانيا تمتلك احتياطيات من المعادن الحيوية تقدر قيمتها بأكثر من 10 تريليونات دولار. رأى ترامب أن استمرار الدعم العسكري والمالي الأمريكي يجب أن يكون مشروطاً بتقديم كييف تنازلات اقتصادية، لا سيما أن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من 200 مليار دولار على دعم أوكرانيا. وقد أثارت هذه الرؤية استياء الجانب الأوكراني، الذي رفض ربط الدعم العسكري بالموارد الطبيعية للبلاد.
 
4- رفض أوكرانيا صفقة المعادن النادرة: في 16 فبراير الجاري، أوصى مستشار الأمن القومي الأمريكي مايك والتز، في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، الرئيس زيلينسكي بتوقيع اتفاقية مع الولايات المتحدة بشأن المعادن النادرة، مبرراً ذلك بأن الأمريكيين يستحقون تعويضاً عن المليارات التي استثمرت في الحرب، غير أن كييف رفضت هذه الفكرة، معتبرة أن ترامب يسعى منذ عودته إلى البيت الأبيض إلى إعادة تشكيل سياسة واشنطن تجاه أوكرانيا بما يتماشى مع رؤيته القائمة على تقليص الالتزامات العسكرية الخارجية والتركيز على المصالح الاقتصادية الأمريكية، كما أثارت هذه الخطة غضب الأوكرانيين، الذين يرون أن هذه الموارد ملك للشعب الأوكراني، وليست أداة للمساومة السياسية.
 
تداعيات محتملة
هناك العديد من التداعيات المحتملة للخلافات المتصاعدة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني زيلينسكي، ومن أبرزها:
 
1- تعميق أوكرانيا تحالفها مع أوروبا: من المتوقع أن تسعى أوكرانيا إلى تعزيز علاقاتها مع الدول الأوروبية كبديل للولايات المتحدة؛ لضمان استمرار حصولها على الدعم المالي والعسكري اللازم لمواصلة حربها ضد روسيا. ويتجلى ذلك في استعداد بعض الدول الأعضاء في حلف الناتو للمساهمة في استقرار أوكرانيا. ووفقاً لما نشرته صحيفة تلجراف البريطانية، قد تكون القوة الاستكشافية المشتركة (JEF) – وهي تحالف عسكري تقوده المملكة المتحدة وتضم عشر دول (المملكة المتحدة، والنرويج، وفنلندا، والسويد، وإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، والدنمارك، وأيسلندا، وهولندا) – الخيار الأمثل لضمان الاستقرار وسط المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية، كما أشارت الصحيفة إلى أن المملكة المتحدة قد تساهم بنحو 20 ألف جندي في هذا الإطار.
 
2– توتر العلاقات بين واشنطن وكييف: من المرجح أن تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا توتراً متزايداً في الفترة المقبلة؛ بسبب الخلافات المستمرة بين ترامب وزيلينسكي. وقد يتفاقم هذا التوتر ليصل إلى حد تجميد التعاون أو حتى قطع العلاقات، وهو ما سيضعف الموقف الأوكراني في مواجهة روسيا، ويؤثر سلباً على قدرتها على الصمود عسكرياً وسياسياً.
 
3- موافقة أوكرانيا على خطة ترامب: من المحتمل أن يضطر زيلينسكي في نهاية المطاف إلى القبول بمقترح ترامب بشأن منح الولايات المتحدة حق الوصول إلى المعادن الأوكرانية، في محاولة للحفاظ على استمرار الدعم المالي والعسكري. ويرى المراقبون أن أوكرانيا ستواجه صعوبة كبيرة في استمرار الحرب ضد روسيا من دون المساعدات الأمريكية، وهو ما دفع زيلينسكي إلى إعلان استعداده لتعزيز التعاون الاقتصادي مع الغرب، بما في ذلك منح الشركات الأمريكية إمكانية الوصول إلى الموارد المعدنية الأوكرانية؛ لضمان استمرار المساعدات العسكرية والمالية لكييف.
 
4– تحسن العلاقات الروسية–الأمريكية: من المتوقع أن يستغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخلافات بين ترامب وزيلينسكي لتحسين علاقاته مع الإدارة الأمريكية الجديدة. وقد تجلى ذلك في إشادة بوتين بمسؤولي إدارة ترامب خلال محادثات الرياض، مؤكداً أنهم خلقوا أجواءً "ودية للغاية"، كما عبَّر بوتين عن رغبته في لقاء ترامب، قائلاً: "سأكون سعيداً بلقاء دونالد ترامب. لم ير كل منا الآخر منذ فترة". هذه المؤشرات تعزز التوقعات بتحسن العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وموسكو خلال الفترة المقبلة.
 
5– زيادة الناتو ميزانية الإنفاق الدفاعي: في ظل توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا، من المحتمل أن يسعى حلف الناتو إلى زيادة ميزانيات الدفاع لدى الدول الأعضاء؛ ليس فقط لتعزيز الأمن الأوروبي، بل أيضاً لدعم أوكرانيا وردع روسيا عن التوسع في القارة، كما أن زيادة الإنفاق الدفاعي من قبل الحلفاء الأوروبيين ستساعد في مواجهة تحدي التعامل مع رئيس أمريكي غير متوقع في سياساته، مثل ترامب الذي قد يغير نهج الولايات المتحدة تجاه التزاماتها الدفاعية في أوروبا.
 
الرابح الوحيد
في الختام، يمكن القول إن المستفيد الأكبر من الخلاف بين ترامب وزيلينسكي هي روسيا؛ إذ تحاول تعزيز علاقاتها مع ترامب، المعروف برفضه استمرار الدعم الأمريكي لأوكرانيا، على عكس سلفه الديمقراطي جو بايدن. ويرى ترامب أن الدعم العسكري والمالي لكييف يمثل هدراً لأموال الأمريكيين دون تحقيق أي منفعة مباشرة لهم؛ لذا ينبغي لزيلينسكي إدراك خطورة هذا التغير في الموقف الأمريكي، والعمل على إيجاد حلول وسط مع ترامب؛ لضمان استمرار الدعم الغربي، والحفاظ على قدرة أوكرانيا على الصمود في مواجهة روسيا.