تتوسع موجة استقالات موظفي الوكالات الفيدرالية المختلفة اعتراضاً على السياسات الجديدة التي تطبقها إدارة الرئيس دونالد ترامب، خاصة تلك المتعلقة بإدارة كفاءة الحكومة التي يتولاها رجل الأعمال الملياردير إيلون ماسك، والتي تهدف إلى تقليل النفقات الحكومية إلى أقصى حد ممكن، مستهدفة بذلك تفكيك العديد من المؤسسات الفيدرالية والوزارات، كما يسعى ماسك إلى الاطلاع على البيانات والأنظمة المتعلقة بعمل تلك المؤسسات، والتي تُعد حساسة في كثير من الأحيان؛ نظراً إلى احتوائها على معلومات تخص المواطنين الأمريكيين؛ الأمر الذي دفع رؤساء العديد من الوكالات الفيدرالية إلى الاحتجاج، متقدمين باستقالاتهم تعبيراً عن رفضهم سياسات إدارة ترامب. ويُنذر ذلك بتزايد موجات الاستقالات إذا واصلت الإدارة هذا النهج خلال الأيام المقبلة، لا سيما أن كل هذه التطورات حدثت خلال الشهر الأول فقط من ولاية ترامب.
دوافع الاستقالات
هناك مجموعة من الأسباب التي دفعت كبار الموظفين إلى الاستقالة من وظائفهم، وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي:
1- الاحتجاج على طرد آلاف الموظفين: كانت من بين أسباب استقالة بعض المسؤولين التعبير عن رفضهم قيام إدارة ترامب بفصل آلاف الموظفين، سواء الذين كانوا تحت الاختبار أو عبر الضغط عليهم لتقديم استقالاتهم مقابل ضمان حصولهم على رواتبهم حتى سبتمبر 2025، وهو ما دفع قطاعاً واسعاً من الموظفين إلى الامتثال بحثاً عن فرص عمل جديدة. وقد أدى ذلك إلى استقالة شخصيات بارزة، مثل مدير قسم الأغذية في إدارة الغذاء والدواء جيم جونز، الذي استقال في 17 فبراير الجاري اعتراضاً على سياسات تخفيض الموظفين؛ حيث تم فصل 89 موظفاً من أصل 2000 يعملون في قسم الأغذية.
2- الاعتراض على سياسة الانتقام من موظفي الإدارات السابقة: جاءت موجات استقالة أخرى نتيجة استهداف إدارة ترامب كبار الموظفين الذين عُيِّنوا خلال إدارة بايدن أو إدارات ديمقراطية سابقة، عبر تهديدهم بالإقالة رغم عدم انتهاء ولايتهم. وقد تجلى ذلك في وزارة العدل؛ حيث قدم عدد من المدعين العامين في واشنطن ونيويورك استقالاتهم رفضاً لتهديدات الإدارة الجديدة، خاصة بعد اتهامات ترامب لهم بالتحيز خلال تحقيقات سابقة، كما استقالت دينيس تشيونج رئيسة القسم الجنائي في مكتب المدعي العام بواشنطن، اعتراضاً على ضغوط فتح تحقيقات سياسية، مثل مراجعة أوجه إنفاق الأموال المخصصة لسياسات المناخ خلال إدارة بايدن. كذلك استقال سبعة مدعين فيدراليين بسبب ضغوط لإسقاط تهم فساد ضد عمدة نيويورك إريك آدامز، ومن بينهم هاجان سكوتن مساعد المدعي العام الأمريكي في المنطقة الجنوبية من نيويورك، وكيفن دريسكول القائم بأعمال رئيس القسم الجنائي بوزارة العدل.
3- رفض توجه إدارة ترامب لإلغاء بعض السياسات المطبقة: استقال رئيس قسم الأغذية في إدارة الغذاء والدواء اعتراضاً على تجميد سياسات الوكالة، مشيراً في خطاب استقالته إلى إحباطه من تعطيل جهود تحسين الصحة العامة، ومنها الحظر المفروض على الصبغة الغذائية الحمراء رقم 3، التي تسببت في حالات تسمم بالرصاص، كما اعترض بعض الموظفين على تعيين روبرت ف. كينيدي جونيور وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية؛ بسبب تشكيكه في فاعلية اللقاحات وانتقاده نزاهة موظفي إدارة الغذاء والدواء.
4- الاحتجاج على تسليم إدارة كفاءة الحكومة بيانات وملفات المواطنين: رفض بعض الموظفين تسليم معلومات حساسة عن الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية لإدارة كفاءة الحكومة، مؤكدين أن ذلك يعد انتهاكاً للسرية ويفتقر إلى الأسس القانونية. وقد استقالت المفوضة بالإنابة ميشيل كينج من إدارة الضمان الاجتماعي احتجاجاً على محاولات الاطلاع على سجلات 73 مليون مواطن أمريكي. وعقب استقالتها، عيَّن ترامب ليلاند دوديك بديلاً لها، مشيراً إلى أنها أُقيلت ولم تستقل، كما سخر إيلون ماسك من نظام الإعانات الاجتماعية، زاعماً وجود فساد واسع النطاق وبيانات غير دقيقة تسمح لأشخاص غير مستحقين بالحصول على المساعدات.
5- تأكيد وجود تعارض بين دور إيلون ماسك الحكومي ومصالحه التجارية: رأى بعض المستقيلين أن اطلاع إدارة كفاءة الحكومة، التي يترأسها إيلون ماسك، على بيانات حساسة قد يؤدي إلى تضارب مصالح؛ نظراً إلى كون ماسك رجل أعمال قد يسعى إلى استغلال هذه المعلومات لتعزيز مصالحه التجارية. فعلى سبيل المثال، حذر ستيفن رايلي كبير المهندسين في "ذراع خدمات التحول التكنولوجي التابعة لإدارة الخدمات العامة"، الذي استقال في 18 فبراير، من أن السماح لمكتب ماسك بالوصول إلى نظام التنبيه الحكومي قد يمكنه من جمع بيانات شخصية للمواطنين، وهو ما اعتبره تهديداً خطيراً للأمن الرقمي.
6- رفض الانتقال إلى مناصب أخرى ضمن خطة ترامب لإعادة الهيكلة: أدت خطة إدارة ترامب لنقل بعض الموظفين إلى مناصب أخرى إلى موجة استقالات؛ حيث اعتبرها الموظفون محاولة لتهميشهم وتقليل مكانتهم. على سبيل المثال، استقال برادلي وينشايمر المسؤول البارز في وزارة العدل منذ أكثر من ثلاثة عقود، بعد تكليفه بوظيفة جديدة في مجموعات عمل تُعنى بتعزيز المدن الآمنة، معتبراً أن ذلك تقليل من دوره الفعلي.
انهيار وشيك
في الختام، تعكس هذه الاستقالات الجماعية فقدان الوكالات الفيدرالية كوادرها المؤهلة؛ ما ينذر بتفكك تدريجي لهذه المؤسسات التي يعود تاريخها إلى عقود. فاستبدال شخصيات موالية لترامب بغض النظر عن كفاءتهم مكانَ الموظفين ذوي الخبرة، قد ينعكس سلباً على أداء الحكومة الفيدرالية، كما أن هذه الاستقالات قد تعيق إدارة ترامب عن تنفيذ سياساتها في بعض الملفات؛ حيث واجهت وكالة ناسا، على سبيل المثال، أزمة بعد فصل عدد من موظفيها، واضطرت لاحقاً إلى إرسال خطابات لاستعادتهم، لكن البعض رفض العودة، بينما تعذر الوصول إلى آخرين بسبب سرية بياناتهم؛ ما يهدد بانخفاض كفاءة أداء المؤسسات الفيدرالية في بعض المجالات الحيوية.