لم تعد الأزمة اليمنية مجرد صراع على السلطة داخل اليمن؛ فقد أصبحت مرتبطة بأمن السعودية، والتنافس السعودي الإماراتي على النفوذ، والمواجهة الإقليمية الأوسع، وأمن الملاحة والطاقة عبر البحر الأحمر وباب المندب
وتُظهر التطورات في 26 و27 أكتوبر 2026 انتقالاً جديداً نحو التصعيد المباشر، بالتزامن مع تحرك دبلوماسي بين دول تحالف مكة وإيران.
أولاً:
المشهد العسكري والسياسي الراهن
-صنعاء وأنصار الله
تسيطر جماعة أنصار الله على صنعاء ومناطق يمنية كثيفة السكان، وتستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة والضغط البحري ضمن أدوات المواجهة الإقليمية. وفي أكتوبر، أعلنت الجماعة تنفيذ هجمات على أهداف 7<سعودية، لكن إعلان الجهة المنفذة لا يثبت وحده إصابة الهدف أو حجم الاضرار
السعودية
عادت الرياض إلى تكثيف العمليات العسكرية بعد فترة من انخفاض المواجهة المباشرة. وفي 27 أكتوبر، أعلنت قوات التحالف اعتراض ثلاثة صواريخ باليستية وأربع مسيّرات قالت إنها اتجهت نحو مناطق في شرق السعودية وجنوبها. وهذا مؤشر على تراجع فعلي في مستوى التهدئة، وليس بالضرورة دليلاً على أن كل هجوم يحقق أهدافه)
الساحل الغربي وباب المندب
أصبح الساحل الغربي إحدى الجبهات الحاسمة. وتفيد اخر المعلومات من ساحة المعركة بتغير السيطرة على مواقع قرب المضيق بين القوات الحكومية اليمنية المدعومة سعودياً وأنصار الله، مع تضارب الروايات بشأن حجم المكاسب الميدانية. والتطور الأهم هنا أن الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022 لم تعد تشكل حاجزاً فعالاً أمام التصعيد العسكري الراهن، وفق التقارير المنشورة في 26 و27 أكتوبر.
ثانياً:
لماذا تستهدف صنعاء العمق السعودي، ولماذا ترد الرياض بالقصف؟
لفهم هذه المعادلة،: ينبغي التمييز بين المنطق الاستراتيجي للهجوم، والنتائج العسكرية الفعلية، والكلفة التي يتحملها السكان المدنيون.
الحسابات الاستراتيجية لصنعاء
من منظور أنصار الله، يمكن تفسير استهداف الأراضي السعودية بثلاثة أهداف سياسية وعسكرية معلنة أو محتملة:
إعادة فرض الردع:
إظهار أن استمرار القصف على المناطق الخاضعة لسيطرتهم لن يكون بلا كلفة على الطرف الآخر
توسيع الضغط السياسي والاقتصادي: ربط استمرار المواجهة بكلفة أمنية على السعودية، بما قد يدفعها إلى إعادة النظر في مسار الحرب
تحويل ميزان التفاوض: محاولة منع الرياض من حصر المواجهة في ضربات جوية داخل اليمن، وفرض معادلة تقوم على أن أمن الطرفين مترابط
هذه قراءة للمنطق الاستراتيجي المحتمل، ففي 26 أكتوبر، أعلنت الجماعة استهداف منشآت لضخ النفط
لماذا تستهدف السعودية مواقع أنصار الله؟
تستطيع الرياض النظر إلى حملتها العسكرية من زاويتين متداخلتين:
ـ الزاوية الدفاعية: حماية المدن والمطارات والمنشآت الاقتصادية ومنع الهجمات العابرة للحدود.
ـ الزاوية العسكرية والسياسية: تقليص قدرات انصار الله على مواصلة الهجمات، وإعاقة تقدمه نحو الساحل الغربي والمناطق القريبة من باب المندب، ودعم القوات اليمنية المتحالفة معها. وقد أفادت تقارير حديثة بأن الغارات السعودية اشتدت عقب تقدم أنصار الله في مناطق ساحلية استراتيجية،
السؤال الحاسم: هل تدمير البنية الاقتصادية يحقق الحسم؟
ليس بالضرورة.
هنا تظهر المفارقة الاستراتيجية:
قد يؤدي تدمير منشأة عسكرية أو تعطيل بنية لوجستية إلى تقليص قدرة الخصم على تنفيذ عمليات معينة، لكنه لا يضمن انهيار قدرته السياسية أو العسكرية. وفي المقابل، يمكن لتدمير الطرق والموانئ ومحطات الكهرباء والمنشآت المدنية أن يزيد كلفة الحرب على المجتمع ويضعف النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية.
ويجب عدم افتراض أن كل منشأة متضررة مدنية أو عسكرية من دون أدلة خاصة بكل حالة.
لكن القاعدة القانونية واضحة:
يجب التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، واحترام التناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.
وتشير تقارير برلمانية بريطانية حديثة إلى تفاقم الاحتياجات الإنسانية في اليمن، فيما حذرت الأمم المتحدة من أن التصعيد حول الممرات البحرية يهدد الأمن الغذائي والاقتصادات الأضعف.
ومن ثم، لا يمكن قياس نتيجة الحرب بعدد الغارات أو الصواريخ وحده، بل أيضاً باستمرار الخدمات، وقدرة الاقتصاد على الصمود، والخسائر البشرية، وإمكان الوصول إلى تسوية سياسية.
البحر الأحمر وباب المندب — البعد الجيوستراتيجي الأهم
يمثل باب المندب نقطة اتصال بحرية بين خليج عدن والبحر الأحمر، ومن ثم قناة السويس والبحر المتوسط. وتنبع أهميته من موقعه الجغرافي، لا من حجمه وحده.
-أمن التجارة الدولية:
أي اضطراب واسع في الملاحة قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، ما يرفع تكاليف النقل والتأمين ويزيد زمن الرحلات.
-أمن الطاقة:
يتأثر تصدير النفط وتدفق الإمدادات بتوافر مسارات بديلة وبحالة الممرات البحرية. وتزداد المخاطر حين تتزامن الاضطرابات في البحر الأحمر مع اضطرابات مضيق هرمز.
- تدويل الأزمة اليمنية:
حين تصبح الملاحة الدولية مهددة، تتسع دائرة الأطراف المعنية بالأزمة لتشمل الدول المستوردة للطاقة، والقوى البحرية، والدول المطلة على البحر الأحمر، والمؤسسات الدولية.
وقد حذرت الأمم المتحدة في ايلول 2026 من أن التقدم العسكري باتجاه باب المندب يرفع المخاوف بشأن أمن الملاحة، ودعت إلى احترام حرية المرور البحري ومنع تحول الصراع اليمني إلى تهديد أوسع للأمن الدولي.
ما الذي يعنيه ذلك لصنعاء والرياض؟
في الجغرافيا موقع اليمن يمنح الأزمة بعداً بحرياً دولياً فأمن البحر الأحمر جزءاً من الأمن الاقتصادي والإقليمي.
-الضغط السياسي -تدويل الأزمة يزيد عدد الأطراف المعنية بالتسوية.
-تدويل الأزمة قد يزيد الدعم الخارجي للردع العسكري
-الاقتصاد
-الاضطراب يهدد التجارة والواردات اليمنية أيضاً المخاطر البحرية قد ترفع كلفة التصدير والتأمين
-الدبلوماسية قد يزداد الاهتمام بالتفاوض حول أمن الملاحة قد تتسع الحاجة إلى تفاهمات إقليمية متعددة الأطراف
والنقطة الأساسية هي أن الأهمية الجغرافية لا تعني السيطرة البحرية الكاملة. فالتأثير في حركة الملاحة، والسيطرة الفعلية على الساحل، والقدرة على ضمان المرور الآمن، أمور مختلفة. وتشير التقارير الميدانية إلى أن السيطرة على مناطق قرب المضيق ظلت موضع تنازع وتغير خلال تشرين اول.
كذلك فإن تهديد الملاحة ليس ورقة بلا كلفة على اليمن نفسه؛ فالاقتصاد اليمني يعتمد على التجارة والواردات، وأي اضطراب واسع قد يفاقم تكاليف الغذاء والوقود ويزيد معاناة المدنيين.
رابعاً:
السعودية والإمارات — هل ما زال هناك تحالف متماسك؟
من الخطأ التعامل مع الرياض وأبوظبي بوصفهما طرفاً واحداً له أهداف متطابقة في اليمن.
السعودية: أمن الحدود ووحدة القرار اليمني
تركز المصالح السعودية على حماية حدودها، ومنع الهجمات على مدنها ومنشآتها، والحفاظ على نفوذها في اليمن، ودعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. كما أن تطورات حضرموت والمهرة ذات أهمية خاصة بسبب قربهما من الحدود السعودية وموقعهما الاستراتيجي.
الإمارات: النفوذ البحري والشركاء المحليون
ارتبط الدور الإماراتي بدعم قوى محلية في الجنوب، وبمصالح أمنية وبحرية في المناطق الساحلية. وقد ظهرت خلافات علنية مع السعودية بشأن المجلس الانتقالي الجنوبي ومستقبل الترتيبات السياسية والعسكرية في اليمن. وتوثق دراسة لمعهد الشرق الأوسط، نُشرت في تشرين اول 2026، تصاعد الخلاف بين البلدين بشأن القوى الجنوبية، في حين يشير تقرير مكتبة مجلس العموم البريطاني الصادر في كانون اول إلى انسحاب القوات الإماراتية المتبقية في 2026، مع استمرار احتمال بقاء نفوذ إماراتي عبر شركاء محليين.
ما أثر الخلاف السعودي الإماراتي على صنعاء؟
هناك ثلاثة آثار محتملة، لكن لا ينبغي اعتبار أي منها نتيجة مضمونة:
تشتت الأولويات: اختلاف الرياض وأبوظبي قد يصعّب توحيد القرار داخل المعسكر المناهض لأنصار الله.
إعادة ترتيب القوى المحلية: أي تغير في الدعم الخارجي قد يغير موازين القوى بين الحكومة اليمنية ومختلف التشكيلات الجنوبية.
تزايد الحوافز للتسوية:
قد تدفع الخلافات بعض الأطراف إلى البحث عن تفاهمات سياسية، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى مزيد من التنافس والصراع المحلي. والاستنتاج المهم أن الخلاف السعودي الإماراتي لا يعني بالضرورة أن الدولتين ستتوقفان عن التعاون في الملفات التي تتقاطع فيها مصالحهما، ولا يعني أن صنعاء تستطيع تلقائياً تحويل هذا الخلاف إلى مكاسب سياسية أو عسكرية مستدامة.
خامساً:
ماذا يعني اجتماع تحالف مكة مع إيران؟
هذا هو التطور الدبلوماسي الأبرز في الاطار، لأن الاجتماع يجمع أطرافاً لها مصالح متعارضة، لكنها تواجه مخاطر إقليمية مشتركة. في 26 تشرين اول 2026، التقى مسؤولون كبار من السعودية وتركيا وباكستان مسؤولين إيرانيين في طهران.
وجاء الاجتماع في إطار مساعٍ لاحتواء التصعيد الإقليمي، وتناول، وفق تقرير رويترز المنشور في 27 أكتوبر، قضايا منها هجمات أنصار الله على السعودية، وأمن مضيق هرمز، وإمكان وضع إطار إقليمي لعدم الاعتداء. واتفق المشاركون على مواصلة الحوار بشأن السلام والأمن الإقليميين.
ما هو تحالف مكة؟
هو اتفاق دفاع مشترك أبرمته السعودية وباكستان وتركيا في أب 2026، بهدف تعزيز الردع والتعاون الدفاعي. وقد ربطت التقارير بينه وبين تنسيق أمني أوسع، بما في ذلك التحركات لحماية الأراضي السعودية في ظل تصاعد الهجمات. لكن يجب التمييز بين ثلاثة مستويات:
الاتفاق الدفاعي: التزامات وتفاهمات بين الدول الموقعة.
التنسيق مع إيران: مسار دبلوماسي منفصل، لا يعني أن إيران أصبحت عضواً في الاتفاق.
النتيجة على الأرض: لا يثبت الاجتماع وحده حصول اتفاق على وقف الهجمات أو التوصل إلى تسوية يمنية.
كيف يمكن أن يؤثر الاجتماع في الأزمة اليمنية؟:
المسار الأول: خفض التصعيد:
إذا أفضت المحادثات إلى تفاهمات أمنية أوسع، فقد تساعد في تقليل الهجمات المتبادلة وفتح المجال أمام وساطة بشأن اليمن. لكن هذا يتطلب آليات تنفيذ واضحة، وليس مجرد تصريحات مشتركة.
المسار الثاني
تعزيز الردع السعودي
إذا تعزز التعاون الدفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا، فقد تتحسن قدرة السعودية على حماية أراضيها. وقد يؤدي ذلك إلى خفض جاذبية الهجمات، أو إلى مزيد من التصعيد إذا اقترن بتوسيع العمليات العسكرية
المسار الثالث: ربط الملف اليمني بالتفاهمات الإقليمية
قد تصبح التهدئة في اليمن جزءاً من تسوية أوسع تشمل أمن الخليج والممرات البحرية والعلاقة بين واشنطن وطهران
لكن ذلك لا يلغي ضرورة التفاوض على القضايا اليمنية الداخلية نفسها
هل يشكل الاجتماع ضغطاً على صنعاء أم فرصة لها؟
يمكن أن يكون الأمران صحيحين في الوقت نفسه. فمن ناحية، قد يؤدي التنسيق الدفاعي بين الدول الثلاث إلى تقوية قدرات السعودية على حماية منشآتها، وربما زيادة الضغط العسكري على أنصار الله.
ومن ناحية أخرى، فإن وجود قناة حوار مباشرة مع إيران يفتح احتمال استخدام الدبلوماسية لتقليل التصعيد. لكن لا توجد، في التقارير المتاحة حتى 27 تشري او، أدلة كافية على أن اجتماع طهران أفضى إلى اتفاق ملزم بشأن سلوك أنصار الله أو شروط تسوية الحرب في اليمن. بل استمرت إعلانات اعتراض الصواريخ والمسيّرات السعودية في اليوم التالي للاجتماع.
وهنا يجب تجنب افتراض أن إيران تستطيع بالضرورة فرض قرار على أنصار الله، أو أن كل تحرك للجماعة هو تنفيذ مباشر لقرار إيراني. فالعلاقة بين الطرفين مهمة في الحسابات الإقليمية، لكن تقييم مستوى التأثير والقرار يتطلب أدلة خاصة بكل حالة.
سادساً:
ما الذي ينبغي مراقبته لتقييم اتجاه الأزمة؟
بدل تقديم تنبؤ حاسم بشأن الطرف الذي سيحقق أهدافه، يمكن مراقبة خمسة مؤشرات سياسية واستراتيجية:
استمرار الهجمات عبر الحدود: هل تنخفض وتيرتها بعد محادثات طهران، أم تستمر رغم الجهود الدبلوماسية؟
التغير في السيطرة على الساحل الغربي: هل تستقر خطوط التماس قرب باب المندب، أم تتواصل التحركات العسكرية؟
طبيعة الضربات السعودية: هل تظل مرتبطة بالرد على الهجمات والعمليات العسكرية، أم تتسع آثارها على المنشآت الاقتصادية والخدمات؟
موقف الإمارات من القوى الجنوبية: هل تتقدم تسوية بين الأطراف اليمنية المدعومة من الرياض وأبوظبي، أم تتجدد الانقسامات؟
وجود آلية دبلوماسية قابلة للتحقق: هل ينتقل الحوار السعودي الإيراني إلى خطوات عملية، مثل ترتيبات لوقف الهجمات وحماية الملاحة وتسهيل المساعدات؟
سابعاً:
الخلاصة الاستراتيجية
يمكن تلخيص الأزمة في ثلاث معادلات مترابطة:
1ـ المعادلة اليمنية:
لا يكفي الضغط العسكري لحسم نزاع متعدد الأطراف من دون معالجة قضايا السلطة والتمثيل والاقتصاد والأمن.
2ـ المعادلة الإقليمية: تحاول السعودية حماية أراضيها ومصالحها، بينما تسعى صنعاء إلى استخدام أدوات الضغط العسكري والسياسي لتغيير شروط المواجهة. ويظل الخلاف السعودي الإماراتي عاملاً إضافياً في تشكيل المشهد اليمني.
3ـ المعادلة البحرية:
كلما ارتبط الصراع ببقاء الملاحة آمنة في باب المندب والبحر الأحمر، زاد احتمال تدخل أطراف خارجية، لكن ذلك يزيد أيضاً الكلفة الاقتصادية والإنسانية على اليمن.
أما اجتماع تحالف مكة مع إيران، فهو إشارة إلى محاولة فتح قناة دبلوماسية وسط التصعيد، وليس دليلاً على أن التصعيد انتهى أو أن تسوية اليمن أصبحت وشيكة.
والاختبار الحقيقي سيكون في ما إذا كانت المحادثات ستنتج إجراءات قابلة للتحقق لوقف الهجمات، وحماية المدنيين، وضمان الملاحة، وإعادة إطلاق مسار سياسي يمني.
في النهاية، لا ينبغي الخلط بين القدرة على إلحاق الضرر بالخصم والقدرة على تحويل ذلك إلى تسوية سياسية مستدامة. فحماية السكان والبنية الأساسية، واستعادة الخدمات والاقتصاد، والوصول إلى ترتيبات أمنية مقبولة للأطراف اليمنية، هي التي تحدد ما إذا كانت أي مكاسب عسكرية ستترجم إلى استقرار طويل الأمد أم إلى دورة جديدة من الحرب.