• اخر تحديث : 2022-12-09 14:30
news-details
مقالات مترجمة

في المعركة الدولية على السلطة والنفوذ، تقترب كوريا الشمالية أكثر من روسيا والصين - وتتخلى عما كان يومًا رغبة في التواصل مع الولايات المتحدة. موقف بيونغ يانغ المتشدد هو علامة أخرى على إعادة الاصطفاف العالمي الذي يحدث عقب الحرب في أوكرانيا.

مع احتدام الصراع في قلب أوروبا، ينقسم العالم بشكل أكثر حدة إلى شرق وغرب. إن شراكات الولايات المتحدة أقوى، ولكن شدة المعسكر المناوئ هي الأخرى قوية كذلك. فكوريا الشمالية وإيران تزودان روسيا المحاصرة بالأسلحة وفقًا للبيت الأبيض. وتحاول الدول المتأرجحة مثل السعودية والإمارات وتركيا التحوط برهاناتها بين القوى العظمى المتصارعة.

لقد كانت كوريا الشمالية دولة مارقة منذ خمسينيات القرن الماضي، لكن سلوكها الأخير كان متطرفًا، حتى بمعايير بيونغ يانغ. وأطلقت وابلًا من الصواريخ والمدفعية في تشرين الأول \أكتوبر، وأرسلت عشرات الطائرات المقاتلة لتهديد كوريا الجنوبية هذا الشهر، واعتمدت قانونًا جديدًا في أيلول/ سبتمبر يعد بضربة نووية "تلقائيًا وفوريًا" إذا تعرضت قيادتها للهجوم.

يوضح هذا السلوك المشين الكلفة الخفية لحرب أوكرانيا. ومع التهديدات الروسية شبه اليومية باستخدام الأسلحة النووية ضد كييف ـ فإن الدول الأصغر تخشى أنها أصبحت بحاجة إلى السلاح النووي من أجل بقائها - وتعلم أنه إذا كانت تمتلكه، فلا ينبغي لها أبدًا التفكير في التخلي عنه كما فعلت أوكرانيا في العام 1994.

كتب الدبلوماسي السابق والخبير الأمني الياباني الكبير مايومي فوكوشيما في مقال نشره موقع “وور أون ذا روكس” في أبريل / نيسان بعنوان: "War on the Rocks "هذه الحرب للأسف رفعت قيمة الردع للأسلحة النووية".

منذ اندلاع الصراع في أوكرانيا في شباط/فبراير، اتخذت كوريا الشمالية خطوات دراماتيكية لتشديد عقيدتها النووية، ورفض أي مفاوضات مع الولايات المتحدة لنزع السلاح النووي، والاقتراب من التحالف الاستبدادي بين روسيا والصين. يبدو أن تطلعات كيم جونغ أون لعقد صفقة مع واشنطن ـ بدليل ما وصفه الرئيس دونالد ترامب بـ "رسائل الحب المتبادلة " قد تبخرت.

قال روبرت كارلين ـ كان لسنوات عديدة محللًا لشؤون كوريا الشمالية في وكالة المخابرات المركزية ـ في مذكرة لي هذا الأسبوع: "تشير كل الدلائل إلى حدوث تحول جوهري في تفكير كوريا الشمالية". ويؤكد أنه بعد انهيار محادثات كيم مع ترامب في هانوي في العام 2019، "لم يعد من الممكن تحقيق علاقات طبيعية مع الولايات المتحدة ... [أو] تستحق العناء. إذا كانت الصين في حالة صعود والولايات المتحدة في حالة انحدار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فليس من المنطقي أن تضع كوريا الشمالية أي بيض في سلة الولايات المتحدة ".

أرادت كوريا الشمالية لعقود من الزمن ثقلًا أميركيًا موازنًا لروسيا والصين، ولكن لم تعد كذلك على ما يبدو. ناقشت المحللة الكورية في مركز ستيمسون راشيل مينيونغ لي الأسبوع الماضي في 38 شمالًا (38 North) بأن ميل بيونغ يانغ الأخير "يبدو أنه انهاء قرار استراتيجي اتخذه كيم إيل سونغ قبل 30 عامًا لتطبيع العلاقات مع واشنطن كحاجز ضد بكين. وموسكو ".

وكان هذا التحول الاستراتيجي جزئيًا رد فعل على معاهدة الصداقة "بلا حدود" التي تم توقيعها في شباط\فبراير بين فلاديمير بوتين وشي جين بينغ. وتلا إعلانهما عن "نظام عالمي جديد" غزو روسيا لأوكرانيا بعد فترة وجيزة، وكان بمثابة "نقطة انعطاف" بالنسبة لكيم. وتنقل عن كيم في خطاب ألقاه في أيلول\سبتمبر تقييمه بأن "الانتقال من عالم أحادي القطب تدعو إليه الولايات المتحدة إلى عالم متعدد الأقطاب يتسارع بشكل ملحوظ".

كان كيم مهتمًا حديثًا بموسكو وبكين. وسرعان ما أيد استقلال جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الانفصاليتين في أوكرانيا. وأيد حملة الصين القمعية على هونج كونج وتحركاتها الخطيرة تجاه تايوان. ووفقًا لكارلين، قال وزير دفاع كوريا الشمالية في آب\ أغسطس إن بلاده "ستشن عمليات تنسيق استراتيجي وتكتيكي عن كثب" مع الجيش الصيني.

  وكان كيم مهتما جديدا بكل من الصين وروسيا، وسرعان ما أيد قرار موسكو ضم جمهوريات منفصلة في دونستيك ولوهانسك في أوكرانيا. كما ودعم القمع الصيني في هونغ كونغ وتهديداتها لتايوان. وبحسب كارلين، فقد قال وزير الدفاع الكوري الشمالي في آب/أغسطس “ستشن عمليات تنسيق استراتيجية وتكتيكية” مع الجيش الصيني، وسارع كيم لتعزيز قوة الردع النووي لكوريا الشمالية. وفي نيسان\أبريل أعلن أنه سيزيد قدرات أسلحته النووية "بأسرع سرعة ممكنة". وفي أيلول \ سبتمبر صدر القانون الذي يفرض شن هجوم نووي مضاد في حالة تعرضه للتهديد. ولعل الأهم هو أن كيم رفض أي احتمال للتخلي عن أسلحته النووية. وقال في خطاب ألقاه في أيلول\ سبتمبر: "لقد رسمنا خط عدم التراجع في ما يتعلق بسلاحنا النووي، لذا لن تكون هناك أي مساومة بشأنها". "لن يكون هناك ... نزع سلاح نووي".

لاحظت إدارة بايدن هذه الإجراءات المقلقة من قبل بيونغ يانغ. لكن مسؤولًا كبيرًا في وزارة الخارجية قال يوم الثلاثاء إنه "من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان تحولًا جوهريًا" في السياسة. ومنذ تولي الرئيس بايدن منصبه أشارت الإدارة إلى أنها مستعدة للمحادثات مع كوريا الشمالية في أي وقت وفي أي مكان من دون شروط مسبقة. لكن كوريا الشمالية لم تستجب، باستثناء الخطاب العام الذي يدعو إلى الحرب وإطلاق أكثر من 60 صاروخًا باليستيًا هذا العام.

كيم محق بلا منازع بشأن شيء واحد: تسعى روسيا والصين إلى نظام عالمي جديد يحل محل "النظام القائم على القواعد" الذي تقوده الولايات المتحدة كما يصفه بايدن.و أوكرانيا هي الجبهة الرئيسة التي تدور فيها هذه المعركة ، لكنها ليست الوحيدة.