• اخر تحديث : 2024-05-10 13:04

على الرغم من حالة التفاؤل التي صاحبت العملية السياسية التي بدأت في الخامس من ديسمبر 2022 لإخراج السودان من دائرة الجمود السياسي الذى عانى منه الشعب السوداني خلال الفترة الأخيرة، وما تضمنته من محاولات لضم مختلف الأطراف التي لم تنضم إلى الاتفاق الإطاري، ومن بينها عدد من القوى المدنية وكذلك الحركات المسلحة، تمهيداً لتوقيع مسودته النهائية خلال شهر أبريل 2023، إلا أن اندلاع الصراع بين الجيش الوطني (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF) منذ الخامس عشر من أبريل 2023 على خلفية عدم التوافق بينهما على ترتيبات الإصلاح الأمني والعسكري المتضمنة في الاتفاق الإطاري، قد أدى إلى تراجع الآمال بتجاوز مرحلة صعبة نتجت عن الإجراءات الاستثنائية التي تبناها مجلس السيادة الانتقالي فى أكتوبر 2021، ليصبح الشعب السوداني في مواجهة مصير مجهول في ظل تصاعد الاقتتال بين الجانبين، على نحو يطرح تساؤلات مهمة حول مواقف العديد من القوى الداخلية من الأزمة، وخاصة الحركات المسلحة، حيث تتعدد هذه الحركات وتنتشر فى جميع الأقاليم السودانية.

الحركات المسلحة والصراع الراهن في السودان

يزخر السودان بمجموعة كبيرة من الحركات المسلحة، إذ لا يحتكر الجيش الوطني استخدام القوة، حيث تبرز المظالم التاريخية والخلافات حول قضايا التهميش والعنصرية والصراعات على السلطة والثروة في مناطق عديدة، وتعد هذه المعضلة من أهم أسباب استمرار عوامل عدم الاستقرار وكثرة المطالب الانفصالية التي تضغط بقوة على أفكار التوافق والوحدة الوطنية التي سعى إليها الشعب السوداني عبر ثورته المجيدة.

وكانت فكرة تأسيس جيش وطني موحد في السودان تمثل أحد الأهداف التي سعت إلى تحقيقها ثورة ديسمبر 2018، واتخذت خطوات لتحقيق هذا الهدف، حيث تضمن اتفاق جوبا للسلام تأكيداً على دمج هذه الحركات وقوات الدعم السريع ضمن الجيش الوطني، كما نص الاتفاق الإطاري، الذى جاء عبر مشاورات وورش عمل بين مكوني الحكم (المدني والعسكري)، على دمج هذه الحركات وقوات الدعم السريع في إطار الإصلاح الأمني والعسكري، مع التأكيد على أهمية أن تصبح المؤسسة العسكرية مؤسسة احترافية وأن تبتعد عن العمل السياسي، حيث يعد هذا الهدف أحد الأسباب التي قادت إلى الوصول إلى توافق بين عدد من أطراف المكون المدني والمكون العسكري خلال الشهور الأخيرة، بعد أن أعلنت المؤسسة العسكرية استعدادها للابتعاد عن العملية السياسية والعودة إلى ثكناتها.

ومع اندلاع المواجهات بين الجيش الوطني وقوات الدعم السريع التزمت الحركات المسلحة بالحياد ولم تعلن أي حركة دعمها للجيش الوطني أو لقوات الدعم السريع، حيث يمكن أن يعود هذا الموقف للأسباب التالية:

1- اندلاع الصراع بشكل مفاجئ: على الرغم من تصاعد الخلافات خلال الفترة الأخيرة بين رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو، وسعى الطرفين لزيادة وانتشار القوات التابعة له في بعض المناطق، إلا أن ترتيبات العملية السياسية لم تشهد مشكلات كبيرة إلا عند مناقشة إجراءات الإصلاح الأمني والعسكري، لكن الوصول إلى مرحلة المواجهات لم يكن سيناريو مطروحاً، لذلك عزفت الكثير من القوى السياسية والحركات المسلحة عن إبداء رد فعل سريع على هذه الاشتباكات.

2- انخراط بعض الحركات المسلحة ضمن ترتيبات المرحلة الانتقالية: تسعى العديد من الحركات المسلحة إلى الحصول على مكاسب في السلطة والثروة خلال مرحلة ما بعد البشير، وعلى الرغم من اتجاه بعض الحركات لاستخدام العنف في أقاليمها، إلا أن ذلك يعود لأسباب قبلية في المقام الأول، مع استمرار حرص هذه الحركات على المشاركة في العملية السياسية التي يتم ترتيبها في البلاد بعد الثورة، وتخشى هذه الحركات من أن المشاركة في هذا الصراع قد تؤدى إلى فقدانها للمكاسب التي حصلت عليها بعد الثورة.

فقد وقع مجلس السيادة الانتقالي اتفاق سلام مع عدد من الحركات المسلحة في الثالث من أكتوبر 2020، حيث ارتكزت مفاوضات جوبا على خمس مسارات، هي: مسار إقليم دارفور (غرباً)، ومسار ولايتي جنوب كردفان (جنوباً) والنيل الأزرق (جنوب شرق)، ومسار شرقي السودان، ومسار شمالي السودان، ومسار وسط السودان، إلا أن العديد من الحركات لا تزال خارج هذا الاتفاق نظراً لعدم قبول بعض الحركات الانضمام للاتفاق أو عدم قبولها  للهيئات الممثلة لمصالحها في الاتفاق، مما يفاقم من الصراعات القبلية والمناطقية وخاصة في دارفور وأبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق، هذا فضلاً عن مسار شرق الذى يطرح من حين لآخر مزيداً من التوترات، وخلال شهر فبراير الماضي وقعت الحكومة السودانية وحركات مسلحة على صيغة محدثة لتنفيذ اتفاق جوبا للسلام بحضور رئيس المجلس الانتقالي عبد الفتاح البرهان ورئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت. وشملت الحركات المسلحة الموقعة على الصيغة الجديدة للاتفاق حركة العدل والمساواة وجيش تحرير السودان والجبهة الشعبية للتحرير والعدالة ومؤتمر البجا المعارض.

ومع وجود حركات مسلحة رفضت الانضمام إلى اتفاق سلام جوبا، بذلت محاولات عديدة لضم هذه الحركات خاصة الحركة الشعبية لتحرير السودان-الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان فصيل عبد الواحد نور، إلى عملية السلام، وهما أكبر حركتين مسلحتين خارج اتفاق سلام جوبا، كما تم تشكيل ثلاث مجموعات مسلحة فى ديسمبر فى وسط وشرق السودان، حيث ترفض هذه المجموعات اتفاق جوبا للسلام الذي ينتظر أن تتم مراجعته عبر الاتفاق الإطاري.

وقد انضمت بعض الحركات المسلحة إلى المناقشات التي عقدتها ورش العمل لصياغة المسودة النهائية للاتفاق الإطاري الذي نجح المكونان المدني والعسكري في تدشين مبادئه فى الخامس من ديسمبر الماضي (2022)، حيث بذلت جهود مختلفة خلال الفترة الأخيرة لجذب الحركات الرافضة للاتفاق الإطاري، ومن أهم هذه الحركات حركة العدل والمساواة بزعامة جبريل ابراهيم، وحركة جيش تحرير السودان بقيادة منى اركو مناوى، حيث ترفض الحركتان مناقشة اتفاق جوبا لما يمكن أن ينتج عن هذا من إعادة توزيع للسلطة لا يتفق مع مصالح الحركتين.

3- وجود عدد من الحركات المسلحة الداعمة للجيش الوطني: على الرغم من رفض القوى المدنية الرئيسية وعدد من الحركات المسلحة للإجراءات الاستثنائية التي تبناها مجلس السيادة الانتقالي في أكتوبر 2021، إلا أن هناك بعض الحركات المسلحة التي دعمت المؤسسة العسكرية، ولم ترفض هذه الإجراءات، ومن هذه الحركات: حركة تحرير السودان – قيادة ميناوي، وحركة العدل والمساواة – قيادة جبريل إبراهيم، وكذلك المجلس الأعلى لنظارات البجا بزعامة محمد الأمين ترك، وهذه الحركات ترى أن القوات المسلحة الوطنية تستطيع التصدي لهجمات قوات الدعم السريع.

تطورات إقليم دارفور على وقع الصراع

ألقت المواجهات المسلحة التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع بظلالها على التوترات التي يشهدها إقليم دارفور بصورة مستمرة، حيث تجدد الاقتتال في ولاية غرب دارفور، التي تعانى من استمرار الصراع بين القبائل، فقد اندلع قتال عنيف بين الجيش والدعم السريع في الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور في الرابع والعشرين من أبريل 2023، لكنه سرعان ما تحول إلى نزاع أهلي استخدمت فيه أسلحة ثقيلة، وأصبحت تدور معركتان في الجنينة: المعركة الأولى بين الجيش وقوات الدعم السريع، في حين تدور الحرب الثانية بين قبائل عربية وقبائل أفريقية على رأسها قبيلة المساليت. فقد شنت مليشيات مسلحة في السابع والعشرين من أبريل 2023 هجوماً عنيفاً على الجنينة، في تطور جديد للنزاع بين المساليت والقبائل العربية لليوم الرابع على التوالي.

ففي أعقاب الفراغ الأمني الذي خلّفته اشتباكات الجيش والدعم السريع بعد أن نشطت عمليات النهب والسرقات والاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم، شهدت الفاشر، في الأيام الأولى لبدء المعارك العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، اشتباكات دامية في أجزاء متفرقة من المدينة راح ضحيتها 61 من المدنيين، قبل أن تنجح وساطة قادها والي شمال دارفور نمر عبد الرحمن وقيادات أهلية في إثناء الطرفين على وقف دائم لإطلاق النار.

ومنذ وقف القتال ظهرت مجموعات مسلحة على ظهر دراجات نارية وسيارات دفع رباعي في أحياء المدينة تقوم بعمليات نهب واسعة والاعتداء على المواطنين، كما هاجمت سجن "شالا" وأطلقت سراح كل النُزلاء بمن فيهم المتهمين في جرائم القتل والإتجار بالمخدرات.

ويتخوف البعض من أن يُساند هؤلاء المقاتلون الجيش حال تجددت الاشتباكات بينه وبين قوات الدعم السريع (RSF) في الفاشر، ليتحول النزاع إلى قبلي على غرار الصراع الذي يُجري في الجنينة بولاية غرب دارفور المجاورة والذي راح ضحيته أكثر من 100 قتيل.

كما تكونت قوة مشتركة من خمس حركات مسلحة بواقع 120 مركبة عسكرية تعمل على تأمين مقار المؤسسات الحكومية والمنظمات الأممية وكل مناطق غرب الفاشر، لتأمين مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور. والحركات المكونة لهذه القوة هي تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، والمجلس الانتقالي الذي يرأسه الهادي إدريس، علاوة على حركة العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم، وتجمع قوى تحرير السودان والتحالف السوداني وهي الحركات التي وقعت على اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر 2020. حيث جاءت هذه القوة في اعقاب احتدام المعارك بين قوات الجانبين في غرب دارفور، وأكد رئيس حركة جيش تحرير السودان مني أركو مناوي إن قيادات الحركات المسلحة قررت تحريك قوة عسكرية مشتركة للفصل بين المتحاربين بالتعاون مع السلطات المحلية، وذلك منعاً لتوسع دائرة الانفلات بعد تصاعد المواجهات المسلحة في الخرطوم وامتدادها إلى عدد من المناطق، خاصة دارفور.

في النهاية، يبدو أن السودان دخل في دائرة مفرغة من العنف والاقتتال الذى يسمح بتفجير الأوضاع الأمنية في العديد من أقاليمه، في ظل ما تشهده هذه الأقاليم من تصاعد الصراع على السلطة دون الوطنية بين النخب السياسية المحلية المتنافسة والميليشيات، لتأسيس سيطرة محلية على الأرض أو لتأكيد السلطة بالقوة، وهذه الصراعات لا تعتمد على دعم جماعات وهيئات داخلية فقط بل تمتد التعزيزات التي تحصل عليها من الجوار الإقليمي، مما يصعب من احتوائها وتحقيق مطالبها التي لا تكون موحدة أو تعبر عن كافة الجماعات التي تنتمى للإقليم الذى تعيش فيه، مما يخلق دوائر للعنف بصورة مستمرة.

هذا فضلاً عن وجود مواجهات بين الجيش الوطني وبعض الحركات المسلحة في السابق، كما أن قوات الدعم السريع حاربت بجوار الجيش أو بمفردها قبائل وحركات مسلحة في الكثير من المناطق، فهل ستسمح بعض الحركات المسلحة وخاصة التي لم تنضم إلى الاتفاق الإطاري أو إلى اتفاق سلام جوبا، باستخدام مناطقها في الصراع بين الجانبين كما يحدث في دارفور، أم أن الأيام القادمة يمكن أن تشهد تصعيداً من جانب عدد من الحركات المسلحة للنأي بمناطقها بعيداً عن الصراع، مما يزيد من تسليح الحركات المسلحة القائمة وتبرز في إطاره حركات مسلحة جديدة، كما يفتح المجال أمام إزكاء المطالب الانفصالية لبعض المناطق مثل شرق السودان أو إقليم دارفور.

وهنا، لابد من توصيف الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع على نحو أكثر دقة، مع توضيح للأهداف الحقيقية لطرفي الصراع، فهل الطرفان يبحثون عن مكاسب سياسية واقتصادية أكبر خلال المرحلة المقبلة؟ وهل يوافق كل طرف على مشاركة الآخر معه في المكاسب؟ أم أن الطرفين يديران مباراة صفرية يسعى كل منهما من خلالها لمحو الآخر؟ وهل الطرفان يسمحان بالعودة للعملية السياسية بمشاركة المكون المدني؟،أم يتصور أيهما أنه سيفوز بالسلطة دون شريك؟ وهل المكون المدني في الحكم سيسمح بمشاركة الجيش أو قوات الدعم السريع في العملية السياسية؟ أم سيعتبر قادة هذا المكون أن الجرائم التي ارتكبت تطمس أي مشاركة للمكون العسكري في تحديد مستقبل السودان، وأخيراً، هل يمكن تدشين عملية سياسية للحكم في السودان بدون مشاركة الجيش في ظل وجود هذا الكم الهائل من الحركات المسلحة التي تبلغ وفق بعض التقديرات ما يقرب من 87 حركة مسلحة.

ويعول الكثيرون على الأدوار الإقليمية ومدى تأثيرها على استعادة الاستقرار في السودان، ودفع طرفي الصراع لتنفيذ الهدنة التي تم اختراقها أكثر من مرة دون مراعاة لما وصل إليه الشعب السوداني من أوضاع إنسانية كارثية.