• اخر تحديث : 2024-06-21 02:51
news-details
مقالات عربية

الشباب الفلسطيني العربي المُعطّل عن العمل في الداخل: قراءة في تقرير مراقب الدولة الإسرائيلية 2023


أحد أهم المؤشرات التي تعكس نظام الأبارتهايد داخل إسرائيل هو نسبة البطالة العالية في صفوف الشباب الفلسطيني في الداخل. وثمة سببان أساسيان، من بين جملة أسباب أخرى، يفضيان إلى هذه النسبة العالية: نظام التعليم والفقر الاقتصادي. ويفصّل تقرير لمراقب الدولة الإسرائيلية، تم نشره في مطلع شهر أيار 2023، مشكلة البطالة في صفوف الشباب الفلسطيني داخل إسرائيل بالتركيز على نظام التعليم. تلخص هذه المقالة أهم ما جاء في تقرير مراقب الدولة.

حوالي 30% من الشباب (من أعمار 18-24 سنة) داخل إسرائيل هم معطلون عن العمل من المجتمع الفلسطيني العربي والذي يشمل الفلسطينيين من مواطني إسرائيل إضافة إلى المقدسيين، وهذه النسبة تشكل حوالي 240 ألف نسمة. حسب معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(OECD) فإن حالة التعطّل بين الشباب تشير إلى الوضع الذي يكون فيه الشباب لا يتعلمون، ولا يعملون وليسوا في إطار تأهيلي. وفق هذا التعريف، فإن نسبة الشباب الفلسطيني داخل إسرائيل والذي يعتبرون "متعطلين" تصل إلى حوالي 29% (حوالي 25% ذكور و34% إناث) مقارنة بنسبة 15% لدى المجتمع اليهودي (حوالي 14% ذكور و17% إناث).

هذه الفجوة الشاسعة بين الشباب اليهود والشباب الفلسطيني- العربي آخذة في الازدياد، الأمر الذي يشير إلى وجود ديناميات ممنهجة تعمل على توطيد نظام الأبارتهايد، وخلق بون اقتصادي، اجتماعي وثقافي، يقوم على أساس إثني- قومي تشارك فيه العديد من مؤسسات الدولة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. بينما أن الفجوة (حسب معيار التعطل) بين الشباب اليهود والشباب الفلسطيني- العربي، كانت في العام 2015 حوالي 6%، إلا أنها ارتفعت خلال السنوات السابقة لتصل إلى حوالي 11% في نهاية العام 2021.

الخطط الحكومية المتلاحقة، خصوصا تلك التي تم وضعها في سياق إرضاء القائمة العربية الموحدة (التي يترأسها منصور عباس) كي تنضم إلى حكومة بينيت- لبيد العام 2021، كانت مجرد حبر على ورق، حسب ما يوحي تقرير مراقب الدولة. مثلا، الخطة الخمسية للمجتمع العربي حتى العام 2026، والخطة لمكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي شملت ميزانيات بقيمة 34.2 مليار شيكل غايتها تطوير هذا المجتمع، بما في ذلك تقديم علاج غير مباشر لمشكلة الشباب المتعطّل، في مجالات التعليم، التشغيل ومكافحة الجريمة. حسب تقرير مراقب الدولة، تم تخصيص 436.5 مليون شيكل فقط من هذه الميزانية لمعالجة مشكلة الشباب المتعطّل في المجتمع العربي (نحو 1%). كما أن هذه القرارات اتُخذت بدون أن تقوم وزارتا المساواة الاجتماعية والرفاه الإسرائيليتان ببلورة هذه الخطط، وبدون القيام بتحليل علمي دقيق وواف للمعلومات والبيانات ذات العلاقة. النتيجة هي أن البرامج المُخصصة لمعالجة الشباب المتعطّل لم تُعدّ بناءً على تحليل موثوق وعلمي، وبدون ملاءمة الحلول المطروحة لمميزات وخصوصية كل وسط من الأوساط التي تؤلف المجتمع العربي.

يؤثر التعطّل أيضا على معدلات الجريمة بين الشباب، وخاصة بين الرجال. من هنا، يشير التقرير إلى أن مستوى الجريمة بين الشباب العرب ارتفع بشكل متواصل، من 0.1 ملف جنائي للفرد سنة 2015 إلى 0.15 ملف جنائي سنة 2021 (أي ارتفاع بنسبة 50%). يعني ذلك زيادة بنحو 6000 ملف جنائي في هذه الفترة.

في تشخيصه لأسباب التعطّل يُشير تقرير مراقب الدولة إلى العلاقة بين تعطل الشباب العربي ومسار البجروت (التوجيهي الإسرائيلي)، التعليم فوق الثانوي (سواء جامعي أو مهني)، الخدمة الوطنية، العسكرية أو المدنية والتأهيل المهني. على ما يبدو، فإن تقليل الفجوات بين الشباب العرب والشباب اليهود يكمن، حسب رأي مراقب الدولة، في "دمج" الشباب العربي بشكل شبه كامل في مؤسسات الدولة.هذا يشير إلى تناقض أساس من الصعب حاليا التفكير في تجاوزه: من جهة، أساسات نظام الأبارتهايد التي تقوم عليها دولة إسرائيل في تحديد وإعادة إنتاج العلاقة بين اليهود والفلسطينيين داخل إسرائيل، وهي أساسات بنيوية تعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية. ومن جهة ثانية، فإن تجاوز الفروقات المذكورة، وتحسين مكانة إسرائيل حسب معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يتطلب إنهاء حالة الأبارتهايد والتعامل مع المجتمع الفلسطيني- العربي في الداخل بشكل متساو في توزيع الموارد، وجهود مؤسسات الدولة.

أحد أهم المخارج للتقليل من مسار التعطل بين الشباب العربي، هو إلحاقهم ببرامج مهنية في فترة ما بعد المدرسة. لكن، على ما يبدو، فإن مؤسسات الدولة تعمل بشكل ممنهج على استبعاد الشبان العرب من هذه البرامج. من مجموعة الشباب العرب الذين تم فحصهم من قبل طاقم مراقب الدولة، والبالغ عددهم قرابة 130.000 شاب وشابة، عدد الطلاب الحاصلين على شهادة تقني كان 3268 طالباً فقط، أي نحو 2.5% من مجموعة الشباب المفحوصة.

كما أن دمج الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية يتطلب تمكينهم باللغة العبرية، وهو أمر غير متاح داخل جهاز التعليم العربي بالشكل المطلوب. فقد تبين أن نصف معلمي اللغة العبرية في جهاز التعليم العربي لا يحملون شهادة بكالوريوس أو دبلوم في التربية، والغالبية العظمى من المُرشحين لتعليم اللغة العبرية (96%) لم يتقدموا لامتحان التمكّن من اللغة العبرية؛ وبأن وزارة التربية والتعليم لا تجمع ولا تُحلل معطيات مستوى العبرية عند الطلاب العرب بصورة منهجية ولجميع الشرائح العمرية، ولهذا لا تتوفر صورة دقيقة للوضع لفهم وتحليل الفجوات في معرفة هذه اللغة.

في سنة 2018 تعلّم نحو 15.000 طالب جامعي فلسطيني خارج إسرائيل، منهم نحو 8000 في مناطق السلطة الفلسطينية.يتعلم في الجامعة الأميركية في جنين 6215 طالبا عربيا من إسرائيل، أي أكثر من عددهم في أي جامعة في إسرائيل. للمقارنة، في جامعة حيفا، والتي يدرس فيها أكبر عدد من الطلاب العرب في إسرائيل، يتعلم نحو 5000 طالب عربي. تبين أن الشباب في المجتمع العربي، وخاصة الرجال، الذين خططوا لمواصلة تعليميهم الأكاديمي خارج إسرائيل (وتحديدا في مناطق السلطة الفلسطينية) يكونون في حالة تعطل بنسبة أكبر من الشباب الذين لم ينووا مواصلة تعليمهم. هذا يعكس وجود توجهات ممنهجة داخل سوق العمل الإسرائيلية والتي تدفع إلى تقليل حظوظ استيعاب الشبان العرب الذين درسوا في جامعات غير إسرائيلية، وهي قضية تتوافق مع توجهات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على دمج الشبان العرب في نظام التعليم الجامعي الإسرائيلي والترويج إلى "دونية" التعليم الجامعي غير الإسرائيلي. في هذا السياق، لا بد من التنويه إلى أن فرض نظام البجروت على الشبان العرب من شأنه أن يزيد فرصهم بالالتحاق في جامعات إسرائيلية، وبالتالي فرصهم في الانخراط في سوق العمل، وهو ما تراهن عليه السلطات الإسرائيلية في سياق "أسرلة" التعليم المدرسي.

تبين ايضا أن امتحان "ياعيل" (امتحان معرفة اللغة العبرية للقادمين الجدد)، الذي يُعتبر شرطا أساسيا للقبول للجامعات، يُشكّل عائقا للقبول للجامعات. ومن هنا، حصل نحو 6600 شاب عربي على علامة أعلى من 500 في امتحان البسيخومتري، وأقل من علامة 90 في امتحان "ياعيل"، لهذا تُغلق في وجوههم إمكانية الدخول للجامعات في إسرائيل.

الشباب المتعطّل هم الشباب الذين لا يتعلمون ولا يعملون وليس لديهم أي دخل. قرارات الحكومة الإسرائيلية من السنوات الأخيرة حوّلت الكثير من الموارد المالية لتطوير المجتمع العربي ولتقليص الفجوات الاجتماعية بينه وبين المجتمع اليهودي. مع ذلك، يتبين أن جهاز التعليم، الذي يتوجب عليه تزويد الشباب بالأدوات التي تُساعدهم على الاندماج في سوق العمل عند بلوغهم السن الملائمة، والحرص على تحقيق المساواة للأولاد الذين تنتمي غالبيتهم لطبقات اجتماعية - اقتصادية فقيرة، لا يُقدم لهم الأدوات والمهارات الضرورية للاندماج في سوق العمل والتعليم العالي. وأيضاً، تبين أن الجهات الحكومية ذات العلاقة - وزارة التربية والتعليم، جناح العمل، وزارة المساواة الاجتماعية، مجلس التعليم العالي، وزارة المالية، مصلحة التشغيل، وديوان رئيس الحكومة - وهي التي يتوجب عليها تقليص الفجوات عند الشباب العرب في جيل 18 وما فوق، لا تقوم بعملها كما يجب.