• اخر تحديث : 2024-06-21 02:51

في إطار استمرار الحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف بـاسم (حميدتي) في 15/4/2023، ونظراً لعدم  قدرة أي من الطرفين على حسم الحرب لصالحه حتى الآن، فقد باتت هذه الحرب مفتوحة على كل الاحتمالات، وبخاصة في ظل ما يكتنف الموقف العسكري على الأرض من غموض، حيث إنه من غير المعروف على وجه الدقة من يسيطر على ماذا، وبخاصة في ظل التضارب الشديد في البيانات والتصريحات الصادرة عن الجانبين، وصعوبة التحقق من صحتها بالاستناد إلى مصادر مستقبلة.

وفي ضوء ذلك، فإن الهدف من هذه الدراسة هو رصد واستشراف السيناريوهات المستقبلية للحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، وبخاصة في ظل فشل رهان كل من الطرفين على تحقيق نصر سريع وحاسم، حيث يبدو أن المعطيات والحقائق العسكرية على الأرض لم تتغير كثيراً منذ اندلاع الحرب في 15/4/2023 حتى الآن. وسوف تعتمد الدراسة في مقاربتها للموضوع على أداة السيناريوهات المشروطة، حيث يتم رصد وتحليل شروط ومتطلبات تحقق كل سيناريو مع تحديد السيناريو/ السيناريوهات الأكثر احتمالاً.

وثمة عدة ملاحظات عامة يتعين أخذها في الاعتبار كإطار عام للتفكير في الآفاق المستقبلية للحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع:

أولاها، إن الحرب تجري هذه المرة بين أكبر قوتين عسكريتين في السودان، وهما الجيش وقوات الدعم السريع. وكانا يشكلان معاً قبل 15/4/2023 جناحي المكون العسكري، حيث إن قوات الدعم السريع هي من الناحية القانونية تابعة للقوات المسلحة، وتأتمر بأمر القائد الأعلى.  ونظراً للإمكانيات والقدرات العسكرية التي يمتلكها كل طرف، فإن هذا يعزز من احتمال استمرار الحرب لفترة زمنية أطول، الأمر الذي يجعل تداعياتها كارثية على الدولة والمجتمع.

وثانيتها، إن الحرب تجري للمرة الأولى داخل العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث، وبعض المدن الأخرى، فيما جرت الحروب التي شهدها السودان في السابق في الأطراف والمناطق الريفية سواء في الجنوب أو دارفور أو شرق السودان. ونظراً لأن العاصمة بمدنها الثلاث هي مركز السلطة والحكم، حيث توجد مقار الأجهزة والسلطات الرسمية، والمقار الرئيسية للشركات والبنوك، ومعظم المصانع الكبرى، ومقار البعثات الدبلوماسية، فإن اندلاع حرب داخل العاصمة المأهولة بالسكان يفضي إلى نتائج كارثية من حيث أعداد القتلى والجرحى، وحجم التدمير في البنى والهياكل التحتية والممتلكات العامة والخاصة، فضلاً عن إصابة الدولة بحالة من الشلل، وعزلها عن العالم الخارجي بمعنى من المعاني. فمع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع سارعت دول عديدة إلى إجلاء بعثاتها الدبلوماسية وراعياها من السودان، وأغلقت سفاراتها وقنصلياها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن حروب المدن عادة ما تكون معقدة وصعبة الحسم.

وثالثتها، إن خبرات الحروب الداخلية التي شهدها السودان في مرحلة ما بعد الاستقلال سواء في الجنوب أو دارفور أو النيل الأزرق أو جنوب كردفان تؤكد بوضوح على أن هذه الحروب استمرت لسنوات طويلة بفضل عوامل داخلية وأخرى خارجية. فعلى سبيل المثال، استمرت الحرب في الجنوب لعقود. وهنا مكمن الخطر بالنسبة للحرب الدائرة حالياً بين الجيش وقوات الدعم السريع، حيث إنها يمكن أن تستمر لفترة طويلة، وبخاصة إذا امتدت إلى ولايات أخرى، وانخرطت فيها قوى قبلية وعرقية وحركات مسلحة، فضلاً عن تدخل بعض القوى الخارجية سواء الإقليمية أو الدولية.

ورابعتها، إنه بغض النظر عن الأسباب المباشرة للحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، إلا أن هذه الحرب لا يمكن فهمها بمعزل عن جملة من التحديات والإشكاليات الكبرى التي عانى - ويعاني - منها السودان في مرحلة ما بعد الاستقلال، ومن أبرزها: تعثر عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة، حيث أخفقت نخب ما بعد الاستقلال في بناء دولة وطنية ديمقراطية تستند إلى أسس ومبادئ المواطنة، وتكون قادرة على استيعاب التعددية المجتمعية، العرقية والقبلية والدينية والجهوية، وتحويلها إلى مصدر قوة وإثراء، بدلاً من أن تكون مصدر صراعات وحروب. وفي هذا الإطار، يمكن فهم كثرة الحروب الداخلية التي شهدها السودان في مرحلة ما بعد الاستقلال، والتي انتهت إحداها بانفصال الجنوب في عام 2011. ومن التحديات أيضاً تمدد الدور السياسي للجيش. فخلال الفترة الممتدة منذ استقلال السودان في عام 1956 حتى عام 2023، حكم عسكريون البلاد لمدة تتجاوز الـ 55 عاماً، الأمر الذي كرس من ظاهرة تسييس الجيش. يُضاف إلى ذلك كثرة الانقسامات في صفوف النخب السياسية، وعجزها المزمن عن بناء حد أدنى من التوافق الوطني، فضلاً عن عمق الاختلافات والتناقضات بين المركز والهوامش أو الأطراف، فتاريخياً تسيطر النخبة النيلية على مفاتيح السلطة والثروة، الأمر الذي أدى إلى تعميق حالة التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمناطق عديدة في السودان، وهو ما أسهم في ظهور حركات التمرد المسلحة، وتغذية الحروب الأهلية والصراعات الممتدة.

وخامستها، إن الحروب الداخلية عادة ما تستدعي التدخلات الخارجية سواء من قبل دول أو فاعلين مسلحين من غير الدول. وقد خبر السودان هذه الظاهرة خلال الحروب التي اندلعت في مرحلة ما بعد الاستقلال، وبخاصة الحرب في الجنوب. وإذا طال أمد الحرب الدائرة حالياً بين الجيش وقوات الدعم السريع، فإنه من المرجح حدوث تدخلات خارجية لصالح هذا الطرف أو ذاك، وذلك حسب أجندات ومصالح الأطراف المتدخلة، مما يغذي استمرار الحرب.

ومع أخذ الملاحظات السابقة في الاعتبار، فإن هناك عدة سيناريوهات لمستقبل الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. أولها، حسم الحرب لصالح أحد الطرفين. وثانيها، قبول الطرفين بوقف دائم لإطلاق النار والانخراط في مفاوضات تفضي إلى حل سياسي. وثالثها، استمرار الحرب بشكل متقطع خلال الأجل القصير. ورابعها، الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة>

وتتناول الدراسة كلاً من هذه السيناريوهات بشيء من التفصيل.

السيناريو الأول: حسم الحرب لصالح أحد الطرفين

 يبدو هذا السيناريو ضعيف الاحتمال، حيث لم يستطع أي طرف تحقيق نصر حاسم حتى الآن. ولا يبدو أن أياً منهما يمتلك المقدرة على تحقيق ذلك خلال المستقبل المنظور. والسبب الرئيسي وراء ذلك هو طبيعة وخصوصية ميزان القوة بين طرفي الحرب، مما يمكنهما من مواصلة القتال لفترة أطول. فإذا كان الجيش يمتلك التفوق من حيث سلاح الطيران والمدفعية وغير ذلك من الأسلحة الثقيلة، فإن قوات الدعم السريع تمتلك القدرة على المناورة وسرعة الحركة اعتماداً على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة. كما أن مسرح العمليات متمثلاً بالأساس في العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث وإقليم دارفور يجعل القدرة على إنهاء الحرب لصالح هذا الطرف أو ذاك أكثر صعوبة وتعقيداً.

وإذا كان من الصعب تصور قدرة قوات الدعم السريع على هزيمة الجيش، فإن الأخير لا يستطيع حسم المواجهة لصالحه بسهولة، حيث إن القتال داخل المدن يقيد من قدرته على استخدام ما لديه من أسلحة ثقيلة على نطاق واسع. ولذلك أكد بعض المراقبين للميدان على أن معادلة الحرب في السودان باتت تقوم على سيطرة الجيش على الأجواء وسيطرة قوات الدعم السريع على الأرض، حيث يستخدم الجيش سلاح الطيران في قصف مقار وتجمعات لقوات الدعم السريع، فيما تنتشر الأخيرة داخل أحياء مأهولة بالسكان، وتمارس الكر والفر. ولذلك تبدو المواجهة بين الطرفين أقرب ما تكون إلى حرب جوالة داخل مدن وأحياء سكنية.

كما أن حدوث انشقاق كبير داخل قوات الدعم السريع على النحو الذي يصب في مصلحة الجيش، ويمكنه من حسم المواجهة لصالحه، هو أمر ضعيف الاحتمال في ظل التركيبة القبلية لهذه القوات من ناحية، وولاء أفرادها لحميدتي من ناحية أخرى. ولكن حتى بافتراض تمكن الجيش خلال فترة زمنية معينة من فرض نوع من السيطرة على العاصمة الخرطوم، فإن ذلك لا يعني نهاية الحرب، حيث تستطيع قوات الدعم السريع مواصلة حرب عصابات داخل العاصمة من خلال مجموعات صغيرة، فضلاً عن فتح جبهات أخرى للمواجهة مع الجيش، وبخاصة في إقليم دارفور، حيث تتمركز القبائل التي ينتمي إليها الكثير من أفراد قوات الدعم السريع. وقد شهد الإقليم - ويشهد - بالفعل مواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع، راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى، فضلاً عن نزوح الآلاف.

بالإضافة إلى ما سبق، فإن التركيبة العرقية والقبلية لإقليم دارفور، وإرث الصراع الدامي الذي شهده لسنوات، يجعلانه بيئة ملائمة لاستمرار حالة الحرب، والتي لن تقتصر على الجيش وقوات الدعم السريع فحسب، بل ستنخرط فيها قوى قبلية وعرقية، وهذا هو ما حدث بالفعل بين قبيلة المساليت ذات الأصول الأفريقية وبعض القبائل العربية في غرب دارفور. وقد أعادت المواجهات في الإقليم إلى الأذهان حرب دارفور التي اندلعت في عام 2003، وما ترتب عليها من تداعيات كارثية.

السيناريو الثاني: قبول الطرفين بوقف دائم لإطلاق النار والدخول في مفاوضات تفضي إلى حل سياسي

يُعد هذا السيناريو ضعيف الاحتمال أيضاً، وذلك لعدم توفر شروط تحقيقه على أرض الواقع، وفي مقدمتها اقتناع كل من الطرفين بصعوبة الانتصار في هذه المواجهة، ومن ثم لا بديل سوى التفاوض، ووجود ضغوط دولية حقيقية تجبرهما على وقف القتال والقبول بمفاوضات جادة لإنهاء الحرب. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك عوامل أخرى تجعل هذا السيناريو غير مرجح، منها: أن الطرفين أوغلا في المواجهة، وتبادلا اتهامات حادة، وأصبحت الحرب بينهما مباراة صفرية. ويحاول كل طرف على الأقل تحقيق إنجاز عسكري ملموس يعزز موقفه التفاوضي في حال الاضطرار إلى التفاوض من أجل إنهاء الحرب.

ومما يشير إلى ضعف احتمال هذا السيناريو هو عدم التزام الطرفين باتفاقات الهدنة العديدة التي وافقا عليها، حيث راح كل طرف يتهم الطرف الآخر بخرق هذه الهدن، مما يؤكد على عدم استعدادهما للدخول في مفاوضات سياسية جادة تضع نهاية للحرب، حيث باتت الحرب في نظرهما بمثابة صراع مصيري. فعدم قدرة الجيش على حسم الحرب لصالحه يضع دوره ومكانته على المحك. كما أن هزيمة قوات الدعم السريع تعني نهايتها.

وفي إطار وساطة سعودية – أمريكية، جاءت مصحوبة بتلويح أمريكي بفرض عقوبات على الأفراد المسئولين عن تهديد الأمن والاستقرار في السودان، قبل الجيش وقوات الدعم السريع بإجراء مفاوضات في مدينة جدة السعودية. وقد كشفت نتائج هذه المفاوضات التي انطلقت في 6/5/2023 عن عدم جدية الطرفين في التوصل إلى حل سياسي يضع نهاية للحرب. ففي 11/5/2023، وقع وفدا التفاوض عن الطرفين "إعلان جدة"، وهو مجرد إعلان مبادئ، حيث نص على ما يلي: "نؤكد نحن الموقعون أدناه، القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع من خلال هذا الإعلان، التزاماتنا الأساسية بموجب القانون الدولي الإنساني لتيسير العمل الإنساني من أجل تلبية احتياجات المدنيين. ونؤكد التزامنا الراسخ بسيادة السودان والحفاظ على وحدته وسلامة أراضيه. وندرك أن الالتزام بالإعلان لن يؤثر على أي وضع قانوني أو أمني أو سياسي للأطراف الموقعة عليه، ولن يرتبط بالانخراط في أي عملية سياسية". وبموجب "إعلان جدة" يلتزم الطرفان بضمان حماية المدنيين في جميع الأوقات، ويشمل ذلك السماح لهم بالمرور الآمن لمغادرة مناطق الأعمال العدائية الفعلية على أساس طوعي في الاتجاه الذي يختارونه، والامتناع عن أي هجوم من المتوقع أن يتسبب في أضرار مدنية عرضية، والالتزام بالإجلاء والامتناع عن الاستحواذ واحترام وحماية كل المرافق الخاصة والعامة كالمرافق الطبية والمستشفيات ومنشآت المياه والكهرباء، والامتناع عن استخدامها للأغراض العسكرية، والسماح بالمرور السريع للمساعدات الإنسانية دون أي عوائق. ويحظر الإعلان على الطرفين تجنيد الأطفال، والاحتجاز التعسفي للمدنيين وكل أشكال التعذيب.

ورغم أهمية المبادئ التي يتضمنها "إعلان جدة"، إلا أنه لم يتضمن موافقة الطرفين على هدنة إنسانية أو وقف مؤقت لإطلاق نار من أجل تنفيذ هذه المبادئ. وبعد جولة ثانية من المفاوضات بين ممثلي الجيش وقوات الدعم السريع، أعلنت الدولتان الراعيتان للمفاوضات في بيان مشترك صدر في 20/5/2022 عن توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار قصير الأمد بين الجيش وقوات الدعم السريع، على أن يدخل حيز التنفيذ بعد 48 ساعة من وقت التوقيع، ويستمر لمدة سبعة أيام، ويمكن تمديده لمدة أخرى بموافقة الطرفين.

وعلى الرغم من إعلان كل من الجيش وقوات الدعم السريع الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار القصير الأمد، إلا أنه ظل التزاماً جزئياً، حيث أسفر عن حالة من الهدوء النسبي، وذلك بسبب استمرار الطرفين في خرقه. وهذا ما أكدته الدولتان الراعيتان لمفاوضات جدة، المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، في بيان مشترك صدر بتاريخ 27/5/2023، حيث أشار البيان إلى أن "طرفي الصراع أبلغا الرياض وواشنطن التزامهما تسهيل المساعدة الإنسانية واستعادة الخدمات الأساسية لصالح الشعب السوداني. ومع ذلك، ارتكبت قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية أعمالاً محظورة أعاقت تلك الجهود. وإدراكاً منا بأنه لم تتم مراعاة وقف إطلاق النار الحالي بشكل كامل، إلا أننا قمنا بحث كلا الطرفين على الموافقة على تمديده، وإن لم يتم التقيد به بشكل كامل، لتوفير مزيد من الوقت للجهات الفاعلة الإنسانية للاضطلاع بهذا العمل الحيوي". وعلى خلفية ذلك، وافق الجيش وقوات الدعم السريع على تمديد وقف إطلاق النار قصير الأمد الذي ينتهي في مساء يوم الإثنين الموافق 29/5/2023 لمدة 5 أيام أخرى. ومع ذلك استمرت انتهاكات وقف إطلاق النا.

وقبل انتهاء مدة الخمسة أيام حدثت عدة تطورات هامة ذات صلة بمسار الحرب. ففي 31/5/2023، أعلن الجيش السوداني تعليق مشاركته في محادثات جدة بحجة عدم التزام قوات الدعم السريع بتنفيذ متطلبات "إعلان جدة". وفي هذا السياق، أكد المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، العميد الركن نبيل عبد الله، على أن القوات المسلحة مستعدة لتطبيق التزامها الدستوري والوطني للقضاء على التمرد ولتأمين الوطن والمواطن، وهذا ما سيجري في مقبل الأيام.

وكان البرهان قد استبق هذا القرار بتصريحات لافتة أدلى بها في ثاني ظهور له منذ بداية الحرب خلال تفقده بعض مواقع قوات الجيش، وأكد فيها على أن "القوات المسلحة لم تستخدم بعد كامل قوتها المميتة حتى لا تدمر البلاد، لكن إذا لم ينصع العدو (قوات الدعم السريع) أو يستجب، سنضطر لاستخدام أقصى قوة لدينا...   وأن القوات المسلحة ستظل مستعدة للقتال حتى النصر، وأنها تسيطر على جميع المواقع العسكرية في السودان بشكل كامل، وأن المتمردين لن يستطيعوا أن ينالوا من هذه البلاد، وأن النصر قريب لا محالة". ويكشف هذا التصريح عن جانب من تعقيدات الحرب في السودان، حيث إن هدف تحقيق نصر سريع من جانب الجيش أصبح بعيد المنال. كما تساءل كثيرون عن القوة المميتة التي لم يستخدمها الجيش السوداني بعد، خاصة وأنه استخدم بالفعل سلاح الطيران والمدفعية. وحسب هذه التصريحات فإن التوسع في استخدام أسلحة ثقيلة من جانب الجيش معناه المزيد من الدمار في العاصمة.

وإثر تعليق الجيش مشاركته في محادثات جدة، أعلنت الدولتان الراعيتان للمحادثات، المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، في بيان مشترك صدر في 1/6/2023، تعليق محادثات جدة بين الجيش وقوات الدعم السريع بسبب الانتهاكات الجسيمة المتكررة لوقف إطلاق النار من قبل الطرفين. واعتبر البيان أن طرفي الصراع "يدعيان أنهما يمثلان مصالح الشعب السوداني، لكن أفعالهما زادت من معاناة السودانيين وعرضت الوحدة الوطنية والاستقرار الإقليمي للخطر". وأكدت الدولتان في بيانهما المشترك استعدادهما لاستئناف المحادثات حال تنفيذ الطرفين الخطوات اللازمة لبناء الثقة. وهكذا ينطوي هذا البيان على إدانة الطرفين المتحاربين، وتحميلهما معاً مسؤولية استمرار الحرب.

كما تزامن مع هذه التطورات قيام الولايات المتحدة الأمريكية في 1/6/2023 بفرض عقوبات على كل من الجيش وقوات الدعم السريع، وذلك بهدف محاسبة المسئولين عن تقويض الأمن والسلام والاستقرار في السودان جراء الانتهاكات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار. وقد شملت هذه العقوبات فرض قيود على منح تأشيرات الدخول لأشخاص محددين، بينهم مسئولون من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وقادة من نظام الرئيس السابق عمر البشير، فضلاً عن عقوبات اقتصادية شملت - حسب موقع وزارة الخزانة الأمريكية - شركتين تابعتين لقوات الدعم السريع، وشركتين تابعتين للقوات المسلحة.

ومهما يكن من أمر، فإن العقوبات الأمريكية على السودان تمثل نوعاً من الضغط تمارسه واشنطن على طرفي الحرب بهدف إجبارهما على الدخول في مفاوضات جادة من أجل التوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار مع الالتزام بتنفيذ بنوده تمهيداً للتوصل إلى حل سياسي للصراع. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك من يرى أن هذه العقوبات قد لا تحقق الهدف المقصود، وذلك في ضوء خبرة التجربة الطويلة للسودان وبلدان أخرى مع العقوبات الأمريكية. فعلى الرغم من أن واشنطن فرضت عقوبات على نظام البشير منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين، إلا أن هذه العقوبات لم تقوض النظام. كما أن العقوبات الاقتصادية قد تضعف الجيش وقوات الدعم السريع بدرجات متفاوتة، إلا أنهما قد يستطيعان التحايل والالتفاف عليها بأشكال مختلفة كما فعل نظام البشير. وعلى الرغم من أن توقيع المزيد من العقوبات على الطرفين المتحاربين من قبل الولايات المتحدة الأمريكية قد يدفعهما إلى القبول بهدن مؤقتة لإيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين، إلا أن ذلك لا يعالج جذور الصراع، حيث يتطلب الأمر الدخول في مفاوضات جادة، تفضي إلى وقف شامل لإطلاق النار، يمهد الطريق للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تضع نهاية للحرب، وتتضمن خارطة طريق لمعالجة آثارها، وتحقق الانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي. وبدون ذلك، فالأرجح أن تتحول الحرب الحالية إلى صراع طويل وممتد قد يفضي إلى تمزق الدولة السودانية.

وعلى الرغم من تعليق محادثات جدة، وتصاعد حدة المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، فقد بقي وفدا التفاوض عن الطرفين في جدة، وانخرطا في محادثات غير مباشرة بتشجيع من الدولتين الراعيتين للمفاوضات. وفي 9/6/2023، أعلنت الدولتان عن توصل وفدي التفاوض عن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى اتفاق لوقف النار في جميع أنحاء البلاد لمدة 24 ساعة، ابتداء من السادسة (بتوقيت الخرطوم) من صباح يوم السبت الموافق 10/6/2023. وحسب الاتفاق، "فإن الهدنة الجديدة ستكون برقابة صارمة، وامتحاناً لنيات الطرفين... وفي حالة عدم التزام الطرفين هذه الهدنة سيضطر الميسران إلى تأجيل محادثات جدة". ونظراً لقصر الفترة الزمنية لهذه الهدنة، فإنه من غير المتوقع أن يكون لها تأثيرات ملموسة على مسار الحرب، لاسيما وأن المواجهات المسلحة بين الطرفين كانت تجري عشية الهدنة في المنطقة العسكرية الاستراتيجية في جنوب العاصمة الخرطوم، والتي تضم قيادة سلاح المدرعات، ومجمع "اليرموك" للصناعات الدفاعية، والذي يُعد أبرز منشآت التصنيع العسكري في السودان. ومن هنا، فإن السيطرة على منشآت هامة للتصنيع العسكري يمثل هدفاً جوهرياً للطرفين المتحاربين. ولذلك فإنه بمجرد انتهاء الهدنة عادت المواجهات من جديد بين الطرفين.

وهكذا كشفت مفاوضات جدة، وما أسفرت عنه من نتائج حتى الآن عن وجود هوة واسعة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وعدم استعدادهما لتقديم تنازلات حقيقية، لاسيما وأن البرهان كان قد استبق المفاوضات بالتأكيد على أن هدفها هو وقف القتال فقط، وأنه لا مجال للحديث عن أي عمل سياسي خلال هذه المرحلة. واعتبر أن خروج قوات الدعم السريع من المناطق السكنية ومناطق الخدمات هو الأساس الصحيح لوقف إطلاق النار، وبدون ذلك فلا فائدة من أي تفاوض حسب تعبيره. ولكن من غير المتصور أن تخرج قوات الدعم السريع من المناطق السكنية داخل العاصمة بمدنها الثلاث، حيث يوفر ذلك لها مزايا قتالية في مواجهة الجيش، لا سيما وأن أفرادها مدربون على حروب المدن.  كما أن إصرار الجيش على إخراج قوات الدعم السريع من المدن يُنظر إليه من جانب قيادة الدعم السريع على أنه خطة من الجيش لاستهدافها خارج المدن مستخدماً الأسلحة الثقيلة بكثافة. يُضاف إلى ذلك، أن تعدد وتداخل نقاط ومناطق المواجهة المسلحة بين الطرفين في العاصمة بمدنها الثلاث يجعل من الصعب تطبيق آلية تضمن مراقبة فعالة لوقف إطلاق النار.

ولكن حتى بافتراض التوصل في مرحلة تالية إلى وقف لإطلاق النار بين الطرفين لفترة أطول، فإن الهدف الرئيسي لذلك سوف يكون على الأرجح معالجة القضايا والأوضاع الإنسانية. ولذلك سوف تظل قضايا جوهرية عالقة دون حلول مثل إخلاء المدن من الوجود المسلح، ومستقبل قوات الدعم السريع، وبخاصة بعد أن خاضت حرباً ضد الجيش، وموقع الاتفاق الإطاري في أي ترتيبات للحل السياسي بعد وقف إطلاق، حيث يؤكد حميدتي على ضرورة العودة للاتفاق الإطاري، فيما يرى البرهان ضرورة بلورة اتفاق جديد، حيث يرسخ الاتفاق القديم وضع قوات الدعم السريع كأحد الأجهزة النظامية، فيما قام البرهان بحلها بعد انطلاق الحرب معتبراً إياها قوة متمردة. كما لا يشمل الاتفاق القديم بعض القوى السياسية والحركات المسلحة، وهو أمر يؤكد الجيش على ضرورة معالجته باتفاق جديد.

السيناريو الثالث: استمرار الحرب بشكل متقطع خلال الأجل القصير

يُعد هذا السيناريو الأكثر احتمالاً خلال الأجل القصير، وبخاصة في ظل استمرار غياب العوامل التي تجبر الطرفين على القبول بوقف دائم لإطلاق النار، والدخول في مفاوضات جادة للتوصل إلى حل سياسي شامل، فضلاً عن عدم قدرة أي منهما على تحقيق نصر حاسم يضع نهاية للحرب. ووفقاً لهذا السيناريو، سوف تظل الحرب محصورة بدرجة كبيرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وأنها سوف تظل متمركزة بالأساس في العاصمة بمدنها الثلاث، وعدد من المدن الأخرى، وبخاصة في إقليم دارفور.

وفي ظل هذا السيناريو، فإنه من المرجح أن يصبح العنف أقل حدة، وبخاصة في حالة إنهاك قوات الطرفين، وتقلص الموارد والإمكانيات اللازمة للحرب لدى كل منهما. كما أنه من غير المستبعد أن تتدخل أطراف خارجية لتقديم دعم عسكري لهذا الطرف أو ذاك، حسب أولوياتها ومصالحها، مما يغذي استمرار الحرب. ولكن في دولة مثل السودان، بتركيبتها القبلية والعرقية والجهوية المعقدة، ومع وجود عدد من الحركات المسلحة على أراضيها، فإنه من غير المرجح أن تظل الحرب محصورة بين الجيش وقوات الدعم السريع، ومتمركزة في العاصمة بمدنها الثلاث، حيث إنها يمكن أن تنحدر إلى السيناريو الأسوأ أو بالأحرى الكارثي، وهو سيناريو الحرب الأهلية الشاملة.

السيناريو الرابع: الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة

إذا استمرت المواجهات المسلحة بين الجيش وقوات الدعم السريع لفترة طويلة نسبياً، فإنها يمكن أن تتحول إلى حرب أهلية شاملة، وبخاصة في ظل عمق الانقسامات الرأسية في المجتمع السوداني من ناحية، وإرث الحروب الأهلية الممتدة التي شهدتها البلاد في مرحلة ما بعد الاستقلال، والتي لاتزال تداعيات بعضها تتواصل حتى الآن، من ناحية أخرى. ويقوم هذا السيناريو على عدة عناصر، منها: غياب سلطة مركزية مدنية، حيث لا توجد حكومة في السودان منذ الانقلاب الذي قاده البرهان ضد المكون المدني في السلطة الانتقالية متمثلاً في حكومة عبد الله حمدوك في 25/10/2021، وانشغال مجلس السيادة الانتقالي بالحرب مع قوات الدعم السريع، فضلاً عن تصدع أجهزة الدولة ومؤسساتها بسبب حالة الحرب، وما يترتب عليها من فوضى وانعدام أمن.

كما ينطوي هذا السيناريو على نقل المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى ولايات ومدن أخرى، وتدخل قوى قبلية وعرقية وميليشيات مسلحة وتنظيمات سياسية لدعم هذا الطرف أو ذاك. كما أن حالة الانفلات الأمني قد تدفع قوى قبلية وعرقية للانخراط في مواجهات مسلحة على غرار ما حدث في إقليم دارفور. يُضاف إلى ذلك، أن حركات التمرد المسلحة، والتي كان من المتوقع دمج العديد منها في الجيش السوداني، قد تنشط من جديد. وقد يتمكن بعضها من فرض سيطرته على بعض مناطق السودان، خاصة وأن القوتين اللتين كانتا تتعاونان لمواجهة هذه الحركات (الجيش وقوات الدعم السريع) قد تحولا إلى عدوين لدودين، وانخرطا في حرب استنزاف، يُرجح أن تكون طويلة.

وبالإضافة إلى ما سبق، فإن اتساع نطاق الحرب سوف يسمح لقوى خارجية بالتدخل من خلال دعم هذا الطرف أو ذاك وفق مصالحها وأجنداتها، مما يغذي من استمرار الحرب. وتاريخ الحروب الأهلية في السودان والصومال ولبنان وليبيا واليمن وسوريا خير شاهد على ذلك. ومن المعروف أن الأطراف المنخرطة في حروب أهلية عادة ما تبحث عن دعم عسكري واقتصادي من قبل أطراف خارجية، وذلك من أجل تعزيز قدرتها على مواجهة الخصوم والاستمرار في الحرب. كما أن الحروب السودانية "تتبع نمطاً مروعاً ومألوفاً. ويوماً بعد يوم يتجلى المصير الذي قد تصير إليه هذه الحرب. فهي تبدأ بمواجهات شرسة، ويتعهد كل طرف فيها بانتصار سريع وحاسم. وهذا لا يحدث أبداً. على ما تبين من قبل، فمن العسير التوصل إلى وقف إطلاق نار والحفاظ عليه. فكلا الطرفين لا يرغب في التوقف إذا كان موقتاً، في وضع حرج، أو إذا اعتقد أن النصر حليفه".

ويُعد هذا السيناريو كارثياً بالنسبة للسودان، حيث سيفضي إلى حالة من الفوضى قد تقود إلى تصدع الدولة وتمزقها على غرار ما حدث في الصومال وليبيا واليمن، حيث ينعدم وجود السلطة المركزية، وتصبح أجزاء من إقليم الدولة تحت سيطرة مليشيات وحركات مسلحة. كما سيترتب على هذا السيناريو تفاقم الوضع الإنساني بسبب حجم الدمار والخراب في البنية التحتية، مما سيترتب عليه تصاعد عمليات النزوح الجماعي، والتهجير القسري، وربما تحدث مذابح على أسس عرقية، فضلاً عن تحويل البلاد إلى ساحة للاستقطاب الإقليمي والدولي. كما سيكون لهذا الوضع تداعياته السلبية الخطيرة على الصعيد الإقليمي، وبخاصة دول جوار السودان. وقد عبر عن هذه المعاني رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك بقوله: "إذا كان السودان سيصل إلى نقطة حرب أهلية حقيقية فإن سوريا واليمن وليبيا ستكون مجرد مبارزات صغيرة".

خاتمة

إن معطيات وتطورات الحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع في 15/4/2023، ترجح احتمال استمرار هذه الحرب لفترة زمنية طويلة، وقد تتحول إلى حرب أهلية شاملة في حال تمددت جغرافياً لتشمل ولايات أخرى، وانخرطت فيها قوى قبلية وعرقية وحركات مسلحة، وتدخلت فيها أطراف خارجية، إقليمية ودولية، حسب أجنداتها ومصالحها. وبذلك سوف تعيد للأذهان إرث الحروب الداخلية في السودان، حيث استمرت لسنوات وربما لعقود. وسوف يكون لهذا السيناريو تداعياته الكارثية، ليس على الدولة والمجتمع في السودان فحسب، بل على الصعيد الإقليمي. فتفكك الدولة السودانية، وغياب السلطة المركزية، وعسكرة المجتمع، وتمدد الفاعلين المسلحين من غير الدول، كل ذلك وغيره سوف يلقي بتأثيراته على دول جوار السودان، لاسيما وأن معظمهما يعاني من أوضاع داخلية هشة.

فهل يمكن تفادي هذا السيناريو الكارثي؟ هذا هو التحدي الحقيقي.