• اخر تحديث : 2024-07-22 12:02

جدل كبير مثار في الآونة الأخيرة حول طبيعة علاقات روسيا الاتحادية مع كوريا الشمالية في هذه المرحلة، وما يمكن أن تتمخض عنه الأيام والشهور والسنوات القادمة بالنسبة لهذه العلاقات، خاصة بعد الزيارة المطولة لكيم جونج أون إلى روسيا ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الدفاع سيرجي شويجو في 13 سبتمبر الجاري (2023). الأخير كان قد زار بيونج يانج، وشارك في احتفالاتها بالذكرى السبعين لما تسميه كوريا الشمالية نصراً (ذكرى نهاية الحرب الكورية 1950-1953). وقد أدت هذه الزيارة إلى تزايد التكهنات بخصوص إمكانية قيام كوريا الشمالية بتزويد روسيا الاتحادية بذخائر تحتاج إليها في حربها مع أوكرانيا، خاصة وأن واشنطن قد ألمحت لهذا الأمر أكثر من مرة محذرة من تبعات ذلك، وقد زادت تلك التحذيرات مع زيارة كيم إلى روسيا.

مؤشرات التقارب الروسي-الكوري الشمالي

بعيداً عن الماضي البعيد زمن الاتحاد السوفييتي، والذي كانت فيه علاقات موسكو مع بيونج يانج في أرقى مستوياتها خلاله، فإن الماضي القريب، وتحديداً مع تولي الرئيس بوتين سدة الحكم في موسكو، تجاوزت فيه علاقات البلدين مرحلة الفتور النسبي في حقبة الرئيس بوريس يلتسين. لكن رغم تجاوز مرحلة الفتور أو الجفاء تلك، وتبادل الزيارات على أعلى المستويات إلا أن روسيا قد وجدت نفسها مضطرة إلى الموافقة على قرارات مجلس الأمن التي تفرض عقوبات على كوريا الشمالية على خلفية تجاربها النووية والصاروخية المتوالية.

لكن ومع توتر العلاقات الروسية-الأمريكية في السنوات الأخيرة، فإن موسكو ومعها بكين لم تعودا لمجاراة واشنطن في فرض عقوبات إضافية على كوريا الشمالية عبر قرارات جديدة لمجلس الأمن، بل إنها باتت تطالب بضرورة تخفيف العقوبات المفروضة خاصة في ظل الانفراجة التي حدثت ليس فقط بين بيونج يانج وسول وإنما بين الأولى وواشنطن عندما حدثت لقاءات القمة على المسارين الكوري-الكوري والكوري الشمالي-الأمريكي. وحتى بعدما عادت الأجواء إلى التوتر حيث لم تفض لقاءات ترامب-كيم إلى شيء يذكر فإن موسكو ومعها بكين أيضاً أصرتا على الحيلولة دون صدور قرارات جديدة ضد بيونج يانج، التي صعدت من عمليات إطلاق الصواريخ بمعدلات غير مسبوقة. ومن بين ما يطرح لتبرير هذا الرفض أن الطرف المقابل يتحمل جزءاً كبيراً من المسئولية عن التوتر في شبه الجزيرة الكورية عبر ما يقوم به من إجراءات استفزازية، على رأسها المناورات العسكرية التي عادت لتتوسع بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، ناهيك عن التذكير الدائم بشق مهم في القرارات الدولية إضافة إلى الإجراءات القسرية ممثلة في العقوبات ألا وهو الحث على المفاوضات.

 

جاءت الحرب في أوكرانيا لتزيد من التقارب بين موسكو وبيونج يانج، حيث تبنت الأخيرة الرواية الروسية بحذافيرها، وسايرت موسكو في كل ما تقوم به، سواء من حيث شن الحرب، وما رافقها من الاعتراف بجمهوريتي لوهانسك ودونيتسك، ثم ضمهما رفقة مقاطعتي خيرسون وزابروجيا. ومن الطبيعي والأمر كذلك أن تكون كوريا الشمالية ضمن دول قليلة اعترضت على كل القرارات الدولية التي تدين روسيا وترفض كل ما تقوم به في أوكرانيا. ولعل في الكلمات التي استخدمها الزعيم الكوري الشمالي في لقائه مع الرئيس الروسي تلخيصاً لكل ذلك، حيث اعتبر أن روسيا تخوض حرباً "مقدسة" ضد قوى "الشر" وأن بلاده مع روسيا في حربها تلك ضد "الإمبريالية"، معرباً عن ثقته في تحقيقها النصر، وتأييده لكل القرارات الروسية على هذا الصعيد.

في ظل هكذا مواقف من جانب كوريا الشمالية كان من الطبيعي أن تستمر الرسائل المتبادلة بين قيادتي البلدين. وكان إرسال وزير الدفاع إلى بيونج يانج كنوع من التقدير الروسي لكل هذه المواقف الكورية الشمالية. وبات الطرفان يتحدثان بكثافة عن تطوير العلاقات إلى مستويات أكثر مما هي عليه. كما تم التأكيد في القمة الأخيرة على أن كل القضايا كانت موضع نقاش، مع التلميح من قبل روسيا بأن هناك أموراً سرية لم يعلن عنها.

هل تزود بيونج يانج موسكو بالأسلحة؟

أثيرت هذه القضية من قبل أكثر من مرة خاصة من جانب الولايات المتحدة. وقد قابلت بيونج يانج الأمر بنفي صريح وواضح. أما هذه المرة وبعد زيارة وزير الدفاع الروسي فلم تكرر بيونج يانج موقف الرفض هذا كما أنها لم تؤكد الأمر حتى الآن. وقبيل زيارة كيم إلى روسيا تجددت التحذيرات الأمريكية مشفوعة بتهديدات عقابية في حال سارت الأمور نحو تزويد بيونج يانج موسكو بالذخيرة التي ترى واشنطن أنها تحتاجها في حربها في أوكرانيا. وقد لوحظ أن التحذيرات والتهديدات هذه المرة أرفقت بالقول إن هناك دلائل على أن بيونج يانج قد زودت مجموعة فاجنر ببعض الذخائر.

وقد جاءت التصريحات الروسية الخاصة بمناقشة كل أوجه التعاون، وكذلك نوعية الأماكن التي زارها كيم جونج أون، وتشكيلة الوفد الذي اصطحبه معه، ومن ثم اللقاءات المشتركة خلاف لقاء الرئيس الروسي، وحتى بعض المسائل الرمزية، لتطرح دلالات عديدة في هذا السياق. ولتكن البداية من هذا المؤشر الرمزي، حيث قام بوتين بإهداء كيم بندقية روسية حديثة، وفي المقابل أهدى كيم لبوتين بندقية كورية شمالية. وبخلاف الاجتماع بالرئيس بوتين فقد التقى كيم بوزير الدفاع سيرجي شويجو الذي رافقه في زيارة لمنشآت صناعة الطائرات، وقطعاً البحرية الروسية، وهو الذي كان في بيونج يانج منذ أقل من شهرين. وبطبيعة الحال فقد التقت القيادات العسكرية الكورية الشمالية الرفيعة بنظيراتها الروسية. وإذا لم يكن هناك إعلان عن اتفاقيات أو إعلانات أو عقود قد وقعت إلا أن تصريحات الرئيس الروسي الواضحة بخصوص مساعدة بلاده لبيونج يانج في برنامجها الفضائي تؤشر إلى أن ثمة اتفاقات وصفقات. فكوريا الشمالية حاولت مرتين إطلاق قمر صناعي تجسسي وفشلت. المحاولة الأولى كانت في مايو الماضي (2023) والمحاولة الثانية كانت في شهر أغسطس من العام نفسه. وهناك إصرار على إعادة الكرة. ومثل هذه التسهيلات أو المساعدات التقنية الروسية لن تكون في معزل عن تسهيلات ومساعدات أخرى ليس فقط في الجانب العسكري، وإنما قد تطال مجالات مدنية أخرى. أضف إلى ذلك دلالات الأماكن التي زارها كيم، حيث كانت البداية بأحدث مركز فضائي روسي، وهو الذي شهد عقد القمة المشتركة، ثم مصانع الطائرات العسكرية والمدنية، وأسطول المحيط الهادي.

بطبيعة الحال وكما هو معلوم فإن بيونج يانج ليست وحدها التي تطالها الاتهامات والتحذيرات الأمريكية من مغبة الإقدام على تزويد روسيا بالأسلحة، حيث تضاف إليها الصين. وكلا البلدين مع نفيهما السابق أشارتا إلى السلوك الأمريكي المؤجج للصراع بعدما أسهمت سياستها التي لم تراعي اعتبارات الأمن الروسي في إشعاله. ومن ثم كان تزويد واشنطن وحلفائها أوكرانيا بكميات ونوعيات غير مسبوقة من الأسلحة.

وفي حالة بيونج يانج تحديداً، فإنها قد أشارت في السابق إلى أنها لم تقم بتصدير أسلحة وذخائر إلى روسيا وأنه لا توجد خطط مستقبلية بهذا الخصوص، معتبرة أن ما تصرح به واشنطن بهذا الخصوص عبارة عن شائعات لا أساس لها من ناحية أولى، ومن ناحية ثانية فإنه يدخل في باب المؤامرات الأمريكية ضدها، في إطار السياسة العدائية الأمريكية تجاهها، والتي تعمل على تشويه سمعتها على الساحة الدولية. ولم تغفل بيونج يانج التأكيد على أن ما تتذرع به واشنطن من قرارات سيتم انتهاكها في حال وجود مثل هذه الصفقات بين بيونج يانج وموسكو غير قانوني.

وكانت سلسلة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن قد تضمنت سلاسل من العقوبات المغلظة ليس فقط في باب تصدير الأسلحة، وإنما في مجال الصادرات بمعناه الواسع، حتى يتم حرمانها من الحصول على موارد مالية توظفها في برامجها التسليحية غير التقليدية. ومن ثم فإن واشنطن لا تكتفي بعقوبات مجلس الأمن وإنما تتعقب الكيانات والأفراد الذين تتهمهم بالتحايل على قرارات مجلس الأمن. ولا يقف أمر عقوبات مجلس الأمن عند مجال الصادرات فقط، وإنما هناك قيود كبيرة وواسعة في مجال الوردات أيضاً. ومن ثم فإن الولايات المتحدة تحذر من أن أي تصدير للأسلحة والذخائر يعد بمثابة انتهاك لقرارات مجلس الأمن ليس فقط من قبل بيونج يانج وإنما من قبل موسكو أيضاً.

يمكن لروسيا أن تحصل على أسلحة وذخائر من كوريا الشمالية دون أن يكون ذلك معلناً. وهذا أمر سهل من الناحية اللوجستية، خاصة في ظل وجود حدود مشتركة بين البلدين. لكن يبقى السؤال المطروح هل تحتاج روسيا بالفعل إلى أسلحة وذخائر من كوريا الشمالية؟ وهل الأخيرة قادرة على تلبية الطلب الروسي؟ وما هي الشروط التي يمكن أن تتم بموجبها مثل هذه الصفقات؟

السلاح الوحيد المعلوم أن روسيا تستورده من الخارج وتوظفه في الحرب هو الطائرات المسيرة. وما عدا ذلك فليس من المؤكد أنها تستورد سلاحاً أو ذخيرة من دول أخرى. لنفترض أن موسكو ذات الإنتاج الضخم من السلاح، وواحدة من أكبر مورديه لدول العالم باتت في حاجة إلى بعض النوعيات من الأسلحة والذخائر في ظل كثافة ما يستخدم في المعارك، هل ستكون كوريا الشمالية خيارها الأول؟

قد يقال وما هي الدولة أو الدول التي يمكن أن تسبق كوريا الشمالية بالنسبة لروسيا؟. في هذه الحالة فإن الخيار الأول يمكن أن يكون بيلاروسيا، والتي توجد بينها وبين روسيا صيغة وحدوية، وهناك تطابق في وجهات نظر البلدين، وتجمعهما منظمة معاهدة الأمن الجماعي مع دول أخرى من آسيا الوسطى والقوقاز. ناهيك عن أن هناك خططاً روسية معلنة لنقل أسلحة نووية تكتيكية إلى بيلاروسيا، وإن ظلت تحت سيطرة موسكو. وقد لعب الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو دوراً مهماً في إنهاء تمرد قائد مجموعة فاجنر يفجيني بريجوجين قبل أن يقتل في حادث طائرة. وكان من بين ما اتفق عليه لإنهاء هذا التمرد ذهاب قائد فاجنر وقواته إلى معسكرات في بيلاروسيا. يضاف إلى كل ذلك قرب بيلاروسيا من ميدان العمليات العسكرية، حيث أنها تجاور أوكرانيا أيضاً. قد يقال إن قدرات بيلاروسيا بالنسبة لتصنيع السلاح محدودة، وأنها حتى لو زودت موسكو فإن الأخيرة ستظل في حاجة إلى ذخيرة. ومن ثم لن يبق أمامها إلا بكين وبيونج يانج، كما أنه لا يمكن استبعاد طهران التي تزود موسكو بطائرات بدون طيار. وقد قيل إن ضمن مكونات بعض هذه المسيرات قطع صينية.

إذا ما طلبت روسيا سلاحاً وذخيرة من بكين فإنها ستفكر في حسابات كثيرة على عكس كوريا الشمالية التي ستسارع على الأغلب لتلبية الطلب الروسي نظراً لأنها أولاً لا تعترف بقرارات مجلس الأمن ضدها، بل وتعتبرها نوعاً من الحرب عليها. وثانياً فإنها لا تخشى ضياع فوائد إن هي أقدمت على تلبية الطلب الروسي. وفي نفس الوقت هي تعلم أن واشنطن لا يمكنها أن تفعل معها أكثر مما تفعل. وثالثاً لأنها باتت في باب المبادرة بالتهديد والوعيد قبل واشنطن وحلفائها بما في ذلك التهديد بالحرب النووية. وكانت من آخر التدريبات التي أجرتها قبل سفر كيم إلى روسيا التدريب على شن هجوم نووي تكتيكي، إضافة إلى الإعلان عن إطلاق غواصة تحمل صواريخ نووية. وكما هو معلوم فإن مسئولين روس كبار قد كرروا التهديد بحرب نووية أكثر من مرة في ظل الحرب الدائرة في أوكرانيا. ورابعاً لأن استجابتها للطلب الروسي على الأغلب ستكون في إطار تفاهمات على تسهيلات في التعاملات بينهما، ليس فقط على الصعيد التجاري، وإنما في إطار استقبال عمالة كورية شمالية قد تكون روسيا في حاجة إليها أكثر من أي وقت مضى. وكذلك في إطار الحصول على تقنيات أحدث تسهم في تطوير ما لدى بيونج يانج من ترسانة عسكرية. ويمكن أن يكون هناك تبادل للخبراء العسكريين، ناهيك عما يمكن أن يصل إليه الأمر من إجراء تدريبات عسكرية مشتركة. وقد حملت الأنباء تسريبات استخباراتية حول مقترحات روسية لإجراء مناورات بحرية ثلاثية تضم كلاً من الصين وكوريا الشمالية إلى جانب روسيا. وكما هو معلوم فإن المناورات الصينية-الروسية البحرية قد تكثفت في السنوات الأخيرة.

ماذا بعد قمة بوتين-كيم؟

تكثف الحديث عن لقاء سيجمع فلاديمير بوتين بكيم جونج أون قبل زيارة كيم بحوالي أسبوعين. وقد تحولت التكهنات التي بنيت على بعض المؤشرات من بينها سفر وفد كوري شمالي كبير إلى روسيا نهاية شهر أغسطس. كما سبقت الإشارة فإن الزيارة لم تقتصر على لقاء القمة، ولم تقتصر على مكان واحد في روسيا، ولم تخل الأماكن من دلالات، ومن ثم فإنها كانت زيارة طويلة، وطويلة جداً في الأعراف الدبلوماسية. قد يقال إن أحد أسباب طول الزيارة هو السفر بالقطار، سواء من كوريا الشمالية إلى روسيا أو بين محطات الزيارة داخل روسيا ذاتها، حيث تتباعد المسافات. لكن ذلك وحده ليس السبب الوحيد لطول فترة الزيارة، حيث كان من الممكن أن يتنقل كيم داخل روسيا بالطائرة لكن ذلك لم يحدث. وإذا كان ذلك بإصرار كوري شمالي، فإنه قد لاقى قبولاً روسياً، بما يعني بقاء كيم ومرافقيه أطول فترة ممكنة في روسيا.

وقد جاءت تلك الزيارة على ضوء النسق المتصاعد للعلاقات الروسية-الكورية الشمالية في ظل تأزم علاقات كل من موسكو وبيونج يانج مع واشنطن. كما أنه ليس من بين قرارات مجلس الأمن ما يحول دون حدوث مثل هذه اللقاءات. وقد التقى كيم بالرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب نفسه، كما سبق والتقى بالرئيس بوتين منذ أربع سنوات وخمسة أشهر تقريباً، وكذلك بالرئيس الصيني شي جينبينج أكثر من مرة. وبما أن كوريا الشمالية مع روسيا في نفس الخندق يصبح من الطبيعي أن يلتقي قادة البلدين. وإذا اتفق الجانبان على اللقاء فإنهما لن يقيما وزناً لاحتجاجات واشنطن وحلفائها في ظل الواقع الذي عليه علاقات كل منهما بواشنطن ومن معها، وهذا ما حدث بالفعل. والأكثر من ذلك أنه قد أعلن عن قبول الرئيس بوتين للدعوة التي وجهها له كيم لزيارة بيونج يانج.

إذا كانت واشنطن قد غضبت على رئيس وزراء باكستان الأسبق عمران خان بعدما زار موسكو غداة الحرب على أوكرانيا، ومن ثم اتهمت بالعمل على إزاحته من السلطة، فإنها لم تملك منع القادة الأفارقة من الذهاب إلى موسكو لعقد قمة مع الرئيس الروسي، وما كان لها أن تجرؤ على تحذير الرئيس الصيني من اللقاءات المتكررة مع الرئيس الروسي، لكنها قد تنتقد بشدة لقاء بوتين-كيم لكنها لا تمتلك من الأدوات ما يمكنها من منع مثل هذا اللقاء. كما أنه ليس في جعبتها ما يمكنها من توقيع عقاب ذي بال لا على موسكو ولا بيونج يانج. وبالنسبة للأخيرة تحديداً فإن السياسة الأمريكية حيالها قد وصلت إلى أبواب موصدة. فلا العقوبات قد أتت ثمارها، ولا كوريا الشمالية قد أولت الدعوات الأمريكية المتوالية للحوار غير المشروط أي اهتمام. بل إنها تقولها صريحة إنها لم تعد معنية بأمر هذا الحوار في ظل السياسة العدائية الأمريكية. وعلى ماذا تتحاور وهي التي باتت تؤكد على أنها لن تتخلى عن سلاحها النووي، بل إنها ستسعى جاهدة إلى تقويته وزيادته في إطار زيادة عناصر قوتها الشاملة التي تحمي سيادتها وكرامتها، وتردع أي عدوان عليها.

وفي هذا السياق، فإنها لم تخف سعيها لامتلاك غواصات تعمل بالطاقة النووية. وقد أثيرت تكهنات حول إمكانية مساعدة روسيا لها على هذا الصعيد. والواقع أن هذه القضية تحديداً هي الأكثر تعقيداً. ويأتي التعقيد في هذه القضية من أن كوريا الشمالية تمتلك بالفعل السلاح النووي، ولكن خارج نطاق اتفاقية حظر الانتشار النووي والتي لا تعترف إلا بامتلاك القوى الخمس لهذا السلاح وهي ذاتها التي تمتلك حق النقض في مجلس الأمن. أي أن امتلاك بيونج يانج لهذا السلاح يعد مخالفة للنظام الدولي لمنع الانتشار. ومن ناحية أخرى، فإن هذه القوى الخمس النووية من المفترض أنها تمتنع عن تزويد دول أخرى بسلاح نووي أو بما يمكنها من امتلاك هذا السلاح. لكن إثارة هذه القضية تذكر بما تم الاتفاق عليه بين كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا من حيث تزويد واشنطن ولندن كانبيرا بغواصات ذات تسليح تقليدي لكنها تعمل بالطاقة النووية. وهذا ما يواجه باعتراض شديد من قبل كل من بكين وموسكو وبيونج يانج معتبرين أن ذلك يخل بتوازنات القوى في المنطقة ومن شأنه أن يطلق سباقاً للتسلح، ناهيك عن انتهاكه للنظام الدولي لمنع الانتشار. الآن وقد أعلنت كوريا الشمالية أنها ستسير في هذا الطريق. وهي لن تعدم المبررات التي قد يكون من بينها السابقة الأسترالية. لكن ماذا عن موسكو؟ هل يمكن أن تساعد بيونج يانج تقنياً لتحقيق هذا الهدف؟

حتى الآن ليست هناك مؤشرات على وجود مثل هذا التوجه من قبل روسيا، خاصة وأن الإعلان الكوري الشمالي لم يمر عليه وقت طويل. كما أن بيونج يانج قد لا تكون في حاجة لذات المساعدات التي ستحصل عليها استراليا من أجل حيازة هذه الغواصات، حيث أن الأخيرة لا تمتلك السلاح النووي كما هو الحال بالنسبة لبيونج يانج. ناهيك عن أن كانبيرا وشركائها يقولون إن تعاونهم ملتزم بالنظام الدولي لعدم الانتشار، كما أنهم على تواصل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بخصوص تفاصيل تعاونهم في هذا السياق. وقد كان لافتاً استبعاد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفائيل جروسي قيام روسيا بعقد صفقات تخالف النظام الدولي لمنع الانتشار النووي مع بيونج يانج.

ليست واشنطن وحدها التي تحذر من صفقات التعاون العسكري سواء بمعناها الضيق المتعلق بالحرب في أوكرانيا أو بمعناها الواسع الذي يتضمن مجالات أخرى، وإنما يعلو صوت كوريا الجنوبية كثيراً. وقد اعتبر رئيسها يون سيوك-يول أن مثل هذا التعاون غير قانوني وبمثابة انتهاك لقرارات مجلس الأمن الدولي.

تبقى مسألة المناورات المشتركة التي قيل إنها يمكن أن تجرى بين موسكو وبيونج يانج وبكين. وإذا ما حدث مثل هذا الأمر فسيكون تغيراً نوعياً. لكن حتى الآن لا توجد تفاصيل بخصوص هذا الأمر. كما أنه لا يمكن الجزم بإمكانية مشاركة بكين في هكذا مناورات، على الرغم من كثافة مناوراتها مع موسكو خاصة في السنوات الأخيرة. فهل يمكن أن تكون المناورات ثنائية بين موسكو وبيونج يانج؟. تبقى كل الاحتمالات مفتوحة خاصة وأن الأمر ليس فنياً ولوجستياً فقط فيما يتعلق بتوقيت المناورات ومداها ونوعيتها، وإنما بمتغيرات كثيرة لا تخص صفحة العلاقات الروسية-الكورية الشمالية فقط، وإنما الأمر متعلق بما يجري من تفاعلات في معظمها صراعية بين موسكو وواشنطن وحلفائها الغربيين وبعض الحلفاء في آسيا، ومن ناحية أخرى فإنه مرتبط بما يجري من تفاعلات بين واشنطن وبكين فيما يخص قضايا كثيرة من بينها قضية تايوان. لكن الجدير بالذكر أن بيونج يانج تقف كتفاً بكتف مع كل من روسيا والصين، وتتصدى بالمرصاد لكل ما تطرحه واشنطن وحلفاؤها. فهل يؤدي استمرار الضغط الأمريكي الغربي إلى تمتين جبهة موسكو-بيونج يانح-بكين؟. وما هي الدرجات التي يمكن أن يبلغها هذا التمتين؟