• اخر تحديث : 2023-12-01 20:00

توطئة:

تحدثنا في مقالين سابقين عن كيفية تحطم “نظرية الردع الإسرائيلية” على صخور الضفة الغربية، بحيث أصبح تنامي المقاومة في هذه المنطقة الجغرافية من فلسطين المحتلة يشكل أهم شاهد على بدء تلاشي نظرية الردع تلك؛ حيث فرض المقاومون على المحتل – جنوده ومستوطنيه – حالة من اللّا أمن، فتراه مستنفراً، غير مستقرٍ، متكبداً للخسائر البشرية والمادية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على فقدان ثقة العدو بنفسه وبأدوات ردعه. وفي مقال آخر تحدثنا عن خشية العدو من انتقال شرارة المقاومة، وتحول مركز ثقلها من شمال الضفة – نابلس، جنين، طولكرم – إلى جنوبها، حيث محافظة الخليل وأقضيتها.

وقد جئنا في تلك المقالة على أهم الأسباب التي تجعل العدو يخشى من عملية التحول، وعملية انتقال مركز الثقل هذه، فالخليل المحافظة وأقضيتها؛ تسمح لها مساحتها، وطبوغرافية أرضها، وديموغرافية أهلها، وانفتاحها على جغرافيات مجاورة تُعيق محاصرتها، وقربها من مناطق جغرافية تحوي أصولاً استراتيجية مهمة للعدو، هذه الأسباب وغيرها تجعل العدو في حالة قلق، وتُطيّر النوم من عينيه كلما فكر بنجاح انتقال شرر المقاومة، ومركز ثقلها إلى هذه الجغرافيا المهمة والحيوية في عملية نمو المقاومة واشتداد عودها، لتصبح تشكل تهديداً ذا مصداقية على العدو. وفي هذه الورقة سنحاول أن نضع ملامح “دليلٍ” لنهوض الخليل في وجه هذا المحتل الدخيل.

حيث سنناقش هذه المسألة عبر مجموعة من العناوين، آخذين بعين الاعتبار أن كل ما جئنا على ذكره في الورقة السابقة "خوف المحتل الدخيل من نهوض الخليل" يمكن أن يساق كعناصر مهمة في ” الدليل لنهوض الخليل “، ولكننا مع ذلك سنتطرق إلى أمور أخرى، أو نبسط الحديث في أمور ذكرناها سابقاً تخدم في أصل بناء هذا “الدليل”، مستلهمين من الله العون والتسهيل.

عناصر قوة المقاومة: إن من متطلبات الحديث عن أدلة العمل، وإجراءات التنفيذ لأي مهمة؛ البدء بإحصاء نقاط القوة، وأدوات الفعل، فبدون عملية الإحصاء هذه؛ لا يمكن أن يُشتق “دليل” للعمل أو توضع إجراءات للتنفيذ، ومن هنا نقول: إن عناصر قوة المقاومة في “منطقة العمليات” محل البحث – محافظة الخليل – كثيرة؛ ومن أهما ما يأتي:

الميزة الأخلاقية:

إننا نعيش اليوم في عصر المعلومات والصور، وهي أسرع انتشاراً من النار في الهشيم، والذكي من يوفق إلى بناء قصته، وصوغ سرديته، ومن ثم يسرع في نشرها وبثها، ليقطع على الطرف الآخر طريق تشويه الحقائق، ولي أعناق النصوص. والقضية الفلسطينية هي آخر قضية احتلال خلفها الاستعمار خلفه عندما لم (قشه) وخرج من منطقة غرب آسيا، فقد خلف – الاستعمار – خلفه هذا المحتل الصائل المعتدي الذي يفسد الدين والدنيا. محتلاً ترى كثير من الدول أنه يعتدي على شعب، ويسرق أرضه، ويحرمه من خيرات بلاده، بل إن بعض أصدقاء هذا المحتل بدأوا يرون فيه عبئاً عليهم، ومحل سُبّة في جبينهم. كما ترانا كثير من دول العالم شعباً محتلة أرضه، معتدىً عليه، يملك وفقاً لكل الشرائع السماوية والأرضية حق الدفاع عن نفسه، ومقاومة عدوه، لذلك فإن استثمار هذه “الميزة الأخلاقية” في صراعنا مع هذا العدو مهمة جداً، يجب أن تفرد لها المساحات، ويخصص لها ما يناسب من إمكانيات، مسنودة – الميزة الأخلاقية – بكل ما نملك من قدرات – خشنة وناعمة -، فمجرد أنك مظلوم لا يعني أن هناك من يسهب لنجدتك، ما لم تكن أنت أول من يحك ظهره بظفره، عندها ستجد من يتعاطف معك، ويعرض عليك العون والمساعدة.

الحضانة الشعبية:

نقطة القوة الثانية التي تتمتع بها المقاومة في هذه الجغرافيا؛ حاضنتها الشعبية، وقواها المجتمعية، إن أبناء شعبنا، وعوائلهم وعشائرهم في الخليل، هم أهم نقطة قوة يتطلبها القيام بعمل مقاوم ذي مصداقية، يهدد العدو ومستوطنيه، وبمراجعة بسيطة لسلوك أهلنا في هذه المنطقة، نرى أنهم لم يقصروا يوماً في دعمهم للمقاومة، ولم يبخلوا عليها بغالٍ أو نفيس، وهم قدموا ويقدمون لها كل سبل الاستمرار والنمو والحماية.

لذلك لا بد من تمتين عرى الصلات والعلاقات مع مفردات ومكونات هذه الحاضنة، ويجب أن تُشاور – بالطرق المناسبة – ويؤخذ رأيها في كليات العمل المقاوم واستراتيجياته، يجب أن تشعر هذه الحاضنة أنها شريك في المقاومة – فعلاً وإدارة -، كما يجب أن تُؤخذ هواجسها في الحسبان، ولا يجب أن تحمّل مالا تطيق، أو أن تُدفع إلى خيارات لم يحن أوانها، إن شعور هذه الحاضنة أن قيادة المقاومة تتعامل معها على أنها جزءٌ منها – من قيادة المقاومة – وأنها حريصة عليها، وليست معنية بتجشيمها عناءً لا طائل منه؛ إن هذا الشعور سيحمل هذه الحاضنة على فتح صدرها لها – للمقاومة – وحمايتها بأشفار عيونها، وفي غير ذلك؛ فإن هذه الحاضنة ستنفض عن المقاومة، وستصبح أكبر تهديد متصور يمكن أن تواجهه المقاومة؛ قيادة وعناصر.

الطبوغرافية الأرضية:

وقد تحدثنا عن هذا الأمر في كثير من الأوراق، كما جئنا على ذكره في المقال السابق، لذلك لن نطيل في تفصيله والحديث عنه، إن طبوغرافيا أرضية مثل طبوغرافية محافظة الخليل، تشكل تحدياً جدياً يقلق أي قائد عسكري يريد العمل فيها، كما أن معرفة هذه الطبوغرافيا، والتناغم معها من قبل المقاومين، يعد – بعد حفظ الله – من أهم عناصر قوتهم ومنعتهم وأمنهم.

البنية التنظيمية:

كما أن الحاضنة الشعبية العامة في منطقة الخليل تعد من عناصر قوة بناء أي تشكيل مقاوم هناك؛ فإن البنية التنظيمية الخاصة بكل فصائل المقاومة في الضفة الغربية، تعد من عناصر القوة تلك أيضاً، كيف لا وخَلفَ كل تنظيم أو حركة (ماكينة) تفريخ وإنتاج ودعم، ترفد هذه التشكيلات بكل ما تريد من عناصر بشرية، وتؤمن لها ما تعوز من متطلبات مادية، وتعوض لها ما تخسره أو تفقده من قدرات وإمكانيات. إن هذه البنى التنظيمية، والسهر على حمايتها والحفاظ عليها، وعدم السماح للعدو باختراقها والعبث فيها، كل هذه الأمور من ضروريات العمل المقاوم؛ تأسيساً أو تشغيلاً أو تنمية وتطوير.

السلاح والأدوات:

كما يختصر الفن العسكري بمقولة ” المواءمة والتنسيق بين الفرد والسلاح والأرض ” لتنفيذ المهام بأقصر الأزمان وبأقل الأكلاف، فإن العمل العسكري إجمالاً يمكن أن يختصر بثلاث كلمات: ” أهداف، أدوات، طرق عمل “، وهنا لسنا بحاجة إلى كثير من العناء لندلل أو نستشهد على توفر هذه العناصر الثلاثة، وبغزارة وكثيرة في “منطقة العمليات” هذه، فـ (الزُلم) في الخليل ملء السمع والبصر، (عُقل راس) و (محازم مليانه)، و (السمرات) تغطي عنان السموات، والأهداف على (قفى مين يشيل) في الخليل، يصدق في التعامل معها – مع الأهداف – مثلنا القائل: (وين ما تضرب الأقرع بسيل دمه)، المهم تسليط وتركيز هذه الأدوات والقدرات على تلك (القرعات).

نكتفي بهذا القدر من نقاط القوة لدى المقاومة في “منطقة العمليات” هذه حتى لا (نطرقها عين) فــ (ما بحسد المال غير اصحابه)، ننتقل للحديث عن نقاط ضعف العدو، حتى تكتمل الصورة، ويَحسن توصيف “الدليل”.

نقاط ضعف المحتل:

إن المتابع للشأن الصهيوني، يرى من الأدلة والبراهين والمؤشرات ما يدلل على أن هذا الكيان المؤقت، هو أوهن من بيت عنكبوت، فلا يكفي أن تمتلك قدرات أو إمكانيات لتصبح بطلاً أو مغواراً، فكثيرٌ من مالكي القدرات المطلقة لم يصمدوا أمام من لا يناظرونهم في أي من عناصر القوة أو مركباتها، وفي التاريخ القديم والحديث شواهد عصية على الحصر والعد. إن عدونا يملك من عناصر القوة الشيء الكثير، والمقام ليس مقام ذكرها وعدها، ولكننا يجب ألا نغفلها أو نغض الطرف عنها. لكن فيه من نقاط الضعف الكثير، من أهمها ما يأتي:

عدم كفاية القدرات القتالية:

إن تركيب القوات المسلحة لهذا الكيان المؤقت، قائمة على نظام الاحتياط؛ فعمدة قوته من عناصر الاحتياط، الأمر الذي يعني أن تشكيلاته النظامية العاملة لا يمكن أن تكفي لجميع التهديدات التي تحيق به، وهنا يكفي أن نذكر أن العدو يشغّل في الضفة الغربية 60 % من قواته العاملة، أو ما يعادل 25 كتيبة قتالية من مختلف الصنوف، مع ما تتطلبه من قدرات للإسناد الإداري والناري، ولكي يسيطر على جغرافيا محافظة الخليل، وينهض بما يتطلبه مواجهة التهديد فيها إن تحول مركز ثقل المقاومة لها، لكي يسيطر هو بحاجة إلى سحب تشكيلات من مناطق عمل أخرى في الضفة الغربية، تشكل هاجساً أمنياً، وتهديداً تعبوياً له، فإن فعلها – سحب قوات باتجاه الخليل – فإن المقاومة سيخف الضغط عنها في المناطق التي انسحب منها، وستتطور وتتعاظم، وفي هذا الأمر مصلحة محققة، وإن هو لم يعبئ قوات ويسحبها باتجاه محافظة الخليل؛ فأيضاً هناك مصلحة متحققة وهي: إتاحة الفرصة لتعاظم المقاومة وبنائها بناءً محكماً في هذه المنطقة، يعني باختصار على الجهتين العدو (ميكلها).

انخفاض الروح المعنوية:

نقطة الضعف الثانية التي تقصم ظهر أي قدرات قتالية مهما ملكت من إمكانيات مادية هي: انخفاض الروح المعنوية، إن أهم ما يأخذه المقاتل معه إلى ساحة المعركة هي الإجابة على سؤال: لماذا أقاتل؟

والإجابة على هذا السؤال هي أهم مولد للروح المعنوية، والدافعية القتالية، وأي متابع لشؤون جيش العدو يعرف أنهم في أحط مستويات روحهم المعنوية، وهنا لا ينفع أن يقال أن التشكيل الفلاني يتمتع بدافعية قتالية، والتشكيل الآخر روحه المعنوية منخفضة، حيث أن الروح المعنوية، والدافعية القتالية لأي تشكيل مقاتل تُحسب للمجموع كمنظومة قتالية فيها كل الصنوف، فإن كانت – الروح المعنوية – في سلاح الجو مثلاً ممتازة، وفي سلاح البر منخفضة، وفي البحرية (ماشي حالها)؛ لا يقال أن دافعية الجيش وروحه المعنوية ممتازة!

فالجيوش تقاتل كمنظومات نار، أي خلل في جزء منها ينعكس حكماً على باقي الأجزاء. إن عدونا يقاتلنا بأدوات يشغلها (رجال)، أما نحن فنقاتله برجال يشغلون أدوات، وشتان ما بين المعادلتين، يكفي أن ننظر إلى حالات أو محاولات الانتحار السنوية في هذا الجيش لنعرف مقدار تردي روحهم المعنوية، كما يمكن سوق تزايد طلبات أهالي الجنود على عدم التحاق أبنائهم في الوحدات القتالية كدليل على انخفاض الروح المعنوية.

الخلافات الداخلية:

ومن نقاط ضعف العدو المزمنة – وإن تبدت مؤخراً – تشكل كيانه المؤقت من فسيفساء غير متجانسة، لا يكاد يجمعهم جامع، ولا يوحدهم موحد، حتى في تعريفهم للتهديد هم مختلفون؛ فمنهم من يرى إيران هي رأس (الأفعى)، وآخرون يرون في المقاومة الداخلية، ممثلة بفصائلها كلها أهم تهديد يواجه العدو، وبعضهم يرى في أهلنا في مناطق 48 خطراً وجودياً يعيش في وسطهم هو قابل، وقادرٌ على (نعفهم) من الداخل (نعفاً)، إن أٌحسن استثمارهم – أهل الداخل – وتعريف دورهم في معركة التحرير. ثم إن هذا الخلل قد تجلى في أوضح صوره في المظاهرات الأسبوعية التي تخرج معارضة مسار ونهج حكومة العدو الحالية فيما يخص الإصلاحات القضائية وغيرها من شؤون إدارة هذا الكيان المؤقت، وقد تسرّت هذه الخلافات حتى وصلت إلى مختلف مؤسساتهم، وأخطر آثارها ما تركته على مفاصل المؤسسة الأمنية والعسكرية، وتمنع كثير من صنوف قواته – خاصة سلاح الجو – عن الالتحاق بخدمة الاحتياط، أو التدريبات الدورية المطلوبة للمحافظة على الكفاءة القتالية لهذه القوات. لذلك فهذه النقطة من أهم نقاط ضعف العدو وخوره.

شكوك الحلفاء والأصدقاء بجدوى العلاقة معه:

لقد بدأنا نشهد في الآونة الأخيرة تغيراً في نبرة وموقف حلفاء هذا العدو من جدوى صداقته، ومنفعة الوقوف معه، وتبني قضاياه، إن هذا التغيير هو عامل تآكل يؤثر في بنية هذا الكيان المؤقت، ويوجد كثيراً من نقاط الضعف والوهن التي يمكن أن تستثمر، ويُعمل عليها أثناء التفكير والترتيب لمواجهة هذا العدو، إن هؤلاء – أصدقاء العدو – هم (الحبل) الباقي لهم يمدهم بأسباب الحياة بعد أن قُطع (حبل) الله عنهم. أن يبدأ الغرب وعلى رأسه أمريكا يستسيغ مقولات ومنشورات وآراء تنادي بإعادة نقاش جدوى العلاقة مع هذا الكيان المؤقت، ومدى الضرر الذي يمكن أن يلحق بهم – بالغربيين – من جراء بقائهم متبنين لمواقف هذا المحتل، أن يصبح الموقف على هذا النحو؛ أمرٌ ليس بالتفصيل!

نكتفي بهذا القدر من الحديث عن نقاط ضعف العدو، حيث يمكن أن يفرد لها مساحات ومساحات، وننهي ورقتنا ببعض النقاط التي نعتقد أنها يمكن أن تصلح ك- “دليل” يساعد في قيام الخليل، حيث أن من أهم معالم هذا “الدليل” ما يأتي:

المعلومات:

لقد ذكرنا موضوع "المعلومات" وأهميتها في معظم الأوراق التي كتبناها سابقاً، إلى الدرجة التي نتخيل القارئ الكريم يقول متسائلاً: ألا تملون من ذكر المعلومات في كل الأوراق والمقالات؟ فنجيبه بأننا ما مللنا، ولن نَملّ من ذكر (أم) الواجبات في أي فعل، فما بالك في مواجهة الأعداء والتهديدات، كيف نَمل وهي:

عين القوات: ترى فيها ومن خلالها نقاط قوتها، ونقاط ضعفها، والفرص التي تعرض لها، والتهديدات التي يمكن أن تواجهها.

مسددة القدرات: وهي التي تسدد تصويب القدرات، فتضرب في مركز ثقل العدو، فلا تُهدر الإمكانيات والطاقات.

مصححة المسارات: فلا تنحرف عن أهدافها، مهما كانت المغريات والمشوشات، وتتجاوز بمساعدتها حقول الألغام، وتُجنبها الشائك من الطرقات.

ضابطة الإيقاعات: فلا يغرد أحدٌ خارج سرب ما اتخذ من قرارات، أو ما تم التوافق عليه من توجهات، فتحشد الطاقات وتعبأ القدرات، لتصب في أصل تنفيذ المهمات.

مديرة المجهودات: فنعرف متى نُحجم؟ ومتى نُقدم؟ ومتى نهاجم متقدمين؟ أو ننحاز مدافعين؟

هذه هي المعلومات باختصار، وهذا هو فعلها وأثرها، فمن حازها؛ جاز، ومن خسرها؛ عاز، وهي للنصر والظفر؛ أهم باب، وأثبت ركاب.

تحديد أهداف واقعية للمقاومة:

المعلم الثاني في “دليل” قيام الخليل هو التحديد الواضح والواقعي لأهداف المقاومة في هذا المنطقة في هذا الظرف الزماني، فلا يجب أن تقود الحماسة، وسخونة الرأس الفعل المقاوم، لذلك يجب أن تكون القدرات والإمكانيات، وليست الرغبات هي الحاكمة في تحديد هدف الاشتباكات والمناوشات. إن معركتنا مع هذا العدو معركة طويلة، ولا يجب أن تحرق فيها المراحل، ولا يجب أن يضحى فيها بأهم مقوماتها – العنصر البشري – بـ (أرخص) الأثمان.

إن صناعة النموذج المقتدى به مهم، ويجب أن يكون هناك نماذج حية تراها الناس وتحذو حذوها، ولكن مراكمة الخبرات، والاستفادة منها؛ مهمٌ أيضاً، وبناء هذه الخبرات مساره طويل ودونه مشقات وعقبات – البحث عنها، ضمها وتأطيرها للعمل، رفع كفاءتها المعرفية، مراكمة خبرات عملية، قبول الحاضنة الشعبية، فضلاً عن البيئة الداخلية… – لذلك لا يجب أن يدفع بهذه النماذج، فَتُفقد ب– (أرخص) الأثمان.

إن واقعية أهداف المقاومة وتناسبها مع مراحل تطورها يمكّنها من مراكمة القدرات، واكتناز الخبرات، مما يعني رفع مهارة إدارة المعارك والاشتباكات، الأمر الذي يطيل عمر القدرات البشرية – أهم ركن من أركان المقاومة – ويحافظ على إمكانيتها المادية، فلا تهدر ولا تبعثر بلا جدوى حقيقية.

دراسة منطقة العمليات:

قد يظن البعض أن مجرد ولادته وترعرعه في مكان ما أنه أصبح يعرفه معرفة كاملة، وأنه يستطيع التأقلم معه، والاستفادة من كل ما يحتويه من قدرات مادية وبشرية، وهذا الأمر وإن كان في بعضه صحيح؛ فإنه بحاجة إلى تدقيق ومراجعة؛ إن جغرافيا أي منطقة حتى يستفاد منها بالشكل المطلوب في المعارك والاشتباكات؛ لا بد لها من مقاربة معرفية أخرى غير تلك التي تستخدم عند إرادة معرفتها للاستخدام المدني أو الحياتي اليومي، لذلك فإن الجندي أو المقاتل عندما يعطى قليلاً من المعارف العسكرية، يصبح يرى الأرض والطبوغرافيا على غير ما كان يراها سابقاً، ولذلك فإن دراسة “منطقة العمليات” تغير المفاهيم، وتركز الجهود، وتضاعف الجدوى.

وكون هذه الورقة ليست مخصصة لهذا البحث؛ فإننا نوصي من يقومون على إدارة المقاومة وتوجيهها أن يلفتوا نظر المقاومين إلى أهم النقاط في هذا المجال – زوايا الرؤية والنار، المسالك والطرق الموصلة للأهداف، النقاط الاستراتيجية أو المسيطرة على ساحة العمل، العوائق المادية الصناعية أو الطبيعية التي تعترض طرقهم أثناء التقرب أو الانسحاب من مناطق اشتباكهم، مناطق وتسهيلات الاستتار والاختفاء الممكنة والمتوفرة في منطقة العمل.

إن هذا البحث بحثٌ فني تفصيلي يطول الحديث فيه، نتركه لأهل الاختصاص يخوضون فيه بالقدر الذي يرونه مناسباً. ولكن خلاصة ما يمكن أن يقال في هذا المجال، أن معرفة منطقة العمليات بما تحويه من بشر وحجر، تتحول إلى نقطة قوة مهمة في أي عمل مقاوم؛ وجهل هذه المعرفة يعني تحويل بيئة العمل إلى أهم مقتل ونقطة ضعف يمكن أن يتضرر من جرائها المقاومون.

تحديد مراكز ثقل العدو:

إن عدونا ماهر ومتمرس، ويدرك أننا نراكم قدرات ونكتسب خبرات، لذلك فإنه معنيٌّ بأن يستنزف قدراتنا وخبراتنا في أي اشتباك أو احتكاك معه، لذلك تراه يناور هنا، ويستطلع بالنار هناك، ويصطنع بؤر تماس معنا في أكثر من مكان، وعند التدقيق في هذه البؤر تراها غير ذات جدوى في أصل هدف المقاومة – إيقاع خسائر بالعدو، استنزاف قدراته -، لذلك لا يجب أن ننجر إلى المربع الذي يريدنا العدو أن نلعب فيه، إنما يجب أن نختار معاركنا، ونحدد أهدافنا، بحيث نصل إلى أصل هدفنا من الاشتباك مع هذا العدو بأقل الخسائر وأقصر الأزمان، ومن هنا فإن تحديد مراكز ثقل العدو – العسكرية والمدنية – في منطقة العمليات، ومراكمة قدرات بشرية ومادية قادرة على التأثير فيها من الأمور المهمة في إدارة معركتنا وتخصيص قدراتها، طبعاً لا يفهم من هذا الحديث أننا في هذه المرحلة من معركتنا مع عدونا نريد أن نخوض معه اشتباكاً حاسماً لا نملك قدراته، أو ندافع دفاعاً ثابتاً لم نجهز له متطلباته، وإنما القصد مما قيل؛ أننا نريد أن نحدد (البطن الرخوة والمؤلمة) للعدو والتي يجدي فيها الضرب، فنحشد لضربها القدرات ونخصص لاستهدافها الإمكانيات.

مراكمة القدرات والخبرات قبل المبادرة بالاشتباكات:

واستتباعاً للنقطة السابقة؛ وحتى تصبح ضرباتنا مجدية، واشتباكنا واحتكاكنا مع هذا العدو ذا جدوى، ويشكل تهديداً معتبراً على العدو؛ لا بد من مراكمة القدرات، وبناء الخبرات، والوصول إلى قناعة أنه ليس كل اشتباك أو احتكاك أو تعرض للعدو مجدٍ، وأنه لا يجب أن نستجيب لكل حركاته الاستفزازية، أو مناوراته الميدانية، يجب أن نعي أن بعض أهداف العدو من مثل هذه الحركات والاستعراضات إنما هو كشف مدى القوة التي وصلت لها المقاومة، ومقدار الخبرات التي راكمتها، والفهم العملياتي الذي وصلت له، ليبني – العدو – على الشيء مقتضاه.

لذلك يجب معرفة متى؟ وأين؟ وكيف؟ وبأي مستوى؟ نشتبك مع هذا العدو ونحتك به، ومتى؟ وأين؟ نكون مثل (الأطرش في الزفة)! نرى ونفهم ونحلل ما يدور ويجري، دون أن نكلف أنفسنا أو نحقق للعدو ما يريد من أهداف.

كانت هذه بعض معالم "دليل" قيام الخليل، نظن أنها فقرة في مقال طويل، وأنها بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتحليل، واستخلاص ما يفيد منها، علّنا بذلك نكون قد أسهمنا ولو بالقليل في رسم معالم طريق التحرير.