• اخر تحديث : 2024-06-21 02:51
news-details
قراءات

ملامح إعادة تشكيل الأدوار الدولية والإقليمية بمنطقة القوقاز


وقَّع رئيس جمهورية إقليم “كاراباخ” السابق “سامفيل شهرامانيان”، في 28 سبتمبر 2023، على مرسوم يُنهِي وجود الهياكل المؤسسية للإقليم من مطلع العام المقبل؛ وهذا بعد استعادة أذربيجان السيطرة على كامل أراضي الإقليم، عقب شن عملية عسكرية خاطفة ضده؛ الأمر الذي أنهى النزاع المسلح بين الأخيرة وبين أرمينيا للسيطرة على الإقليم استمر ثلاثة عقود، كما أنه سيؤدي إلى تكريس واقع جيوسياسي جديد بمنطقة جنوب القوقاز، من خلال إعادة تشكيل الأدوار الدولية والإقليمية بالمنطقة، في ظل الجدل حول تراجع النفوذ الروسي والإيراني مقابل تصاعد الدور الأمريكي والتركي والأذري بها.

تغيرات راديكالية

يضم إقليم جنوب القوقاز ثلاث دول (أرمينيا، وجورجيا، وأذربيجان)، وعقب تفكُّك الاتحاد السوفييتي عام 1991 أعلن إقليم كاراباخ ذو الأغلبية الأرمينية الواقع داخل الأراضي الأذرية الاستقلال، ولم يحصل على اعتراف دولي إلا من أرمينيا التي تدخَّلت عسكرياً لدعمه، واندلعت حرب “كاراباخ الأولى” وانتهت بسيطرة أرمينيا على 20% من المساحة الكلية لأذربيجان. وفي أبريل 2020 اندلعت حرب “كاراباخ الثانية” وانتهت بانتصار أذربيجان واستعادتها السيطرة على معظم أجزاء الإقليم، وتم التوقيع على اتفاق برعاية روسية بين أرمينيا وأذربيجان يقضي بوقف إطلاق النار، ونشر 2000 جندي روسي بصفتهم قوة حفظ سلام على الحدود، وهو ما وُصف بأنه انتصار لموسكو آنذاك، وتعزيز لنفوذها الإقليمي بمنطقة جنوب القوقاز. وبوجه عام، تكشف التطورات الأخيرة في منطقة القوقاز عن عدد من الدلالات الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1. صعود إقليمي لأذربيجان بعد استعادة “كاراباخ”: أعلنت أذربيجان، في 19 سبتمبر 2023، عن إطلاق “عمليات لمكافحة الإرهاب” في كاراباخ، وإجبار القوات الأرمينية على الانسحاب، تفعيلاً لاتفاق وقف إطلاق النار عام 2020. وقد رفضت أرمينيا وروسيا التدخل عسكرياً لدعم الإقليم؛ ما دفع السلطة المحلية إلى القبول بوساطة روسية أسفرت عن اتفاق يُلزِمها بتسليم السلاح وإخلاء مواقعها بالإقليم مقابل وقف إطلاق النار. وأُطلِق على هذه الاشتباكات “حرب اليوم الواحد”. غداة ذلك أُعلن يوم 20 سبتمبر 2023 عن إنهاء الكيان الانفصالي المعروف باسم “جمهورية ناجورنو كاراباخ” أو “أرتساخ”، وكافة المؤسسات المتعلقة بها بنهاية العام الحالي، لتنهي بذلك 3 عقود من الصراع المسلح بجنوب القوقاز، وتكتب مرحلة جديدة بالمنطقة.

2. مخاوف من نزاع عرقي بعد تهجير الأرمن: أسفر الهجوم الأذري على “كاراباخ” عن مقتل 600 شخص. ورغم نفي باكو حدوث أي أعمال انتقامية بحق “أرمن كاراباخ”، فإن يريفان اتهمتها بتنفيذ “تطهير عرقي”. وبالفعل تم اعتقال وزير الخارجية والدفاع بحكومة الإقليم خلال محاولته التوجه إلى أرمينيا؛ ما دفع المواطنين إلى اختيار الهجرة خشية تعرُّضهم لأعمال انتقامية؛ حيث عبر 100 ألف مواطن أرميني من أصل 120 ألفاً عدد سكان الإقليم الحدود، ودخلوا أرمينيا التي رحَّبت بهم.

مقابل ذلك أعلنت باكو عن عودة 2000 مواطن أذري إلى موطنهم داخل إقليم كاراباخ؛ ما أثار مخاوف من تصاعد النزاعات العرقية بين (الأذريين) وحلفائهم من الأتراك وبين (الأرمن)، وهو الأمر الذي إذا وقع فرُبَّما يؤدي إلى نزاعات عِرقيَّة إقليمية متعددة؛ خاصةً لأن المنطقة تضم العديد من الأعراق والقوميات غير المتجانسة؛ هذا فضلاً عن تفاقم الأزمة الإنسانية على الحدود الأرمينية التي تستقبل المهاجرين، وسط مخاوف من أعمال انتقامية من قِبل أذربيجان ضد الأرمن، مثل الاعتقالات والاضطهاد ورفض توصيل المساعدات الإنسانية لهم.

ومن المقرر أن تبدأ مفاوضات بين سلطات “كاراباخ” وباكو في إسبانيا بمطلع أكتوبر 2023؛ لبحث ترتيبات المرحلة الانتقالية بالإقليم؛ لأن هناك العديد من الملفات الخلافية بين باكو ويريفان؛ منها (ضمان حقوق الأرمن بالإقليم، وفرض السيطرة الأذرية عليه، وتنفيذ ممرات استراتيجية لنقل البضائع والطاقة عبر الإقليم).

3. تغير مدركات صانع القرار بأرمينيا: منذ هزيمة أرمينيا في حرب 2020 وهي تتهم موسكو حليفتها الكبرى بالتقاعس في الدفاع عن الإقليم. واتجه رئيس الوزراء الأرميني “نيكولا باشينيان” إلى اتخاذ عدة خطوات أدت إلى توتر علاقاته مع روسيا، منها رفض المشاركة في مناورات عسكرية روسية، والاستعاضة عنها بمناورات مع الولايات المتحدة الأمريكية نُفِّذت في العاصمة يريفان، كما قدَّمت الأخيرة مساعدات إنسانية كبيرة لأوكرانيا.

ومؤخراً، تقدَّم “باشينيان” بمشروع قانون إلى البرلمان الأرميني للمصادقة على نظام المحكمة الجنائية الدولية، وهو المشروع الذي إذا تمَّت الموافقة عليه فسيُلزِم يريفان بإلقاء القبض على الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إذا زارها، كما لوَّحت يريفان بالانسحاب من منظمة “معاهدة الأمن الجماعي” التي تقودها روسيا؛ احتجاجاً على عدم وقف الاعتداءات الأذرية على الأرمن.

وكذلك انتقد “باشينيان” قوات حفظ السلام الروسية في كاراباخ؛ لأنها لم تُقدِّم أي مساعدة للمواطنين، وهو ما نفته موسكو، ووصف الهياكل والمنظمات الأمنية التي تنتمي إليها بلاده حالياً بأنها “غير فعَّالة” في الدفاع عنها، وهي الهياكل التي تقودها روسيا، ولوَّح بأنه يعمل على تغيير تحالفات بلاده؛ ما يُعَد تحولاً في مدركات صُنَّاع القرار في أرمينيا، وهو تحوُّل يُعبِّر عن توجه “باشينيان” الليبرالي المدعوم من شباب بلاده منذ وصوله إلى الحكم في 2018؛ حيث إنه يتبع نهج التقارب مع الغرب وإنهاء التحالف الاستراتيجي مع روسيا؛ لأنها لم تؤدِّ دورها باعتبارها “ضامناً لأمن” بلاده؛ ما ينذر بأنه سيعزز تحالفاته مع واشنطن وحلف “الناتو”؛ الأمر الذي يمثل تراجعاً للنفوذ الروسي بجنوب القوقاز.

4. استمرار تداعيات الحرب الأوكرانية: يُفسِّر العديد من المراقبين استعادة أذربيجان السيطرة على إقليم كاراباخ بأنه أحد تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا التي بدأت قبل عام ونصف؛ لأن الانشغال الروسي بتطورات الصراع الأوكراني أثَّر سلباً على الدور الروسي الإقليمي باعتباره ضامناً لأمن دول القوقاز وآسيا الوسطى؛ ما أدى إلى صعود دور قوى إقليمية كتركيا وأذربيجان وكازاخستان، وقوى دولية كالولايات المتحدة الأمريكية والصين، مقابل تراجع النفوذ الروسي في مجالها الحيوي.

كما أن قبول موسكو بسيطرة أذربيجان على “كاراباخ” يُجهِض مبررات موسكو للعملية العسكرية في أوكرانيا؛ حيث بررت روسيا بأن من حق المواطنين الروس بالدونباس الانضمام إلى روسيا والدفاع عن حقهم بينما لم تناصر حلفاءها من الأرمن وحقهم في “تقرير المصير” ليتمكنوا من مواجهة أذربيجان.

5. التنافس الإقليمي على ممرات النقل والطاقة: استعادة أذربيجان السيطرة على كاراباخ ستُؤجِّج التنافس الإقليمي على تنفيذ ممرات النقل لموارد الطاقة والتجارة، لا سيما أن المنطقة تتوسط بحر قزوين والبحر الأسود ودول آسيا الوسطى، وهي أقاليم غنية بموارد الطاقة، كالنفط والغاز الطبيعي؛ لذا تعمل أذربيجان وتركيا على تنفيذ مشروع ربط بري هو ممر “زانجيزور” ليتم ربط منطقة “ناخيتشيفان” الأذرية بتركيا مباشرةً، وعزلها عن أرمينيا وإيران اللتَين كانتا تُعِدَّان لمشروع مماثل إذا استمرت السيطرة الأرمينية على “كاراباخ”، فضلاً عن مشروع “الممر الشمالي” الذي يربط روسيا بالدول الأوروبية والصين لنقل الطاقة والبضائع، بيد أنه توقف بعد بدء الحرب الأوكرانية.

الأدوار المستقبلية

رغم أن العملية العسكرية الأخيرة لأذربيجان بإقليم كاراباخ لم تستمر سوى يوم واحد، فإنها ستؤثر على تشكيل الأدوار الإقليمية والدولية بالقوقاز ووسط آسيا ككل؛ وذلك وفقاً للمعطيات التالية:

1. الرؤية الروسية للوضع بجنوب القوقاز: فسَّر معظم المحللين سيطرة أذربيجان على “كاراباخ” بأنه تراجع للنفوذ الروسي في جنوب القوقاز خاصةً، وفي دول الفضاء الروسي عامةً، بيد أن هناك تفسيرات أخرى للموقف الروسي في النزاع الأخير، ومنها أن موسكو لم ترغب في بدء نزاع مسلح جديد، وقامت بوساطة ناجحة أسفرت عن وقف إطلاق النار بعد يوم واحد، وأنها تعمدت التخلي عن دعم “باشينيان”؛ لتوجهاته “المعادية” لها، وتقاربه المستمر مع الغرب.

كما أن الرفض الشعبي الأرميني للأخير، والتظاهرات المستمرة ضده، ربما تؤدي إلى إجراء انتخابات مبكرة تُنتِج نخبة سياسية أرمينية جديدة حليفة لموسكو. وإذا استمر “باشينيان” في الحكم وقرر إنهاء وجود القاعدة العسكرية الروسية المقامة في غيومري، فإن ذلك سيفضي إلى تحولات كبيرة في مسار العلاقات الثنائية، كما أن موسكو أعلنت أنها ستبحث مستقبل قوات حفظ السلام التابعة بها (2000) جندي في كاراباخ مع أذربيجان؛ هذا فضلاً عن استمرار الوجود العسكري الروسي بجنوب القوقاز من خلال جمهوريتي (أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية) اللتين انفصلتا من جانب واحد عن جورجيا وترغبان في الانضمام رسيماً إلى روسيا.

2. جدل حول تراجع النفوذ الروسي: يمكن القول إن موسكو اختارت طواعيةً التخلي عن حليفتها أرمينيا حالياً مقابل تعزيز الوجود العسكري الروسي في أوكرانيا؛ هذا فضلاً عن فشل الهجوم المضاد الأوكراني في تحقيق أي نتائج ملموسة بعد عدة أشهر من بدايته؛ ما يمثل مكسباً لموسكو التي حافظت على تقدُّمها الميداني بالحرب، وتمكنت من صد كافة الهجمات عليها رغم الدعم العسكري اللوجستي الأمريكي الغربي الهائل لكييف، وهو ما أعاد إلى روسيا ثقتها بالانتصار بالحرب أو الوصول إلى تسوية سلمية مناسبة لها؛ هذا بخلاف أن موسكو تمكنت من تعزيز وجودها العسكري في آسيا الوسطى المجاورة للقوقاز بإنشاء وتوسيع قاعدة عسكرية ثانية في قيرغيزستان، وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي مع أفغانستان؛ ما يعرقل عودة النفوذ الأمريكي إليها.

كما أن روسيا لا ترغب في معاداة تركيا الحليف الاستراتيجي لأذربيجان حالياً؛ لأنها أكبر منفذ دولي تجاري لها بعد رفض أنقرة فرض عقوبات دولية اقتصادية على روسيا؛ هذا فضلاً عن تنوُّع وتعدُّد الملفات الثنائية التي تتقاطع فيها المصالح الروسية التركية، ومنها (تهجير اللاجئين السوريين، والوضع في ليبيا، والتوتر في كوسوفو وصربيا، والدعم العسكري التركي لأوكرانيا)، كما اختارت روسيا تعزيز تعاونها مع أذربيجان سياسياً واقتصادياً، وربما يتطور إلى تعاون عسكري بعد تصاعد أهمية باكو بآسيا الوسطى. وقد اتضح ذلك من حرص الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” على مهاتفة نظيره الأذري “إلهام علييف” أكثر من مرة منذ بدء الأزمة لتأكيد ضمان حقوق وأمن الأرمن، وبحث خطوات المرحلة الانتقالية.

3. تصاعد النفوذ التركي–الأذربيجاني: تُعَد استعادة السيطرة الأذرية على “كاراباخ” انتصاراً معنوياً لتركيا التي حرص رئيسها “رجب طيب أردوغان” على زيارة باكو لتهنئة نظيره “إلهام علييف” به؛ وهذا يعود إلى التحالف الاستراتيجي الوثيق بين أنقرة وباكو، الذي يتخذ صوراً عسكريةً من خلال الدعم اللوجستي والعسكري الذي تقدمه أنقرة لها، عبر تصدير طائرات (بيرقيدار) بدون طيار التي ساهمت في الانتصار بحرب “كاراباخ” الثانية، فضلاً عن ارتفاع حجم التبادل التجاري بينهما، ومساعي تركيا إلى استغلال “كاراباخ” لتنفيذ ممرات النقل الدولي؛ ففي 14 ديسمبر 2022، عُقدت قمة ثلاثية ضمَّت رؤساء (تركيا، وأذربيجان، وتركمانستان) لبحث نقل الغاز التركماني إلى الدول الأوروبية عبر تركيا من “الممر الأوسط” و”خط الأناضول”، وقد ضاعفت أنقرة قدرة خط أنابيب الغاز العابر للأناضول (TANAP) إلى 32 مليار م3 سنوياً.

هذه المعطيات ستؤدي إلى صعود أذربيجان قوةً إقليميةً بالمنطقة، وتعزيز النفوذ التركي بجنوب القوقاز وآسيا الوسطى؛ لأن تركيا تسعى إلى ربط دول المنطقة التي تطلق عليها (العالم التركي) بها عبر ممر بري لتصبح المهيمنة عليها اقتصادياً وثقافياً من خلال منظمة “الدول التركية” التي تضم (تركيا، وأذربيجان، وكازاخستان، وأوزبكستان، وقرغيزستان)، وتعمل أنقرة على توسيعها، وتمديد نفوذها في المنطقة.

4. تراجع النفوذ الإيراني–الأرميني: رغم رفض يريفان تقديم أي دعم يُذكَر لإقليم “كاراباخ”، فإن استعادة أّذربيجان له تُعَد هزيمة معنوية لأرمينيا، حتى مع قبولها لذلك، كما تُعَد تراجعاً لحليفتها الأقرب بالمنطقة، وهي إيران التي تعتبر خصماً إقليمياً لأذربيجان، والتي قدمت دعماً مستمراً ليريفان على مدى العقود الثلاث الماضية. وقد حذر الرئيس الإيراني “إبراهيم رئيسي” من أن بلاده “لن تسمح بأي تغييرات جيوسياسية في القوقاز”، ويقصد به التغيير الديمغرافي لسكان المنطقة؛ ما يعكس خشيته من انعكاس الوضع بالقوقاز داخلياً على إيران التي تضم 25 مليون أذري يتعاطفون مع باكو، ويُعتبَرون أكبر أقلية بإيران، وينظمون تظاهرات مستمرة احتجاجاً على تراجع وضعهم الاجتماعي والسياسي بالبلاد.

ولذا تتخوف طهران من حدوث أي تواصل من باكو معهم؛ ما سيؤدي إلى الإضرار بالأمن والاستقرار الداخلي بإيران، لا سيما بعد تأكيد “علييف” أن “الأذربيجانيين الإيرانيين هم جزء من أمتنا”؛ ما يُعزِّز مخاوف طهران. من جهة أخرى، تتمتع باكو بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، وافتتحت بها سفارتها مؤخراً؛ ما يضع إيران بين خصمين إقليميين تتصاعد قوتهما؛ هما (أذربيجان، وإسرائيل)، وهو ما سينعكس على تحركات طهران الإقليمية المقبلة، وربما تلجأ إلى تعزيز تعاونها مع تركيا لمواجهة ذلك التحالف الخفي ضدها.

5. تعزيز الدور الأمريكي بالقوقاز: تصاعد الاهتمام الأمريكي بالأزمة في “كاراباخ” منذ العام الماضي؛ حيث استقبلت عدة مفاوضات بين أرمينيا وأذربيجان للتوصل إلى حل سلمي للأزمة، ولم تتخذ موقفاً ضد أذربيجان بعد العملية العسكرية الأخيرة. وناشدت رئيسة الوكالة الأمريكية للتنمية “سامانثا باور” باكو أن تُسهِّل توصيل المساعدات الإنسانية الضرورية للإقليم، وأعلنت أن واشنطن ستقدم مساعدات إنسانية عاجلة قيمتها 11.5 مليون دولار، كما وصلت يوم 1 أكتوبر 2023 بعثة الأمم المتحدة إلى الإقليم لأول مرة منذ نحو ثلاثين عاماً، كما اقتصر الموقف الأوروبي والفرنسي على الدعوة كذلك إلى توصيل المساعدات الإنسانية.

وحرصت واشنطن على تنفيذ المناورات العسكرية (إيجل 2023) بين القوات الأمريكية والأرمينية في العاصمة يريفان. وتُعَد هذه أول مرة تستضيف فيها الأخيرة مناورات ثنائية مع واشنطن الخصم التقليدي لحليفتها السابقة موسكو؛ لذا أدت الأزمة الأخيرة إلى تعزيز الدور الأمريكي في جنوب القوقاز، وربما تنشر واشنطن قوات حفظ سلام أممية أمريكية على الحدود الأرمينية الأذرية؛ ما يجعلها على تماسٍّ عسكري مباشر بالحدود الروسية، كما يضمن لها تمركزاً عسكرياً في القوقاز وآسيا الوسطى لأول مرة بعد الانسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان منذ عامين.

خلاصة القول أن أذربيجان نجحت في تصفية أزمة “إقليم كاراباخ” وتكريس نفسها قوةً إقليميةً في جنوب القوقاز، وإنهاء صراعها التاريخي مع أرمينيا، وحوَّلت الأزمة من نزاع دولي على إقليم مشترك إلى أزمة داخلية تتعلق بوضع وحقوق الأرمن بوصفهم أقليةً عرقيةً داخل دولة أذربيجان، وهو ما سينعكس على ترتيب المشهد الجيوسياسي بجنوب القوقاز، في ظل تصاعد ملامح التنافس الدولي على النفوذ بالمنطقة، وخصوصاً عقب الحرب الأوكرانية.