• اخر تحديث : 2024-03-04 15:47

قد يقول قائل كيف تكون لحرب غزة المتواصلة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى الآن مخرجات نووية ولم يكن السلاح النووي ضمن ما استخدم في هذه الحرب. وقد يقول آخر ربما المقصود المقارنة بين القوة التدميرية للقنابل والصواريخ والطلقات التي ألقيت وأطلقت على غزة طوال فترة العدوان الإسرائيلي المتواصل، وبين القوة التدميرية لإحدى القنبلتين النوويتين اللتين ألقيتا على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين في نهاية الحرب العالمية الثانية أو حتى لكليهما معاً.

بالفعل لم يستخدم السلاح النووي في حرب غزة، وبالفعل هناك من قارن بين ما يحدث في غزة وما حدث في هيروشيما ونجازاكي مستخدمين مؤشرات. لكن لا هذا ولا ذاك هو المقصود هنا. ومن ثم يصبح السؤال ما المقصود إذن؟

المقصود هو ما أحدثته حرب غزة من تفاعلات تخص قضية الانتشار النووي في الشرق الأوسط، وحالة الاستثناء الإسرائيلي من التزامات النظام العالمي لمنع الانتشار النووي على الرغم من كل القرارات الدولية المطالبة بخضوع إسرائيل لنظام الضمانات الشامل الذي تطبقه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن ثم العمل على إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.

الذي ألقى الضوء على هذه القضية بتشعباتها الكثيرة والمعقدة والغامضة في ذات الوقت تصريح وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو، في 5 نوفمبر الماضي، الذي قال فيه أن "إلقاء قنبلة نووية على غزة هو حل ممكن"، مضيفاً أن "قطاع غزة يجب ألا يبقى على وجه الأرض".

هذا التصريح كانت له ردود فعل حتى داخل إسرائيل ذاتها. وفي الخارج كانت ردود الفعل واسعة. وعلى الصعيد العربي انعكس الأمر في مقررات القمة العربية الإسلامية في الرياض. ومن ثم تحركت المجموعتان العربية والإسلامية لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما أن جنوب أفريقيا قد أشارت إلى تصريحات الوزير الإسرائيلي تلك وهي تحاول إثبات ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية في حق الفلسطينيين أمام محكمة العدل الدولية.

إعادة تسليط الضوء على الاستثناء النووي الإسرائيلي

تمثل إسرائيل حالة استثنائية، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، وإنما بالنسبة لسياستها النووية. فإسرائيل هي الدولة الوحيدة غير العضو في معاهدة منع الانتشار النووي من بين دول منطقة الشرق الأوسط. هذه المعاهدة التي تمثل العمود الفقري للنظام الدولي لمنع الانتشار النووي.

وعلى صعيد القدرات النووية الإسرائيلية، فإن سياسة الغموض ظلت متبعة لعقود، على الرغم من أن هناك تأكيدات كثيرة من قبل مختصين بأن إسرائيل لديها ترسانة نووية، بما في ذلك الأمريكيين، حيث أن اتحاد علماء الذرة الأمريكيين ذهب إلى أن إسرائيل تمتلك ما مجموعه تسعين قنبلة نووية، فيما ذهب معهد استكهولم للسلام إلى أن هناك خمسين رأس نووي في وضع الإطلاق. وهناك تقديرات أخرى ترفع عدد ما تمتلكه إسرائيل من أسلحة نووية إلى ما يتراوح بين 200 إلى 300 رأس نووي، بل إن هناك من رفع العدد إلى 500 رأس نووي.

وعلى الرغم من كل ذلك، فإن إسرائيل لا تنفي ولا تؤكد وتترك الأمر في باب التكهنات. وهذا مقصود ويخدم أهدافاً استراتيجية. كما أنها لم تتعرض لضغوط دولية كافية حتى يتم إجلاء هذا الأمر اختياراً أو جبراً. مع العلم بأن الجبر قد اتبع مع حالات أقل بكثير مما عليه الحالة الإسرائيلية. والأكثر من ذلك أن هذا الجبر قد ثبت في حالة على الأقل أنه بنى على معلومات مغلوطة وملفقة كما هو في حالة العراق. والعراق تحديداً كانت قد تعرضت منشآتها النووية السلمية لعدوان إسرائيلي في العام 1981. وقد أدان مجلس الأمن الدولي هذا العدوان بأشد العبارات في قراره رقم 487 الصادر في 19 يونيو من العام 1981 معتبراً أن ما قامت به إسرائيل يمثل "تهديداً خطيراً لكامل نظام ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية". وفي ذات الوقت طالب القرار إسرائيل بضرورة وضع منشآتها النووية تحت إشراف الوكالة، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

السلوك الإسرائيلي الجامح ضد القدرات النووية لدول المنطقة لم يقف عند ما قامت به حيال العراق، بل إن هناك تهديدات متواصلة بالقيام بالأمر ذاته تجاه إيران على الرغم من كل الجهود الدولية المتواصلة من أجل تسوية الملف النووي الإيراني بطرق سلمية، علماً بأن إيران عضو في معاهدة منع الانتشار النووي، وتقوم سياستها الرسمية المعلنة على عدم السعي لامتلاك أسلحة نووية.

جاءت تصريحات وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو عندما طرح خيار استخدام السلاح النووي ضد قطاع غزة لكي تعيد طرح أسئلة كثيرة كان قد خفت الحديث عنها. من بين هذه الأسئلة ما يتعلق بسياسة الغموض النووي. فها هو مسئول إسرائيلي رفيع يتحدث صراحة عن استخدام السلاح النووي. وبغض النظر عن كل الاعتبارات التي يمكن أن تثار هنا، فإن الاعتبار الأهم المعني هو أن المسئول الإسرائيلي لا يمكن أن يتحدث عن استخدام سلاح غير موجود. ومن هذا الباب قد تفهم المواقف الإسرائيلية المنتقدة لتصريحات الوزير الإسرائيلي، من حيث كونها تضر بالموقف الرسمي الإسرائيلي وتجلب عليها تداعيات أكثر من انطلاقها من الشفقة بالفلسطينيين أو الحرص على حياتهم. إذ أن كل الشواهد تبرهن على ما هو عكس ذلك. وفي هذا الإطار، فقد بلغت الانتقادات الداخلية أقساها من قبل يائير لبيد زعيم المعارضة الإسرائيلية عندما وصف تصريح وزير التراث الإسرائيلي هذا بأنه "صادم ومجنون وصدر عن وزير غير مسئول".

هذه المفردات وإن كانت قاسية في وصفها لتصريحات الوزير الإسرائيلي، إلا أنها من الممكن أن يتم تأويلها على أكثر من محمل، من بينها أن كونه صادماً ناجم عن الجرأة في الإعلان عما لا ينبغي الإعلان عنه، وكونه مجنوناً ناجم عن أن ضرره على إسرائيل أكثر من نفعه، ومن هنا كان وصف الوزير بأنه غير مسئول. ولربما كانت تعقيبات وزير الدفاع يوآف جالانت واضحة في هذا المسار عندما قال: "من الجيد أن هؤلاء الأشخاص ليسوا المسئولين عن أمن إسرائيل". ومعلوم أن جالانت صاحب قرار حرمان غزة من كل أسباب الحياة. فهو الذي قال صراحة: "لقد أعطيت أمراً: غزة ستكون تحت حصار تام. لا كهرباء، لا طعام، لا وقود، كل شيء مغلق". وبحكم منصبه فهو من أعطى كل قرارات القتل والتخريب والتدمير المتواصل.

هذا الأمر يعيد النقاش إلى نقطة أنه لو لم تكن إسرائيل تمتلك هذا السلاح أو لديها الرغبة في امتلاكه لانضمت إلى اتفاقية منع الانتشار النووي، ولانصاعت لكل القرارات الدولية التي تطالبها بضرورة إخضاع كل منشآتها لنظام الضمانات الذي تقوم على تطبيقه الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وكذلك لرحبت بمبادرة إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في المنطقة. لكن السلوك الإسرائيلي يسير عكس هذه المسارات الثلاث. فهي لم تنضم إلى الاتفاقية، ولم تعلن نيتها فعل ذلك. كما أن نظام الضمانات لا يطبق على كل منشآتها النووية. ناهيك عن وقوفها بالمرصاد للجهود الرامية إلى إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية.

والأكثر من ذلك أنها ترفض أي مناقشة لملفها النووي حتى في المؤسسة المعنية بالشأن النووي العالمي ممثلة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن أحدث الأمثلة على ذلك، وقبل شهور قليلة من عدوانها على غزة وتحديداً في شهر يوليو من العام 2023 اعترضت إسرائيل رسمياً على مناقشة الدورة السابعة والستين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ملف قدراتها النووية. وقد اعتبرت أن مثل هذه المناقشة بمثابة "إثقال على المؤتمر العام بالأعباء وإعاقة سير أعماله وتشتيت انتباهه". ليس هذا فحسب بل إنها ذهبت إلى أن استبعاد مناقشة ملفها النووي من شأنه "أن يسمح للوكالة ودولها الأعضاء بتوجيه الاهتمام اللازم والموارد اللازمة نحو التحديات العالمية التي تواجهها الوكالة". وكأن إسرائيل وقدراتها النووية ليست من بين هذه التحديات. ليس هذا فحسب بل إنها طالبت الوكالة بالتركيز على قضايا الانتشار النووي الأخرى في منطقة الشرق الأوسط ذاتها معتبرة أن من بين دول المنطقة من هو "في حالة انتهاك مستمر لواجباتها والتزاماتها الدولية، وتواصل الحصول على أسلحة دمار شامل محظورة مع العمل على إعاقة الجهود التي تبذلها الوكالة في هذا الصدد". لم تقف الحجج الإسرائيلية ضد مجرد إدراج بند خاص بمناقشة قدراتها النووية عند ذلك بل إنها اعتبرت أن المجموعة العربية في الوكالة الدولية تتبع نهجاً "مثيراً للنزاع ومتحيزاً ومعيباً من أساسه" كما أنها اعتبرت أن الطلب العربي "يقع كلياً خارج نطاق النظام الأساسي للوكالة وولايتها، ولا علاقة له بجدول أعمال المؤتمر العام، وينال من مصداقية الوكالة بوصفها منظمة مهنية".

من الواضح أن إسرائيل تريد تحصيناً لملفها النووي من مجرد المناقشة. ثم يأتي وزير إسرائيلي ويقولها صراحة إن استخدام السلاح النووي خيار متاح. إذن فمثل هذا التصريح يمكن أن يكون أحد المداخل لهدم كل المنظور الإسرائيلي فيما يتعلق بما يمكن تسميته "الكهف النووي" في ظل سياسة الغموض القائمة.

تصريحات وزير التراث الإسرائيلي جاءت قبل أيام من انعقاد الدورة الرابعة لمؤتمر إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية في الفترة من 13 إلى 17 نوفمبر 2023. ومن ثم فإن تأكيدات ممثلة الأمم المتحدة السامية لشئون نزع السلاح إيزومي ناكاميتسو في افتتاح المؤتمر على أن "أي تهديد باستخدام الأسلحة النووية غير مقبول"، بدا وكأنها رد مباشر على التصريحات الإسرائيلية. وعلى عكس المنطق الإسرائيلي، فإن المسئولة الأممية اعتبرت أن الوصول بالشرق الأوسط ليصبح منطقة خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل من شأنه أن "يسهم بشكل كبير ليس في عملية نزع السلاح وعدم الانتشار على الصعيد العالمي فحسب، وإنما أيضاً في السلام والأمن في الشرق الأوسط وخارجه". وهذا ما يطرح السؤال حول ما إذا كانت إسرائيل تريد سلاماً وأمناً وهي من تريد تهجير الفلسطينيين وإبادتهم ولو وصل الأمر إلى استخدام السلاح النووي طبقاً لأحد مسئوليها؟، ولا غرو إذن أن تدرج جنوب أفريقيا التصريحات الإسرائيلية على هذا الصعيد ضمن ترسانة تصريحات المسئولين الإسرائيليين التي لا يمكن أن تعبر عن سلام وأمن واستقرار في المنطقة، بل من شأنها كما ذهبت جنوب أفريقيا، أن تؤدي إلى ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين.

زخم دولي جديد لمبادرة إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية

التصريحات الإسرائيلية والظرف الإقليمي والدولي المحيط أنتج زخماً دولياً متزايداً حول خطورة الاستثناء النووي الإسرائيلي. وهذا ما أشارت إليه الكثير من دول العالم. وعلى رأس هذه الدول دول منطقة الشرق الأوسط ذاتها. وقد انعكس الأمر ليس فقط في تصريحات كبار المسئولين، وإنما تمثل ذلك في بنود قرارات صدرت عن قمم من قبيل القمة العربية الإسلامية في الرياض. إذ نص البند الثالث والعشرين من البيان الختامي للقمة التي عقدت في الحادي عشر من نوفمبر 2023 على "إدانة أفعال وتصريحات الكراهية المتطرفة والعنصرية لوزراء في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بما فيها تهديد أحد هؤلاء الوزراء باستخدام السلاح النووي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، واعتبارها خطراً على الأمن والسلم الدوليين، ما يوجب دعم مؤتمر إنشاء المنطقة الخالية من الأسلحة النووية وكافة أسلحة الدمار الشامل الأخرى في الشرق الأوسط المنعقد في إطار الأمم المتحدة وأهدافه للتصدي لهذا التهديد".

هذا المضمون نقل في رسالتين منفصلتين الأولى باسم المجموعة العربية، والثانية باسم الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ففي الحادي والعشرين من نوفمبر 2023 تقدمت الإمارات العربية المتحدة باسم المجموعة العربية برسالة إلى المدير العام للوكالة رفائيل جروسي تتعلق بـ"المخاطر التي تمثلها القدرات النووية الإسرائيلية، ولا سيما على خلفية التطورات الأخيرة ذات الصلة".

الرسالة تضمنت سبعة بنود، أولها يوصف السلوك الإسرائيلي، ومدى ارتباطه بدور الوكالة، حيث اعتبرت المجموعة العربية الأمر "بالغ الخطورة يتصل بولاية الوكالة الدولية للطاقة الذرية".

البند الثاني ذهب إلى أن المجموعة العربية في استهجانها للتصريحات الإسرائيلية لم تكن استثناء من ردود الفعل الدولية نظراً لأن هذه التصريحات "بالغة الخطورة والمفاجئة وغير المسبوقة"، حيث أن "أي استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية من جانب أي طرف وتحت أي ظرف هو تهديد خطير للسلم والأمن الإقليمي والدولي، وانتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي، وهدم ممنهج للمنظومة الدولية لنزع السلاح وعدم الانتشار النووي".

البند الثالث تضمن شقين: أولهما خاص بإدانة التصريحات الإسرائيلية بأشد العبارات ووصفها بـ"العدوانية والإجرامية". وكذلك إدانة استخدام أو التهديد باستخدام هذا النوع من الأسلحة "من جانب أي طرف وتحت أي ظرف". بينما شدد ثانيهما على أن "الوسيلة الوحيدة لمواجهة مخاطر استخدام الأسلحة النووية هي التخلص التام منها بشكل قابل للتحقق الدولي ولا رجعة فيه".

رابع البنود تضمن مطالب عربية واضحة بخصوص تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة ومنها القرار 487، والذي طالب إسرائيل في أحد مقرراته السبعة أيضاً بأن "تضع فوراً منشآتها النووية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية". لاحظ أن هذا كان في العام 1981، وكذلك القرار 687 الصادر في أبريل 1991، والذي كان ضمن بنوده التأكيد على إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى في الشرق الأوسط.

كما طالبت المجموعة العربية بضرورة تنفيذ قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بكل من المنطقة الخالية من الأسلحة النووية، ومخاطر انتشار الأسلحة النووية في المنطقة.

المجموعة العربية شددت في البند الخامس على "عدم إمكانية استمرار الوضع الحالي الذي تظل فيه إسرائيل خارج معاهدة عدم الانتشار النووي"، ومن ثم فإن الدول العربية ترفض إصرار إسرائيل "على عدم إخضاع كافة منشآتها النووية لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية".

طالبت المجموعة العربية في البند السادس المدير العام للوكالة وأجهزة صنع السياسات فيها بأمرين محددين: الأول يتمثل في "اتخاذ موقف عملي وواضح من هذا التطور المقلق والخطير". والثاني خاص بالإجراءات العملية واجبة الاتخاذ حتى يتم تنفيذ القرارات الدولية المعنية، بما فيها قرارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية سواء تعلقت بإخلاء المنطقة من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الأخرى أو بالقدرات النووية الإسرائيلية.

رسالة المجموعة العربية ختمت في بندها السابع بالتأكيد على احتفاظ الدول العربية "بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للتعامل مع التهديد الذي تمثله القدرات النووية الإسرائيلية من خلال مختلف أجهزة صنع القرار بالوكالة". وكذلك إبقاء الأمر "قيد المتابعة ضمن أجهزة صنع السياسات في الوكالة الدولية للطاقة الذرية".

بعد ثلاثة أسابيع من رسالة المجموعة العربية تقدمت المملكة العربية السعودية بمذكرة إلى الوكالة في الخامس عشر من ديسمبر 2023 نيابة عن الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي وأعضاء جامعة الدول العربية، حيث اعتبرت الرسالة تصريحات الوزير الإسرائيلي بمثابة "تهديد وتحريض على ارتكاب الجريمة البشعة المتمثلة في استخدام سلاح نووي ضد السكان المدنيين الأبرياء"، بالإضافة إلى اعتبار الأمر "يشكل عائقاً أمام الهدف النهائي المتمثل في عالم خالٍ من الأسلحة النووية، نظراً لأنه يجسد تجاهل إسرائيل الكامل للنظام الدولي لنزع السلاح وعدم الانتشار النووي".

هذا التجاهل الإسرائيلي هو استمرار لسياسة إسرائيلية قائمة على "التجاهل التام للقانون الدولي" وأن هذه السياسة قد بلغت ذروتها في المأساة الماثلة في غزة. ما صرح به المسئول الإسرائيلي "ينبغي أن يكون دافعاً للمجتمع الدولي، وتحديداً الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لاتخاذ الخطوات اللازمة لتصحيح هذا الوضع".

وقد ختمت الرسالة بمطالب محددة للمدير العام للوكالة تتمثل في: دعوة إسرائيل للانضمام بشكل عاجل إلى معاهدة منع الانتشار النووي بصفتها دولة غير حائزة للسلاح النووي. وأن يتم إخضاع جميع منشآتها النووية لنظام ضمانات الوكالة. ولم تغفل الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية الإشارة إلى القرارات الدولية المعنية أيضاً.

على الصعيد الدولي، كان لافتاً الموقف الصيني الذي عبر عن الصدمة والقلق من التصريحات الإسرائيلية. وقد اعتبر قنج شوانج نائب المندوب الدائم للصين في الأمم المتحدة أن "هذا النوع من التصريحات مدان عالمياً. إنه أمر غير مسئول ومثير للقلق للغاية. إن مثل هذه التصريحات تتعارض مع الإجماع الدولي بأنه لا يمكن الفوز بحرب نووية ولا يجب خوضها، وتتعارض مع الدعوات الدولية القوية لخفض التصعيد ووقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين". وقد سارت الصين على نفس درب الدول العربية من حيث مطالبة إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي، مع إخضاع كل منشآتها النووية لنظام الضمانات الخاص بالوكالة. كما أنها تؤيد إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وكافة أسلحة الدمار الشامل معتقدة أنها "ستساعد في الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل، والحفاظ على سلطة وفعالية النظام الدولي لعدم الانتشار، والحد من مخاطر سباق التسلح والصراع، وبالتالي توفير آلية مهمة للحفاظ على السلام والأمن الإقليميين على المدى الطويل".

ماذا بعد؟

لا يمكن فصل ما بعد عن ما قبل في هذه القضية. فإذا كانت القضية قد عادت إلى الواجهة في ظل هذه الحرب المتواصلة على غزة، والتي تخللتها تصريحات المسئولين الإسرائيليين المتوالية بما فيها التصريحات المتعلقة بالشق النووي، فإنه ليس ثمة ضمانة لأن يستمر ذلك إلا إذا ظلت الدول المعنية بأمن منطقة الشرق الأوسط واستقراره والمعنية بقضايا منع الانتشار النووي ومن ثم الأمن والاستقرار العالمي تضع القضية على جدول أعمالها. إذن فالقضية عالمية بامتياز قبل أن تكون عربية وإسلامية وفلسطينية. وهي فلسطينية وعربية وإسلامية قبل أن تكون عالمية أيضاً.

هذه القضية التي ظلت على رأس أولويات الدول العربية التي دفعت بها على أجندة المنظمات الدولية المعنية جاءت فترة من الفترات شهدت غضاً للطرف عنها وفي فترة أخرى تخفيفاً للهجة المستخدمة في طرح القضية، ظناً في الحالة الأولى في "حسن النوايا" التي رافقت انعقاد مؤتمر مدريد للسلام. ففي العام 1992 على سبيل المثال لم تتقدم الدول العربية بمشروع القرار الذي اعتادت التقدم به تحت عنوان "القدرات النووية الإسرائيلية والخطر النووي الإسرائيلي". كما أنها في العام 2008 عدلت من صيغة عنوان القرار ليتحول إلى "القدرات النووية الإسرائيلية" بعد أن كان "القدرات النووية الإسرائيلية ومخاطرها"، ومع ذلك فإن إسرائيل ترفض أي مناقشة للأمر.

واضح أن مسألة حسن النوايا والموائمات لا تجدي في مثل هذه القضايا التي تتعلق بالأمن القومي الوجودي. ليس هذا فقط، بل إنها تؤدي إلى مزيد من تجرؤ الطرف الآخر خاصة في ظل الحماية أو حتى الصمت الدولي، وخاصة الأمريكي والغربي تحت لافتة الدفاع عن النفس.

التجرؤ يصل إلى درجة المطالبة بإلغاء قرارات دولية مر على إقرارها سنوات كما حدث مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة القاضي باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. وليت الأمر يقف عند أمر القرارات الدولية، بل إنه ينتقل إلى إلقاء التهم على أطراف عربية بخصوص ما يتعرض له الشعب الفلسطيني رغم أن العالم كله شاهد على ما يحدث. ومن ذلك ما فعلته إسرائيل في مرافعتها أمام محكمة العدل الدولية عندما حاولت التملص من مسئوليتها عن تأخير أو منع دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

لا يمكن إلا أن تكون قضية القدرات النووية الإسرائيلية ومخاطرها على رأس قضايا النقاش في أي مفاوضات مستقبلية سواء في الصيغ الثنائية أو متعددة الأطراف. وينبغي ربط أي تطور في قضايا أخرى بتلك القضية. فسياسة الاعتماد على الوعود قد تصل بالأمور إلى اللاشيء. وها هي عملية السلام والمصير الذي آلت إليه ماثلة. فلم تعد إسرائيل تقبل بمجرد الحديث عن حل الدولتين. وهذا نهج كشفت عنه مؤشرات كثيرة من بينها التصدي الإسرائيلي لأي محاولة لإثبات الوجود الفلسطيني في المنظمات الدولية، بما في ذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث تعترض إسرائيل على إدراج بند خاص بوضع فلسطين في الوكالة. وفي المؤتمر العام الأخير اعترضت إسرائيل على الطلب العربي بإدراج هذا البند معتبرة أن الدول العربية "تستورد مسائل غير مادية إلى المناقشات المهنية". ليس هذا فحسب بل إنها تذهب إلى اعتبار أي قرار يتخذه المؤتمر العام للوكالة بخصوص هذا الموضوع "ذا طابع إعلاني فقط، ولن يكون له أي أثر موضوعي".

من الواضح أن إسرائيل تريد أن تمتنع الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن أي مناقشة لبرنامجها النووي، وفي ذات الوقت لا تقترب من مسألة الوجود الفلسطيني في تلك المنظمة الدولية. وهي تقولها صريحة للدول العربية: كفوا عن هذا الأمر بشقيه.

إذا كانت غزة قد هددت اليوم بالأسلحة النووية الإسرائيلية، ففي الغد قد يكون هناك ما هو أبعد من غزة. وما هو تهديد قد يتحول إلى واقع خاصة في ظل الظرف الدولي الآخذ بالتراجع فيما يتعلق بقضايا الانتشار النووي سواء على صعيد سياسات القوى العظمى النووية، أو حتى على صعيد الدول التي امتلكت السلاح النووي بالمخالفة لأحكام اتفاقية منع الانتشار النووي.