• اخر تحديث : 2024-04-19 15:15
news-details
قراءات

كيف تصاعد توظيف الأداة العسكرية في السياسة الخارجية البريطانية؟


تشهد السياسة الخارجية البريطانية منحى متصاعداً في الآونة الأخيرة نحو توظيف الأداة العسكرية؛ حيث ازداد الانخراط العسكري لبريطانيا في مناطق مختلفة؛ على رأسها أوكرانيا والبحر الأحمر ضد الحوثيين، وجويانا في أمريكا اللاتينية ضد فنزويلا. هذا التوسع في استخدام الأداة العسكرية، يعكس – في جانب منه – مساعي لندن لتعزيز دورها على الساحة الدولية، وإعادة تقديم نفسها طرفاً مؤثراً في التفاعلات العالمية، ناهيك عن تأثيرات بريكست، ومحاولة بريطانيا الحصول على المزيد من المكاسب الاقتصادية لتعويض الخسائر المترتبة على الخروج من الاتحاد الأوروبي. بالإضافة إلى ذلك فإن حزب المحافظين ربما يُراهِن على تنشيط السياسة الخارجية البريطانية من أجل دعم شعبيته وتعزيز فرصه في الانتخابات القادمة.

نشاط عسكري

يُقصَد بعسكرة السياسة الخارجية زيادة الاعتماد على القوات المسلحة بأفرعها المختلفة في الحفاظ على أهداف الأمن القومي مقارنةً بالوسائل الأخرى غير العسكرية، غير أن المقصود هنا لا يتعلَّق بتوظيف قوات ضمن أطر مؤسسية بغرض حفظ السلام والأمن حسبما هو مُتعارَف عليه في العلاقات الدولية، باعتبار ذلك جزءاً من التزامات الدولة السلمية تجاه النظامَين الإقليمي والدولي، وإنما يُقصَد به توظيف قوات لتنفيذ عمليات اشتباك عسكرية خارج أراضي الدولة، والإقدام على تقديم الدعم والمساعدات العسكرية بغرض تسليح دولة على حساب أخرى في حالات النزاع الإقليمي أو الدولي. ومؤشرات ذلك في الحالة البريطانية هي:

1. تكثيف الدعم العسكري لأوكرانيا في مواجهة روسيا: في بداية الهجوم الروسي على أوكرانيا في فبراير 2022، بادرت بريطانيا بإرسال 14 دبابة مقاتلة من طراز Challenger 2S إلى أوكرانيا في مارس – أي الشهر التالي على بداية الحرب – التي وُصفت آنذاك بأنها مساعدة رمزية، لكن الأمر لم يقف عند ذلك؛ فقد وصل حجم المساعدات العسكرية البريطانية إلى 2.3 مليار جنيه إسترليني في 2022 لتصبح الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية في تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وهو ما تعهَّد رئيس الوزراء باستمراره في 2023.

وقد شملت هذه المساعدات تدريب 26 ألفاً و500 مجند في القوات الأوكرانية المقاتلة، بالإضافة إلى تدريب طياري الطائرات السريعة F–16. وقدَّمت بريطانيا صواريخ هجوم دقيقة بعيدة المدى، و300 ألف طلقة من ذخائر المدفعية، ومئات المركبات المدرعة، وأنظمة الصواريخ المتعددة الإطلاق، والأسلحة الخفيفة المضادة للدبابات، والصواريخ الموجهة القصيرة المدى، والصواريخ المضادة للطائرات، وآلاف المعدات التي تُستخدَم بغرض الحماية الشخصية. علاوة على ما تقدم، فإن بريطانيا قدَّمت لأوكرانيا صواريخ كروز البعيدة المدى المعروفة باسم Storm Shadows، التي يمكنها السفر لمسافة تزيد على 150 ميلاً، وطائرات بدون طيار تسافر لمسافة 125 ميلاً.

وفي سياق متصل، أُعلِن في شهر يناير الماضي، خلال زيارة رئيس الوزراء البريطاني "ريشي سوناك" إلى كييف، عن توقيع اتفاق أمني ثنائي مدته عشرة أعوام، وحينها قال الرئيس الأوكراني زيلينسكي إن الضمانات المنصوص عليها في الاتفاق، ستسري حتى انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وأضاف: "لقد اتفقنا مع بريطانيا على الأمن في جميع المجالات؛ براً وجواً وبحراً وفي الفضاء الإلكتروني"، موضحاً أن الاتفاق يغطي القضايا المتعلقة بالأسلحة والعقوبات وحدود أوكرانيا والتعافي بعد الصراع.

ومن جانبه، قال سوناك إن بريطانيا ستزود أوكرانيا – بموجب الاتفاق – بالأسلحة، بما في ذلك الأسلحة البحرية، وستُجبِر روسيا على "دفع الثمن الاقتصادي" للصراع مع أوكرانيا، كما تعهد سوناك بتقديم 2.5 مليار جنيه إسترليني (نحو 3.2 مليار دولار أمريكي) مساعدةً دفاعيةً جديدةً لأوكرانيا، وأضاف أن المساعدات ستغطي أسلحة مضادة للدبابات، وصواريخ، وقذائف مدفعية، إضافة إلى تقديم التدريب العسكري للقوات الأوكرانية.

2. إرسال سفينة حربية إلى جويانا في ظل صراعها مع فنزويلا: تزايد الصراع بين جويانا وفنزويلا حول إقليم إيسيكويبو الحدودي خلال السنوات الماضية عندما اكتشفت شركة نفط أمريكية كميات كبيرة من النفط تقدر بنحو 11 ألف مليار برميل في الإقليم. ورغم استمرار النزاع حول الإقليم لقرابة العقد، فإن فنزويلا مؤخراً عقدت استفتاءً شعبياً لضم الإقليم وافق فيه أكثر من 95% من الفنزويليين على ضم الإقليم؛ الأمر الذي اعتبره محمد عرفان علي رئيس جويانا تهديداً لأمن واستقلال وسيادة دولته التي يمثل إقليم إيسيكويبو 80% من أراضيها.

اللافت للنظر أنه بعد أسبوع واحد فقط من اتفاق الرئيسيين الفنزويلي والجوياني على عدم استخدام العنف في حل هذا الصراع والاحتكام إلى الطرق السلمية القانونية في 14 ديسمبر 2023، أعلن وزير الدفاع البريطاني عن إرسال سفينة الدورية البحرية الملكية البريطانية HMS Trent؛ الأمر الذي أثار حفيظة مادورو رئيس فنزويلا، وطالب قواته بالبدء في التدريبات العسكرية الدفاعية، باعتبار أن هذا تهديد غير مباشر له.

3. الاشتباك العملياتي في البحر الأحمر ضد الحوثيين: على خلفية الحرب الإسرائيلية على غزة، شرع الحوثيون في تنفيذ هجمات صاروخية على السفن المارة في البحر الأحمر ذات الصلة بإسرائيل والدول الداعمة لها؛ الأمر الذي دفع شركات الملاحة إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني ارتفاع مدة الرحلات البحرية إلى عشرة أيام إضافية، ومن ثم ارتفاع تكلفة النقل البحري.

وعلى الرغم من أن بريطانيا تبنَّت خطاباً داعماً لعدم التصعيد، واتباع السبل الدبلوماسية منعاً لتفاقم الأوضاع في المنطقة، فإنها أشركت المدمرة HMS Diamond في قوات تحالف حراس الازدهار في 30 نوفمبر 2023، وهي قوة بحرية متعددة الجنسيات بمشاركة 20 دولة، وبقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وعملياتياً، اشتركت المدمرة في إسقاط طائرة بدون طيار يوم 16 ديسمبر 2023، وساهمت في عدد من العمليات الأخرى، مثل عملية يوم 9 يناير 2024؛ حينما أسقطت 7 طائرات بدون طيار للحوثيين. وفي 11 يناير 2024، شاركت الطائرة راف البريطانية في عملية جوية لتدمير بعض مواقع الحوثيين داخل اليمن بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو تصعيد عسكري واضح من جانبها.

4. ارتفاع الإنفاق العسكري البريطاني نسبةً إلى الإنفاق الحكومي: وفق تقديرات معهد ستوكهولم لدراسات السلام (سيبري) للإنفاق العسكري، كانت نسبة الإنفاق العسكري البريطاني في 2020 نحو 4.33% من إجمالي الإنفاق الحكومي، ثم ارتفعت قليلاً في 2021 لتصبح 4.33%. أما في 2022 فقفزت هذه النسبة لتصبح 5.29%. وإذا ما قورنت هذه النسب بالتغيُّر في الإنفاق الحكومي على قطاع غير عسكري مثل التعليم، اتَّضح للقارئ كيف أنه مقابل ارتفاع الإنفاق العسكري هناك انخفاض في الإنفاق الحكومي على التعليم؛ فقد وصلت نسبة الإنفاق الحكومي على التعليم في عام 2020–2021 إلى 4.6%، ثم انخفضت لتصبح 4.3% في عام 2021–2022، واستمر ذلك المُعدَّل في عام 2022–2023.

5. تنامي الإنفاق العسكري نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي البريطاني: باعتبار بريطانيا إحدى الدول الأعضاء في حلف الناتو، فإنها مُلزَمة بإنفاق 2% من إجمالي الناتج المحلي على الدفاع، وهو ما حققته بالفعل؛ حيث وصلت نسبة الإنفاق العسكري البريطاني نحو 2.16% من الناتج المحلي الإجمالي في عامي 2020 و2021 على التوالي. أما في 2022، فقد ارتفعت هذه النسبة لتصبح 2.23%. وفي 2023، استمر الارتفاع في نسبة الإنفاق العسكري ليُسجِّل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي البريطاني.

6. الارتفاع في الميزانية العسكرية بالمقارنة بالمخصصات الدبلوماسية: ففي عام 2021–2022، وصل حجم الإنفاق العسكري الفعلي لبريطانيا إلى 45.9 مليار جنيه إسترليني، وهو ما يزيد عن الإنفاق العسكري لعام 2020–2021 بنحو 3.6 مليار جنيه إسترليني. أما في عام 2022–2023، فقد ارتفع الإنفاق العسكري إلى 53.1 مليار جنيه إسترليني. وفي عام 2023–2024 قدَّرت الحكومة البريطانية حجم الإنفاق العسكري المتوقع بنحو 50.9 مليار جنيه إسترليني ترتفع إلى 51.7 مليار جنيه إسترليني في عام 2024–2025.

وفي أعقاب الحرب الأوكرانية، قررت الحكومة البريطانية زيادة الإنفاق العسكري بنحو 5 مليارات جنيه إسترليني لعامي 2023–2024 و2024–2025، على أن تُوظَّف هذه الأموال لتحديث الإمكانات النووية البريطانية، بين تمويل برنامج الغواصة AUKUS (مليارا جنيه إسترليني) وتجديد المخزونات (3 مليارات جنيه إسترليني).

ووفق ما ورد في مراجعة الإنفاق لعام 2020، قررت الحكومة البريطانية زيادة الإنفاق العسكري بنحو 16.5 مليار جنيه إسترليني على مدار خمس سنوات في الفترة من 2020–2021 حتى 2024–2025، وهو ما وصفته الحكومة بأنه "أكبر زيادة مستدامة في ميزانية الدفاع الأساسية منذ 30 عاماً".

أما عن تمويل العمليات العسكرية، فتُشير الإحصاءات المُعلَنة إلى أن حجم الإنفاق العسكري على العمليات العسكرية في عام 2020–2021، وصل إلى 1% من إجمالي نفقات وزارة الدفاع البريطانية، وهو ما يُعادل نحو نصف مليار جنيه إسترليني.

وإذا ما قورنت هذه النسب بالإنفاق الدبلوماسي البريطاني، بدت فجوة كبيرة؛ حيث تشير التقارير الحكومية إلى أن الإنفاق على البعثات الدبلوماسية البريطانية في الخارج مثَّل 1.6% من إجمالي ميزانية وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية في عام 2020–2021 على التوالي، وارتفعت قليلاً في عام 2021–2022 لتصبح 1.8% من إجمالي ميزانية الوزارة.

وفي سياق متصل، وصلت نسبة الإنفاق البريطاني على المساعدات التنموية في الخارج في عام 2020 إلى 0.7% من الدخل القومي الإجمالي، وهو ما يعادل نحو 19 مليار جنيه إسترليني. ثم تراجعت النسبة إلى 0.5% لتصبح 11.4 مليار جنيه إسترليني. وفي أعقاب الحرب الروسية على أوكرانيا، ارتفعت النسبة ارتفاعاً طفيفاً لتصبح 0.55%؛ أي 12.8 مليار جنيه إسترليني. أما في عام 2023، فعادت نسبة المساعدات التنموية إلى مستوى 0.5%، ومن المقرر ألا تزيد في السنوات المقبلة نتيجةَ الأوضاع الاقتصادية البريطانية.

7. تزايد الجدل حول إمكانية فرض التجنيد الإلزامي: تزايد الجدل في الداخل البريطاني، خلال الشهور الأخيرة، حول مقترحات تنفيذ التجنيد الإلزامي؛ فعلى سبيل المثال، دعا رئيس الأركان البريطاني باتريك ساندرز، يوم 25 يناير 2024، إلى "تدريب وتجهيز جيش من المواطنين"؛ لمواجهة أخطار النزاعات. وقال الجنرال: "علينا أن نكون قادرين على القتال والانتصار في الحروب البرية، وليس في الجو والبحر فقط"، وأضاف: "نحن بحاجة إلى جيش منظم ليزداد عدده بسرعة"، مشيراً الى ضرورة "إعداد وتجهيز جيش المواطنين" بجانب القوات المحترفة.

ولكن بعد هذه التصريحات، خرج ماكس بلين المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، ليؤكد أن "الحكومة لا نية لديها لفرض التجنيد"، وقال: "للجيش البريطاني تقليد يفخر به، وهو كونه قوة طوعية. لا خطط لتغيير ذلك. الانخراط في حروب افتراضية ليس مفيداً".

8. تصاعد دور وزارة الدفاع في تنفيذ أهداف السياسة الخارجية البريطانية: ويكفي هنا الإشارة إلى أن أول زيارة رسمية لريشي سوناك رئيس الوزراء خارج بريطانيا، كانت إلى كييف في نوفمبر 2022 بمرافقة الأدميرال سير توني راديكن رئيس القوات المسلحة البريطانية، ولم يكن برفقتهما وزير الخارجية البريطاني آنذاك جيمس كليفرلي، الذي زار كييف منفرداً لأول مرة في يوليو 2023. تلا ذلك زيارة وزير الدفاع البريطاني جرانت شابس إلى كييف لأول مرة ليلتقي الرئيس الأوكراني زيلينسكي، ونظيره الأوكراني رستم عمروف.

ومع حركة التغييرات الحكومية التي أجراها سوناك، عُيِّن ديفيد كاميرون وزيراً للخارجية، وكانت أول زياراته خارج البلاد إلى أوكرانيا في نوفمبر 2023 منفرداً أيضاً. وفي يناير 2024، أجرى ريشي سوناك زيارة مفاجئة إلى أوكرانيا أعلن خلالها عن أكبر حزمة مساعدات عسكرية للفترة من 2024–2025 بقيمة 2.5 مليار جنيه إسترليني، وهو ما يزيد عن العامين السابقين بنحو 200 مليون جنيه إسترليني. وقد وقَّع الطرفان اتفاقية تعاون أمني تُلزِم بريطانيا بتقديم الدعم المعلوماتي والاستخباراتي والسيبراني لأوكرانيا، بالإضافة إلى التدريب الطبي والعسكري، والتعاون الصناعي الدفاعي.

ويرتبط الاقتراب العسكري في السياسة الخارجية البريطانية مؤسسياً بدرجة انخراط القوات المسلحة البريطانية ووزارة الدفاع، والخدمات الاستخباراتية في عملية صنع وتنفيذ السياسة الخارجية تجاه مناطق الصراع؛ ففي يوم توقيع الاتفاقية، نشر وزير الدفاع البريطاني جرانت شابس فيديو مصوراً على صفحته على منصة X يدعو فيه "الدول الأوروبية إلى تقديم مزيد من الدعم إلى أوكرانيا حفاظاً على قيم الديمقراطية والحرية ضد وحشية روسيا"، في حين لم ينشر ديفيد كاميرون – بصفته وزيراً للخارجية – أو وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية، أي تعليق أو خبر على اتفاقية التعاون الأمني مع أوكرانيا.

ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة إلى الصراع في البحر الأحمر وفي أمريكا الجنوبية؛ فهناك استقرار على توزيع الأدوار بين وزارتَي الخارجية والدفاع، يقتصر فيه دور وزير الخارجية على الزيارات وإصدار البيانات الداعمة، في حين يقوم وزير الدفاع بتنفيذ عمليات اشتباك أو إرسال سفن حربية وجدولة تدريبات عسكرية؛ أي إن وزارة الخارجية تتبنَّى الجانب الخطابي، في حين تضطلع وزارة الدفاع بالتنفيذ.

محفزات لندن

يرتبط التوظيف المتصاعد للأداة العسكرية في السياسة الخارجية البريطانية بعدد من المحفزات الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1. الحاجة إلى تدعيم دور بريطانيا في حفظ الأمن الأوروبي: فمنذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 1 فبراير 2020، تكابد لإيجاد وتعزيز دورها الإقليمي في أوروبا، ثم جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022 لتقدِّم لها فرصة تلقَّتها بريطانيا وألقت بثقلها خلف الجانب الأوكراني لتعزز دورها الإقليمي المفقود، وإثباتاً لقدرتها على قيادة القارة الأوروبية منفردةً خارج الإطار المؤسسي للاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، كان لا بد لبريطانيا من تقديم نفسها باعتبارها حاميةً للحريات ومُحافِظةً على استقرار القارة الأوروبية. لقد ساهمت المساعدات العسكرية والقيادة البريطانية في الشأن الأوكراني على تحسين صورة بريطانيا أوروبياً، وتسهيل إعادة بناء العلاقات مع دول وسط أوروبا.

2. إدراك خطورة التمدد العسكري الروسي: يُشكِّل التهديد الروسي أحد محددات السياسة الخارجية البريطانية في اللحظة الراهنة؛ لذلك سارعت لندن إلى تقديم الدعم لكييف، وحاولت دفع الدول الأوروبية الأخرى لمساعدة أوكرانيا في حربها ضد روسيا، وهو ما ألمح إليه توبايس إلوود عضو حزب المحافظين ورئيس لجنة الدفاع بمجلس العموم البريطاني، حين ذكر أن الدعم البريطاني لأوكرانيا دفع حكومات الدول الغربية التي ربما تردَّدت في قرار الدعم إلى اتخاذه، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا.

فبعد أن أرسلت بريطانيا 14 دبابة مقاتلة من طراز Challenger 2S إلى أوكرانيا في مارس في بداية الحرب، قدَّمت سابقةً دفعت الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا إلى الاتفاق على إرسال دباباتهما المقاتلة الرئيسية Leopard 2 وM1 Abrams. تلا ذلك إقبال الدنمارك وألمانيا وهولندا على إرسال نحو 178 دبابة من طراز Leopard 1.

وفي مقال كتبه بوريس جونسون في 23 سبتمبر 2023، حذَّر من فوز بوتين باعتباره فشلاً ذريعاً لديمقراطيات العالم الغربي أمام النظم الأوتوقراطية، وهو ما عبَّر عنه سوناك في خطابه بمناسبة توقيع الاتفاقية الأمنية مع أوكرانيا في يناير 2024، حين قال إنه "على مدار عامين، قاتلت أوكرانيا بشجاعة كبيرة لصد الغزو الروسي الوحشي، وما زالوا يقاتلون، دون أن يتزعزع تصميمهم على الدفاع عن بلادهم والدفاع عن مبادئ الحرية والديمقراطية... [ونحن] ندرك أن أمنهم هو أمننا".

3. إعادة تأكيد الدور الدولي لبريطانيا باعتبارها قوة تقليدية راسخة: فوفق وثيقة "بريطانيا العالمية في عصر تنافسي: المراجعة المتكاملة" التي أصدرتها حكومة بوريس جونسون في 2021، كان من أهداف السياسة الخارجية الموضوعة، المزيد من الانخراط في منطقة الهندو–باسيفيك، والتكيف مع زيادة قوة الصين وحل مشكلة التغيرات المناخية، والقيادة من خلال القوة الناعمة المتمثلة في استخدام الإعلام وزيادة الإنفاق على مِنَح الطلاب الوافدين، وتعزيز القدرات السيبرانية وتقوية العلاقات التجارية مع مختلف الدول في مرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.

غير أن مستجدات الحرب في أوكرانيا، والانخراط الروسي والصيني في منطقة الشرق الأوسط، خاصةً بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، كلها عوامل دفعت بريطانيا إلى إعادة النظر في اصطفاف أهداف سياستها الخارجية ومصلحتها القومية مع الجانبين الأمريكي والأوروبي وكذلك حلف الناتو، خاصةً بعد أن بات واضحاً التوافق والاصطفاف في أهداف وسياسات الجانبَين الروسي والصيني. وأمام إحياء التحالفات الجيوسياسية التاريخية، كان لا بد للجانب البريطاني أن يغض الطرف عن طموحه في استخدام أدوات القوة الناعمة، وأن يعود مجدداً للتركيز على إعمال القوة العسكرية المادية ليُحقِّق نوعاً من التوازن أمام إعمال الآلة العسكرية من جانب المنافسين، خاصةً روسيا وإيران.

أضف إلى ذلك أنه إذا كانت أوكرانيا هي خط مواجهة مباشراً بين بريطانيا وروسيا، فإن الشرق الأوسط هو منطقة نفوذ تتصارع عليها القوى الصاعدة (روسيا والصين) مع القوى التقليدية (بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية)، يسهل فيها على بريطانيا استعراض قوتها العسكرية وتنفيذ عملياتها في البحر الأحمر أمام روسيا دون المخاطرة بالدخول في حرب مباشرة معها مثلما هو متوقع في أوكرانيا، وكما هدد الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف.

ولا يختلف الأمر كثيراً في الصراع بين جويانا وفنزويلا؛ حيث الدافع الأساسي هو إحياء "الدور المتقزم" لبريطانيا في منطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية، مقابل مناوأة ورفض النظام البريطاني للنظام الفنزويلي وعدم الاعتراف بشرعية الرئيس مادورو، خاصةً أن المساعدات والتدريبات العسكرية المزمع تقديمها إلى جويانا سوف تتم بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية. ووفق ما ذكره ديفيد لامي وزير داخلية حكومة الظل من حزب العمال، فإن ما أقدم عليه الرئيس الفنزويلي مادورو بالنسبة إلى جويانا، هو بالضبط ما هدد به وأقدم عليه الرئيس الروسي بوتين في أوكرانيا؛ فهي سياسات لأنظمة تسلطية توسعية يجب وضع حد لها.

4. استدعاء الإرث التاريخي البريطاني في إدارة السياسة الخارجية الراهنة: فلا شك أن بريطانيا من الناحية التاريخية أكبر مناوئ لروسيا والصين باعتبارهما "نظامين سلطويين غير ديمقراطيين"، وفقاً للتصنيف الغربي. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تفاءلت القارة الأوروبية بتحول الدول الوليدة إلى النظام الديمقراطي الليبرالي. ومن ثم، فإن محاولة روسيا ضم أي دولة أخرى، تمثل تهديداً لهذه الأنظمة، وعودةً إلى مرحلة الحرب الباردة، واحتمالاً للتوسع الجغرافي وإعادة تشكيل الاتحاد السوفييتي مرة أخرى.

الأمر عينه ينطبق على توظيف القوة العسكرية ضد الحوثيين في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث كانت خلال فترة الحرب الباردة إحدى مناطق النفوذ التي تتنافس فيها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية على استقطاب الدول الحديثة الاستقلال وتقديم الدعم العسكري والمالي لها/ وهو نمط بدأ يبزغ بقوة مرة أخرى في سياسات المنطقة وإدارة التحالفات والتحالفات المضادة.

أما بالنسبة إلى إقليم جويانا، فتاريخياً كان إحدى المستعمرات البريطانية في الفترة من 1831 حتى 26 مايو 1966 عندما استقل الإقليم بموجب اتفاقية وقعتها بريطانيا وجويانا وأُلغِيَت بموجبها اتفاقية ترسيم الحدود بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية عام 1899، وهي الاتفاقية التي كانت تنص على أن إقليم إيسيكويبو تابع لفنزويلا؛ لذلك ما زالت فنزويلا متمسكةً باتفاقية ترسيم الحدود البريطانية–الأمريكية لعام 1899، في حين تتمسك جويانا باتفاقية استقلالها عن بريطانيا لعام 1966 التي تضمن لها كون الإقليم المتنازع عليه جزءاً من أراضيها.

لذلك، من الواضح أن بريطانيا ما زالت تعمل على تقديم الحماية لجويانا بصفتها إحدى مستعمراتها القديمة، وباعتبار بريطانيا حامية وراعية لاتفاقية استقلالها التي كانت هي طرفاً أساسياً فيها. ومن ثم، يمكن القول إن النزعة الإمبريالية البريطانية ما زالت محركاً أساسياً لعقيدة وثقافة صانع القرار البريطاني فيما يتعلق بدعم جويانا عسكرياً أمام فنزويلا، وهي السبب وراء وجود نوع من الحماية التي تحاول بريطانيا ممارستها في الشأن الجوياني.

5. ارتباط مناطق الصراع بالمصالح الاقتصادية البريطانية: لا يمكن إغفال أن العامل الاقتصادي يُمثِّل محدداً مهماً بالنسبة إلى السياسة الخارجية البريطانية، ومن ثم، تشجع لندن على المزيد من الانخراط العسكري؛ فعلى سبيل المثال، تُمثِّل منطقة الشرق الأوسط منطقة استراتيجية لبريطانيا؛ حيث تحصل بريطانيا على 90% تقريباً من وارداتها النفطية من منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن أن البحر الأحمر يمثل بوابة رئيسية بالنسبة إلى السفن التجارية البريطانية، بالإضافة إلى المصالح الاستثمارية العديدة لبريطانيا في دول المنطقة، ومن ثم فإن الانخراط المتزايد في أزمات المنطقة سياسياً وأمنياً، يُعَد ركيزة أساسية لتأمين هذه المصالح الحيوية، خصوصاً في ظل التهديدات التي تواجه هذه المصالح، سواء تلك التهديدات المرتبطة بالخلافات مع روسيا، أو تلك التهديدات المرتبطة بالفاعلين المسلحين من دون الدول، وتهديدهم للأمن البحري.

والأمر ذاته ينطبق على جويانا الغنية بالنفط؛ إذ تُعَد جويانا أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 1.6 مليار جنيه إسترليني في عام 2022. أما قيمة الاستثمار البريطاني المباشر في جويانا فبلغ 11 مليون جنيه إسترليني عام 2021. وفي نوفمبر 2023، فازت شركتان بريطانيتان هما: JE Energy وBB Energy بعقد لتسويق حصة جويانا من النفط الخام.

6. إيجاد مهرب خارجي أمام الرأي العام لتبرير تردِّي الأوضاع الاقتصادية: فقد بدأت الحرب الروسية على أوكرانيا مع بدايات الأزمة الاقتصادية في بريطانيا، وبدايات انحسار وباء كوفيد–19. وتلا ذلك بداية الإضرابات الصناعية في بريطانيا (2022–2023) التي شملت النقل البري بأنواعه، والطيران، والسكك الحديدية، والمدارس، والجامعات، والبريد، والصحة (الأطباء وهيئات التمريض والإسعاف) احتجاجاً على ارتفاع مستويات التضخم، وطلباً لزيادة الأجور بما يكافئ مستويات التضخم.

لذلك وفَّرت الحرب الروسية على أوكرانيا مهرباً مناسباً أمام الرأي العام لتبرير استمرار ارتفاع أسعار المحروقات والسلع الغذائية، ناهيك عن ضرورة رفع ميزانية الدفاع مقارنةً بالقطاعات الأخرى، تحسُّباً لاندلاع حرب إقليمية. علاوةً على ذلك، أدت الحرب الروسية على أوكرانيا إلى توحيد الموقف البريطاني، ساسةً وشعباً، حول ضرورة تقديم الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، ومن ثم خفَّت وطأة المطالبات الاقتصادية والسياسية داخلياً.

ويختلف الأمر قليلاً بالنسبة إلى الانخراط العسكري البريطاني ضد الحوثيين في البحر الأحمر؛ فبدايةً، هناك انقسام في الرأي العام البريطاني حول مساندة بريطانيا المُطلَقة لإسرائيل في حربها على غزة منذ 7 أكتوبر 2023؛ وذلك خلافاً لما عليه الحال في الشأن الأوكراني. أما فيما يتعلق بالعمليات العسكرية، فقد برَّرها سوناك بالحاجة إلى الحفاظ على سلاسل إمداد الأمن الغذائي العالمي، التي تؤثر بالطبع على مستويات الأسعار في الداخل، بالإضافة إلى ضرورة الحفاظ على أمن الملاحة في البحر الأحمر، باعتبار ذلك جزءاً من الالتزام البريطاني بالقانون الدولي للبحار.

7. محاولة حزب المحافظين تعزيز فرصه الانتخابية: ففي استطلاع رأي أجرته مؤسسة YouGov، أكد 80% من المبحوثين البريطانيين دعمهم الجانب الأوكراني، وأيَّد 53% من المبحوثين ضرورة استمرار الدعم العسكري البريطاني لأوكرانيا حتى خروج روسيا منها مهما طال الوقت. ووفق استطلاعات الرأي الحديثة، فإن الفارق الذي يراه الناخب البريطاني بين حزبَي المحافظين والعمَّال في أجندة القضايا الوطنية، يكمن في الدفاع؛ حيث عبَّر 30% من المبحوثين عن ثقتهم بحزب المحافظين في الاضطلاع بمهام الدفاع، في حين حصل حزب العمال على 15% فقط من أصوات المشاركين في الاستطلاع؛ وذلك وفق استطلاع رأي أجرته مؤسسة Ipsos الفرنسية في الفترة 11–13 أكتوبر 2023. وعليه فإن التركيز على الدعم البريطاني لأوكرانيا من أسباب اجتذاب الرأي العام وكسب التأييد الشعبي لصالح حزب المحافظين أمام حزب العمال في الانتخابات البريطانية العامة المقبلة.

وإجمالاً، شرعت بريطانيا في إعمال آلتها العسكرية في مناطق مختلفة، باعتبار ذلك جزءاً من محاولات تقديم نفسها بصفتها مدافعاً عن الديمقراطية والحريات، وتعزيزاً لحضورها على الساحتين الإقليمية والدولية – ما بين الحفاظ على المكانة ومحاولات البناء والاستعادة – غير أن نتائج الانخراط العسكري البريطاني لم تُثمِر – حتى اللحظة على الأقل – إلا عن استمرار النزاع، وربما زيادة حدة توتره؛ فقد هددت روسيا باعتبار أي انتشار لوحدة عسكرية بريطانية على أرض أوكرانيا بأنها إعلان حرب، ولم يتراجع الحوثيون عن استهداف السفن في البحر الأحمر.

وأمر مادورو أكثر من 5600 عسكري بالمشاركة في تدريبات دفاعية رداً على إرسال بريطانيا سفينة حربية إلى جويانا، وقال في خطاب له إن "التهديد الذي تمثله الإمبراطورية البريطانية المتعفنة غير مقبول"؛ أي إن الانخراط العسكري البريطاني يُنذِر بمزيد من التصعيد في مناطق الصراع، ولا يساعد على نزع فتيل الأزمات، علاوةً على أنه ليس من الحصافة السياسية الإقبال على فتح جبهات انخراط عسكري متعددة في آن واحد؛ لأن هذه الانخراطات لا تأتي خاليةً من المخاطر العسكرية والسياسية والاقتصادية التي قد تنال الدول المنخرطة وغيرها.