• اخر تحديث : 2024-04-19 15:15
news-details
تقدير موقف

السنغال: هل أزمة ما قبل الانتخابات تهدد الاستثناء؟


للدول الإفريقية تاريخ عريق في أزمات ما بعد الانتخابات، إلى الحد الذي بات فيه الأمر مصطلحًا على نوعية أزمات معروفة الأعراض، لكن جمهورية السنغال البلد الغرب إفريقي الوحيد الذي لم يعرف انقلابًا عسكريًّا منذ استقلاله عن فرنسا مطلع ستينات القرن الماضي، ظل -وما زال- يفاخر بأنه يمثل الاستثناء، وأن لتجربته من المناعة الذاتية ما يصد عنها فيروسات التشبث بالكرسي التي لطالما هاجمت حكامه منذ ليوبولد سيدار سنغور في ستينات القرن الماضي، حتى ماكي صال في ساعات النزع الأخير.
  
كان المفترض أن يكون يوم الخامس والعشرين من شهر فبراير/شباط 2024 موعد الشوط الأول من انتخابات كان مخاضها عسيرًا إذ عرف حالات نزيف حادة سقط فيها العشرات واعتقل المئات، ولكنه في النهاية لم يكن يوم انتخاب، فقد دخلت البلاد في الساعات التي سبقت الموعد المحدد لانطلاق الحملة الانتخابية أزمة سياسية ودستورية طاحنة كادت تودي بها في مهاوي عدم الاستقرار، قبل أن تستعيد المؤسسات الدستورية زمام المبادرة فتعيد اللعب إلى المربع الدستوري رغم ضيق الوقت وحرجه، وما يظهر أنه ضيق اللاعبين بعضهم ببعض بفعل حدة التدافع داخل المساحة وعلى تخومها المترعة بمفاعيل التسخين وكوامن التوتر.
 
ومع مرور الخامس والعشرين فبراير/شباط دون انتخاب، وحتى دون تحديد موعده، وفي ظل مقاطعة مرشحي المعارضة لمسار الحوارالذي يقترحه الرئيس المنصرف للتوافق على مسار الانتقال، يعيش السنغاليون ومعهم كل منطقة الغرب الإفريقي لحظة ترقب باتت الخشية جدية أن السنغال قد يخرج منها بصورة غير صورة "حامل لقب الاستثناء"؛ ذاك أن الاستثناء وإن لم يسقط فقد اهتزت صورته بقوة.
 
مسار الأزمة والانزلاق الخطير
بدأت جذور الأزمة الحالية في السنغال في وقت مبكر من عمر حكم الرئيس الحالي، السيد ماكي صال، الذي يحتل الترتيب الرابع في الترقيم الرئاسي العام بعد سنغور وعبدو ديوف وعبد الله واد، ولكنه يحتل الرقم الثاني من حيث مدة الحكم بعد الرئيس الأول، ليوبولد سنغور؛ إذ حكم البلاد اثني عشر حولًا، وهاهو يستعد للخروج بعد استحالة مسار التمديد، ومواجهة مسار استخلاف الوزير الأول، آمدو با، مشكلات جدية يعتقد مراقبون أنها أحد أسباب تعقيدات ربع الساعة الأخير من حكم صال.
كانت البداية مع ما يقول معارضون إنه نية مبكرة لدى الرئيس المنتهية ولايته لتجريف الساحة السياسية من المنافسين الجديين؛ إذ:
•غاب كريم واد نجل الرئيس السابق، عبد الله واد، وأقام في الدوحة منفيًّا تلاحقه تهم فساد خلال تولي والده الحكم.
•ودخل السجن عمدة دكار، السيد خليفة صال، مدانًا بقضايا سوء فساد إبان توليه عمادة بلدية دكار التي دخلها وعينه على قصر الحكم.
•وتضررت سمعة إدريسا سك بفعل تصريحات وتسريبات قلصت كثيرًا من حظوظه في المنافسة.
 
وفي الأثناء، سطع نجم برلماني شاب برع في الكشف عن ملفات الفساد والحديث عنها بلغة حارقة لم يعتدها السنغاليون الذين يبالغون في التأنق في التعبير السياسي، ويعتبرون ذلك علامة مميزة وركنًا من أركان الاستثناء، بيد أن قوة حجة ابن إقليم "كازامانس" المضطرب صادفت هوى في نفوس الشباب السنغالي التواق للتغيير فوجد فيها ضالته التي كان ينشد لتتحلق وتتخلق حول الشاب الأربعيني حالة تواقة للتغيير استعصت على الكسر رغم فداحة الأخطاء التي يعترف العديد من أنصار الظاهرة "السونوكية" أن رئيسهم وقع فيها، فجعلت دخوله القصر أشبه ما يكون بعملية كسر عظم لدولة عميقة صنفته خطرًا وغير مؤتمن، وفق بعض تقديراتها، على إدارة دفة الحكم في البلد.
 
وفي خضم الأزمة جاءت الانتخابات التشريعية لتكرس موقع سونكو وحلف المعارضة الذي يقوده منافسًا قويًّا للرئيس ماكي صال الذي لم يكن يومها قد "أفصح" عما يريد في انتخابات 2024، لكن تلك النتيجة لم تغير كثيرًا في مسار تصاعد الأزمة، وإن أجرت بعض التعديل في خيارات المنافسين جعلت كلًّا منهم يحضِّر الخطة (ب) ويضعها موضع التنفيذ.
 
ومع اقتراب نهاية مأمورية ماكي صال تسارعت التطورات؛ فوجد زعيم المعارضة، عثمان سونكو، نفسه في عين عواصف متتالية بدأت باتهامه بجريمة اغتصاب، ومن بعده اتهام بالاعتداء على عنصر أمني، ولاحقًا تهمة بالقذف والتشهير بحق وزير في الحكومة.
 
كان واضحًا أنه لن ينجو من الإدانة بإحدى التهم، وهو ما حصل في النهاية، فتمت الإدانة بتهمة القذف والتشهير، وبإفساد الشباب، وأودع السجن.
 
بعد مسار طويل من التقاضي حكمت المحكمة العليا بحرمان سونكو من الترشح من داخل السجن ناقضة بذلك حكمًا ابتدائيًّا كان قد خوله ذلك.
 
وفي الأثناء، خرج الرئيس ماكي عن صمته، أو ما كان مقربون منه يفضلون تسميته بالغموض الإستراتيجي، معلنًا عدم الترشح برغم ما يعتقد أنه أهلية قانونية وسياسية، مزيحًا الستار عن مرشحه لخوض السباق؛ وزيره الأول، وأحد أبرز المقربين منه، السيد آمدو با.
 
وعلى نفس مقاربة "ترشيح البديل"، تقدم سونكو بترشيح رفيقه السجين معه، بصيرو أفاي، ليكون عنوان تحالف "باستيف" في سباق 2024.
 
اتهام الحكم وتجاذبات المؤسسات الدستورية
وفي لحظة مثَّلت ذروة أزمة "ما قبل الانتخابات"، وجد المجلس الدستوري المخول بالبت في قوائم المرشحين نفسه في موقع الاتهام بعد إصداره القائمة المرشحة لخوض السباق.
 
حملت التهمة غير المسبوقة في تاريخ السنغال توقيع الفريق السياسي الداعم لكريم واد، نجل الرئيس السابق عبد الله واد، وتحدثت عن معطيات عن تلقي اثنين من أعضاء المجلس الدستوري رشاوى لاستبعاد كريم بناء على أنه يحمل الجنسية الفرنسية؛ إذ يحظر الدستور السنغالي ترشح مزدوجي الجنسية لرئاسة الجمهورية.
 
رغم رفض المجلس التهم الموجهة لعضويه إلا أن الرئيس ماكي صال وفريقه السياسي دعما مطلب التحقيق، فصوَّت البرلمان لإنشاء لجنة برلمانية، وأعلن الرئيس تأجيل الانتخابات لغاية استكمال التحقيق، وأقر البرلمان قانونًا يمدِّد الفترة الرئاسية لغاية نهاية العام.
 
لم يمهل المجلس الدستوري الرئيس والبرلمان كثيرًا فأصدر قرارًا:
•يلغي قرار الرئيس تأجيل الانتخابات ويعتبره باطلًا.
•يلزم بإنهاء مأمورية الرئيس في الثاني من أبريل/نيسان باعتبار أن المادة الدستورية المحددة لمدة المأموريات وتعدادها محصنة.
ولم يتأخر تجاوب الرئيس ماكي صال مع قرار المجلس الدستوري كثيرًا، فقد أعلن في اليوم التالي التزامه بقرار الهيئة الدستورية الأعلى في البلد، داعيًا لحوار يتم فيه تحديد الأجل، لكن التعقيد الذي جعل الأزمة مستمرة حتى الآن حصل مع إعلان 16 مرشحًا من أصل 19 رفضهم المشاركة في مسار الحوار، مصرِّين على تنظيم الانتخابات قبل نهاية المأمورية وبنفس القائمة الحاصلة على تزكية الدستوري من قبل.
 
هواجس الطرفين وصعوبة إدارة الخلافات
للنخبة السنغالية تجربة ثرية في إدارة خلافاتها بالحسنى، لكنها تبدو هذه المرة في مواجهة حالة أكثر تعقيدًا من أي أزمة ماضية.
 
فالقطيعة تتسع بين جيلين في السنغال لا يستطيع الأول منهما تصور سياسة خارج منطق الثوابت المستقرة منذ الاستقلال، وخصوصًا في مجال العلاقات الخارجية، في حين يصنف الثاني أغلب تلك الثوابت في دائرة المشكل، ويعتبر الجهر بكسرها أحد أهم بنود برنامجه الانتخابي.
 
وقد اهتزت الثقة حدَّ التهشم بين الطرفين؛ فأنصار سونكو يتهمون السلطة بتدبير "كمائن كيدية" لمرشحهم لتشويه سمعته وصورته، وحرمانه من ممارسة حقوقه السياسية والمدنية، وهي تهمة تنفيها السلطة، وتقول: إنها محاولة للتغطية على حقيقة الطبيعة الشعبوية التي تصفها بغير المسؤولة لزعيم سياسي يسعى للوصول للسلطة، ومع ذلك يحرض على العنف بشكل علني، ويتورط في ممارسات أخلاقية وسياسية غير مناسبة.
 
وخلف كل هذا صراعات قوية بين اتجاهات وجماعات ضغط ونفوذ تسعى كل بسبله أن تكون لها اليد الطولى في التأثير على رئيس السنغال القادم.
 
وتُتداول في وسائط التواصل الاجتماعي تخمينات يصعب التأكد منها عن "أدوار" مفترضة لهذه الجهات، وخصوصًا شركات الطاقة في تغذية التوترات السياسية خلال الأزمة الحالية.
 
ويبقى العنصر الأصعب في كسر حاجز التوتر بين الطرفين هو صعوبة وجود حل يستجيب لهواجسهما.
 
فالرئيس المنتهية ولايته، ماكي صال، يبحث -على الراجح- عن فرصة تسمح بتغيير مرشحه، آمدو با، أو في الحد الأدنى تعزيره بمرشح رديف (يجري الحديث هنا عما يسمى تحالف العائلة الليبرالية التي حُرم أحد أهم مرشحيها، كريم واد، من المشاركة).
⁠أما معسكر سونكو فيبدو معنيًّا بتثبيت الوضع القائم؛ ذاك أنه:
•يرغم الرئيس ماكي على الخروج من السلطة في وضع غير مريح (الراجح أنه سيسلمها لرئيس الجمعية الوطنية ليقود مرحلة انتقالية من ثلاثة أشهر يتم خلالها تنظيم الانتخابات).
•يجعل فرصة فوز بصيرو أفاي أكبر من فرصته في حال فتح باب الترشح من جديد، ودخول منافسين جدد من معسكر السلطة بدلاء عن مرشحها الحالي أو معززين له.
 
اهتزاز الاستثناء
وفي كل الأحوال، ومع أن المؤشرات قوية على أن السنغال يتجه ليخرج من أزمته منتصرًا على مخاطر الانزلاق نحو مربعات الانقلابات والعنف، وبالتالي مدافعًا عن "لقبه" بلد الاستثناء الديمقراطي في الغرب الإفريقي، لكن صورة الاستثناء هاته لم تعد كما كانت، فقد أصابتها أضرار بالغة.
•حين أخفق الفرقاء في إدارة الخلاف دون استخدام العنف والتغيب في السجون.
•ويوم فشلهم في تنظيم الانتخابات في وقتها لأول مرة في تاريخ البلد.
والقلق الآن جدي وكبير إن ترك الرئيس السلطة دون تنظيم الانتخابات، فدخل البلد مرحلة انتقالية، ومعروف هو حجم المخاطر والتحديات المصاحبة للمراحل الانتقالية.