• اخر تحديث : 2024-04-19 15:15
news-details
أبحاث

إيطاليا والاستدارة جنوبًا نحو إفريقيا: دبلوماسية ناعمة وشراكة مستدامة في البحر المتوسط الموسع


في الماضي الاستعماري الإيطالي تترامي إلى مخيال العالم الحر الدول الأربع التي احتلتها إيطاليا ونكَّلت بشعوبها وفق مقاربات كولونيالية أفضت إلى تقسيم القارة الإفريقية إلى مستعمرات للقوى الكبرى، ويتعلق الأمر بدول ليبيا والصومال وإريتريا وإثيوبيا.. ولا تنفك الذاكرة الشعبية تستذكر تلك الخطبة الشهيرة التي انتشرت كالنار في الهشيم لرئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، وهي تكيل السباب وأقذر النعوت للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لتعيره بماضي فرنسا الاستعماري في القارة السمراء.... ولكن على ما يبدو فإيطاليا اليمينية الجديدة تتجه نحو صدارة العالم الأوروبي وفق المؤشرات المالية والنقدية، وهي تحاول تقديم مقاربة تعتمد على التعاون المتكافل القائم على الاستغلال غير المتوحش كما تعبر عنه التوجهات اليمينية الإيطالية الجديدة.

أحدث تنامي شعبية السيدة جورجيا ميلوني إرباكًا سياسيًّا لدى خصومها وتشظيًا في الطبقة الانتخابية وإعادة هندسة للطيف الشعبوي الإيطالي.. فالسيدة استطاعت بذكاء سياسي كبير أن تحول اليمين الإيطالي المتطرف إلى تيار ذي نزعة براغماتية محافظة تحسن التموقع والاستدارة جنوبًا نحو إفريقيا مع المحافظة على موقعها في خارطة الفعل الدبلوماسي الأوروبي خاصة بعد الأزمة الأوكرانية، كما تمكنت من خلال زيارتها المتكررة لإفريقيا من أن تعيد إحياء خارطة -ماتي- في بناء علاقات إستراتيجية مستقبلية مع القارة السمراء وأن تطلق إستراتيجية المتوسط الأوسع الذي يتجاوز المنطقة المطلة على المتوسط إلى عمق القارة الإفريقية ومناطق الشرق الأوسط.

على صعيد القارة الإفريقية قدَّمت ميلوني خطابًا ليس من المعتاد أن يستخدمه سياسيون يمينيون؛ إذ تحدثت عن الغطرسة الغربية، وعن أن الأوروبيين يَعِدون الأفارقة ولا يَفون بوعودهم ولا يعطونهم الاحترام اللائق. وقد قالت بوضوح: إن الأوروبيين يهتمون بإعطاء الدروس للأفارقة بدلًا من مساعدتهم بجدية في حل مشكلاتهم، مؤكِّدة أن سياستها الجديدة في القارة عِمادها أن يصبح التعاون مع إفريقيا "غير مُفترِس وغير إمبريالي"، على حدِّ تعبيرها.

تميَّزت آلية عمل جورجيا ميلوني في سنتها الأولى من الحكم بسِمتَيْن أساسيتين: الأولى هي البراغماتية في التعامل مع المواقف الطارئة دون الجمود الأيديولوجي، والثانية هي الميل إلى الوسط أكثر في سياساتها بدلًا من التشبُّث برؤى اليمين، ومن ثم استطاعت ميلوني توسيع شعبيتها خارج حدود قاعدتها الشعبية اليمينية. وقد نجحت ميلوني في إعطاء انطباع عام في الشارع الإيطالي بأنها امرأة قادرة على ترسيخ الاستقرار بعد سنوات طويلة من الحكومات المتخبطة في دولة تُعرف بكونها من الدول ذات نظام سياسي مستقر.

ومنذ توليها السلطة في أكتوبر/تشرين الأول 2022، أكدت "جورجيا ميلوني" (Giorgia Meloni) على رغبتها في إطلاق خطة تعاون جديدة بين إيطاليا وإفريقيا. وقد جرى تضمين الهدف بالفعل في البرنامج الانتخابي لحزب "إخوة إيطاليا" (فراتيلي دي إيطاليا) للانتخابات البرلمانية، في سبتمبر/أيلول 2022، وخصصت "ميلوني" مقطعًا كاملًا من خطابها الأول في البرلمان للمشروع الضروري للحصول على الثقة من أجل ولادة الحكومة. ولطالما عرَّفت "ميلوني" المبادرة بأنها "مخطط ماتِّيِي من أجل إفريقيا"، وهو تعبير تكرر عدة مرات، ولكن لا يزال لا يُعرف عنه سوى القليل من الناحية العملية. والإشارة هنا إلى "إنريكوماتِّيِي" (Enrico Mattei)،، كان رئيسًا أولًا لشركة "AGIP" (الشركة الإيطالية العامة للنفط) ثم "ENI" الوكالة الوطنية للهيدروكربونات.

إن الإشارة إلى "إنريكوماتِّيِي" تخدم "ميلوني" قبل كل شيء، للتعبير عن رغبتها في إقامة اتفاقيات تعاون مع البلدان الإفريقية ليس على "نماذج مفترسة" ولكن على أشكال "التعاون المتساوي"، وهما تعبيران تستخدمهما غالبًا لوصف المشروع. فمنذ تنصيبها ركزت "ميلوني" بإلحاح على ما يسمى "مخطط ماتِّيِي"، معظمه من وجهة نظر تواصلية، أما من الناحية العملية، فلم يتم توضيح محتويات المخطط وتفاصيله بعد، ولعدة أشهر كان يدور حديث غامض حول هذا الموضوع، على الرغم من أن طاقم رئيسة الوزراء أوضح أن هناك نشاطًا دبلوماسيًّا مستمر يهدف على وجه التحديد إلى إرساء أسس الاتفاقات المختلفة. وقد أمضت "ميلوني" بالفعل الكثير من الوقت في بناء علاقات جيدة مع مختلف القادة الأفارقة، كما قامت بثلاث رحلات مهمة إلى القارة الإفريقية في سنة 2023؛ منها زيارة يناير/كانون الثاني 2023 إلى الجزائر، وفي أبريل/نيسان إلى إثيوبيا، ثم في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه إلى موزمبيق والكونغو. وتُوِّجت هذه الزيارة بالقمة الإيطالية-الإفريقية في روما، في 28 و29 يناير/كانون الثاني 2024.

وتعد القمة الإفريقية الإيطالية التي عُقدت يومي 28 و29 يناير/كانون الثاني في روما، العاصمة الإيطالية، تتويجًا مهمًّا للرغبة الجامحة لإيطاليا في إزاحة منافسيها بشكل تدريجي من القارة الإفريقية، وإعادة التموقع وفق خارطة طريق تجمع في توليفتها بين المصفوفات الاقتصادية والسياسية والأمنية على السواء، فقد أقيمت القمة بحضور أكثر من 23 دولة وحكومة إفريقية و57 وفدًا دوليًّا، وقد كرست هذه القمة مكانة إيطاليا الديبلوماسية، ورغبتها في بناء تموضعات جديدة. وبهذا الصدد شارك رئيس الجمهورية "سيرجيو ماتاريلا"، معطيًا زخمًا كبيرًا للانفتاح. وبذات الاتجاه كشفت "ميلوني" في كلمتها الافتتاحية عن الأرقام الأولى للاستثمار المستقبلي في القارة الإفريقية، مؤكدة أن مخطط ماتِّيِي "يمكِّن من الاعتماد على هبة أولية تزيد عن 5.5 مليارات يورو بين الاعتمادات وعمليات الهدايا والضمانات، منها ما يقرب من ثلاثة مليارات سيتم تخصيصها من صندوق المناخ الإيطالي، ونحو مليارين ونصف المليار من موارد التعاون التنموي".

ومع الاندحار الكبير للمستعمر الفرنسي عقب خروج قواته الأمنية من دول إفريقية في منطقة الساحل سنة 2023، وقيام حلفائه التقليديين ببناء شراكات جديدة، ومع تخفيف العلاقات وإلغاء معاهدة الصداقة بين الجزائر -أكبر متعاون مع إيطاليا في إفريقيا- وإسبانيا تبدو الطريق ممهدة أمام إيطاليا لبناء الشراكة الجديدة القائمة على التعاون الندي المتكافئ، فقد عمدت إيطاليا إلى إدخال سلسلة من التعديلات في مقاربتها السياسية والاقتصادية والأمنية، وكذلك أيضًا العسكرية تجاه إفريقيا، سعت من خلالها إلى الانتقال من الإرث الاستعماري الضاغط بجوانبه المختلفة على العلاقات التي تحكم دول الجنوب مع أوروبا إلى مربع الشراكة.

والواضح من خلال ما سبق؛ أن إيطاليا كغيرها من القوى الأخرى التي تولي اهتمامًا متزايدًا لإفريقيا، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، تُخطط لتعزيز نفوذها في القارة الإفريقية التي تستحوذ وحدها على نحو 2% من إنتاج المعادن عالميًّا (الألماس والذهب خاصة)، كما يبلغ إنتاجها من الطاقة حوالي 2.4 تريليون دولار (يورانيوم ونفط وغاز وهيدروجين أخضر).

وبهذه البيانات والتقاطعات المحيطة بها التي تتباين فيها الأهداف العلنية والسرية، تُحاول إيطاليا بهذه المقاربة الجديدة تجاه إفريقيا التأسيس لمشهد جديد تزدحم فيه الخيارات المفتوحة على كل الاحتمالات.

وبحسب التقارير الإيطالية، فإن أكثر من 40% من سكان إفريقيا لا يحصلون على الطاقة، وترتفع هذه المستويات كثيرًا في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا. ويسلط الوضع في القارة الإفريقية الضوء على العلاقة الوثيقة بين الفقر وعدم استقرار الطاقة، وبالتالي الحاجة إلى حصول الجميع على الطاقة كشرط ضروري للنمو الاقتصادي المستقر. ويمثل دعم كهرباء استهلاك الطاقة، بناءً على المصادر المتجددة، الحل المستدام الوحيد (الذي يتناسب مع مسار اتفاقية باريس)، ولكنه أيضًا الحل الأكثر ملاءمة، لأنه يحد بشكل كبير من العوامل الخارجية السلبية التي تميز التنمية الأحفورية.

ويمثل التغير المناخي في إفريقيا خطرًا محدقًا بالقارة السمراء وبالعالم من حولها، وهو ما سيتم تدارسه في القمة الإيطالية-الإفريقية، فيما أشارت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى قرب تخصيص مليار يورو لتخفيف مخاطر الاستثمارات الخاصة في الأسواق الناشئة، وذلك بالتعاون مع بنك الاستثمار الأوروبي والدول الأعضاء، وأوضحت أن الفكرة تتلخص في جمع مليار دولار من السوق وتوجيهها نحو الاستثمارات.

القارة الإفريقية في الإدراك الإيطالي

تُظهر التقارير الرسمية الدبلوماسية الإيطالية الحالية حجم التركيز على إفريقيا منذ فترة طويلة باعتبارها أولوية قصوى في السياسة الخارجية الإيطالية. في الوقت الحاضر، أصبحت العلاقة مع دول القارة ومنظماتها مبنية على شراكة متكافئة، موجهة نحو التنمية المشتركة لمواجهة التحديات العالمية المتعددة معًا، وبالتالي تجاوز الرؤية التقليدية للمانح والمستفيد. إن اهتمام إيطاليا بإفريقيا يهدف إلى ضمان النمو المتوازن للقارة ومصلحتها الوطنية، وأيضًا ضمن السياق الأوروبي والدولي.

في القارة الإفريقية تتجلى الترابطات الوثيقة بين الاستدامة والسلام ومكافحة الإرهاب والجريمة والاتجار غير المشروع والتنمية والتقدم وتدفقات المهاجرين واللاجئين وتغير المناخ. تُضاف هذه القضايا إلى القضية البالغة المتمثلة في حجم الاستدانة وآثارها على الاقتصاد الإفريقي، وترى إيطاليا في الاتحاد الإفريقي مؤسسة إفريقية إقليمية مهمة، ويتجسد ذلك من خلال حقيقة أن إيطاليا هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي لديها -منذ عام 2018- ممثلها الدائم المخصص بصفة مراقب في هذه الهيئة القارية. وتنشط إيطاليا في بناء السلم في مختلف الهيئات والقوى الأممية الموجودة سواء في القرن الإفريقي، أو في منطقة الساحل وتحديدًا في مالي والنيجر والصومال وإفريقيا الوسطي بالإضافة إلى ليبيا.

تعتمد المقاربة الإيطالية الجديدة على ما تسميه الأدبيات الدبلوماسية الإيطالية: الدبلوماسية المرتكزة على القيم في العمل، وهي أحد أنواع الدبلوماسية الناعمة، وفق تعبير الباحث الإيطالي، فابريزيو لوبازو، والتي تسميها الأدبيات الإيطالية -العدسة التوفيقية- التي تعمل على تطوير أفضل فهم ممكن للعلاقة الإيطالية مع إفريقيا. وذلك من خلال اختيار التعامل مع مواضيع وتعقيدات القارة الإفريقية، وفقًا لمؤشرات "الدبلوماسية الموجهة نحو القيمة" وهو نوع من القوة الناعمة التي تبتغي تحقيق الاستقرار والأمن والتنمية للشركاء الأفارقة وفتح قنوات جديدة لتحسين العلاقات الدولية.

وإذا استمر هذا الاتجاه في العلاقات على مدى السنوات المقبلة، فسوف تتاح لإيطاليا فرصة مهمة لإعادة التأكيد على مكانتها كدولة رائدة في إفريقيا، مع الاضطلاع في الوقت نفسه بدور "بناء الجسور" لصالح الشركاء الأوروبيين والدوليين الراغبين الآخرين، وقد يؤدي هذا أيضًا إلى توسيع فرص الحوار الشامل القائم على الاحترام المتبادل، بهدف إفساح المجال لتبادلات حقيقية ولكن عملية، وللحلول القائمة على التفاوض في مناطق الأزمات (والمناطق ذات الاهتمام الإيطالي) مثل إثيوبيا وليبيا ومنطقة الساحل وإفريقيا وموزمبيق.

إن التركيز على القيم من شأنه أن يؤدي إلى الافتراض الشائع بأن الفهم المتبادل هو الأفضل تدريجيًّا، وهو يؤدي إلى تحسين الفهم وإلى نتائج ملموسة ومثمرة أكثر وخاصة في تلك المجالات.

في نهاية المطاف، فإن "شراكة إيطاليا مع إفريقيا" تمثل لحظة مهمة من التأمل السياسي الذاتي من جانب وزارة الخارجية الإيطالية والسلك الدبلوماسي. ويعتمد هذا أيضًا على التجارب السابقة، بما في ذلك أضواء وظلال تجارب إيطاليا التاريخية في إفريقيا، بهدف تحسين فهم وتكييف السياسة الخارجية الإيطالية الحالية والمستقبلية تجاه القارة. إن هذه المقاربة تعتمد على محور الثقافة عنصرًا إستراتيجيًّا يسعى على المدى البعيد إلى بناء حلول مستدامة خاصة من خلال إعادة تأهيل المؤسسات التعليمية والتربوية والبعثات الطلابية وإعادة رسم صورة المستعمر الناعم الطيب في خطوة لإعادة رسم معالم الذاكرة المشتركة بين إفريقيا وإيطاليا بعيدًا عن الدم والدموع والدماء.

إيطاليا ونظرية القوة المتوسطة الصاعدة

في الأدبيات الموجودة لا يزال الجدل حول الدور الدولي لإيطاليا مستمرًّا، وينقسم العلماء بين من يعتبر البلاد قوة عظمى "ثانوية" وبين من يعتبرها قوة "متوسطة". الاتجاه الأول الذي يتكون في معظمه من باحثين غير إيطاليين، يجادل في قضيته بالرجوع إلى التقييمات الكمية لقدرات إيطاليا الاقتصادية والعسكرية والسياسية والدبلوماسية والثقافية. وعلى النقيض من ذلك، يجادل الآخرون عن موقفهم من خلال التأكيد على سلوك البلاد في المجتمع الدولي.

ومن وجهة نظر سلوكية، تبنَّت إيطاليا موقفًا نموذجيًّا للقوى المتوسطة متعددة الأطراف الملتزمة بالقانون، وكما أكد جيلي وأونجارو ومارون "على الرغم من أنها أكبر حجمًا وأكثر ثراء وأكثر قدرة من الناحية العسكرية مقارنة بالعديد من الدول الأوروبية، لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن البلاد [إيطاليا] لم تكن قادرة على أن تضاهي ألمانيا أو المملكة المتحدة أو فرنسا من حيث النفوذ الدولي. تاريخيًّا، لعبت البلاد دور قوة كبرى بين نهاية القرن التاسع عشر واندلاع الحرب العالمية الثانية، ونتيجة لذلك شهدت تقليصًا في مكانتها وترتيبها وكانت رغبة إيطاليا في الحصول على مكانة دولية بمنزلة هاجس.

منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، تأرجحت السياسة الخارجية الإيطالية باستمرار بين الأطلسية والأوروبية، وغالبًا ما تم رفضها باعتبارها أقل من ثقلها، ولأنها شديدة الخصوصية وغير متسقة. وقد أدت التغييرات المنهجية التي ولدتها نهاية الحرب الباردة والتي تفاقمت بسبب تطورات ما بعد 11 سبتمبر/أيلول، إلى زيادة سعي إيطاليا إلى هوية دولية جديدة أو تصور للدور الوطني. إن الأدبيات المتعلقة بالسياسة الخارجية الإيطالية تصنف البلاد كقوة متوسطة المستوى من حيث استمرار مكانتها وإن سياسة البحث عن المكان هي ما يجعل إيطاليا أقرب إلى القوى المتوسطة الأخرى.

لقد شهد النهج الإيطالي تغيرًا كبيرًا منذ عام 2013 بسبب تعدد العوامل المرتبطة بالتطورات المحلية والدولية. وقد خلقت الموجة الطويلة للأزمة المالية العالمية عام 2008 والأحداث اللاحقة، بما في ذلك إعادة خلط موازين القوى السياسية في شمال إفريقيا، تحديات دولية جديدة لإيطاليا. وفي الوقت نفسه، أدى صعود اليمين في أوروبا بقيادة الأحزاب الشعبوية (حركة الخمسة نجوم) وأحزاب اليمين (حزب الرابطة وإخوان إيطاليا)، إلى دفع البلاد إلى مراجعة إستراتيجية لسياستها الخارجية.

لقد زادت مساعدات التنمية المقدمة إلى إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بشكل كبير خلال الثمانينات؛ حيث احتلت المساعدات الإنمائية الرسمية الإيطالية المرتبة الثانية بعد فرنسا في النصف الأخير من العقد المنصرم.

وعلى الرغم من أن شعار "مساعدتهم في بلدانهم الأصلية" ربما كان قد وفر الأسباب والمجال لتعزيز التعاون الثنائي الإيطالي مع الدول الإفريقية، إلا أن القادة الأفارقة بحاجة إلى إدراك أن البنية التحتية هي عامل مهم لأي إقلاع تنموي كما أن إفريقيا بحاجة إلى استثمارات اقتصادية فعلية من إيطاليا وشركائها الأوروبيين بشكل يدفع الوتيرة التنموية بمنحى تصاعدي.

التموقع في القرن الحادي والعشرين: الرؤية الإيطالية للمعضلات الإفريقية

مع تنامي حالات الاستقرار ودخول أقاليم إفريقية في صراعات وحروب، يُمكن أن يتأثَّر عدم الاستقرار فيها بشكل سلبي من خلال المُنافسة الجيوسياسية التي تنطوي على زيادة القواعد الإستراتيجية البحرية والعسكرية حول مضيق باب المندب، خصوصًا بالنظر إلى وجود ثلاثة صراعات مُتزامنة ينخرط فيها العديد من اللاعبين الدوليين، ويتعلق الأمر بالتنافس بين الصين والولايات المتحدة، والحرب في اليمن، والحرب في أوكرانيا.

تنظر إيطاليا إلى منطقة القرن الإفريقي باعتبارها جزءًا من البحر الأبيض المتوسط الموسع على اعتبار أن القرن الإفريقي جزء مهم في المقاربة الجيوسياسية الإيطالية.

أما بالنسبة لمواقف إيطاليا من النزاعات الأخيرة في المنطقة، فإن روما انتقدت الانقلاب الذي حدث في السودان في عام 2021، ودعت إلى العمل على عودة البلاد إلى عملية الانتقال السياسي بين المدنيين والجيش التي بدأت في عام 2019. وحاليًّا تُشجِّع روما على ممارسة الضغط الإقليمي والدولي من أجل التفاوض السلمي بشأن الأزمة، دون أن توقف اهتمامها بالبلاد بعد أن تنتهي الحالة الطارئة التي تمر بها حاليًّا.

وتتمتع إيطاليا بعلاقة صعبة مع إريتريا بسبب ماضيها كقوة استعمارية في البلاد. ووفقًا للمتابعين، يُستخدَم الخطاب المُعادي للاستعمار من قبل إريتريا من أجل منع مناقشة سجل حقوق الإنسان الخاص بها. وعلى الرغم من عقوبات الولايات المتحدة وعقوبات الاتحاد الأوروبي المفروضة على إريتريا، تحاول إيطاليا الحفاظ على الحوار الثنائي مفتوحًا بين الجانبين وهي بالطبع تدرك المعضلات الأمنية التي يعرفها القرن الإفريقي من خلال ما يُعرف بمعضلات الملاحة البحرية والقرصنة الدولية.

وتعمل إيطاليا على المساهمة في إعادة الإعمار الصعبة في الصومال، وإعادة إدماجها التدريجي في المُجتمع الدولي، وعلى سبيل المثال دعم إلغاء الديون. كما تدعم تشجيع البحث العلمي وتقدم منحًا متزايدة للطلبة الأفارقة.

وفي عام 2019، وقَّعت إيطاليا اتفاقية تعاون عسكري مع إثيوبيا لمواجهة إرهاب الجماعات الجهادية. ومع ذلك، وعندما اندلعت الحرب الأهلية بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي عام 2020، علَّق وزير الدفاع الإيطالي، غوريني، تصدير أي أسلحة أو مواد مزدوجة الاستخدام إلى البلاد، مُطالبًا بإنهاء الأعمال العدائية، وانسحاب القوات الإريترية من إثيوبيا، ووصول المساعدات الإنسانية إلى البلاد، ودَعَمَ تحقيقات الأمم المتحدة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في إقليم تيغراي.

وهناك بعض الاستثمارات الإيطالية في إثيوبيا التي لها آثار جيوسياسية في المنطقة. مثل بدء بناء سد النهضة الإثيوبي العظيم في عام 2011. وبعد استتباب الأمن في إقليم تيغراي قررت إيطاليا استئناف التعاون التنموي مع البلاد، وطرحت على الطاولة 125 مليون يورو لإعادة إعمار البلاد.

كما تعمل إيطاليا على تطوير البنى التحتية، فقد أسهمت شركة "ويبيلد" الإيطالية التي تُعَدُّ من الشركات العالمية الرائدة في مجال الهندسة الهيدروليكية في بناء سدين في إثيوبيا، هما: "جلجل جايب الثالث" على نهر أمو، والذي يُعَدُّ الأكبر في إفريقيا، وسد النهضة على نهر النيل الأزرق.

وضمانًا للأمن الطاقوي، فإن شركة "إينيل جرين باور" الإيطالية التي تعمل في مجال الطاقة المتجددة تستثمر في إقامة محطات للطاقة الشمسية وطاقة الرياح في إثيوبيا. كما تبدي شركة "إيني" الإيطالية اهتمامًا بحقول النفط والغاز الجديدة التي تم اكتشافها في كل من إريتريا والصومال.

هناك ارتباط أكثر من أي وقت مضى بالنسبة لإيطاليا بإرساء الاستقرار في كل من القرن الإفريقي وليبيا؛ حيث تسبب استمرار النزاعات المسلحة لمدة طويلة في الصومال والسودان وإثيوبيا وإريتريا في فرار نحو ثلاثة ملايين شخص من المهاجرين وطالبي اللجوء، إضافة إلى اثني عشر مليون نازح. وهي الورقة التي تنزعج منها الحكومات الإيطالية على الدوام رافضة أي نوع من التوطين السكاني للمهاجرين الفارين من جحيم الحروب والفقر في إفريقيا، وتُعَدُّ علاقة إيطاليا مع ليبيا أساسية لغرض تأمين مصادر إمدادات الطاقة وخطوط الاتصالات البحرية مثل خط أنابيب "جرين ستريم" الذي يُعَدُّ أطول خط أنابيب تحت مياه البحر الأبيض المتوسط لنقل الغاز من ليبيا إلى إيطاليا.

"إن إفريقيا وأوروبا شريكان تجاريان مهمان، ففي عام 2022 بلغت الصادرات من إفريقيا إلى الاتحاد الأوروبي 203 مليارات دولار، في حين بلغت الواردات 174 مليار دولار، وهذه ميزة كبيرة للشركات الإيطالية الراغبة بإجراء أعمال تجارية في إفريقيا"، كما أن "حجم التبادل التجاري بين إيطاليا وإفريقيا بلغ 30 مليار دولار عام 2022"، ومع ذلك، "فإنه لا يمثل سوى 5% من إجمالي التبادل التجاري الإيطالي على مستوى العالم". واختتم بدعوة "القطاع الخاص، الشركات الإيطالية والاتحاد الأوروبي للاستثمار بشكل أكبر في إفريقيا".

الرهان على المنطقة المغاربية في المنظور الإيطالي

تُظهر بيانات وزارة التجارة وترقية الصادرات الجزائرية أن حجم التبادل التجاري الجزائري الإيطالي بلغ 20 مليار دولار. ولا تكمن أهمية الرقم فقط في تضاعف المبادلات التجارية بين البلدين، بل الأهم من ذلك أن روما أزاحت الصين من صدارة أكبر شركاء الجزائر التجاريين.

فمنذ 2013، لم تتمكن أي دولة من التفوق على الصين من حيث حجم المبادلات التجارية التي تجاوزت في السنوات الأخيرة 9 مليارات دولار، معظمها صادرات صينية.

وتُعتبر إيطاليا الزبون الأول للغاز الجزائري، ومع تضاعف أسعار الغاز عالميًّا في 2022 وزيادة الجزائر للكميات المصدرة لإيطاليا من 21 إلى 24 مليار متر مكعب، تحققت هذه القفزة في المبادلات التجارية، مدفوعة بارتفاع قياسي للصادرات الجزائرية نحو إيطاليا. وبعد اكتمال إنجاز أنبوب غالسي لنقل الغاز الطبيعي بين البلدين، وأيضًا الهيدروجين الأخضر والأمونيا الزرقاء والخضراء، بالتوازي مع إنشاء خط لتصدير الكهرباء من الجزائر إلى إيطاليا، وأيضًا فتح مصنع فيات الإيطالي بالجزائر.

إن الجزائر تتعامل مع الشريك بمنطق العلاقات الوثيقة وهي تحفظ لإيطاليا وقوفها إلى جانب الجزائر خلال العشرية السوداء؛ ففي الوقت الذي كانت تعيش فيه الجزائر حصارًا خانقًا كانت إيطاليا الدولة الوحيدة التي ظلت خطوطها الجوية تسيِّر رحلاتها بشكل عادي إلى الجزائر كما بقيت تمارس دور المستثمر الذي لم تدفعه الظروف الراديكالية العسيرة إلى إيقاف استثماراته ونشاطه الاقتصادي.

وقد تصدرت إيطاليا قائمة شركاء ليبيا التجاريين بقيمة 10.17 مليارات يورو خلال الأشهر العشرة الأولى من العام 2023، بنسبة نمو تبلغ 75% عن الفترة نفسها من العام 2021، وبحصة سوقية نسبتها 23.5%، بحسب بيانات نشرتها السفارة الإيطالية لدى ليبيا. وتشير البيانات إلى احتلال الصين المرتبة الثانية بحجم تبادل تجاري يبلغ 4.1 مليارات يورو، تمثل 9.47% من الحصة السوقية، ثم اليونان في الترتيب الثالث بـ3.61 مليارات يورو بنسبة 8.33%، وإسبانيا رابعةً بـ3.56 مليارات يورو بنسبة 8.23%، وألمانيا في المرتبة الخامسة بـ3.11 مليارات يورو بنسبة 7.19%، وتركيا سادسة بـ2.85 مليار يورو بنسبة 6.59%، والولايات المتحدة في المرتبة السادسة بـ2.08 مليار يورو بنسبة 4.8%. وأظهرت البيانات نمو صادرات ليبيا إلى إيطاليا بنسبة 74.74% لتصل إلى 8.41 مليارات يورو، كأول سوق مستهدفة لصادرات ليبيا بحصة سوقية تبلغ 28.09%، متقدمة على إسبانيا بقيمة 3.2 مليارات يورو وبحصة سوقية نسبتها 10.7%، ثم ألمانيا بـ2.70 مليار يورو وحصة سوقية 9.01%، والصين بـ2.33 مليار يورو وحصة سوقية 7.81%14. وترى إيطاليا أن استقرار ليبيا عنصر مهم في استدامة التعاون الليبي-الإيطالي وهي في مقاربتها تدعم الحكومة الشرعية وتقف إلى جانبها لكنها بالمقابل تحث الفرقاء الليبيين على بناء الشرعية السياسية الليبية تمهيدًا لاستقرار الدولة الليبية.

خاتمة

تتمحور إستراتيجية إيطاليا حول بناء موقع فاعل وسط فاعلين مؤثرين تقليديين، مثل فرنسا، وفاعلين صاعدين، على غرار روسيا والصين وتركيا، وفاعلين من متوسطي القوة وفق منطق المدرسة السلوكية في السياسات العامة. ومن الواضح أن إيطاليا تسعى إلى بناء معالم قوة تغييرية مؤثرة في المنظور الإستراتيجي، ويبدو أن إستراتيجية القوة الناعمة مدعومة ببناء الاستثمارات العملاقة مع بناء شبكة علاقات تمكِّنها من التأثير في صناعة القرار الأمني، خاصة ما يتعلق بالملاحة البحرية في القرن الإفريقي، والتصدي للهجرة غير النظامية بآلية تشاركية إفريقية إيطالية، ناهيك عن ضخ ميزانية تقارب ستة مليارات دولار في شكل استثمارات وبنى تحتية تمكِّنها من خلق مؤشرات تنموية في بيئة إفريقية مستقرة.

وفي هذا الصدد، يؤكد رئيس البنك الإفريقي للتنمية، أكينومي أديسينا، أن إفريقيا تحتاج ما بين 130 و170 مليار دولار سنويًّا لتمويل البنية التحتية، مع وجود فجوة بهذا الشأن تصل إلى 108 مليارات دولار سنويًّا؛ إذ يجب التركيز على تطوير البنية التحتية الخضراء بشكل يُمكِّن إفريقيا من زيادة حصتها من السندات الخضراء إلى 2.5 في المئة على مستوى العالم، والاستفادة من نحو 14 مليار دولار في التمويل الأخضر لتعزيز أصول "البنية التحتية الخضراء".

كما أن "التحالف من أجل البنية التحتية الخضراء في إفريقيا" الذي تنشده إفريقيا سيعمم موارده وشراكاته وأدواته لتحويل البنية التحتية القائمة في إفريقيا إلى الطاقة الخضراء، وتبدو الفرصة مواتية لإعادة تدوير الأصول الخضراء، فضلًا عن تطوير الهيدروجين الأخضر ومشاريع الطاقة المتجددة على نطاق واسع مثل "من الصحراء إلى الطاقة" بقيمة 20 مليار دولار لتوفير الكهرباء لـ11 دولة في الساحل عبر أنظمة الطاقة الشمسية.

إن هذه المؤشرات الكمية الكبرى تجعل إيطاليا كقوة متوسطة تدرك أن اختراق القارة الإفريقية وفق مقاربة انفرادية عملية غير مأمونة العواقب، لأن العملية التنموية بالقارة تتطلب مقاربة جماعية وفق صيغة: رابح-رابح، وهي صيغة تتجاوز المنطق الاستغلالي والاستعماري الأوروبي.