• اخر تحديث : 2024-06-21 02:51

على الرغم من مرور عام على الحرب التي شهدها السودان منذ 15 أبريل 2023، فإن بوادر التسوية لا تزال بعيدة المنال. يتحدث البعض عن تكرار السيناريو الليبي والفوضى القادمة في السودان، في حين يطرح البعض الآخر سيناريو حرب الكل ضد الكل بالمعنى الذي قدمه المفكر الإنجليزي توماس هوبز ولا سيما مع دخول أطراف وميليشيات قبلية وأيديولوجية ساحة القتال.
 
وفي الواقع، فإن جوهر الأزمة في السودان أبعد من أن يكون صراعاً على السلطة بين جنرالين، وإن بدا في أحد تجلياته كذلك. إنها في حقيقتها ومبناها تعكس أزمة الدولة المستعصية التي ورثها السودانيون عام 1956 بعد إعلان الاستقلال. ولعلنا نتذكر المحاضرة التي ألقاها المفكر الكيني الأبرز على مزروعي في جامعة الخرطوم عام 1968 عن "الهامشية المركبة" في السودان باعتباره دولة طرفية في كل من العالمين العربي والأفريقي. وعليه، كانت الأزمة في السودان ولاتزال حول الهوية الجامعة ومن يحكم في الخرطوم.
لم يحكم الخرطوم من خارج نخبة الوسط النهرية من جعلية وشايقية ودناقل سوى الخليفة عبد الله التعايشي في أواخر القرن التاسع عشر. وعليه، فإن قدوم عرب الهامش من دارفور وغرب السودان بقيادة محمد حمدان دقلو يستحضر في أذهان أبناء العاصمة المثلثة (الخرطوم وبحري وأمدرمان) شبح الماضي الذي جسده خليفة المهدي لبضع سنين قضاها في سدة الحكم.
 
إن استحضار التاريخ يبين أزمة الهوية التي دفعت إلى تمرد أبناء الجنوب منذ عام 1955 وحتى تحقق لهم الاستقلال عام  2011. كما وقفت وراء ثورة أبناء دارفور عام 2003، ولا تزال كامنة في أقاليم الشرق تبرز حيناً وتخفت أحايين أخرى. ولذلك كانت انتفاضة أهل الهامش على نظام الإخوان المسلمين بزعامة عمر البشير تبشر بفجر جديد من أجل التفاوض على دولة ما بعد الاستعمار ومن خلال أسس جديدة تقوم على المواطنة العادلة والهوية الجامعة.
 
دولة "الكيزان" وأدلجة النخبة النهرية
يبدو أن حكم الإخوان المسلمين الذين سيطروا على السلطة غلاباً عام 1989 من خلال اختراقهم لمؤسسة الجيش التي مثلت "شوكة الدولة "بحسب أدبيات حسن الترابي، قد أضاف بعداً جديداً لدولة ما بعد الاستقلال. فقد أصبح الجيش مؤدلجاً وتحول شيئاً فشيئاً ليصبح في أحد تجلياته شركة اقتصادية.
 
وفي ظل حكم الكيزان، وهو لفظ ينسب للترابي حينما قال: "الإسلام بحر ونحن، أي الإخوان، كيزانه" (والكوز عند أهل النيل هو إناء للشرب) نشأت ميليشيا جديدة تقوم بالحرب بالوكالة في دارفور خلال الفترة 2003-2005. وعليه، فإن السودان سوف يمثل لاحقاً اختباراً مهماً لنظرية سيطرة الميليشيات على الدولة، وإن تغير السياق تماماً عن حالة حزب الله في لبنان أو الميليشيات الشيعية في العراق. لقد وُلدت قوات الدعم السريع بناءً على طلب من حكومة الإنقاذ الإخوانية لشن حملة لمكافحة التمرد، وتم دمجها بشكل فضفاض في جهاز أمن الدولة. ومع ذلك، فإن مراجعة موجزة لكيفية تحول هذه الميليشيا إلى أحد الفاعلين الأكثر نفوذاً في السياسة السودانية تكشف بسهولة عن العمليات والاستراتيجيات المرتبطة باستيلاء الميليشيات على الدولة. لقد كانت الفرصة السياسية التي أدت إلى ظهور قوات الدعم السريع - كما ذكرنا- هي حرب دارفور. خلال هذا الصراع، اعتمد نظام عمر البشير على ميليشيات الجنجويد لمحاربة التمرد من خلال تنفيذ سياسة الأرض المحروقة.
 
في عام 2013، أصدر الرئيس البشير مرسوماً رئاسياً بتسمية تلك المليشيات القبلية بقوات الدعم السريع، كما أوكل تبعيتها لجهاز الأمن والمخابرات الوطني. وفي عام 2017، أُجيز قانون قوات الدعم السريع من البرلمان، وبموجب ذلك أضحت قوات الدعم السريع قوات عسكرية حكومية، تدين بالولاء إلى القائد الأعلى للقوات المسلَّحة أي رئيس الجمهورية، وليس إلى وزير الدفاع المنوط به الإشراف على القوات المسلحة السودانية.
 
ولقيادة هذه القوة، اختار البشير محمد حمدان دقلو، المعروف أيضاً باسم حميدتي. وقد مكّن دعم البشير حميدتي من تنمية قوة ونفوذ قوات الدعم السريع، التي أصبحت مع مرور الوقت بمثابة الحرس البريتوري للبشير اذا استخدمنا السياق الروماني القديم. ألم يقل البشير يوماً: "حميدتي حمايتي".  لقد برزت قوات الدعم السريع كثقل موازن للقوات المسلحة السودانية، إذ نشرت آلاف المقاتلين المتمرسين في القتال في مواقع استراتيجية. وشمل ذلك العاصمة المثلثة والمناطق الحدودية المضطربة ومراكز النشاط الاقتصادي، وأبرزها مناجم الذهب. وفي الوقت نفسه، طورت روسيا روابط مع قوات الدعم السريع من خلال مجموعة فاجنر لتأمين الوصول إلى الذهب السوداني من أجل تجاوز العقوبات الدولية.
 
وبالتالي، توافرت عدة شروط لوجود دولة الميليشيا في حالة قوات الدعم السريع السودانية على النحو التالي:  
 
1- فقد وفرت الحرب الأهلية في دارفور فرصة سانحة. كان الهدف هو الحفاظ على نخبة الجيش ومواجهة التمرد في الجنوب، ومن ثم ترك مسألة مواجهة تمرد أهل دارفور للجنجويد.
 
2- أدى دعم الحكومة السودانية إلى تمكين مجموعة الميليشيات التي صنعتها على عينها من التفوق على جميع الجماعات المسلحة غير النظامية الأخرى، لا سيما فيما يتعلق بالحصول على الموارد المالية والأسلحة؛ واستمرت هذه القوة في تطوير مشاريعها التجارية الخاصة، وذلك لتأسيس والحفاظ على الاستقلال الذاتي عن الدولة السودانية.
 
  3- من الناحية الأيديولوجية، وضع حميدتي قوات الدعم السريع كميليشيا متجذرة في سياق عرب الهامش من الأقاليم الريفية والمناطق الحدودية في السودان، والتي تعارض بشدة أي تحدٍ قادم من الجماعات المسلحة المتمردة أو أبناء الحضر المؤيدين للديمقراطية المتمركزين في الخرطوم ومدن أخرى.  
 
ومع ذلك، كان السعي إلى الاستيلاء على الدولة في السودان أكثر صعوبة في بعض النواحي مقارنة بدول أخرى ضعيفة مزقتها الصراعات، وذلك لسبب بسيط هو أن البشير ونظام الإخوان حكموا بقبضة من حديد. ومن ثم، ابتعد حميدتي عن السياسات الانتخابية، وركز بدلاً من ذلك على زيادة أعداد قوات الدعم السريع وتعميق مشاركتها في تعدين الذهب وتجارته، والتهريب، وغيرها من الأعمال الموجهة نحو الاستيراد والتصدير. لم تعارض حكومة البشير هذه الأنشطة، ربما معتقدة أن قوات الدعم السريع ستكون أقل تكلفة إذا كانت ممولة ذاتياً جزئياً على الأقل. وعلى أي حال، تجدر الإشارة والتوكيد على أن قوات الدعم السريع كانت رسمياً وبحكم القانون تابعة لجهاز المخابرات والأمن الوطني، ومن المرجح أن حميدتي حافظ على علاقات رفيعة المستوى مع كل من الشبكات الاستخباراتية والعسكرية. ومن الواضح أيضاً أنه عندما قرر الجيش أخيراً الإطاحة بالبشير في عام 2019، في مواجهة الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة، لم يعترض حميدتي.
 
 مع بدء التحول الديمقراطي قصير الأمد في السودان، تم تعيين حميدتي نائباً لرئيس مجلس السيادة، وهي المؤسسة المكلفة بالإشراف على المسار نحو انتخابات حرة ونزيهة. كانت أي محاولة لحل قوات الدعم السريع أو تهميش حميدتي من شأنها أن تؤدي إلى اشتباكات كبيرة في الخرطوم ومدن أخرى، مع عدم اليقين بشأن النتيجة.
 
وفي الواقع، بحلول ذلك الوقت، بلغ عدد قوات الدعم السريع نحو مائة ألف أو يزيد وسيطرت على شبكة أعمال تبلغ قيمتها المليارات. ومن المهم تسليط الضوء على أنه في المراحل الأولى من المرحلة الانتقالية بعد البشير، لم يقم حميدتي بأي محاولة للاستيلاء على السلطة بالقوة. وبدلاً من ذلك، وضع قواته كحليف يمكن الاعتماد عليه للجيش. وتجدر الإشارة كذلك إلى أن القوات المسلحة السودانية تمتلك أيضاً شبكة معتبرة من المشاريع التجارية التي تبلغ إيراداتها مليارات الدولارات. ولذلك، كان من المفترض أن تشترك قوات الدعم السريع والجيش في المصلحة من أجل حماية سلطتهم وأصولهم الاقتصادية من مخاطر الانتقال السياسي. وربما يفسر ذلك تنفيذ الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، والذي أنهى فجأة عملية التحول الديمقراطي في السودان.
 
ومع سيطرة نظام عسكري جديد في السودان، انتهج حميدتي أجندة سياسية غير خافية. ومن ذلك أنه سافر في مارس 2022 إلى روسيا لإجراء محادثات مع الكرملين. وفي الوقت الذي شهد السودان قمعاً وحشياً للاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية والتدهور المستمر لاقتصاده، أصبحت قوات الدعم السريع أكثر قوة، مستفيدة من تعدين الذهب والتجارة والتهريب والصفقات التجارية التي تشمل فاجنر والتعامل مع القوات الحاكمة في الشرق الليبي. وهكذا حصلت قوات حميدتي على أسلحة جديدة وجندت المزيد من المقاتلين.
 
ولمواجهة هذه التطورات، قررت القوات المسلحة السودانية دمج قوات الدعم السريع بالقوة في التسلسل القيادي العسكري، ربما خشية من تصاعد نجم حميدتي السياسي. ومع ذلك، فإن قرار الجيش السوداني إعلان المواجهة المسلحة ضد قوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 لم يفشل في تحييدها فحسب، بل قاد هذه القوات، في تحول مفاجئ للأحداث، إلى الاستيلاء على أجزاء كبيرة من الخرطوم وغيرها من المواقع الحيوية الاستراتيجية. هذه النتيجة غير المتوقعة عجلت بحالة الحرب ودفعت بالسودان على الطريق نحو انهيار الدولة. ومن الواضح أنه عندما تدخل سيطرة الميليشيات على الدولة مرحلة متقدمة، قد تحاول مؤسسة الجيش الرد، على الرغم من أن الأوان قد يكون قد فات بحلول ذلك الوقت.
 
تدويل الصراع في السودان
يجسد الوضع في السودان الديناميكيات المعقدة للحرب بالوكالة وتحديات التدخل الدبلوماسي في الصراعات الإقليمية. لقد أصبح السودان ساحة معركة لمختلف القوى الإقليمية لتأكيد نفوذها بشكل غير مباشر من خلال الفصائل المحلية. ويعمل هؤلاء الداعمون الخارجيون على تفاقم الصراع من خلال تعزيز قدرات وكلائهم. ويبدو أن العامل الإيراني كان الأبرز في تقدم الجيش في معركة أمدرمان والسيطرة على مبنى الإذاعة والتليفزيون. ولعل الأمر الأكثر فظاعة هو أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لم يصدر سوى قرار واحد بشأن السودان في العام الماضي، يطلب من الأطراف المتحاربة وقف القتال خلال شهر رمضان المبارك. وتنظر العديد من القوى الإقليمية إلى الصراع في السودان باعتباره جزءاً من صراع أوسع للسيطرة والنفوذ على الموارد الطبيعية والمواقع الاستراتيجية، مثل البحر الأحمر. وهذا البعد الجيوسياسي يؤدي إلى تفاقم التوترات وتعقيد الجهود الرامية إلى إيجاد حل سلمي.
 
وعليه، فإن للصراع في السودان عواقب بعيدة المدى خارج حدوده. إن تدهور البنية التحتية، مثل خطوط أنابيب النفط، لا يؤثر على اقتصاد السودان فحسب، بل يهدد أيضاً استقرار البلدان المجاورة مثل جنوب السودان. بالإضافة إلى ذلك، فإن مشاركة مقاتلين من تشاد، كجزء من قوات الدعم السريع، يمكن أن تؤدي إلى زعزعة استقرار تشاد. وهناك أيضاً خطر استقطاب دول مثل إثيوبيا وإريتريا، مما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي. ومن جهة أخرى من المرجح أن يخلق فراغ الحكم في السودان فرصاً للجماعات الراديكالية  المتطرفة لإنشاء قواعد، مما يشكل تهديداً أمنياً ليس فقط للسودان ولكن أيضاً للدول المجاورة والمنطقة ككل. وهذا يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى الصراع، حيث تصبح مكافحة الإرهاب متشابكة مع معالجة المظالم السياسية والاجتماعية الأساسية.
 
بشكلٍ عام، تسلط الحرب بالوكالة في السودان الضوء على تحديات حل الصراعات في المنطقة بسبب تداخل مصالح الجهات الفاعلة الخارجية، واحتمال امتدادها إلى المنطقة، والتفاعل المعقد بين المخاوف الأمنية والطموحات الاستراتيجية. وستتطلب الدبلوماسية الفعالة بذل جهود متضافرة لمعالجة هذه الديناميكيات الأساسية وإشراك جميع أصحاب المصلحة المعنيين في حوار هادف نحو السلام والاستقرار.
 
مخاطر الفوضى القادمة
 مع دخول الحرب في السودان عامها الثاني، يتطور الوضع بسرعة إلى حالة من الفوضى، مع ظهور مشهد تهيمن عليه الميليشيات مما يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار والسلام. تعمل الميليشيات الإقليمية، المدعومة بالتحالفات مع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، على تفاقم الصراعات القائمة على السلطة في جميع أنحاء محيط السودان. وتؤدي عمليات الإقالة والاستبدال داخل مجلس السيادة، مثل إقالة محمد حمدان دقلو واستبداله بمالك عقار، إلى إضفاء الطابع الرسمي على التحالفات وتوسيع النفوذ في المناطق المتنازع عليها سابقاً مثل جنوب كردفان وأجزاء من ولاية النيل الأزرق.
 
وقد أدت الحرب في دارفور إلى انقسامات داخلية في صفوف الجماعات المسلحة مثل حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، مما أدى إلى تأجيج العنف. كما سلطت المكاسب الاستراتيجية التي حققتها قوات الدعم السريع، لا سيما في المناطق النائية، الضوء على نقاط الضعف التي تعاني منها القوات المسلحة السودانية، حيث أعاق الضعف اللوجستي وتعطل سلسلة التوريد العمليات العسكرية. بالإضافة إلى ذلك، فإن مشاركة تحالفات متنوعة وحشد الميليشيات في مختلف المناطق يثير مخاوف بشأن قدرة السلطات المركزية على الحفاظ على السيطرة ومنع السقوط في فخ الحرب الأهلية. إن هذه الفوضى المتصاعدة لا تهدد آفاق التوصل إلى تسويات عن طريق التفاوض فحسب، بل تؤدي أيضاً إلى تفاقم الأزمات الإنسانية وتخاطر بامتداد الآثار عبر حدود السودان.
 
وبعد عام من القتال، أصبح الوضع داخل السودان بالغ السوء. ويوجد حالياً أكثر من 8 ملايين شخص، نصفهم من الأطفال، نازحون في جميع أنحاء البلاد والمنطقة على نطاق أوسع. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن 18 مليون شخص، أي أكثر من ثلث السكان، يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد. وقد أدت ظروف الحرب إلى إعاقة الوصول إلى عمليات الإغاثة. حوالي 90 في المائة ممن يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عالقون في مناطق النزاع النشط، بما في ذلك الملايين من السكان في ولايتي الخرطوم والجزيرة. لقد تم تدمير القدرة الإنتاجية للبلاد، من المزارع إلى المصانع، مما ترك الاقتصاد في حالة يرثى لها. وبحسب تقييم الأمم المتحدة، يمثل السودان أكبر أزمة نزوح وأكبر أزمة غذائية في العالم اليوم. ولكن حتى من خلال هذه التدابير القاتمة، فإن الوضع بالنسبة لشعب السودان والمنطقة ككل من المتوقع أن يصبح أسوأ بكثير مع استمرار القتال للعام الثاني.
 
إمكانيات الحل التفاوضي
صحيح أن المفاوضات تنطوي على إمكانية تحقيق انفراجة في حل الصراع في السودان، ولكن لا تزال هناك تحديات كبيرة. ولا يخفى أن التعيينات الأخيرة لمبعوثين جدد من قبل الجهات الفاعلة الدولية الرئيسية مثل الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية "إيجاد"، تشير إلى التزام متجدد بإيجاد حل للصراع. وقد ساهمت هذه التعيينات في تنشيط الجهود الدبلوماسية لتأمين وقف إطلاق النار وبدء محادثات السلام. وعلى سبيل المثال فقد عينت "إيجاد" في 26 مارس الماضي (2024) المحامي الجنوب سوداني لورانس كورباندي مبعوثاً خاصاً للسودان. ويتمتع كورباندي، الرئيس السابق للجنة حقوق الإنسان في جنوب السودان، والذي عمل أيضاً كمستشار قانوني للرئيس سلفا كير، بتفويض للتعامل مع أصحاب المصلحة والمساعدة في إيجاد أرضية مشتركة للفصائل المتحاربة، وهو مكلف بوضع آلية تنسيق إقليمية للصراع، في إشارة إلى أن إيجاد تعتزم بدء مفاوضات جديدة مع وسطاء جدد داخل السودان وخارجه. ولعل ذلك مستمد من تجربة اتفاق السلام في جنوب السودان لعام 2015 عندما تمكن سيوم ميسفين الإثيوبي من إقناع السياسيين بالتوقيع على الاتفاق بعد عامين من الجمود.
 
وبالمثل، غيرت الولايات المتحدة موقفها من الحرب في السودان ، وعينت مبعوثاً خاصاً جديداً للسودان هو توم بيرييلو. ويشير التغيير إلى الاعتراف بأن استراتيجية الفصل بين المسار السياسي ومسار وقف إطلاق النار التي اتبعتها مساعدة وزير الخارجية مولي في، والسفير السابق لدى السودان جون جودفري، قد باءت بالفشل. ومن المتوقع أن يتمتع بيرييلو باستقلالية أكبر من سلفه. كما يبدو أن جميع الأطراف بحاجة إلى المشاركة على أساس الجهود الدبلوماسية التي يبذلها الاتحاد الأفريقي وإيجاد، بالتعاون بين جامعة الدول العربية والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والأمم المتحدة والهيئات الإقليمية، التي تشاورت مع أصحاب المصلحة السودانيين وقدمت مقترحات لوقف إطلاق النار. ومع ذلك يتجه الحل في السودان لأن يكون عربياً من خلال ضغط القوى العربية المؤثرة وبدعم أمريكي.
 
ومن الواضح أن مشاركة بعض الدول العربية أمر بالغ الأهمية نظراً لتأثيرها على الأطراف المتصارعة. يمكن أن يوفر ذلك قوة دافعة لتحقيق اختراقات دبلوماسية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات مثل تضارب مسارات الوساطة المختلفة والحاجة إلى التنسيق بين مختلف الجهات الفاعلة. كما تمثل مقاومة القادة السودانيين، وخاصة البرهان وحميدتي، عقبة كبيرة. وقد تؤدي النجاحات العسكرية التي حققها الجيش في الآونة الأخيرة إلى إضعاف استعداده للتفاوض، وهناك شكوك حول التزام الجيش بالتخلي عن التحالفات مع الإسلاميين في عهد البشير، وهو مطلب رئيسي للسلام. وربما تؤدي الخلافات حول شروط وقف إطلاق النار والعملية السياسية إلى زيادة تعقيد المفاوضات.
 
إن الوضع في السودان مأساوي، حيث يواجه الملايين المجاعة والبلاد على شفا الفوضى. هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع المزيد من المعاناة وتحقيق الاستقرار في البلاد. إن استئناف المحادثات في جدة، والتي تضم الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية الرئيسية، يمثل فرصة للضغط من أجل وقف دائم لإطلاق النار وتقديم المساعدة الإنسانية. وبالإضافة إلى مفاوضات وقف إطلاق النار، يجب إعطاء الأولوية للجهود المبذولة لتوفير المساعدات الإنسانية للسكان الضعفاء. يجب على الجهات المانحة استكشاف قنوات بديلة لتقديم المساعدات إذا ظل الوصول إليها مقيداً بسبب النزاع. ويتيح المؤتمر الإنساني القادم في باريس فرصة للعمل المنسق لمعالجة الأزمة.
 
وختاماً، فإن مشاركة دول عربية في مفاوضات جدة بالإضافة إلى الدعم الأمريكي والأفريقي استناداً إلى مفاوضات المنامة بالبحرين في يناير 2024 سوف تجعل حل أزمة السودان عربياً بامتياز. ثمة حاجة ملحة لدى الولايات المتحدة والدول الفاعلة الكبرى لأن يتم احتواء الصراع في السودان ومنع تمدده إقليمياً ولا سيما بمناطق الجوار الهشة من الناحية الجيوسياسية مثل الساحل وجنوب البحر الأحمر. وبينما توفر المفاوضات الأمل لحل الصراع في السودان، فإن النجاح سيعتمد على التغلب على العقبات الداخلية والخارجية، وتنسيق الجهود الدولية، وتلبية الاحتياجات الإنسانية الملحة للسكان. إن المشاركة الدبلوماسية المستمرة، المدعومة بضغوط منسقة من الجهات الفاعلة المؤثرة، ضرورية لتحقيق سلام دائم ومنع المزيد من المعاناة في السودان.