لا يمكن التعامل مع استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 بوصفها مجرد تحديث دوري لوثيقة عسكرية سابقة، ولا كاستجابة ظرفية لتوترات آنية، بل ينبغي قراءتها كإعلان قطيعة فكرية مع مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وإعادة تعريف شاملة لدور القوة في السياسة الدولية الأمريكية. الوثيقة لا تسعى إلى إعادة تشكيل النظام العالمي، بقدر ما تهدف إلى منع تآكله على نحو يضر بالمصالح الأمريكية المباشرة.
التحول الأبرز في هذه الاستراتيجية لا يكمن في تحديد الخصوم، بل في إعادة ترتيب الأولويات، وتغيير منطق استخدام القوة من أداة ردع سياسي إلى وسيلة ضبط مادي للسلوك الدولي. إنها وثيقة تفترض أن مرحلة الغموض الاستراتيجي قد انتهت، وأن ميزان القوى لم يعد يُدار عبر النوايا، بل عبر القدرات والحرمان المتبادل.
سياق الصياغة: لحظة الانكشاف الأمريكي
تأتي الاستراتيجية في لحظة إدراك أمريكي متزايد بأن البيئة الأمنية لم تعد قابلة للإدارة بالأدوات التقليدية. الحرب في أوكرانيا كشفت محدودية الردع القائم على التهديد غير المتبوع بالقدرة على المنع، كما كشفت هشاشة التحالفات حين تُبنى على الالتزام السياسي دون تحمّل الكلفة. في المقابل، واصلت الصين صعودها العسكري والاقتصادي بوتيرة تاريخية، مستفيدة من فراغات استراتيجية أكثر من كونها ناتجة عن مواجهة مباشرة.
في الداخل، لم تعد الحدود، وسلاسل الإمداد، والصناعة الدفاعية مسائل اقتصادية أو إدارية، بل باتت عناصر أساسية في معادلة الأمن القومي. من هنا، تُكتب الاستراتيجية بوصفها وثيقة تصحيح مسار، لا إدارة أزمة.
التحول العقائدي: من الردع إلى المنع
الركيزة الأساسية في استراتيجية 2026 هي الانتقال الصريح من مفهوم الردع إلى مفهوم المنع. الردع يفترض عقلانية الخصم واستعداده لحساب الكلفة قبل الفعل، أما المنع فيفترض قدرة الخصم على المجازفة، ويهدف إلى حرمانه من تحقيق أهدافه بغض النظر عن نواياه.
في المسرح الآسيوي، يتجسد هذا التحول بوضوح من خلال التركيز على بناء دفاع قائم على المنع على امتداد سلسلة الجزر الأولى. الهدف هنا ليس تهديد الصين بالحرب، بل جعل أي محاولة لتغيير الوضع القائم مكلفة ماديًا وغير قابلة للتحقق عمليًا. هذا المنطق لا يسعى إلى الهيمنة، بل إلى فرض توازن قوى صلب، يُدار بالقوة قبل الدبلوماسية، لا بعدها.
الحلفاء: من الشراكة القيمية إلى الشراكة الوظيفية
تعيد الوثيقة تعريف مفهوم الحليف بعيدًا عن الخطاب القيمي الذي ساد العقود الماضية. فالحلفاء، وفق الاستراتيجية الجديدة، ليسوا شركاء في رؤية عالمية مشتركة، بل أطرافًا فاعلة في منظومة تقاسم أعباء واضحة ومحددة.
رفع سقف الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، كما طُرح في قمة لاهاي لحلف الناتو، لا يُعد إجراءً ماليًا بحتًا، بل أداة سياسية لإعادة فرز الحلفاء بين من يساهم في الردع ومن يكتفي بالاحتماء به. الأمن، في هذه المقاربة، لم يعد حقًا مكتسبًا، بل التزامًا متبادلًا مشروطًا بالأداء.
الجغرافيا تعود إلى قلب الاستراتيجية
أحد المؤشرات اللافتة في الوثيقة هو العودة القوية للجغرافيا بوصفها عنصرًا سياسيًا–عسكريًا حاسمًا. التركيز على قناة بنما، وغرينلاند، والمقاربات البحرية، يعكس عودة التفكير الجيوبوليتيكي الكلاسيكي، حيث تُقاس القوة بالسيطرة على الممرات والعُقد الاستراتيجية، لا بالانتشار الرمزي.
الولايات المتحدة لا تعلن نيتها السيطرة، لكنها تؤكد استعدادها لمنع فقدان الوصول. وهذا الفارق الدقيق لغويًا يحمل دلالة استراتيجية عميقة: الدفاع عن النفوذ بات يُدار بوصفه دفاعًا عن شروط الحركة، لا عن مناطق النفوذ التقليدية.
الرسائل الاستراتيجية الثلاث
تبعث الوثيقة بثلاث رسائل متزامنة:
-إلى الصين: واشنطن لا تسعى إلى تطويق أو إذلال، لكنها لن تسمح بفرض وقائع استراتيجية جديدة.
-إلى الحلفاء: زمن الاتكال قد انتهى، والمشاركة في الأمن لم تعد اختيارية.
-إلى الداخل الأمريكي: إعادة بناء القوة في الخارج شرط أساسي للاستقرار في الداخل، وليس عبئًا عليه.
هذه الصراحة غير المألوفة تعكس إدراكًا بأن الغموض لم يعد أداة فعّالة في بيئة دولية تتسم بالتسارع والتسييس المفرط للقوة.
الشرق الأوسط: أمن بلا إدارة أزمات
في الشرق الأوسط، تشير الاستراتيجية إلى تراجع نهج إدارة الأزمات لصالح منطق ضبط السلوك. إسرائيل تُقدَّم كنموذج حليف قادر على الدفاع عن نفسه، بينما تُعاد صياغة التعامل مع الفاعلين من غير الدول، خصوصًا المرتبطين بالإرهاب أو الاقتصاد غير المشروع، بوصفهم أهدافًا أمنية مباشرة لا ملفات سياسية مؤجلة.
الدول الإقليمية مدعوة إلى إعادة تموضع: إما شراكة واضحة المعالم، أو حياد مكلف في بيئة أقل تسامحًا مع الرمادية.
الخلاصة التقديرية
لا تؤسس استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 لحرب عالمية وشيكة، لكنها ترسم ملامح مرحلة شدّ استراتيجي طويل الأمد، تُستخدم فيه القوة كأداة ضبط لا كغاية بحد ذاتها. إنها وثيقة تفاوض بالقوة، تسعى إلى فرض توازن مستقر عبر رفع كلفة المغامرة، لا عبر توسيع نطاق المواجهة.
في هذا المعنى، تمثل الاستراتيجية انتقالًا من وهم إدارة النظام الدولي إلى واقعية ضبط ميزان القوة. وهو انتقال قد لا يضمن السلام، لكنه يعكس قناعة أمريكية بأن البديل أخطر.