• اخر تحديث : 2024-05-24 20:09
news-details
قراءات

استضافت باريس في الذكرى الأولى للحرب التي اندلعت في السودان في 15 إبريل 2023، قمة إنسانية برئاسة كل من فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي. ومن الواضح أن عقد مثل هذه القمة للدول المانحة لدق ناقوس الخطر بشأن الظروف الكارثية التي يعيشها المدنيون السودانيون هو خطوة متأخرة، ولكنها ضرورية لجمع 4.1 مليار دولار -التي طالبت بها الأمم المتحدة- لتلبية الاحتياجات الإنسانية، ودعم أولئك الذين فروا إلى البلدان المجاورة.

ومع ذلك فإن مثل هذه الأموال إن تم جمعها، لن تكون ذات قيمة إذا ظلت تلك المساعدات عالقة في موانئ السودان ومعابره الحدودية بسبب القتال الذي تدور رحاه في مختلف أنحاء البلاد. لقد تم تدمير جزء كبير من العاصمة الخرطوم، وهناك حديث عن أكثر من 15 ألف حالة وفاة وتسعة ملايين نازح. علاوة على ذلك، يعاني نحو 25 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي. ووفقاً لتقدير العديد من المنظمات الإنسانية، يُعد الوضع في السودان حالياً أحد أخطر حالات الطوارئ الإنسانية في العالم.

ويسعى هذا المقال إلى إبراز أهمية الجمع بين المسارين الإنساني والسياسي في التعامل مع حرب السودان، بالإضافة إلى أهمية وجود تكتل عربي إفريقي؛ لوضع نهاية للحرب التي يشهدها السودان منذ نحو عام.

المسار الإنساني:

تم اليوم تعطيل جزء كبير من البنية التحتية الحيوية أو تدميرها بالكامل في كثير من مناطق الصراع في السودان. واضطر المزارعون إلى ترك أراضيهم الزراعية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة تزيد على 80%. ويتهم تقرير للأمم المتحدة، صدر في فبراير 2024، كلا الطرفين المتحاربين بارتكاب جرائم حرب، تشمل هجمات ضد أهداف مدنية مثل: المستشفيات والأسواق ومخيمات اللاجئين. واضطر موظفو أكثر من 3000 منظمة إنسانية، بما في ذلك أكثر من 100 منظمة من الخارج، إلى مغادرة البلاد بسبب القتال.

في جوهره، هدف مؤتمر باريس إلى معالجة أمرين رئيسيين؛ أولاً، توفير الأموال اللازمة للاستجابة للوضع الإنساني في السودان والدول المجاورة، وثانياً، حث أطراف النزاع على إنهاء القتال وضمان الوصول الآمن للمساعدات الإنسانية. ويسلط هذا النهج المزدوج الضوء على الترابط بين الجهود السياسية والإنسانية في معالجة الأزمات المعقدة مثل الأزمة في السودان. والجدير بالذكر أن هذا المؤتمر يختلف عن قمة دولية سابقة عُقدت في باريس في مايو 2021، وركزت على دعم التحول الديمقراطي في السودان. وعلى الرغم من الدعم المقدم خلال تلك القمة، فإن العملية الانتقالية في السودان تعطلت بسبب اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. ويشير هذا إلى سيولة وتعقيد الوضع في السودان وعدم القدرة على التنبؤ به، مما يسلط الضوء على الحاجة إلى استمرار المشاركة والدعم الدوليين لمواجهة التحديات المتطورة التي تواجه البلاد.

المسار السياسي:

ثمة حاجة ملحة لعقد قمة مماثلة لمعالجة حالة الصراع في السودان ودوافعه الخارجية. والأهم من ذلك، أن مثل هذه المحادثات الدبلوماسية يجب أن تشمل العديد من القوى العظمى والمتوسطة؛ الأصدقاء والجيران والمعارضين على حد سواء، الذين تأثرت مصالحهم نتيجة الحرب والذين يتخذون بالفعل إجراءات ملموسة، بشكل مباشر وغير مباشر، لتشكيل نتيجة ترضيهم على أرض الواقع في السودان. إن الفهم المشترك لحقيقة مفادها أن وجود دولة غير مستقرة أو مقسمة بحجم السودان في قلب القرن الإفريقي، وتقع على ضفاف البحر الأحمر، لا يصب في مصلحة أحد على المدى الطويل؛ لعله يدعو إلى تضافر الجهود الدولية والإقليمية لوقف الحرب في السودان وعدم امتداد آثارها في ظل الواقع المضطرب الذي يشهده الإقليم الأوسع.

وفي حين أن نفوذ واشنطن قد تضاءل، وتعثرت عقوباتها الواهية، كما تضاربت مصالحها الاستراتيجية في أماكن ملتهبة كثيرة في الشرق الأوسط وإفريقيا، إلا أنها لا تزال تتمتع بالقدرة على الفعل والإقناع. ويبدو أن إدارة الرئيس جو بايدن، أدركت أن الوقت أضحى مناسباً لاستخدام هذا النفوذ لبناء تحالف دبلوماسي للمساعدة على احتواء الصراع السوداني، ووقف تدفقات الأسلحة وإرسال رسالة مفادها أن السبيل الوحيد للمُضي قُدماً يكمن في المحادثات والحل التفاوضي. ومن غير المُرجح أن يستجيب أي من الطرفين المتحاربين للضغوط الخارجية في البداية، ومن الممكن أن يتجاهلها كل منهما بالكامل؛ إذا لم يتم بذل جهود مخلصة لمنع تدخل بعض الجهات الدولية التي تعمل في أغلب الأحيان خارج النظام الدولي.

من المُرجح أن يكون الطريق للخروج من الصراع في السودان طويلاً، وتبدو قضايا الحكم المدني والانتخابات الديمقراطية اليوم بمثابة أحلام يقظة أكثر من كونها طموحاً جدياً. ومن المؤسف أنه في الذكرى السنوية الأولى لهذه الحرب، يجب أن تكون الأهداف أكثر تواضعاً إلى حد كبير؛ أي إبطاء وتيرة الحرب، وإيقاف إمدادات الأسلحة، وزيادة الموارد الإنسانية، والوصول إلى السكان اليائسين، وإنقاذ الأرواح، وتجنب أسوأ السيناريوهات في السودان. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الأهداف المتواضعة يساعد على توفير الوقت والمساحة لإجراء محادثات أصعب حول إنهاء الحرب، وإقامة حكم انتقالي جديد، وإعادة البناء. ويتعين على المجتمع الدولي أن يؤمن بأنه قادر على البدء في هذه المحادثة قبل مرور عام آخر.

تحالف عربي إفريقي:

منذ انهيار مبادرة جدة للسلام التي دعمتها السعودية والولايات المتحدة، بعد يوم من دخولها حيز التنفيذ في مايو 2023، فشل الوسطاء، على الرغم من الجهود العديدة، في التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو هدنة من شأنها أن تضمن وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق السودان التي دمرتها الحرب؛ وذلك لأن الأطراف المتحاربة لم تحترم التزاماتها، فضلاً عن أن منصة جدة لم تشمل القوى المدنية الفاعلة أو حتى القوى الإقليمية الأخرى ذات النفوذ والمصلحة في السودان. لذا غيرت الولايات المتحدة موقفها، وعينت مبعوثاً خاصاً جديداً للسودان هو توم بيرييلو، في 26 فبراير 2024. ويشير هذا التغيير إلى الاعتراف بأن استراتيجية الفصل بين المسار السياسي ومسار وقف إطلاق النار تكتيك أظهر فشله.

إن النهج الجديد الذي سوف تفصح عنه منصة مفاوضات جدة خلال الأسبوعين المقبلين، يعبر عن شكل من أشكال توحيد المواقف العربية والإفريقية بدعم أمريكي وغربي، وذلك على النحو التالي:

1- من المقرر أن تشارك كل من مصر ودولة الإمارات في مفاوضات جدة بعد أن قامتا بجهود حثيثة في اجتماعات المنامة التي جمعت ممثلين عن الجيش السوداني والدعم السريع في يناير 2024. ويُلاحظ أن القاهرة قامت بحراك واسع من خلال استقبال قائد الجيش، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، ورئيس الوزراء السابق زعيم تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)، عبدالله حمدوك.

2- قيام الاتحاد الإفريقي، في 17 يناير 2024، بتعيين ثلاث شخصيات إفريقية بارزة كأعضاء في لجنة الاتحاد الإفريقي الرفيعة المستوى المعنية بالسودان، هم محمد بن شمباس، الممثل السامي للاتحاد الإفريقي لإسكات المدافع، رئيساً للجنة، وسبيسيوسا وانديرا كازيبوي، نائب رئيس جمهورية أوغندا الأسبق، عضواً في اللجنة، وفرانسيسكو ماديرا، الممثل الخاص السابق لرئيس المفوضية إلى الصومال ورئيس بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال "أتميس"، عضواً في اللجنة. ومن المقرر أن تعمل هذه اللجنة مع جميع أصحاب المصلحة السودانيين والجهات الفاعلة الإقليمية والعالمية، بما في ذلك الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية "إيغاد" والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، لضمان عملية شاملة نحو الاستعادة السريعة للسلام والاستقرار في السودان.

3- على الصعيد السياسي، من المقرر التركيز بشكل أكبر على القوى المدنية المؤيدة للديمقراطية التي برز دورها خلال الانتفاضات التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس السابق، عمر البشير، في عام 2019، بدلاً من التركيز على المجموعات النخبوية المرتبطة بالقوى المتحاربة بشكل أو بآخر.

ختاماً، يُعد مؤتمر باريس خطوة حاسمة في رفع مستوى الوعي العالمي بأزمة السودان المنسية، وتعبئة الموارد لمعالجة الظروف الكارثية التي يعيشها المدنيون السودانيون. ومع ذلك، فإن فعالية المساعدات الإنسانية تتوقف على ضمان الوصول الآمن إلى السكان المتضررين وسط الصراع المستمر. لذلك، من الضروري إيلاء أهمية كبرى للمسار السياسي التفاوضي الذي يضم جميع أصحاب المصلحة الرئيسيين، بما في ذلك القوى الإقليمية والدولية، لمعالجة الدوافع الأساسية لهذا الصراع وسُبل التسوية الملائمة له. وفي هذا السياق، من المُرجح أن تكون منصة جدة، بمشاركة كل من مصر ودولة الإمارات وتمثيل كل من الاتحاد الإفريقي ومنظمة "إيغاد"، أكثر شمولية وتمثيلاً عن ذي قبل.