• اخر تحديث : 2025-08-29 13:42
news-details
مقالات عربية

الرياض تعدم الطائف… وأتباعها في لبنان يوقعون بيان النعي


منذ لحظة توقيع "اتفاق الطائف" عام 1989، ظهرت السعودية كأحد أبرز رعاته ومهندسيه، فكانت تعتبر أن ولادة النظام السياسي الجديد في لبنان هو أحد إنجازاتها الإقليمية الكبرى، لا سيما أنه أنهى الحرب الأهلية وكرّس موازين جديدة أخرجت البلاد من مرحلة الحرب إلى مرحلة "شبه الدولة". لكن بعد ثلاثة عقود، يبدو أن السعودية لم تكتفِ بالتخلّي عن هذا المولود السياسي، بل تخنقه بيديها، عبر دعم مشروع إقليمي يستهدف أحد أهم أعمدة الاتفاق: شرعية المقاومة.
 
لقد نص الطائف بشكل واضح على شرعية المقاومة في وجه الاحتلال الإسرائيلي، واعتبرها جزءاً من الدفاع الوطني المشروع في ظل استمرار الاحتلال لبعض الأراضي اللبنانية. هذا البند لم يكن تفصيلاً في الاتفاق، بل هو من أسس التوازن الذي بُني عليه، وجاء ليحفظ وحدة البلاد أمام التهديد الخارجي. غير أن المشروع الذي تتبناه السعودية اليوم في لبنان – مشروع نزع سلاح المقاومة – يشكّل انقلابًا صريحًا على هذا النص، بل ويُفرغه من معناه السياسي، ويحوله إلى ورقة ضغط لخدمة تحالفات إقليمية.
 
ما يُثير القلق أكثر من تغيّر الموقف، هو الآليات المعتمدة لتنفيذ هذا الانقلاب. فالسعودية لا تتحرّك في لبنان كوسيط أو شريك، بل كقوة تدخلية تستخدم أدوات الضغط المالي والسياسي لتفرض أجندتها. فمن جهة، تعمل على تسويق نزع سلاح المقاومة بوصفه خطوة "إنقاذية" للكيان اللبناني، وتسعى لتأمين غطاء سياسي دولي له عبر الجامعة العربية ومجلس الأمن. ومن جهة أخرى، تقدّم وعودًا مالية ضخمة للجيش اللبناني تحت عنوان "الدعم اللوجستي"، لكنها وعود مشروطة، ترتبط بمدى التزام المؤسسة العسكرية بتنفيذ هذه الأجندة.
 
وإذا كانت النوايا قد تبقى محل نقاش، فإن التجربة اليمنية تزيل كل التباس. فالسعودية، التي دعمت هناك ما سُمّي بـ"الشرعية"، فعلت ذلك فقط لإنتاج نظام بديل تابع لها، لا يتمتع بأي شرعية داخلية حقيقية. جرى تحويل جماعة معارضة فقدت حضورها الشعبي إلى سلطة تُغطّي التدخل العسكري والسياسي السعودي، وكل ذلك تحت مظلة "استعادة الدولة". إلا أن النتيجة كانت فشلًا ذريعًا: دولة منهارة، مؤسسات مفككة، وولاءات تُشترى بالمال لا تُبنى على أسس وطنية.
 
النموذج نفسه يُعاد اليوم في لبنان، وإن كان بلغة لبقة ومنضبطة إعلاميًا. فالعروض السعودية بمساعدة  الجيش ودعم لبنان ماليًا لا تهدف إلى تعزيز استقلاليته، بل إلى تحويله إلى أداة تنفيذ لمشروع سياسي خارجي. ويعلم الجميع أن أي مواجهة للمقاومة من قبل الجيش، في ظل غياب التوافق الوطني، ستؤدي إلى انهيار الثقة بالمؤسسة العسكرية، بل وربما إلى تمزقها، كما حصل في محطات تاريخية سابقة.
 
أخطر ما في المشهد أن السعودية تتحرك في ظل تخبط سياسي داخلي قاتل، حيث أن  حكومة نواف سلام فشلت في كل شيئ  ونجحت في امر واحد هو نحر السيادة الوطنية على مذبح الاحتلال الاسرائيلي والتفريط بقوة الدولة المتمثلة بسلاح المقاومة. وفي ظل هذا الضياع، تنفذ الرياض أجندتها مستفيدة من غياب الرؤية الوطنية، ومن اطراف سياسية محلية تابعة تُنفّذ السياسات السعودية و باعتبارها اوامر ملكيه  لا تُرد، لا سيما بعض من يُصنّفون أنفسهم "سياديين ومستقلين"، وهم الذين يتولّون اليوم نعي الطائف ودفنه، تعبيرا عن الطاعة  والولاء.
 
اللافت أن كل هذه التحركات تتزامن مع تصاعد الضغط الإسرائيلي لإضعاف المقاومة، وكأن المشروع السعودي بات عمليًا يُنفّذ ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه عسكريًا. فإزالة التهديد على الجبهة الشمالية لإسرائيل تُعدّ مكسبًا استراتيجيًا هائلًا، لا يمكن تحقيقه إلا عبر أدوات داخلية تُقنع اللبنانيين بأن ما يُسحب منهم هو عبء، لا مصدر قوة.
 
وهكذا، يتم تسويق المشروع بوصفه مشروعًا سياديًا لإنقاذ الدولة، بينما حقيقته أنه محاولة لوضع اليد على القرار اللبناني، وتحويل لبنان إلى ساحة أخرى من ساحات التبعية لها تمهيدا للتطبيع القادم، دون أي اعتبار لحجم الدمار الاجتماعي والسياسي الذي قد ينجم عن ذلك.
 
في المحصلة، نحن لا نعيش مجرد أزمة سياسية عابرة، بل نحن أمام مشهد تراجيدي تتداخل فيه الخيانة بالتبعية، والخداع بالإغراء، والدعم بالهيمنة. 
السعودية التي كانت بالأمس راعية الطائف، تُجهز عليه اليوم ببرودة قاتل، وحلفاؤها في الداخل يُمسكون المجرفة، يهيلون التراب على الجنين الذي لم يُكمل نضوجه، ويعلنون مراسم الدفن – لا باسم لبنان، بل باسم البترو دولار.