قراءة سياسية استراتيجية في موازين القوى ومستقبل الصراع الإقليمي
هل انتهت حقبة بنيامين نتنياهو، أم أن الانتخابات الإسرائيلية تفتح الباب أمام إعادة تشكيل القيادة السياسية دون تغيير جوهري في الاستراتيجية الإسرائيلية؟
هل يمثل صعود غادي آيزنكوت تحولاً حقيقياً في السياسة الإسرائيلية، أم أننا أمام تغيير في الوجوه والأساليب مع استمرار الأهداف ذاتها؟
وما مصير محور المقاومة في ظل التحولات الإقليمية؟ وكيف ستنعكس نتائج الانتخابات الإسرائيلية على سوريا ولبنان والعراق وإيران، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية؟
وهل نحن أمام شرق أوسط جديد تتراجع فيه أدوار القوى الإقليمية التقليدية، أم أمام مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ وإعادة توزيع موازين القوة؟
هذه أسئلة تتطلب قراءة سياسية تتجاوز الأمنيات والشعارات، وتعتمد على تحليل موازين القوى، وطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، ومصالح الأطراف الإقليمية، والسيناريوهات المحتملة للمستقبل. فالانتخابات الإسرائيلية ليست حدثاً داخلياً فحسب، بل تطور قد تتجاوز انعكاساته حدود إسرائيل إلى فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وإيران، وصولاً إلى الحسابات الأمنية والاقتصادية للدول العربية.
أولاً: هل انتهى نتنياهو سياسياً؟
لا يمكن اعتبار تراجع شعبية بنيامين نتنياهو، أو عجز معسكره عن تأمين أغلبية برلمانية، دليلاً قاطعاً على انتهاء مسيرته السياسية. فالنظام السياسي الإسرائيلي يقوم على الائتلافات البرلمانية، ويحتاج تشكيل الحكومة إلى تأمين 61 مقعداً على الأقل من أصل 120 في الكنيست. لذلك، لا يتوقف مصير نتنياهو على عدد المقاعد التي حصل عليها حزبه وحده، بل على قدرته على التفاوض مع الأحزاب الأخرى، واستقطاب حلفاء جدد، وتأمين أغلبية تستطيع الاستمرار في الحكم. ويمكن تصور ثلاثة احتمالات رئيسة:
نجاح نتنياهو في تشكيل حكومة جديدة من خلال التفاوض مع أحزاب أخرى أو تقديم تنازلات سياسية لشركائه المحتملين.
الاحتمال الثاني: نجاح خصومه في تشكيل حكومة بديلة، بما يعني انتقال السلطة إلى قيادة جديدة.
الاحتمال الثالث: استمرار الانسداد السياسي، بما قد يؤدي إلى مفاوضات طويلة أو أزمة حكومية جديدة أو انتخابات مبكرة.
وعليه، فإن القول إن نتنياهو انتهى سياسياً بصورة نهائية يظل استنتاجاً متسرعاً ما لم تؤكده النتائج الرسمية والتطورات اللاحقة. لكن عجزه عن تشكيل أغلبية مستقرة، إذا تأكد، سيكون مؤشراً إلى تراجع قدرته على إدارة التحالفات التي استند إليها في الحكم.
أما القضايا القضائية التي يواجهها، والضغوط السياسية والدبلوماسية المحيطة به، فتشكل عوامل إضافية قد تؤثر في مستقبله، لكنها لا تكفي منفردة للتنبؤ بسقوطه. فالخسارة الانتخابية المحتملة لا تعني بالضرورة نهاية الزعيم، لكنها قد تمثل بداية تراجع نفوذه وقدرته على فرض شروطه.
ثانياً: هل يمثل غادي آيزنكوت تغييراً حقيقياً؟
من الضروري التمييز بين تغيير رئيس الحكومة وتغيير الاستراتيجية العامة للدولة. فغادي آيزنكوت، الذي شغل سابقاً منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، يمتلك خلفية عسكرية وأمنية مهمة في فهم طبيعة الصراع الإقليمي.
ويرتبط اسمه بعقيدة الضاحية، التي اشتهرت باستخدام قوة تدميرية واسعة ضد البنية التحتية في البيئات التي تصنفها إسرائيل معادية لها. لكن الخلفية العسكرية وحدها لا تكفي للحكم بصورة قاطعة على جميع القرارات التي قد يتخذها أي قائد في المستقبل. فالتحليل العلمي يقتضي دراسة برنامجه السياسي، وتصريحاته، وتحالفاته، ومواقفه من القضايا الأساسية، ثم مقارنة هذه المواقف بالسياسات التي قد تعتمدها حكومته فعلياً.
وقد تختلف القيادات الإسرائيلية في تقدير كلفة الحروب، وحدود استخدام القوة، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، وطريقة التعامل مع الدول العربية، والاستعداد للدخول في مفاوضات سياسية. وقد تؤدي هذه الاختلافات إلى نتائج عملية مهمة، حتى عندما تبقى الأهداف الاستراتيجية العامة متقاربة.
ومن هنا، فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كان آيزنكوت نسخة مطابقة لنتنياهو، بل ما إذا كانت قيادته المحتملة ستؤدي إلى تغيير جوهري في السياسات الإسرائيلية، أم إلى إدارة هذه السياسات بأسلوب مختلف. فتغيير الأشخاص قد يغيّر طريقة إدارة الصراع، لكنه لا يضمن تغيير أسبابه أو أهدافه.
ثالثاً: تراجع نتنياهو لا يعني بالضرورة تراجع التطرف
من الأخطاء الشائعة اختزال السياسات الإسرائيلية في شخصية رئيس الحكومة. فالدولة لا تُدار بواسطة شخص واحد فقط، بل من خلال شبكة من المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأحزاب والتيارات الاجتماعية المؤثرة.
ولهذا، فإن تغيير رئيس الحكومة لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير جميع السياسات التي انتهجتها الحكومة السابقة. ويمكن تفسير استمرار بعض التوجهات الإسرائيلية من خلال ثلاثة عوامل رئيسة:
1. بنية التحالفات السياسية: تحتاج الحكومات الإسرائيلية إلى تحالفات برلمانية، وقد تضطر القيادة الجديدة إلى تقديم تنازلات للأحزاب التي تمنحها الأغلبية.
2. المؤسسة العسكرية والأمنية: تؤثر التقديرات الأمنية والعسكرية في القرارات المتعلقة بالفلسطينيين ولبنان وإيران، وقد تستمر بعض التوجهات الأمنية رغم تغيير القيادة السياسية.
3. البيئة الاجتماعية والسياسية: تؤدي مواقف الناخبين، وتوجهات الأحزاب، وقضايا الأمن والهوية والاستيطان، دوراً في تحديد المساحة المتاحة لأي حكومة لتغيير سياساتها.
ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن جميع القادة الإسرائيليين متطابقون في توجهاتهم، أو أن اختلاف الشخصيات لا يترك أي أثر في السياسات. فقد تؤدي القيادة الجديدة إلى تعديلات في أساليب الحرب، أو العلاقات الدولية، أو التعامل مع الأزمات الإقليمية. لكن الحكم على حقيقة هذا التغيير يتطلب مراقبة القرارات الفعلية، لا الاكتفاء بالخطابات الانتخابية. فالاختبار الحقيقي لأي حكومة إسرائيلية جديدة ليس ما تقوله عن نفسها، بل ما تفعله تجاه الاحتلال والاستيطان والحقوق الفلسطينية وأمن دول المنطقة.
رابعاً: المحكمة الجنائية الدولية والعزلة الدولية
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 تشرين الثاني 2024 مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة.
ويمثل هذا التطور ضغطاً قانونياً ودبلوماسياً مهماً، وقد يؤثر في تحركات نتنياهو الدولية وعلاقات إسرائيل مع بعض الدول. لكن من الضروري التمييز بين صدور مذكرة توقيف والإدانة القضائية النهائية، كما ينبغي عدم افتراض أن جميع دول العالم ستتعامل مع القضية بالطريقة نفسها. فالتعامل مع مذكرات المحكمة يتأثر بالالتزامات القانونية للدول، ومواقفها السياسية، وطبيعة علاقاتها بإسرائيل.
أما الحديث عن العزلة الدولية، فينبغي قياسه بمؤشرات ملموسة، مثل تغير المواقف الحكومية، والعلاقات الدبلوماسية، والتعاون العسكري، والقيود التجارية، والتحركات القانونية الدولية.
وعليه، فإن الأثر الأهم لهذه القضية يتمثل في زيادة الضغوط القانونية والسياسية على نتنياهو وإسرائيل، وليس في ضمان نتيجة انتخابية محددة.
خامساً: هل تمتلك الأصوات العربية داخل إسرائيل وزناً سياسياً حقيقياً؟
تؤثر أصوات المواطنين العرب في عدد المقاعد التي تحصل عليها الأحزاب العربية، كما يمكن أن تؤثر في توزيع المقاعد بين المعسكرات السياسية المتنافسة. وعندما تكون نتائج الانتخابات متقاربة، ولا يمتلك أي معسكر أغلبية واضحة، قد تصبح الأحزاب العربية عاملاً مؤثراً في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة. لكن ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من التأثير:
المستوى الأول:التأثير الانتخابي. ويتمثل في عدد المقاعد التي تستطيع الأحزاب العربية الحصول عليها، ومدى تأثيرها في موازين القوى البرلمانية.
المستوى الثاني: التأثير في تشكيل الحكومة. وقد تتمكن الأحزاب العربية من فرض مطالب معينة إذا كانت أصواتها ضرورية لتأمين الأغلبية، سواء بالمشاركة في الائتلاف أو بتقديم دعم برلماني مشروط.
المستوى الثالث: التأثير في السياسات العامة. وهو الأكثر تعقيداً، لأن الحصول على مقاعد برلمانية لا يعني بالضرورة القدرة على تغيير السياسات المتعلقة بالاحتلال والاستيطان والحرب.
وقد تنجح الأحزاب العربية في انتزاع مكاسب تتعلق بالميزانيات والخدمات والحقوق المدنية، دون أن تتمكن من تغيير السياسات الاستراتيجية تجاه الفلسطينيين. كما أن المواطنين العرب ليسوا كتلة سياسية واحدة بالضرورة، وقد تختلف توجهاتهم الانتخابية وأولوياتهم. لذلك، فإن القول إن أصواتهم بلا قيمة استنتاج غير دقيق، كما أن اعتبارها قادرة وحدها على إحداث تغيير جذري في طبيعة الدولة وسياساتها هو استنتاج مبالغ فيه.
القوة الانتخابية تتحول إلى قوة سياسية فعلية عندما تستطيع تحويل المقاعد إلى تفاوض مؤثر، وتحويل التفاوض إلى قرارات قابلة للتنفيذ.
سادساً: ما مصير محور المقاومة؟
لفهم تأثير الانتخابات الإسرائيلية على محور المقاومة، لا بد من النظر إليه بوصفه شبكة من الدول والقوى والتنظيمات التي تختلف قدراتها العسكرية والسياسية، كما تختلف مصالحها وظروفها الداخلية.
وقد ارتبط المحور تاريخياً بإيران، وبعلاقاتها مع حزب الله في لبنان، وفصائل فلسطينية، وقوى مسلحة في العراق، إضافة إلى الدور الذي كانت تؤديه سوريا في عهد النظام السابق ضمن شبكة النفوذ الإيراني الإقليمية. لكن التعامل مع هذه الأطراف باعتبارها كتلة واحدة متجانسة قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة. فمستقبل كل طرف يتأثر بقدراته العسكرية، ووضعه السياسي الداخلي، وعلاقاته الإقليمية، ومدى قدرته على التكيف مع المتغيرات.
إيران: العامل المركزي في مستقبل المحور
تمثل إيران أهم مراكز الثقل في هذه الشبكة، ولذلك فإن أي تغير في طبيعة المواجهة بينها وإسرائيل والولايات المتحدة ستكون له انعكاسات على بقية الأطراف. ويمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسة:
المسار الأول: استمرار المواجهة. وقد يؤدي إلى مزيد من الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران، مع استمرار محاولاتها الحفاظ على أدوات الردع والنفوذ الإقليمي.
المسار الثاني: الردع المتبادل. وقد تستمر الخصومة السياسية والاستراتيجية، مع محاولة تجنب حرب واسعة ومكلفة.
المسار الثالث: تفاهمات أو تسويات جزئية. وقد تفتح الضغوط العسكرية والاقتصادية الباب أمام تفاهمات محدودة تتعلق بالملف النووي أو أمن المنطقة أو قواعد الاشتباك.
لكن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لا تحدد وحدها مستقبل إيران أو محور المقاومة، بل تؤثر في طريقة إدارة المواجهة ضمن شبكة أوسع من المصالح والضغوط.
حزب الله ولبنان: هل تتغير المعادلة؟
قد تؤدي القيادة الإسرائيلية الجديدة إلى تغيير طريقة إدارة الجبهة اللبنانية، أو طبيعة التهديدات العسكرية، أو مستوى الانخراط الدبلوماسي. لكن لا ينبغي افتراض أن تغيير رئيس الحكومة الإسرائيلية سيؤدي تلقائياً إلى إنهاء التوتر على الحدود اللبنانية. فمستقبل حزب الله يتأثر أيضاً بوضع لبنان الداخلي، والتوازنات السياسية، والقدرات العسكرية، وطبيعة العلاقة مع إيران، وموقف المجتمع الدولي.
ويمكن أن تتجه المنطقة نحو احتواء المواجهة من خلال تفاهمات أمنية وسياسية، أو نحو استمرار الضغط العسكري إذا رأت إسرائيل أن أهدافها الأمنية لم تتحقق. أما لبنان، فإن مصلحته الأساسية تتمثل في استعادة الاستقرار، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتجنب حرب جديدة تزيد من أعبائه الاقتصادية والإنسانية.
العراق والفصائل المسلحة
قد تتأثر الساحة العراقية بأي تصعيد بين إسرائيل وإيران، سواء من خلال التوترات الأمنية أو الضغوط السياسية أو انعكاسات الصراع على الاقتصاد والاستقرار الداخلي. لكن قدرة الدولة العراقية على فرض سلطتها، وتوازناتها الداخلية، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران والدول العربية، ستؤثر في مدى انخراط العراق في الصراع الإقليمي.
الخلاصة أن مستقبل محور المقاومة لن يُحسم برحيل نتنياهو أو بقائه، بل بنتيجة التفاعل بين القدرات العسكرية والضغوط الاقتصادية والتحولات السياسية الداخلية وطبيعة المواجهة بين إيران وإسرائيل.
سابعاً: سوريا في قلب التحولات الإقليمية
تستحق سوريا اهتماماً خاصاً في هذه القراءة، نظراً إلى موقعها الجغرافي، وحدودها مع إسرائيل ولبنان والعراق والأردن، وارتباطها التاريخي بمسارات الصراع الإقليمي. لكن التحليل الدقيق يتطلب التمييز بين سوريا في عهد النظام السابق وسوريا بعد التغيير السياسي الذي شهدته البلاد في كانون الأول 2024. فقد كان النظام السابق يشكل حلقة رئيسية في شبكة النفوذ الإيراني الإقليمية، بينما اتجهت السلطات السورية الجديدة إلى إعادة تموضع الدولة، وتوسيع علاقاتها الإقليمية، ومحاولة تقليل المخاطر التي تهدد استقرارها. وفي ظل هذه التحولات، قد تؤثر الانتخابات الإسرائيلية على سوريا من خلال ثلاثة مسارات رئيسية.
هل تستفيد سوريا من تراجع نتنياهو؟
قد يؤدي تراجع نتنياهو إلى إتاحة فرص دبلوماسية جديدة أمام دمشق، خصوصاً إذا وصلت إلى الحكم قيادة أكثر استعداداً لاستخدام القنوات السياسية لتقليل التوتر. لكن لا ينبغي افتراض أن أي بديل لنتنياهو سيكون بالضرورة أكثر مرونة تجاه سوريا. فالسياسة الإسرائيلية تجاه الأراضي السورية والحدود والأمن الإقليمي ترتبط بحسابات استراتيجية وعسكرية، وليس بشخص رئيس الحكومة وحده. ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: خفض التوتر
قد تتجه الحكومة الإسرائيلية الجديدة إلى تفاهمات أمنية محدودة مع دمشق، إذا رأت أن ذلك يحقق مصالحها ويقلل احتمالات المواجهة.وقد تستفيد سوريا من هذا المسار في تعزيز الاستقرار، وتخفيف المخاطر الأمنية، وتهيئة ظروف أفضل لإعادة الإعمار.
السيناريو الثاني: استمرار الضغط الإسرائيلي
قد ترى إسرائيل أن هشاشة الأوضاع الأمنية في سوريا توفر لها فرصة لمواصلة الضغط العسكري أو فرض ترتيبات أمنية من جانب واحد. وفي هذه الحالة، لن يكون تغيير القيادة الإسرائيلية كافياً لحماية المصالح السورية، ما لم يترافق مع قدرة أكبر على تثبيت الاستقرار، وتوحيد المؤسسات، وبناء علاقات إقليمية ودولية داعمة.
السيناريو الثالث: تفاهمات محدودة دون تسوية شاملة
قد تتوصل الأطراف إلى إجراءات عملية لتقليل احتمالات المواجهة، دون الوصول إلى اتفاق سياسي شامل ينهي الخلافات الجوهرية. وهذا المسار قد يوفر قدراً من الاستقرار، لكنه لن يحل جميع القضايا العالقة.
إن مصلحة سوريا لا تكمن في الرهان على رحيل نتنياهو وحده، بل في تحويل أي تغير سياسي إسرائيلي إلى فرصة لتعزيز أمنها وسيادتها واستقرارها.
هل يؤدي تراجع النفوذ الإيراني إلى إضعاف سوريا أم إلى تعزيز استقلالها؟
هذا السؤال من أكثر الأسئلة تعقيداً في المشهد السوري. فمن جهة، أدى النفوذ الإيراني في عهد النظام السابق دوراً محورياً في شبكة التحالفات العسكرية والسياسية التي ربطت سوريا بطهران وحزب الله. ومن جهة أخرى، فإن تراجع هذا النفوذ لا يعني تلقائياً أن سوريا أصبحت أكثر أمناً أو أكثر قدرة على حماية أراضيها.
فقد يؤدي انخفاض تدخل القوى الخارجية إلى توسيع هامش القرار السوري، لكنه قد يخلق أيضاً فراغات أمنية أو يفتح المجال أمام تنافس قوى إقليمية أخرى. ويتوقف أثر هذا التحول على قدرة الدولة السورية على بناء مؤسسات فاعلة، وضبط الحدود، وتوحيد القرار الأمني والعسكري، وتطوير علاقات متوازنة مع الدول العربية والمجتمع الدولي.
ومن المهم التمييز بين استقلال القرار السوري وتراجع نفوذ دولة إقليمية. فقد يتراجع نفوذ قوة خارجية، لكن ذلك لا يضمن تلقائياً استقلال الدولة أو تعزيز قدرتها على اتخاذ قراراتها. والتحدي الحقيقي أمام سوريا هو بناء دولة قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، لا مجرد الانتقال من محور إلى آخر.
هل تستطيع سوريا الاستفادة من التنافس الإقليمي؟
تمتلك سوريا موقعاً جغرافياً استراتيجياً، لكن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع قوة سياسية. فالاستفادة من التنافس الإقليمي تتطلب رؤية واضحة تحدد الأولويات الوطنية، وتمنع تحويل الأراضي السورية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الخارجية. ويمكن أن تستفيد دمشق من أي انخفاض في حدة التوتر الإقليمي من خلال:
تعزيز أمن الحدود ومنع تحول الأراضي السورية إلى ساحة للمواجهة.
بناء علاقات متوازنة مع الدول العربية والقوى الدولية
استعادة الثقة السياسية والاقتصادية اللازمة لجذب الاستثمارات والمساعدات.
دعم إعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية.
العمل دبلوماسياً على حماية السيادة السورية ومعالجة القضايا الأمنية مع إسرائيل.
تجنب الانخراط في صراعات إقليمية لا تتناسب تكلفتها مع الأولويات الوطنية السورية.
لكن هذه الفرص ليست مضمونة؛ فهي تتوقف على القرارات السورية، ومواقف الدول المحيطة، والظروف الاقتصادية والأمنية. فالمكسب السوري الحقيقي لا يتمثل في انتصار محور إقليمي على آخر، بل في قدرة الدولة السورية على حماية أراضيها، واستعادة قرارها الوطني، وتوفير الأمن والاستقرار لمواطنيها.
ثامناً: كيف ستتأثر الدول العربية الأخرى؟
لا يمكن التعامل مع العالم العربي بوصفه كتلة واحدة تتأثر بالتطورات الإسرائيلية بالطريقة نفسها، فلكل دولة مصالحها وحساباتها وأولوياتها الأمنية والاقتصادية.
مصر: الأمن في غزة واستقرار الحدود
تتأثر مصر بصورة مباشرة بأي تحول في السياسات الإسرائيلية المتعلقة بغزة، نظراً إلى حدودها مع القطاع ودورها في الوساطة. وقد يفتح وصول حكومة إسرائيلية جديدة مجالاً لتحسين التنسيق الدبلوماسي أو تسهيل تنفيذ تفاهمات تتعلق بوقف الحرب والمساعدات وإدارة الأزمة الإنسانية. لكن أي تقدم فعلي سيظل مرتبطاً بالقرارات الإسرائيلية، والمواقف الفلسطينية، والضمانات الدولية، ومدى استعداد الأطراف لتنفيذ الاتفاقات.
الأردن: مخاطر الضفة الغربية والتهجير
ترتبط المصالح الأردنية ارتباطاً وثيقاً بمستقبل الضفة الغربية والقدس، وبمنع أي خطوات تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين إلى الأردن. ولذلك، فإن أي تغير في الحكومة الإسرائيلية لن يكون ذا أهمية كبيرة بالنسبة إلى عمّان ما لم ينعكس على السياسات المتعلقة بالاستيطان والقدس والحقوق الفلسطينية.
لبنان: الاستقرار والسيادة
سيكون لبنان من أكثر الدول حساسية تجاه استمرار التوتر بين إسرائيل وإيران وحزب الله. فأي تصعيد واسع قد يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية إضافية، ويزيد الضغوط على الاقتصاد والدولة اللبنانية. أما خفض التوتر، فقد يتيح فرصة لتعزيز مؤسسات الدولة، ومعالجة الأزمة الاقتصادية، والعمل على تثبيت ترتيبات أمنية أكثر استقراراً.
دول الخليج: الأمن والطاقة والعلاقات الدولية
تراقب دول الخليج التحولات الإسرائيلية في ضوء علاقاتها بالولايات المتحدة، ومخاطر المواجهة مع إيران، وأمن الطاقة والممرات البحرية. وقد يؤدي التصعيد الإقليمي إلى زيادة المخاطر الأمنية والاقتصادية، بينما قد يتيح خفض التوتر فرصاً أوسع للتعاون الاقتصادي والدبلوماسي. لكن هذه الدول ليست متطابقة في حساباتها، وقد تختلف مواقفها وفقاً لمصالحها الوطنية وتقديراتها الأمنية. كما أن أي تقدم في مسار التطبيع الإقليمي سيظل مرتبطاً، بدرجات مختلفة، بمستقبل القضية الفلسطينية والضمانات الأمنية والسياسية المتاحة.
العراق: توازن العلاقات بين إيران والولايات المتحدة والدول العربية
يواجه العراق تحدياً يتمثل في حماية استقراره الداخلي، والحفاظ على علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية، وتجنب التحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية. وقد يزيد أي تصعيد إسرائيلي إيراني الضغوط على بغداد، بينما قد يمنح خفض التوتر الحكومة العراقية مساحة أوسع للعمل على الأولويات الاقتصادية والخدمية. وفي جميع الأحوال، تبقى قوة مؤسسات الدولة العراقية وقدرتها على إدارة التوازنات الداخلية من أهم العوامل المحددة لمستقبلها.
تاسعاً: هل انتهى محور المقاومة أم أنه يمر بمرحلة إعادة تشكّل؟
من الناحية التحليلية، لا يمكن الجزم بأن محور المقاومة انتهى، كما لا يمكن افتراض أنه سيستعيد نفوذه السابق بالضرورة. فالمحاور الإقليمية ليست كيانات ثابتة، بل شبكات علاقات تتغير قوتها وفقاً للموارد المتاحة، والظروف السياسية، والقدرات العسكرية، ومواقف الحلفاء والخصوم. ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمستقبل المحور:
السيناريو الأول: استمرار التراجع: قد يؤدي استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية وتراجع النفوذ الإقليمي إلى انخفاض قدرة بعض أطراف المحور على التأثير في الصراعات الإقليمية.
السيناريو الثاني: إعادة التكيف. قد تعيد بعض الأطراف ترتيب أولوياتها وعلاقاتها، وتغير أساليب عملها، بما يسمح باستمرار نفوذها بدرجات وأشكال مختلفة.
السيناريو الثالث: إعادة التصعيد. قد يؤدي تجدد المواجهة المباشرة أو غير المباشرة بين إيران وإسرائيل إلى زيادة مخاطر الحرب واتساع نطاق التوتر.
ولا يعني أي من هذه السيناريوهات أن جميع أطراف المحور ستتحرك في الاتجاه نفسه. فقد تتراجع قوة طرف، بينما يحتفظ طرف آخر بنفوذه، وقد تتغير طبيعة العلاقات بين هذه الأطراف وفقاً للظروف الجديدة.
أما بالنسبة إلى سوريا، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان المحور سيبقى أو سينتهي، بل ما إذا كانت دمشق ستسعى إلى بناء سياسة خارجية مستقلة تقوم على المصالح الوطنية. فالاستقلال السياسي لا يعني بالضرورة القطيعة مع جميع القوى الإقليمية، كما أن بناء العلاقات معها لا يعني بالضرورة التبعية لها.
المعيار هو قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها، وحماية مصالحها، ومنع الآخرين من استخدام أراضيها أو مواردها بما يتعارض مع أمنها الوطني.
عاشراً: ما السيناريو الأكثر احتمالاً لمستقبل المنطقة؟
لا تسمح المعلومات المتاحة بتحديد نتيجة واحدة مؤكدة، لكن يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
المسار الأول: استمرار التنافس مع تعديلات في الأسلوب.
قد تنجح قيادة إسرائيلية جديدة في تحسين بعض علاقاتها الخارجية أو تعديل أسلوب التعامل مع الأزمات، مع استمرار التنافس الأمني مع إيران والضغط على حزب الله. وفي هذا السيناريو، قد لا يتغير واقع الفلسطينيين أو السوريين بصورة جوهرية ما لم تحدث تغييرات عملية في السياسات الإسرائيلية.
المسار الثاني: خفض محدود للتوتر الإقليمي
قد تدفع الأعباء الاقتصادية والعسكرية والضغوط الدولية ومخاطر التصعيد بعض الأطراف إلى البحث عن تفاهمات محدودة. وقد تستفيد سوريا ولبنان ومصر والأردن من هذا المسار، إذا انعكس على الأمن والحدود والمساعدات والاستقرار الاقتصادي. لكن خفض التوتر لا يعني بالضرورة حل الصراعات الأساسية.
المسار الثالث: تجدد المواجهة واتساعها.
إذا فشلت الجهود الدبلوماسية واستمرت الحسابات القائمة على استخدام القوة، فقد تتجدد المواجهات أو تتسع إلى ساحات إضافية. وسيكون هذا السيناريو مكلفاً لدول المنطقة، ولا سيما الدول التي تعاني هشاشة اقتصادية أو مؤسساتية. أما سوريا، فقد تجد نفسها أمام ضغوط إضافية حتى لو لم تكن طرفاً مباشراً في المواجهة.
والعامل الحاسم في تحديد المسار الذي ستسلكه المنطقة سيكون تفاعل القرارات السياسية مع الحسابات العسكرية والاقتصادية، وليس نتيجة الانتخابات الإسرائيلية وحدها.
الخلاصة: مستقبل سوريا وفلسطين أكبر من مصير نتنياهو
إن الانتخابات الإسرائيلية تفتح مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي، لكنها لا تقدم وحدها إجابة نهائية عن مستقبل المنطقة. فنتنياهو قد ينجح في العودة إلى السلطة، وقد يخرج منها، وقد تضطر إسرائيل إلى تشكيل حكومة مختلفة أو خوض انتخابات جديدة. وفي جميع الحالات، سيظل تقييم التغيير مرتبطاً بما يحدث فعلياً في السياسات، لا بمجرد تغير الأسماء.
أما محور المقاومة، فقد يواجه مزيداً من الضغوط، أو يعيد ترتيب علاقاته، أو يدخل مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي. لكن الحكم على مستقبله يحتاج إلى متابعة تطورات كل طرف على حدة.
وبالنسبة إلى سوريا، فإن الفرصة الاستراتيجية الأهم تتمثل في منع تحويل البلاد إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية، وتعزيز سيادة الدولة، وبناء مؤسسات قادرة على حماية الحدود وإدارة العلاقات الخارجية. وقد يوفر تراجع التوتر فرصة لإعادة الإعمار وتحسين الظروف الاقتصادية، لكن ذلك لن يتحقق من تلقاء نفسه، بل يتطلب سياسات داخلية فاعلة، وعلاقات خارجية متوازنة، وقدرة على التعامل مع التحديات الأمنية.
أما فلسطين، فستبقى القضية المركزية التي ينبغي قياس التحولات الإقليمية على أساس أثرها في حقوق الشعب الفلسطيني ومستقبله. لا يكفي أن يتغير رئيس الحكومة الإسرائيلية كي يتغير واقع الفلسطينيين، ولا يكفي أن يتراجع نفوذ محور إقليمي كي تصبح سوريا أكثر أمناً، ولا يكفي أن تنخفض حدة الصراع كي يتحقق السلام.
إن التغيير الحقيقي يبدأ عندما تتحول التحولات السياسية إلى قرارات عملية تحمي الحقوق، وتحد من الحروب، وتنهي الاحتلال، وتعزز سيادة الدول واستقرارها.
وفي النهاية، فإن السؤال الاستراتيجي الأهم أمام العرب ليس فقط: من سيربح الانتخابات الإسرائيلية؟؛ بل: هل تستطيع الدول العربية تحويل هذه التحولات إلى فرصة لبناء موقف مشترك يحمي مصالحها الوطنية، ويدعم الحقوق الفلسطينية، ويمنع استخدام أراضيها ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية؟
وبالنسبة إلى سوريا تحديداً، هل تنجح في تحويل موقعها الجغرافي وتاريخها السياسي إلى مصدر قوة وطنية، أم تبقى عرضة لتنافس القوى الخارجية؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد مستقبل المنطقة أكثر من اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية، وأكثر من مصير أي محور إقليمي بمفرده. فالدول لا تستعيد قوتها بمجرد تغير خصومها، بل ببناء مؤسساتها، وتوحيد قرارها، وحماية مصالحها، وامتلاك رؤية واضحة لمستقبلها. والسلام العادل لا يتحقق بتبديل الوجوه وحده، بل بتغيير السياسات والوقائع التي أنتجت الصراع.