• اخر تحديث : 2021-06-11 15:35
news-details
مقالات مترجمة

في الأسابيع الأخيرة سُرّبت تقارير كثيرة تحدثت عن لقاءات بين ممثلين إيرانيين وسعوديين، وكذلك عن اتصالات بين إيران ومصر والإمارات والأردن، برعاية رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي. وبحسب التقارير، جرت جولتان من المحادثات المباشرة بين إيران والسعودية برعاية عراقية، وكان على رأس الطاقم السعودي رئيس الاستخبارات خالد الحميدان. رداً على التقارير، امتنع الناطق بلسان الخارجية الإيرانية من تأكيد أو تكذيب الاتصالات، لكنه قال إن بلاده تؤيد الحوار مع السعودية. وبصورة ملموسة أكثر عبّر السفير الإيراني في بغداد عن "دعمه لمساعي الوساطة العراقية بهدف التقريب بين إيران وسائر الدول العربية، وإجراء محادثات مع الدول العربية التي انقطعت العلاقة بها." في هذه الأثناء دار حديث حول زيارة قام بها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى العراق في 26 نيسان/أبريل، حيث من المفترض أنه التقى مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى، وحول زيارات أُخرى قام بها إلى الكويت وقطر وعُمان.

السعودية تشعر بالقلق إزاء حركة إيران والقوات الموالية لها في اليمن، وأيضاً إزاء إنجازاتها في سورية والعراق ولبنان. إيران من جهتها لا تزال تعتبر السعودية خصماً وعنصراً مركزياً في تشجيع السياسة الأميركية ضدها. بالإضافة إلى ذلك ترى إيران في تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين تطورات سلبية في نظرها، وتقدّر أنه على الرغم من عدم وجود تطورات علنية مشابهة في العلاقات مع السعودية، إلا إنه توجد علاقات سرية استخباراتية بينها وبين إسرائيل.

التغيير في توجه البيت الأبيض، سواء حيال حلفاء الولايات المتحدة - السعودية، أو حيال خصمها - إيران، دفع السعودية إلى إجراء تعديلات على سياستها الخارجية تضمنت اتفاق مصالحة مع قطر في كانون الثاني/يناير 2021 واقتراح اتفاق وقف إطلاق النار على الحوثيين في آذار/مارس 2021، وحالياً الحوار مع إيران. في رأس اهتمامات المملكة الحاجة إلى إنهاء الصراع في اليمن، والذي يكبدها ثمناً لا بأس به سياسياً، ويلقي بظلاله على صورتها. وتخشى الرياض من نضوج المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لأنه سيعزز مكانة إيران الإقليمية. من أجل تقليص التداعيات الناجمة عن ذلك على موقعها ونفوذها، المطلوب منها التحاور مع إيران.

على هذه الخلفية، تشكل الاجتماعات التي يجري الحديث عنها تطوراً جديداً منذ قطع العلاقات بين السعودية وإيران في سنة 2016. وبخلاف الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة التي أدت إلى اتفاق 2015، هذه المرة تريد الرياض البقاء في صورة الاتصالات بين الطرفين وتعمل من أجل ذلك. لقد أعربت السعودية علناً عن تأييدها للاتصالات غير الرسمية التي تجري بين إيران والولايات المتحدة في الموضوع النووي، على أن يجري بعد التوصل إلى اتفاقات في الشأن النووي البحث في موضوعات أُخرى مثيرة للقلق، بينها ترسانة صواريخ أرض - أرض، والصواريخ البحرية والمسيّرات الإيرانية، وكذلك نشاط وكلائها في المنطقة. وقد أوضح رئيس شعبة التخطيط في وزارة الخارجية السعودية أن العودة إلى الاتفاق النووي من دون معالجة مسألة الصواريخ الإيرانية ودعم إيران أطرافاً إقليمية تزعزع الاستقرار، لن تقدر على الصمود. بناء على ذلك، يجب أن تكون العودة إلى الاتفاق النووي خطوة أولى لضم أطراف إقليمية بهدف توسيع بنود الاتفاق والتأكد من أن الأموال التي ستحرَّر بعد رفع العقوبات عن إيران لن توجَّه نحو زعزعة الاستقرار الإقليمي.

بالنسبة إلى إيران، تسوية العلاقات مع الرياض هي للمساهمة في تقليص تداعيات التطبيع بين الإمارات والبحرين وبين إسرائيل، وتقليص أجواء المواجهة في الخليج، وتحسين موقع إيران الإقليمي. ينسجم هذا كله مع السياسة الإيرانية المعلنة التي تعارض مطالب الولايات المتحدة والدول الأوروبية بتوسيع النقاشات بشأن الاتفاق النووي لتشمل الصواريخ وسياستها الإقليمية، مع التشديد على أنه يجب مناقشة المسائل الإقليمية مع الأطراف الإقليمية فقط. الحوار بين السعودية وإيران، على افتراض أنه سيستمر ويتقدم، يشكل تطوراً مهماً جداً، وإيران تستغله أيضاً من أجل تحسين موقفها في الحوار مع واشنطن، وفي سعيها لرفع العقوبات عنها وتحسين وضعها الاقتصادي.

السعودية تتطلع في الأساس إلى التوصل إلى اتفاقات ملموسة تؤدي إلى إنهاء الحرب في اليمن وهجمات الحوثيين عليها. الرياض التي تتعرض منذ سنوات لهجمات مستمرة من اليمن والعراق وإيران ضد منشآتها الاستراتيجية، بينها منشآت النفط الأكثر أهمية في العالم، قدمت إلى الحوثيين اقتراحاً سخياً لإنهاء الحرب. تشير أرقام الجيش السعودي أنه منذ بدء الهجوم السعودي على اليمن في مطلع آذار/مارس 2015 وحتى شباط/فبراير 2021 تعرضت السعودية لـ860 صاروخ أرض -أرض ومسيّرة. في أيلول/سبتمبر 2019 في أبقيق، وفي آذار/مارس هذه السنة في رأس التنورة، نفذت إيران هجوماً بالصواريخ والمسيّرات والأسلحة البحرية وأصابت أهم منشآت إنتاج النفط في السعودية. السعوديون لم يتهموا إيران مباشرة إدراكاً منهم لموقفهم الدوني مقارنة بإيران. فعلى الرغم من عمليات الشراء الكبيرة للسلاح على مر السنين لا تملك السعودية قدرة دفاعية كافية، هذا من دون الحديث عن قدرة هجومية. الحرب في اليمن تحولت إلى مسألة خلاف حاد أيضاً مع واشنطن التي تنظر بجدية إلى خطورة الوضع الإنساني في اليمن.

يشير الكلام الصادر في 28 نيسان/أبريل عن ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي محمد بن سلمان إلى حدوث تغيير مهم في السياسة السعودية، على الأقل المعلنة، فيما يتعلق بإيران. في هذه المرحلة الأولى من الاتصالات بين البلدين من الصعب تقدير فرص نجاحها. كما في الماضي، هذه الاتصالات يمكن ألّا تنضج، وحتى لو جرى التوصل إلى تسوية العلاقات بين السعودية وإيران فإنها لن تكون جوهرية. الترسبات السلبية بين الطرفين عميقة والأسباب الأساسية للعداء لن تختفي، حتى لو دفعت الظروف المتغيرة في المنطقة الطرفين إلى إعادة تموضعهما والتخفيف جزئياً من التوتر بينهما. الخصومة التي تُعتبر مكوناً بارزاً في الوضع الإقليمي مصدرها الخلاف الجيو - سياسي الممزوج أيضاً بوجهات نظر أيديولوجية. المنافسة على النفوذ الإقليمي تجري في الأساس في ساحات متعددة بواسطة حلفاء ووكلاء الطرفين. (الحديث عن الاتصالات يثير مخاوف الميليشيات الشيعية الموالية لإيران التي تعمل في العراق، في ضوء إمكان أن تساهم هذه الاتصالات في المحاولات الرامية إلى دمجهم في الجيش العراقي وتقليص قوتهم المستقلة. وكان قائد كتائب حزب الله أوضح عدم رضاه عن المحادثات، معلناً أن تنظيمه لا يشكل جزءاً منها، وهو ما يعني أنه غير ملزم بالاتفاقات التي ستنجم عنها لأنها ستُضعف موقفه).

حدوث حوار سعودي - إيراني لا يعني أنه يشكل تغييراً استراتيجياً في التوجه المبدئي إلى تحسين العلاقات مع إسرائيل، التي تربطها علاقات رسمية وغير رسمية بعدد من دول الخليج في موازاة علاقات هذه الدول بإيران. مع ذلك، في مقابل الخط الهجومي الذي تتبناه القدس فيما يتعلق بالمفاوضات مع إيران، كما فيما يتعلق بنشاطها الإقليمي، يبرز خط متهاون، إن لم نقل متساهلاً، تتخذه دول الخليج العربية إزاء إيران وإدارة بايدن. علاوة على ذلك، فإن تقارباً سعودياً - إيرانياً (بالإضافة إلى التقارب المدروس بين الإمارات وإيران) يشكل شرخاً مهماً في الجبهة المعادية لإيران، والتي سعت إسرائيل لتحقيقها. والأهم من ذلك أنه سيزيل عنصراً مركزياً من الجبهة المعارِضة للعودة الأميركية إلى الاتفاق النووي.