• اخر تحديث : 2024-06-21 02:51
news-details
مقالات مترجمة

مع عدم وجود نهاية تلوح في الأفق، سيضع الصراع في السودان ضغوطًا كبيرة على البنية التحتية الاقتصادية والسياسية والأمنية لمصر.

يشكّل النزاع المسلح في السودان بين قوات الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقائد القوات شبه العسكرية النافذ، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، خطرًا متعدد الأبعاد يهدد الاستقرار والأمن في مصر، وسيزداد حدة مع استمرار الصراع. لقد فاقم الصراع الدائر في الدولة المجاورة تدفق المهاجرين السودانيين وخطر توغل الجماعات المسلحة عبر الحدود والمخاوف بشأن أمن المياه. ولا يملك الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، خيارات عملية تُذكر لمواجهة هذه التهديدات السودانية التي تطال الاستقرار، لا سيما وأن الإمارات تدعم الطرف الآخر في هذا الصراع المستعصي.

مشكلة المهاجرين المتنامية

لا يخفي المسؤولون المصريون تخوفهم من أعداد المهاجرين السودانيين الهائلة التي ستتدفق إلى البلاد. وفي هذا الإطار، تشير بيانات حكومية وردت في تقرير صادر عن "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" إلى أن مصر كانت تستضيف في 7 حزيران/يونيو 2023 نحو 210 آلاف لاجئ أو طالب لجوء سوداني. وقبل الصراع أيضًا، استضافت مصر حوالي تسعة ملايين مهاجر دولي، من بينهم أربعة ملايين سوداني.

لقد اضطرت مصر إلى مواجهة هذا التدفق المستمر للمهاجرين في وقت حرج تعاني فيه البلاد من صعوبة في إدارة الأزمة الاقتصادية الحادة المترافقة مع تضخم مرتفع وديون خارجية تثقل كاهلها. وترتفع أيضًا تكلفة المساعدات الإنسانية والتعليم والخدمات الأخرى المقدمة للاجئين المسجلين لدى "المفوضية"، مع العلم أن المساعدات الدولية لا تكفي إطلاقًا لتلبية الاحتياجات المحلية.

لا تقتصر تداعيات تدفق المهاجرين السودانيين على عبء مالي لا تستطيع مصر تحمله. فالبنى التحتية في القاهرة تنهار بمعظمها، والموارد المائية في البلاد تعاني بالفعل من الاستغلال المفرط، والآفاق القاتمة قد تزداد سوءًا بالنسبة إلى ملايين المصريين العاطلين عن العمل بسبب ارتفاع الطلب على التوظيف. وقد تضطر القاهرة في نهاية المطاف إلى "إغلاق" حدودها الجنوبية رسميًا أمام المهاجرين الجدد وتسبب بالتالي في دخول نسبة أكبر من العائلات إلى مصر بدون تسجيل.

بالإضافة إلى ذلك، تهدد أزمة المهاجرين رأس المال السياسي الذي اكتسبته مصر في أوروبا. لغاية الآن، تمكنت مصر إلى حدّ كبير من منع الهجرة إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط انطلاقًا من شواطئها وردعها، بخلاف جيرانها مثل ليبيا والجزائر وتونس، ولكن السلطات المصرية قد تجد صعوبة في الحفاظ على سجلها هذا مع ازدياد أعداد المهاجرين.

الإرهاب والأمن المائي

في الوقت عينه، تتعرّض مصر بسبب الحرب بين حميدتي والبرهان لخطر ازدياد عمليات تسلل الجماعات المسلحة ومهربي الأسلحة والمتجرين بالبشر عبر الحدود. وبمعزل عن الضغوط المصرية، قد يضطر البرهان إلى التخفيف من الإجراءات الأمنية أو إهمالها في الجانب السوداني على طول الحدود مع مصر بينما يحشد موارده العسكرية لهزيمة قوات الدعم السريع التابعة لحميدتي. وعلى الرغم من أن الجانب المصري يخضع لحراسة شديدة، يبلغ طول الحدود المصرية السودانية 1276 كيلومترًا ولا يصعب أبدًا اختراقها.

تعرف مصر تمام المعرفة كيف يمكن للجهاديين استغلال الفراغ الجزئي أو الكامل الناجم عن النزاع المسلح والحكم الضعيف في الدول المجاورة. على مدى سنوات، نفذت جماعة "المرابطون" المرتبطة بتنظم "القاعدة" في ليبيا عمليات عبر الحدود استهدفت قوات الأمن المصرية. وتم تحييد الجماعة بعد القبض على هشام عشماوي، زعيمها الواسع الحيلة والضابط السابق في القوات الخاصة في الجيش المصري، في تشرين الأول/أكتوبر 2018، في إطار عملية تخللتها هجمات دامية متعددة شنّها "المرابطون".

لا يضم السودان جماعات جهادية حاضرة بقوة تعتبرها مصر أهدافًا رئيسية، ولكن يبرز قلق من جرّاء الدعوات للحرب الجهادية ضد الدولة السودانية التي يطلقها أحد أيديولوجيي "القاعدة" والدعوات المماثلة على قنوات "الدولة الإسلامية" على تلغرام التي تحث المناصرين على استغلال الصراع ومصادرة الأسلحة. وأُفيد أن الحكومة المصرية قلقة من أن تستعيد جماعة الإخوان المسلمين في السودان قوتها وسط الصراع المحتدم وأن تسعى إلى زعزعة استقرار السيسي بأي وسيلة كانت.

تفاقم الحرب في السودان مسألة استراتيجية خطيرة تثير قلق القاهرة، وهي الوصول غير المقيد إلى مياه النيل التي تلبي ما لا يقل عن 95 في المئة من احتياجات الاستهلاك المصري. لقد أضعف الصراع في السودان مساعي مصر غير المثمرة للتأثير على إدارة سد النهضة الذي بنته أثيوبا على نهر النيل، وحرم الصراع العنيف بين البرهان وحميدتي الرئيس السيسي من شريك موثوق فيه للضغط على الصعيدين الإقليمي والدولي بهدف حماية مصالح مصر والسودان في مجال الأمن المائي باعتبارهما دولتي المصب.

ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في مدى اعتماد مصر على السودان للضغط على إثيوبيا. لم تسفر الجهود التي قام بها السيسي بالتنسيق مع البرهان لتحقيق امتيازات ملزمة قانونًا بشأن تدفق مياه سد النهضة من أديس أبابا خلال فترات الجفاف عن أي نتائج قبل الصراع الحالي في السودان. ويعتقد بعض المراقبين أن القاهرة قد استسلمت فعليًا للأمر الواقع في ما يتعلق بسد النهضة. ومع تفاقم الإجهاد المائي، تعمل مصر على تعزيز قدرتها على تحلية المياه وتشجع المزارعين على وقف الممارسات التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، وإن تباينت النتائج.

هامش المناورة محدود أمام مصر

أوضح الرئيس السيسي أن مصر ملتزمة بالتنسيق الوثيق مع دول المنطقة لإحلال السلام والاستقرار في السودان. على الرغم من أن الرئيس يدعو علنًا إلى عقد اتفاق سلام بين حميدتي والبرهان، فهو يفضل تحييد حميدتي نهائيًا كجهة فاعلة وتولي معسكر البرهان الرئاسة الكاملة في السودان. وخلافًا لحميدتي الذي يعتبره السيسي عميلًا مارقًا، يتفق البرهان والسيسي في عدد من القضايا، وقد عملا معًا بشكل وثيق في الماضي. وتجدر الإشارة إلى أن البرهان هو رجل عسكري قلبًا وقالبًا، مثل السيسي.

يصعب على مصر التأثير في الأحداث في السودان بسبب تضاؤل نفوذها في المنطقة وعدد الجهات الفاعلة الخارجية التي تقف في صف حميدتي، ومن بينها جماعة فاغنر الروسية التي تدير مصنعًا لمعالجة الذهب في الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، وخليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، والأهم منهما، الإمارات العربية المتحدة. وعلى الرغم من أن التقارير أشارت إلى أن مصر تقدم العتاد العسكري والمساعدات إلى السودان، لا تزال هذه المعلومات موضوع نقاش محتدم. والحقيقة هي أن مصر لم تشن حملة عسكرية مباشرة عدوانية دعمًا للبرهان.

لا يتعلق الأمر بعدم رغبة مصر في التورط في هذا المأزق المكلف فحسب. نظرًا إلى حاجة القاهرة الملحة إلى الأموال والاستثمارات الإماراتية لدعم اقتصادها المتقلب، لا يخوّلها وضعها التصادم مع حليفتها القديمة أبوظبي. في الواقع، ترتبط الصفقة البالغة قيمتها 3 مليارات دولار بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي بمبلغ 10 مليارات دولار إضافية سيقدّمه حلفاء مصر الخليجيين على مدى السنوات الخمس المقبلة.

وأفادت التقارير عن خيبة أبوظبي والرياض من عجز الحكومة المصرية عن القيام بإصلاحات اقتصادية هيكلية مهمة، ولا تتفقان معها في تقييم أصول الدولة المصرية التي تتطلعان إلى الاستثمار فيها. باتت الرياض وأبوظبي أقل ميلًا للتسامح مع إدارة السيسي وتأملان في بيع أسهمهما في الشركات المصرية لتحقيق الأرباح.

تأثرت الإمارات العربية المتحدة بشدة بتداعيات الصراع في السودان، وتملك أبوظبي حافزًا قويًا لتشجيع السلام. يقع السودان عند ملتقى البحر الأحمر والقرن الأفريقي ويجعله موقعه عنصرًا مهمًا بالنسبة إلى تبادلات الإمارات وتجارتها ومكانتها الجغرافية السياسية. وقد اتضح ذلك جليًا من خلال توقيع اتفاقية مبدئية بين حكومة السودان وتحالف بقيادة "مجموعة موانئ أبوظبي" وشركة الاستثمار "إنفكتس إنفستمنت" في كانون الأول/ديسمبر 2022، تمنح الأخير "الحق في تطوير وإدارة وتشغيل الميناء وأصول المنطقة الاقتصادية في السودان".

وفي حين أن الروابط الوثيقة بين الإمارة وحميدتي ما زالت تشكل مصدر خلاف مع مصر، فمن الممكن الاستفادة منها. على الرغم من أن القاهرة ترددت في البداية في قبول الوساطة الإماراتية، وافقت على أن تتوسط أبوظبي في إطلاق سراح 27 عنصرًا من عناصر القوات المسلحة المصرية أسرتهم قوات حميدتي في نيسان/أبريل. وتتفهم مصر أهمية حميدتي بالنسبة إلى دولة الإمارات نظرًا للعلاقة الزبائنية الطويلة الأمد التي تجمع بينهما وتقوم على تجارة الذهب والعدد الكبير من المقاتلين الذين ساهم به حميدتي في الحملة العسكرية السعودية الإماراتية في اليمن.

بينما ستستمر مصر والإمارات العربية المتحدة والقوى الخارجية الأخرى في الدعوة إلى السلام في السودان، من غير المرجح أن يتوقف البرهان وحميدتي نهائيًا عن الأعمال العدائية على المدى القصير، لا سيما بالنظر إلى عقلية لا غالب ولا مغلوب التي يتبناها الرجلان والدعم الخارجي الذي ما زال يحصل عليه كل طرف. ومن المرجح أن تتفاقم التهديدات المتعددة التي يشكلها السودان قبل أن يزول خطرها عن مصر.