• اخر تحديث : 2021-07-31 14:22
news-details
مقالات عربية

يعيش لبنان أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية عنيفة، برزت جلية بعد تشرين أول 2019، إلا أنها بدأت قبل ذلك بعقدين من الزمن.

على الصعيد الاقتصادي-الاجتماعي، فإن الأزمة بدأت في العام 1997 نتيجة فشل الرهان الاقتصادي لرئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري في جعل لبنان مركزا ماليا إقليميا، بسبب عدم تحقيق السلام الشامل في المنطقة وتطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل. كان رفيق الحريري قد تبوأ سدة السلطة في العام 1992 بعد عام على افتتاح مؤتمر مدريد للسلام بين العرب وإسرائيل. وكان رهان الحريري يقوم على أن السلام سيكون سريعا بين العرب وإسرائيل، من هنا كان إطلاقه لوعد الربيع، والذي راهن فيه على انطلاقة دور لبنان كوسيط مالي في الشرق الأوسط الجديد بين رأس المال الغربي، والإسرائيلي، والمنطقة العربية.

الإفقار بذريعة الإعمار

لتحقيق هذا الهدف، كان على رفيق الحريري تأهيل البنى التحتية لهذا الدور المزمع أن يلعبه لبنان. فكان تركيزه على تحويل وسط العاصمة بيروت إلى المركز الذي يجب أن يكون مقر المؤسسات المالية والتجارية التي افترض أنها ستأتي لتستقر فيه. ومن هنا كان تأهيله للمطار الذي افترض أنه سيستقبل عشرات ملايين الركاب سنويا. ومن هنا جاء تأهيله لأوتوستراد المطار ليربط بينه وبين وسط بيروت. ومن هنا كان تأهيله لبعض الطرق حتى تكون شرايين لتغذية مشروع المال والأعمال.

ولأن الأهداف كبيرة ومكلفة، لجأ الحريري إلى الاقتراض بوتائر عالية، مضاعفا الدين العام للبنان ست مرات في ست سنوات، ليرتفع من ثلاث مليارات دولار في العام 1992، إلى 18 مليار دولار في العام 1998. ولأن الصيغة اللبنانية قامت على اقتصاد الريع وعلى توزيع الأعطيات على الأزلام والمحاسيب، وحتى يتمكن من تنفيذ مراحل الخطة التي وقع عليها الرهان، فإن الحريري أدخل الزعامات اللبنانية التقليدية بالإضافة الى زعماء الحرب شركاء له. وحتى يرضي الشركاء، فلقد أغدق عليهم من مال الدولة بوسائل متعددة ما ضاعف كلفة المشاريع المزمع تنفيذها من دون الحصول على النتائج المرتجاة. فكانت الأزمات المزمنة لقطاع الكهرباء والطاقة والبنى التحتية وغيرها.

وبما أن رهان الحريري كان على القطاع المالي وقطاع الأعمال المضاربة، فلقد تم إهمال، بل العمل بمنهجية منظمة للقضاء على قطاعي الصناعة والزراعة. هذا ما يفسر افلاس مئات المعامل والمصانع في السنة الأولى بعد استلام الحريري مقاليد الأمور في البلاد، وهذا ما يفسر الأزمة المزمنة التي عاد القطاع الزراعي للدخول فيها بعد العام 1992. لكن لماذا لم تنفجر الأزمة في العام 1998؟ الجواب يكمن في الرشاوى المتتالية التي حصل عليها أركان الطبقة المالية من الفرنسيين والأميركيين الذين كانوا يعدون العدة لتحولات جيوسياسية ستحصل في وقت لاحق، إضافة الى استفادة هذه الطبقة المالية من المال الذي هرب من العراق عقب الغزو الأميركي لهذا البلد في العام 2003، ومن ثم الأزمتين السورية والليبية اللتين ساهمتا أيضا في هروب مليارات الدولارات الى هذا لبنان. “فهل يفسر هذا الطريقة الملتبسة التي تم عبرها اختطاف هنيبعل القذافي، نجل الزعيم الليبي معمر القذافي قبل عدة سنوات من سورية واحتجازه في لبنان من دون مسوغات قانونية؟

التحولات الجيوسياسية

في العام 1991 انهار الاتحاد السوفياتي فاتحا في المجال أمام صعود أحادية قطبية في العالم بقيادة الولايات المتحدة. حاولت هذه الأخيرة استغلال الفرصة لإقامة نظام دولي تكون فيه هي المهيمنة على مقادير العالم خلال القرن الحادي والعشرين. وهي كانت تعي حقيقة صعود قوى أوراسية تنافسها وعلى رأسها الصين وروسيا وإيران. في مواجهة ما اعتبرته خطرا على فرصها بالهيمنة العالمية، حاولت الولايات المتحدة احتواء هذه القوى باعتماد سياسة تطويق تبدأ من بحر البلطيق والبحر الأسود وشرق المتوسط في الغرب، وباب المندب ومضيق هرمز وجنوب شرق آسيا في الجنوب، وجنوب بحر الصين وتايوان واليابان في الشرق.

وحتى تكتمل استراتيجيتها فلقد سعت الولايات المتحدة لإقامة نظام إقليمي جديد في منطقة الشرق الأوسط تكون عماده إسرائيل، ويقوم على دمج الكيان الصهيوني بالمنطقة، أو بالأحرى دمج المنطقة بالكيان الصهيوني عبر تقسيم الكيانات الوطنية في المشرق العربي إلى كيانات طائفية، فنتحول من هوية عربية تجمعنا لنصبح سنة وشيعة ودروز وموارنة وأرثوذوكس وأشوريين وسريان إلخ، وبالتالي تصبح إسرائيل أكبر أقلية في موزاييك من الأقليات. ولأن إسرائيل هي التي يجب أن تكون القطب في المنطقة، فوفقا للمخطط الأميركي لا يجب أن يكون هنالك منافس لها أو لمرفأ حيفا منافس في شرق المتوسط. ووفقا لصفقة القرن التي تريد إقامتها فإنه لا دولة فلسطينية بل كيان فلسطيني تابع للكيان الصهيوني يشكل هو والأردن جسر عبور للكيان الصهيوني باتجاه منطقة الخليج. هذا هو سر عملية التطبيع بين الكيان الصهيوني والإمارات العربية المتحدة.

في هذا الإطار فإنه لا مكان للبنان وسورية في الخريطة الشرق أوسطية الأميركية، بل إن البلدين يجب أن يقسما، هذا هو جوهر الأزمة السورية التي اندلعت في العام 2011. وهذا هو سر أزمة لبنان التي اندلعت في العام 2019. فلبنان الذي جوف اقتصاده واتبع بالكامل للمصارف التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، والذي غرق بالدين تحت ذريعة الإعمار، والذي لا يمتلك مقومات اقتصادية، كان يجب أن يشطب عن الخريطة حتى لا ينافس الكيان الصهيوني في أن يكون صلة وصل بين شرق المتوسط والخليج العربي كما كان الحال خلال سبعة عقود تلت نكبة فلسطين وتعطيل دور ميناء حيفا وهو ما كان قد حذر منه فيلسوف الصيغة اللبنانية ميشال شيحا في الأربعينات من القرن الماضي.

بدأت الأزمة بقطيعة من قبل الدول الخليجية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات للبنان منذ العام 2014، تلاها تجفيف منابع الدعم المالي الأوروبية للبنان في العام 2017، ثم العقوبات الأميركية على القطاع المصرفي اللبناني في العام 2018 والتي ولدت بوادر أزمة تفجرت في ربيع العام 2019 وكان من نتيجتها اندلاع الاحتجاجات في الشارع اللبناني بدءا من تشرين أول 2019.

نهاية الطائف

مع هذه التطورات التي تم ذكرها آنفا فإن معادلة في البلد كانت قد أرسيت في العام 1985 انتهت كليا، وسيحال أركانها إلى التقاعد. ففي ذلك العام كان النظام الطائفي اللبناني قد أعيد تركيبه. فعوضا عن الثنائية الإسلامية المسيحية التي حكمته، جرى استبداله بنظام مثالثة مربعة تتوزع النفوذ فيه ثلاث طوائف متساوية في الحجم وهم المسيحيون بقيادة الكنيسة والسنة بقيادة رفيق الحريري من وراء الكواليس، والشيعة بقيادة نبيه بري، مع لعب الدروز بقيادة وليد جنبلاط دور بيضة القبان الموازن بين هذه الكتل. لكن السبب الذي أدى إلى تأجيل افتتاح النظام الجديد كان عدم اتفاق الرعاة الإقليميين والدوليين وهم سورية والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة على حصصهم في هذا النظام. هذا الاتفاق سيحصل بعد أربع سنوات في اتفاق الطائف.

عاش نظام الطائف لمدة 16 عاما وكان بطله رفيق الحريري، الذي ارتبطت حظوظه منذ السبعينات بالأمير صاحب النفوذ الكبير في المملكة العربية السعودية فهد بن عبد العزيز الذي سيصبح ملكا في العام 1982. وسيبقى الحريري نجم نظام الطائف حتى صيف العام 2004 حين انكسرت الجرة بين سورية والولايات المتحدة نتيجة التطورات الإقليمية التي تلت غزو العراق واستهداف الولايات المتحدة لسورية. هذا يفسر صدور القرار الدولي 1559 الداعي لانسحاب القوات السورية في لبنان في صيف العام 2004، بعد المصالحة التي جرت في النورماندي بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك والرئيس الأميركي جورج بوش واتفاقهما على تقاسم النفوذ في المشرق العربي وشمال افريقيا.

ردت سورية بدعم التمديد لحليفها في لبنان رئيس الجمهورية إميل لحود واستبدال الحريري بعمر كرامي في رئاسة الحكومة. لكن في 14 شباط 2005 تم اغتيال الحريري وكان لهذا دلالات عدة. لقد شكل الخلاف السوري الأميركي ضربا للقاعدة الإقليمية الراعية لنظام الطائف، فكان لزاما أن ينتهي معها اتفاق الطائف، وأن ينتهي أيضا دور بطل المرحلة رفيق الحريري. أما الدلالة الثانية فكانت أن حظوظ الحريري ارتبطت بالملك فهد بن عبد العزيز، لكن الملك كان قد فقد وعيه قبل سنوات عدة ومع حلول العام 2005 كان الجميع يتوقع وفاته. كان من شأن هذا أن يلقي ظلاله على دور رفيق الحريري، فالمعروف أن كل ملك سعودي كان يدعم وصول شخصية في لبنان تمثل نفوذه. فمع نهاية عهد الملك فهد كان حتميا أن ينتهي معه دور رفيق الحريري. ألم يأت دور هذا الأخير على حساب خالد خضر آغا الذي كان حاملا للحقيبة السعودية في لبنان حتى العام 1975 حين كان الملك فيصل هو الحاكم في المملكة العربية السعودية؟ والدليل على ذلك أن الملك عبد الله لم يسم شخصية تمثل النفوذ السعودي في لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري، فتم تداول السلطة بين عدد من المرشحين. حتى أن تسمية سعد الحريري في العام 2009 ومن ثم في العام 2016 كانت في ظروف استثنائية كان الدور السعودي إما مرتبكا وإما غائبا.

ماذا بعد؟

نتيجة غياب الدور السعودي خلال المرحلة الانتقالية بين وفاة الملك عبد الله وخلافة أخيه الملك سلمان له، وارتباك مؤسسة الحكم في المملكة خلال المرحلة الانتقالية. هذا الارتباك أتاح هامشا من المناورة لسعد الحريري الذي أقنع السعوديين أنه يمكنه إقامة شراكة مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل تساهم في محاصرة وعزل حزب الله وهو الذي كان المطلب الأميركي والسعودي الأول. بنتيجة هذا تم التوافق على انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية على أن يكون سعد هو رئيس حكومة العهد. لكن بعد عام على ذلك لم يحصل ما تمناه السعوديون والأميركيون من عزل لحزب الله فبدأت المملكة بتأليب بعض أركان تيار المستقبل وعلى رأسهم أشرف ريفي ضد سعد. وعندما لم ينفع ذلك بدفعه للاستقالة كانت حادثة الاحتجاز الشهيرة في خريف العام 2017، لكن الإخراج السيىء للعملية والاستقالة التي رافقتها أفشل المسعى وعاد سعد رئيسا للحكومة. لكن المملكة قررت إدارة ظهرها للبنان، ومعها فرنسا والولايات المتحدة.

ونتيجة الضغوط التي مورست على لبنان والمظاهرات التي اندلعت في لبنان فإن الحريري اضطر للاستقالة مع رغبة بالعودة. وكان نبيه بري ووليد جنبلاط يرغبان بذلك لأنهما يعرفان أن مصيرهما مرتبط بمصير سعد كممثل لبقايا الحريرية السياسية بطلة الاتفاق الثلاثي واتفاق الطائف. هذا يفسر الرعاية التي أولاها الرئيس نبيه بري دائما لسعد. وقد وصل الحد به لأن يدخل بمواجهة مع رئيس الجمهورية وبحرج مع حليفه حزب الله كرمى لسعد. لكن سعد لم يكن ليتمكن من تشكيل الحكومة بعد إعادة تكليفه من دون رضى سعودي، وإلا من أين سيأتي بالأموال لقطاع المصارف الذي تم اختصار لبنان به؟ ولقد حاول سعد طوال تسعة أشهر من التكليف أن يحصل على ضوء أخضر سعودي من دون جدوى. ولأنه لم يكن يستطيع إعلان هذا السبب، فلقد تذرع بقضية الخلاف على الصلاحيات الدستورية مع رئيس الجمهورية ليصل به الحد الى اعلان الاعتذار عن تشكيل الحكومة. ويبني سعد رهانه، بناء على اقتراحات من مستشاريه لعى تكرار تجربة والده في الخروج من الحكم في العام 1998 والعودة بقوة في الانتخابات النيابية في العام 2000. إذن هو يراهن على الابتعاد عن رئاسة الحكومة في الوقت الذي سينفجر فيه الوضع الاجتماعي مراهنا على العودة بقوة بالانتخابات النيابية في ربيع العام 2022. لكن ما لم يحسبه سعد ومستشاروه أن الظرف الآن مختلف عن العام 1998. ففي ذلك الوقت كان لا يزال لرفيق الحريري دور يلعبه أما سعد فلا يعي أن دوره قد انتهى وانتهت معه الحريرية السياسية. ويعتقد سعد أنه الآن مثل رفيق الحريري في العام 1998، لكن في حقيقة الأمر فإن سعد الحريري هو اليوم خالد خضر آغا الذي انتهى دوره مع اغتيال الملك فيصل. وإذا كان سعد لا يعي هذا الأمر فإن من يعيه هو رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي ناضل طويلا لإبقاء سعد الحريري رئيسا للحكومة. أما الثالث الذي سينتهي دوره فهو وليد جنبلاط الذي تحسب للأمر بأن ورث ابنه تيمور وجعل من خصومه في الطائفة أي المير طلال أرسلان والوزير وئام وهاب رعاة له وهما ارتضيا بهذا الدور لخصوصيات مرتبطة بالطائفة الدرزية.

إذن نحن في لبنان دخلنا في مرحلة انتقالية طويلة ستكون مفاعيلها مؤلمة، ولهذا الأمر حديث آخر.