• اخر تحديث : 2022-12-09 14:30
news-details
إصدارات الأعضاء

تتداخل الازمات الاقتصادية وتتشابك مع بعضها البعض حتى اصبح من الصعوبة تحديد السبب والنتيجة او العلة والمعلول، وتتعدد التحليلات الاقتصادية الدولية لكن يسيطر عليها الموقف السياسي ويتم تقاذف التهم وبالتالي الابتعاد عن تحديد جوهر المشكلة، والآن يستخدم القمح (السلعة النبيلة) في الصراع الدولي، وسينعكس هذا مباشرة وبشكل سلبي على فقراء العالم وسيزيد من عدد الجياع، فهل عودة روسيا إلى اتفاق تصدير القمح سيحلّ مشكلة الغذاء العالمي؟!، أي هل هذه الازمة حديثة أي بعد  الحرب (الروسية الناتوية الاوكرانية) وانا هنا لا اقلل من دورها، بل اقصد أن المشكلة العالمية لا تكمن هنا، بل وراؤها أسباب اقتصادية ربحية.

وقناعتي أنه مهما دورنا الزوايا فإن الاقتصاد هو المركز في تفسير أسباب هذه الازمات بتنوعها وتعددها، ومشكلة القمح الحالية تكرار لمثيلاتها مشكلة الطاقة وقبلها كورونا وقبلها ازمة المناخ والازمة الاقتصادية العالمية .... إلخ فأين تكمن الاسباب الحقيقية؟ ولكن للقمح خصوصية وكما قال الرئيس الفرنسي الاسبق (شارل ديغول 1890-1970) حيث قال [لا تبحثوا عن أسباب الحرب في براميل البارود  بل في إهراءات القمح] ، أي في (صوامع الحبوب)، وهنا نسأل بل نتساءل هل عودة روسيا إلى الاتفاق سيحل الازمة مع  تعهد رئيسها بتقديم مئات ألاف الاطنان مجانا إلى الدول الأشد فقرا في افريقيا ومنها السودان وجيبوتي والصومال وغيرها، ولكن من جهة اخرى يوجد من يريد استغلال القمح لمآربه الشخصية وحتى لو وصل الامر إلى ربطه بالدولار (قمح دولار) كما استخدم في سبعينات القرن الماضي بعد الازمة النفطية العالمية وباقتراح من ثعلب السياسة الامريكية (هنري كيسنجر) مصطلح  (بترو دولار)، لكن العالم يتغير وتتغير معه النماذج الاقتصادية.

وكما قال الاقتصادي  الامريكي (سامو يلسون) الحائز على جائزة (نوبل) سنة/ 1970 / في كتابه (علم الاقتصاد) الصادر عن مكتبة لبنان - ناشرون - سنة /2006/ الصفحة/  729/ حرفيا  [الان هو الوقت الذي يحدد فيه علماء الاقتصاد إمعان التفكير بشأن نظريات جديدة حول الالية التي توجه الاقتصاد في مسعاهم للتوصل إلى نموذج جديد يحتذى به، ولما كان تعدد الآراء وتنوع مدارس الفكر لا يفسد للعلم قضية فلا مفر من قبول التعددية وما ينبلج عنها من إرهاصات متواترة]، واكد أيضا الخبير الاقتصادي الأمريكي السيد (إدموند فيلبس) الحائز على جائزة (نوبل) للاقتصاد سنة /2006/ على دراسته حول (تحديد أفضل السياسات الاقتصادية على المديين القصير والطويل) والتي كان لها تأثير كبير على راسمي السياسة الخارجية الامريكية، وقال إن [الادخار وتشكيل رأس المال إضافة إلى التوازن بين التضخم والبطالة هي عوامل رئيسية في تحقيق وتوزيع الرفاه الاجتماعي على المدى الطويل].

لم تعد مراكز القوى الاقتصادية والعسكرية الحالية كما كانت في القرن الماضي، ولم تعد أوروبا حلم الجميع، بل تضحي بمصالح شعوبها أمام استمرار تبعيتها لأمريكا، وتبين هذا في أزمة الطاقة والأن في القمح، والدليل هو أن /8/دول وهي (الهند والصين وروسيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأوكرانيا وتركيا) مع الاتحاد الاوروبي تنتج  بحدود /85%/ من انتاج القمح العالمي، ومع هذا تتوسع دائرة الجوع ولكن وحسب تقرير الامن الغذائي الصادر عن الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) سنة /2020/ أي قبل الحرب ولا سيما في (أسيا وأفريقيا وامريكا اللاتينية والبحر الكاريبي)، كما أكدت الأمم المتحدة بأن /1،3/ مليار شخص في العالم من أصل /8/ مليار أي حوالي /17%/ يعانون من فقر (متعدد الأبعاد)، وهذا يتناقض مع تصريح مديرة صندوق النقد الدولي (كري ستالينا غور غيفا) بأن (الحرب في أوكرانيا تعني الجوع في إفريقيا)؟!، وقال الأمين العام للأمم المتحدة (أنطونيو غوتيريش) على ان  (إعصار من المجاعات) ربما يضرب البلدان الضعيفة التي لا تملك غذائها وتعتمد على الاستيراد ..الخ]، ولكن جياع العالم لن ينسوا كيف قامت امريكا سنة /2018/  بإلقاء مئات الاف الاطنان من القمح في المحيط الاطلسي بهدف تقليل المعروض العالمي منه  وأدى هذا إلى ارتفاع الاسعار، و قامت استراليا أيضا  بقتل عشرات الالاف من الجمال والسبب هو معادلة اقتصادية (زيادة الطلب عن العرض يؤدي حتما لزيادة الاسعار)، وكان بالإمكان تصدير القمح والجمال إلى الدول الفقيرة ليس مجانا كما فعلت روسيا بل على الاقل بأسعار مقبولة!

ومعروف ان أمريكا هي أكبر دولة مصدرة للغذاء وثالث دولة منتجة للقمح بعد الصين والهند وتنتج بحدود  /49%/ من الذرة و/25%/ من الأرز في العالم، وقدمت  دعما لمزارعيها بحدود /16/ مليار دولار متجاهلة ميثاق منظمة التجارة العالمية WT0 وهذا اضر بشكل كبير بمزارعي الدول الفقيرة وخاصة في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط  اللذين يستوردوا أكثر من /35%/ من مشتريات القمح العالمية، فهل أصبح القمح وسيلة للقهر وهو في صلب نزاع في الأسواق العالمية؟، وقناعتنا أن هذه الازمة التي أتت بعد ازمات معروفة ستولد مقدمات لأزمات لاحقة  (ذرة وزيوت وأدوية) وغيرها لأن كل ازمة تولد مقدمات لأزمات أخرى بهدف زيادة الربح وهنا تكمن (القطبة الاساسية المخفية)  وهي  أن اية علاقة اقتصادية تؤول في مآلها الاخير إلى (العلاقة النقدية) أي رابح وخاسر، وهذا يتطلب منا في سورية أن نبحث عن نموذج اقتصادي يناسبنا وإلى قراءة اقتصادية جديدة تختلف عن ما تعلمناه ونعلمه لطلابنا من المدارس الماركسية والليبرالية (أدم سميث ودافيد ريكاردو)، وبحيث يضمن هذا النموذج لنا كيفية الاستعداد لمواجهة الأزمات القادمة، ومرتكزات هذا النموذج برأي هي (ترسيخ ثقافة الإنتاج والاهتمام بالموارد وخاصة البشرية والتعامل الاقتصادي العقلاني مع والدي الثروة وأقصد الارض والعمل ، ولا سيما ان العالم سيواجه أزمات أقسى وأكبر وقريبا، وأرجو أن اكون مخطئا.